النص المفهرس
صفحات 41-50
الهوى ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَيِنَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]. صعد النبي صلی الله عليه السلام على الصفا فجعل ينادي: (يا بني فهرِ، يا بني عدي) لبطون قريشٍ، حتى اجتمعوا فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولًا لينظر ما هو؟ فجاء أبو لهب وقريشٌ، فقال: (أرأیتکم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي ترید أن تغیر علیکم أکنتم مصدقي؟) قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقًا، قال: (فإني نذيرٌ لکم بین یدي عذاب شديدٍ)(١). فأن يكون الخوف هو مبدأ دعوات الرسل فهذا لا شك يدل على أهمیته في دفع القلب نحو مراضي الله، وأنه الدواء الناجع لمن أسره شيطانه، وغلبه هواه. رابعًا: استحضار حساب الآخرة: لا شك أن من أعظم أسباب مقاومة الهوى استحضار العبد لليوم الآخر، فاستحضار الآخرة في النفس يعطي الإنسان القوة في مواجهة اتباع الهوى، وبالضد فإن نسيان الآخرة عامل كبير في اتباع الإنسان لهواه، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَقَّعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ الَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ اِْسَابِ﴾ [ص: ٢٦]. (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب (وأنذر عشيرتك الأقربين)، ١١١/٦، رقم ٤٧٧٠. وفي هذا إشارة واضحة إلى أن ((السبب الأول لحصول ذلك الضلال -الناتج عن اتباع الهوى- هو نسيان يوم الحساب؛ لأنه لو كان متذكرًا ليوم الحساب؛ لما أعرض عن إعداد الزاد ليوم المعاد، ولما صار مستغرقًا في هذه اللذات الفاسدة))(٢). فاتباع الإنسان لهواه إنما هو نتاج لنسيان الآخرة، ولو ذكر الآخرة في حياته؛ لما خالف الشرع واتبع الهوى، فإن تذكر اليوم الآخر ((يقتضي ملازمة الحق، ومخالفة الهوى»(٣) ٠ ومن الآيات التي أكدت على هذا قوله عز وجل: ﴿قُلّ هَلُّ شُهَدَآءَ كُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِن شَهِدُواْ فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُوَّ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِشَايَتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٠]. فهذا تأكيد على أن عدم الإيمان بالآخرة هو الذي قادهم إلى اتباع أهوائهم؛ لأنهم ((لو كانوا يؤمنون بالآخرة؛ لعلموا أنهم مجازون على هذا جزاء يناسب جرائمهم، ولو أنهم قدروا هذه المسألة؛ لامتنعوا عن اتباع أهوائهم»(٤). وهكذا یظهر لنا أن استحضار اليوم الآخر عاصم کبیر من اتباع الهوى -ولا غرو - فقد (٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٣٨٧/٢٦ بتصرف. (٣) محاسن التأويل، القاسمي ٢٥٣/٨. (٤) تفسير الشعراوي ٣٩٨٢/٧. www. modoee.com ٣٣١ حرف الهاء لفتنا الله إليه في سورة الفاتحة التي ترددها كثيرًا في قوله جل جلاله: ﴿مَالِكِ يَيرِ الّذِينِ﴾ [الفاتحة: ٤]. آثار اتباع الهوى لاتباع الهوى آثار وخيمة نتناولها بالتوضيح فيما يأتي: أولًا: الضلال: وهذا من الآثار الوخيمة لاتباع الهوى، وَقَلَ إِنِ نَّهِيتُ أَنّ قال الله عز وجل: أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قُل لَّ أَنَّجُ أَهْوَاءُ كُمُّ قَدْ ضَلَلْتُ إِذَا وَمَا أَنَا مِنَ اَلْمُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ٥٦]. ففي هذه الآية يأمر الرب الجليل نبيه صلى الله عليه السلام أن يواجه المشركين، ويخبرهم أنه منهي عن اتباع أهوائهم «لأن من يتبع أصحاب الهوى يضل، ولا يهتدي أبدًا))(١). ومما يؤكد على هذا عطف ﴿وَمَآ أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ على ﴿قَدْ ضَلَلْتُ ﴾ ففيه دلالة ((على أنه جزاء آخر للشرط المقدر، فيدل على أنه إن فعل ذلك؛ يخرج عن حاله التي هو عليها الآن، من کونه في عداد المهتدين إلى الكون في حالة الضلال، وأفاد مع ذلك تأكيد مضمون جملة ﴿قَدْ ضَلَلْتُ ﴾ لأنه نفى عن نفسه ضد الضلال؛ فتقررت حقيقة الضلال على الفرض (١) التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب ١٩٨/٤. ٣٣٢ ◌َالنَّسَبـ قَضوري جوبي القرآن الكريمِ الهوى والتقدير))(١). والذي يتأمل يجد أن الله عز وجل عبر بقوله : : ﴿قُل لَّ أَنَّعُ آهواءُكُمْ ﴾ دون التعبير بـ (لا أتبعكم) «للإشارة إلى أنهم في عبادتهم لغير الله تابعون للأهواء الباطلة، نابذون للأدلة العقلية، وفي هذا أكبر برهان على انطماس بصيرتهم، وبنائهم لدينهم على الأوهام والأباطيل))(٢). فكان ضلال هؤلاء الكفار أثرًا من آثار اتباعهم للهوى؛ لأن سبيل الهداية إنما يستنير بالعلم، والضلال إنما يكون باتباع الإنسان لهواه، كما قال عز وجل: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَُّضِلُونَ بِأَهْوَابِهِم بِغَيْرِ عِلْمُّ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١١٩]. وتأمل كيف أن الله عبر بالباء في قوله: ﴿بِأَهْوَآيِهِم﴾ وفي قوله: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٌ﴾ لأن (الباء في ﴿بِأَهْوَابِهِم﴾ للسببية، والباء في ﴿بِغَيِّ عِلْمُ﴾ للملابسة، أي: يضلون منقادين للهوى، ملابسين لعدم العلم» (٣). وهذا كله لأن متبع الهوى بعبوديته لشهواته وميوله قد أعرض عن مصدر الهداية والتوفيق؛ فكان هذا الهوى سببًا في ضلاله، وابتعاده عن الهداية والتوفيق. ومن هنا كان تحذير السلف من اتباع الهوى، أو مجالسة متبع الهوى كما قال (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٦٣/٧. (٢) التفسير الوسيط، سيد طنطاوي ٨٣/٥ - ٨٤. (٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٦/٨. أبو قلابة: ((لا تجالسوا أهل الأهواء، ولا تجادلوهم؛ فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم، أو يلبسوا عليكم ما كنتم تعرفون» (٤). وإذا كان الضلال أثرًا من آثار اتباع الهوی؛ فإن الهوی قد یقود العبد إلى ما هو أعظم من ذلك، كأن يقوده إلى القتل، أو الكفر. ثانيًا: الكفر: المتأمل لنصوص القرآن الكريم يجد أن اتباع الهوى هو الباعث على كُفْرٍ مَنْ كَفَرَ، وعدم إيمانهم برسلهم؛ فالله عز وجل يقول عن بني إسرائيل: ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَقَ بَنِي إِسْرَّهِ يلَ وَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ رُسُلَاٌ كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىّ أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُواْ وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ [المائدة: ٧٠]. فهذه الآية تذكر لنا كيف أن الله أخذ العهد على بني إسرائيل في التوراة لابتوحيده واتباع الأحكام التي شرعها لهدى خلقه، وتحليهم بحلي الفضائل ومكارم الأخلاق)» (٥). ولكنهم غلبتهم أهواؤهم فتمردوا وکفروا، وكلما «أتاهم الرسول بخلاف ما یهوون کذبوه»(٦). وما ذلك إلا بسبب اتباعهم لأهوائهم، (٤) الطبقات الكبرى، ابن سعد ١٣٧/٧. (٥) نظم الدرر ٦/ ١٦٣. (٦) مفاتيح الغيب، الرازي ٥٩٦/٣. www. modoee.com ٣٣٣ حرف الهاء وأنه أتاهم بما يخالف هواهم. أرسلوا إليهم، فيقول لهم: «أنتم كلما جاءكم وإذا كان اليهود من بني إسرائيل ساروا رسول من رسلي بغير الذي تهواه نفوسكم على هذا الدرب -باتباع الهوى- في الكفر استكبرتم عليهم فكذبتم بعضًا منهم، وقتلتم بعضًا، فهذا فعلكم أبدًا برسلي))(١). برسلهم، فإن غيرهم من الأمم والأقوام السابقة ساروا على نفس النهج، فكفروا برسلهم وكذبوهم لا لشيء إلا لأجل اتباع الهوى. كما قال الله جل جلاله: ﴿وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَاً إِنَّا وَجَدْنَاءَابَآءَنَا عَلَى أَمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىْ ءَاثَرِهِم قَلَ أَوَلَوْ جِسْتُكُم بِأَهْدَى مُقْتَدُونَ )). مِنَّا وَجَدْ تُمُّ عَلَيْهِ ءَابَ كُّ قَالُوا إِنَّا بِمَآ أُزْسِلْتُم بِهِ، كَفِرُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣-٢٤]. وأن يصل بهم اتباع الهوى إلى هذا الحد فهذا - لا شك- يدل على أنهم «بلغوا من فالباعث لكل هؤلاء الأقوام على الكفر هو اتباع الهوى، والتقليد الآباء والأجداد، وأهدى مما هم عليه. الفساد، واتباع أهوائهم أخشن مركب، حتى وإن كان الذي جاء به الرسول أفضل وأشده تقحمًا بهم في الضلال حتى لم يعد يؤثر في قلوبهم وعظ الرسل وهدیهم، بل صار يغريهم بزيادة الكفر والتكذيب، وقتل أولئك الهداة الأخيار)»(٣). ثالثًا: القتل: من الآثار المهلكة التي ينتجها اتباع الهوى القتل، فإن متبع الهوى قد يصل بهواه إلى حد الوقوع في القتل، كما حكى الله عز وجل عن بني إسرائيل بقوله: ﴿أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا نَهْوَى أَنفُسُكُمُ أَسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًاكَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا نَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٧]. فالله عز وجل يخبر عن حال بني إسرائيل في مقابلتهم لدعوة الرسل والأنبياء الذين والله تعالى يشنع عليهم هذه الفعلة القبيحة العظيمة أن يصل بهم الهوى إلى قتل دعاة الهدى، وتأمل كيف عبر عن القتل بصيغة المضارع، مع کونه کالتکذیب وقع في الماضي! وهذا لـ(( تصوير جرم القتل الشنيع، واستحضار هيئته المنكرة، كأنه واقع في الحال للمبالغة في النعي عليهم، والتوبيخ لهم»(٢). وتلحظ هنا أن الله عز وجل يخاطب اليهود على عهد النبي صلى الله عليه السلام مع أنهم لم يقتلوا من الأنبياء أحدًا، ومع ذلك يقول لهم: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا نَهْوَى أَنفُسُكُمُ أَسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا نَقْتُلُونَ ﴾ [البقرة: ٨٧]. (١) جامع البيان، الطبري ٣٢٤/٢. (٢) تفسير المنار، محمد رشيد رضا ٣٩٨/٦. (٣) المصدر السابق. ٣٣٤ جَوَسُوع القرآن الكريمِ الهوى والسر في هذا «أنهم راضون بفعلهم، والراضي كالفاعل، وقد كذبوا رسول الله صلى الله عليه السلام فيما جاء به، وسقوه السم؛ ليقتلوه(١)، وسحروه)(٢) (٣). فلما رضوا بفعل أسلافهم؛ کانوا كالمشاركين لهم في نفس الفعل. رابعًا: الطبع على القلب وانتكاس الفطرة: وهذا من الآثار الخبيثة التي تصيب متبع الهوى، قال عز وجل: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَّى إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ مَائِقًا أُوْلَكَ الَّذِينَ طَبَعَ الّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَأَّعَوْا أَهْوَآءَ هُمْ﴾ [محمد: ١٦]. فهذه الآية تتحدث عن المنافقين، الذين کانوا یحضرون مجلس النبي صلى الله عليه السلام؛ ليستمعوا دون فهم ولا استحضارٍ؛ استخفافًا حتى إذا خرجوا قَالوا لأهل العلم: ﴿مَاذَا قَالَ ءَائِمًا﴾ وليس مقصدهم بذلك ((إلا السخرية والاستهزاء بما يقول، وأنه مما لا ينبغي أن يؤبه به، أو يلقى لمثله سمع» (٤). (١) اليهودية التي سمت الشاة لرسول الله كما في الحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الهبة وفضلها، باب قبول الهدية من المشركين، ١٦٣/٣، رقم ٢٦١٧. (٢) سحر اليهود رسول الله كما في الحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الطب، باب السحر ٧/ ١٦٣، رقم ٥٧٦٣. (٣) البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي ١/ ٤٨٢. (٤) نظم الدرر ٢٦/ ٦١. فـ«طبع الله على قلوبهم وختم عليها، فلا تقبل خیرًا، ولا تأذن بخیر یدخل إليها، ومن أجل هذا فقد أخلوا مع أهوائهم، تقودهم إلى حيث مواقع الضلال والهلاك، دون أن تمتد إلیھم ید منقذة، إنهم قطعوا کل سبب يصل بينهم وبين أية وسيلة من وسائل الإنقاذ)) (٥). ومما يظهر لك أن هذا الطبع أثر من اتباع الهوى حديث القرآن بعد ذلك عن فريق آخر رغب في الهدى، وأقبل عليه: ﴿وَالَّذِينَاهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدَى وَءَائَنُهُمْ تَقْوَنُهُمْ﴾ [محمد: ١٧]. فـاترتيب الوقائع في الآية يستوقف النظر، فالذين اهتدوا بدءوا هم بالاهتداء فکافأهم الله بزيادة الهدى، وكافأهم بما هو أعمق وأكمل ﴿وَءَائَنُهُمْ تَقْوَنُهُمْ﴾))(٦). أما متبعو الهوى فكان الهوى مانعًا لهم من اتباع الحق، وسببًا في الطبع على قلوبهم، وانتكاس فطرتهم، كيف لا ومتبع الهوى غارق في المعاصي والسيئات، وهذه لها آثار خطيرة على القلب؛ إذ إنها تنتهي به إلى المرض، ثم القسوة أو الموت، كما أخبر النبي صلى الله عليه السلام في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلی الله علیه السلام قال: (إن العبد إذا أخطأ خطيئةً؛ نكتت في قلبه نكتةٌ سوداء، فإذا هو نزع واستغفر وتاب؛ سقل (٥) التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب ٣٣٦/١٣. (٦) في ظلال القرآن، سيد قطب ٣٢٩٤/٦. www. modoee.com ٣٣٥ حرف الهاء قلبه، وإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه، وهو الرأن الذي ذكر الله)، ﴿كَلَّابَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْيَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤](١). ومن الآيات التي أكدت على هذا قوله جل جلاله: ﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ أَّخَذَ إِلَهَهُّ هَوَنُهُ وَأَضَلَّهُ اَللَّهُ عَلَى عِيٍ وَخَتَمَ عَلَى سَّمْعِهِ، وَقَلِهِ، وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِِهِ غِشَوَةٌ فَمَن يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اَللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ٢٣]. فالله جل جلاله يخبر في الآية أن من لم يسر على طريق الاتباع، ويترك طريق الهوى يكون الجزاء على اتباعه لهواه الطبع والختم على قلبه ((فتنطمس فيه تلك المنافذ التي يدخل منها النور، وتلك المدارك التي يتسرب منها الهدى، وتتعطل فيه أدوات الإدراك، وما ذلك إلا بطاعته للهوى طاعة العبادة والتسليم»(٢). وهکذا یظهر أن «من سننه سبحانه وتعالى في البشر أن من يتبع هواه في أعماله، ويستمر على ذلك ويدمنه الزمن الطويل، تضعف إرادته في هواه حتی تذوب وتفنی فیه، فلا تعود تؤثر فيه المواعظ القولية، ولا العبر (١) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب تفسير القرآن، باب ومن سورة ويل للمطففين، ٤٣٤/٥، رقم ٣٣٣٤. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وحسنه الألباني في صحيح وضعيف سنن الترمذي ٣٣٤/٧. (٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ٣٢٣٠/٥ بتصرف. المبصرة، ولا المعقولة، وهذه الحالة يعبر عنها بالختم والرين، والطبع على القلب، والصمم والعمى والبكم)» (٣). نعوذ بالله من هذا الحال. خامسًا: اتباع الشهوات: من الآثار التي تصيب متبع الهوى الانحطاط الخلقي واتباع الشهوات؛ فصاحب الهوى عبد لشهواته وميوله، لا يتحرك إلا بأمر منها فيصيبه هذا بالانحطاط الخلقي، كما ضرب الله لنا مثلًا على هذا بحال الرجل الذي قال عنه: ﴿وَأَثَلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِىّ ءَاتَيْنَهُ مَايَئِنَا فَأَسَلَخَ مِنْهَا فَتْبَعَهُ الشَّيْطَنُ فَكَانَ مِنَ الْغَارِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٥]. فهذا مثل يجلي بكل وضوح مدى أثر الهوى في الانحطاط الخلقي واللهث وراء الشهوات. وتأمل كيف أنه عز وجل قال عن هذا المذكور في المثل: ﴿وَلَكِنَّهُ: أَخْلَدَ إِلَى اُلْأَرْضِ وَأَتَّبَعَ هَوَنَهُ﴾ [الأعراف: ١٧٦]. فهذا ((تمثيل لحال المتلبس بالنقائص والكفر بعد الإيمان، والتقوى بحال من كان مرتفعًا عن الأرض فنزل من اعتلاء إلى أسفل)) وذكر الأرض يشير إلى أن «الإخلاد هنا ركون إلى السفل، أي: تلبس بالنقائص (٣) تفسير المنار، محمد رشيد رضا ٥٢٩/٩. ٣٣٦ جوب القرآن الكريمِ الهوى والمفاسد))(١). وهذا لا شك يدل على شدة الانحطاط الخلقي والركض الدائم خلف النزوات، -ولا غرو- فالإنسان حين يرضى لنفسه الإعراض عن اتباع الشرع ((والتمسك بما آتاه الله من الآیات، ویابی إلا متابعة الهوى، فلا جرم أنه واقع في هاوية الردى»(٢). قال ابن رجب رحمه الله: ((إن جميع المعاصي إنما تقع من تقديم الهوى على محبة الله ومحبة رسوله))(٣). ومن الآيات التي أكدت على هذا المعنى قوله سبحانه وتعالى: ﴿أَرَدَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ, هَوَنُهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا ) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّاكَ لْأَنْعَمِّ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ﴾ [الفرقان: ٤٣- ٤٤]. ((فشبه أكثر الناس بالأنعام، والجامع بين النوعين التساوي في عدم قبول الهدى والانقياد له، وجعل الأكثرين أضل سبيلًا من الأنعام؛ لأن البهيمة يهديها سائقها؛ فتهتدي وتتبع الطريق، فلا تحيد عنها يمينًا ولا شمالًا، والأكثرون يدعوهم الرسل ويهدونهم السبيل؛ فلا يستجيبون، ولا یھتدون، ولا یفرقون بین ما یضرهم وبین ما (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٩/ ١٧٧. (٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٤٠٥/١٥. (٣) جامع العلوم والحكم، ابن رجب ٣٩٨/٢. ينفعهم» (٤). ولا شك أن الذي أوصل هؤلاء إلى هذه المرحلة المتدنية من الانحطاط حتى وصلوا درجة البهيمية، هو اتباع الهوى؛ فكان هذا التدني أثرًا من آثار متابعته. وهكذا نرى كيف يهبط الهوى بالمرء إلى أسفل الدرجات، ويورثه انحطاطًا ينحط به عن درجته الآدمية، ورتبته الإنسانية؛ ليصبح دون البهائم؟! نسأل الله السلامة من متابعة الأهواء. سادسًا: الظلم: من آثار اتباع الهوى أيضًا الجور في الحكم بين الناس، وما يترتب على ذلك من ظلمهم، وعدم إيصال الحقوق إليهم، ولا شك في أن ذلك من أسباب انتشار الفساد في الأرض، فإن المظلوم قد لا يصبر على ظلمه، وأخذ غيره حقه منه بغير حق؛ فيطلب الوصول إليه من طریق لا يحبه الله ورسوله، إن افتقده في موضعه الذي وجهه الله إليه، ومن ثم وجب على الحكام وغيرهم ممن مکنهم الله من القضاء والحکم بين الناس أن یحکموا بينهم بالعدل الذي جاء به الإسلام، وألا يتبعوا أهواءهم فيجوروا. فعن الحسن رحمه الله قال: ((إن الله أخذ على الحكام ثلاثًا: ألا يتبعوا الهوى، (٤) التفسير القيم، ابن القيم ص٤٠٩. www. modoee.com ٣٣٧ حرف الهاء وأن يخشوه ولا يخشوا الناس، وألا يشتروا بآياته ثمنًا قليلًا، ثم قرأ: ﴿يَدَاوُدُ إِنَّا جَعَلْتَكَ خَلِيفَةً فِ الْأَرْضِ فَأَحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَِّعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ الِْسَابِ﴾ [ص: ٢٦]. وقرأ: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَنَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّنِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا أُسْتُحْفِظُواْ مِنْ كِتَبِ اللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآءً فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَأَخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُواْ ◌ِكَايَتِيِ ثَّمَنَّا قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُّ الْكَفِرُونَ ﴾ [المائدة: ٤٤](١). وقد سبق بيان تحذير الله جل جلاله لعبده ونبيه داود عليه السلام بقوله: ﴿وَيَدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةٌ فِ الْأَرْضِ فَأَحْكُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦]. سابعًا: فساد السموات والأرض: من الآثار المترتبة على مخالفة هذا الطريق واتباع الهوى فساد السموات والأرض ومن فيهن، كما قال جل جلاله: ﴿ وَلَوِ أَتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَآءَ هُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَاْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَنَيْنَهُمْ بِذِكْرِهِمْ (١) مفاتيح الغيب، الرازي ١٠/ ١١٠. عَن ذِكرهِم فهَم ٧١]. مُعْرِضُونَ [المؤمنون: فهذه الآية توضح أن الله عز وجل «لو أجرى حكمه على وفق مراد الناس وأهوائهم؛ لاختل أمر السماوات والأرض، ولخرج عن حد الإحكام والإتقان))(٢)، وما ذلك إلا لأن خلق السموات والأرض ومن فيهن ((قام بالحق)) (٣)، والحق واحد ثابت لا يتبدل ولا يتغير، أما الأهواء فهي كثيرة ومتقلبة، تختلف باختلاف أصحابها؛ فلذلك «لو خضع الكون للأهواء العارضة، والرغبات الطارئة؛ لفسد كله، ولفسد الناس معه، ولفسدت القيم والأوضاع، واختلت الموازين والمقاييس، وتأرجحت كلها بين الغضب والرضا، والكره والبغض، والرغبة والرهبة، والنشاط والخمول، وسائر ما يعرض من الأهواء والمواجد والانفعالات والتأثرات)) (٤). فلو أن الله عز وجل ((أباح الظلم وترك العدل؛ لوقع الناس في هرج ومرج، ولوقع أمر الجماعات في اضطراب وفساد، ولو أباح العدوان، واغتصاب الأموال، وأن يكون الضعيف فريسة للقوى؛ لما استتب أمن، ولا ساد نظام، وحال العرب قبل (٢) لطائف الإشارات، القشيري ٥٨٢/٢ بتصرف. (٣) جامع البيان، الطبري ١٩/ ٥٧. (٤) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٤٧٥/٤. ٣٣٨ القرآن الكريم الهوى الإسلام شاهد صدقٍ على ذلك، ولو أباح من بعد الذي جاءك من العلم بضلالتهم، وكفرهم بربهم، ومن بعد الذي اقتصصت علیك من نبئهم في هذه السورة، ليس لك من ولي يلي أمرك، وقيم يقوم به، ولا نصير ينصرك من الله؛ فيدفع عنك ما ينزل بك من عقوبته، ویمنعك من ذلك أن أحل بك ذلك الزنا؛ لفسدت الأنساب، وما عرف والد ولده، فلا تتكون الأسر، ولا یکون من يعول الأبناء، ولا يبحث لهم عن رزق، فيكونوا شردًا في الطرقات لا مأوى لهم، ولا عائل يقوم بشئونهم))(١). وفي النهاية نستطيع أن نقول: من الآثار ربك(٣). فهذا شرط خوطب به النبي صلى المترتبة على اتباع الهوى فساد الكون الله عليه السلام وأمته معه داخلة فيه (٤). واختلال نظامه («لأن هوى إنسان ما قد یناقض هوى إنسان آخر، والباقون من الناس قد يكون لهم هوى يناقض بقية الأهواء)»(٢). وبذلك يقع اضطراب عظيم. ثامنًا: حرمان الولي والنصير: أخبر تعالى في كتابه أن الرسول عليه السلام إذا اتبع أهواء اليهود والنصارى حرم من ولاية الله ونصرته. قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنكَ اَلْيَهُودُ وَلَا النَّصَرَىْ حَّى تَّعَ مِلَتْهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اَللَّهِ هُوَ الْمُدَىُّ وَلَيْنِ أَتَّبَعْتَ أَهْوَآءُ هُم بَعْدَ الَّذِى جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اَللَّهِ مِن وَلٍِ وَلَا نَصِيرٍ﴾﴾ [البقرة: ١٢٠]. قال الطبري: يقول جل ثناؤه: لئن اتبعت یا محمد هوى هؤلاء اليهود والنصارى، فيما يرضيهم عنك من تهود وتنصر، فصرت من ذلك إلى إرضائهم، ووافقت فيه محبتهم (١) نظم الدرر ٤١/١٨. (٢) تفسير الشعراوي ١٢٨٢/٢. وقوله: ﴿مَالَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَإٍِ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٢٠]. قطع لأطماعهم أن تتبع أهواؤهم؛ لأن من علم أنه لا ولي له ولا نصير ينفعه إذا ارتكب شيئ !! كان أبعد في أن لا يرتكبه، وذلك إياس لهم في أن يتبع أهواءهم أحد (٥). وفي الآية تحذير لكل من تلقى الإسلام أن لا يتبع بعد الإسلام أهواء الأمم الأخرى. وقد نزه الله عز وجل رسوله عن اتباع الهوى، وأثنى عليه بالاستقامة والاعتدال والسداد قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَمَا يَنطِقُ عَنِ اَلْمَوَى﴾ [النجم: ٣]. أي: ليس نطقه صادرًا عن هوى نفسه، بل لا يتبع إلا ما أوحى الله إليه من الهدى والتقوى في نفسه وفي غيره(٦). (٣) جامع البيان، الطبري ٢/ ٤٨٥. (٤) المحرر الوجيز ٢٠٤/١. (٥) البحر المحيط ١/ ٥٩١. (٦) تيسير الكريم الرحمن ص ٨١٨. www. modoee.com ٣٣٩ حرف الهاء تاسعًا: النار وبئس المصير في الآخرة: حتى لا يتردى الإنسان في نار جهنم. ذكر الله في كتابه الكريم أن من الآثار المترتبة على اتباع العبد للهوى النار في الآخرة، كما قال عز وجل: ﴿يَدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْتَكَ خَلِيفَةٌ فِ الْأَرْضِ فَأَحْكُ بَيْنَ النَّاسِ يِاَلْحَقِّ وَلَا تَشَِّعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ الَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ اْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦]. وهنا يرشدنا الله عز وجل إلى أن ((الذين يميلون عن سبيل الله، وذلك الحق الذي شرعه لعباده، وأمرهم بالعمل به، فیجورون عنه في الدنيا لهم في الآخرة يوم الحساب عذاب شديد، على ضلالهم عن سبيل الله بما نسوا أمر الله))(١). قال الشعبي: «إنما سمي الهوی هوی؛ لأنه یهوي بصاحبه في النار))(٢). فاتباع الهوى يقود صاحبه إلى النار، والعياذ بالله سبحانه وتعالى، وفي مخالفة الهوى نجاة من النار، والفوز بالجنة، فقد ذكر نبينا صلى الله عليه السلام أن الجنة حفت بالمكاره، فلا بد من مجاهدة النفس، ومخالفة الهوى التي تميل إليه النفس؛ حتى نكون من أهل الجنة، وذكر أن النار حفت بالشهوات التي لا بد للإنسان من مجاهدة نفسه، والبعد عن اتباع الهوى والشهوة؛ (١) جامع البيان، الطبري ١٨٩/٢١. (٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٦٧/١٦. جوية لِلْقُرآن الكَرِيمِ عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه السلام: (حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات)(٣). فكل الشهوات التي تشتهيها النفس الأمارة بالسوء، ويدفعها إليها هوى النفس هي قائدة إلى النار -والعياذ بالله- واتباع الهوى من المهلكات التي حذر منها الشرع، كما في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلی الله عليه وسلم: قال: (ثلاثٌ منجياتٌ، وثلاثٌ مهلكاتٌ، فأما المنجيات: فتقوى الله في السر والعلانية، والقول بالحق في الرضا والسخط، والقصد في الغنى والفقر، وأما المهلكات: فهوّى متبعٌ، وشحّ مطاعٌ، وإعجاب المرء بنفسه، وهي أشدهن)(٤). وهكذا يتجلى لنا كيف أن متابعة الهوى توجب لصاحبها النار وبئس القرار. موضوعات ذات صلة: الاتباع، التقليد، الضلال، الطبع، القلب، النفس (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، ٢١٧٤/٤، رقم ٢٨٢٢. (٤) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، فصل في الطبع على القلب أو الرين، ٩/ ٣٩٧، ٦٨٦٥. وحسنه الألباني في تعليقه على مشكاة المصابيح. ٣٤٠