النص المفهرس
صفحات 21-40
الهوى تركته فهو ضال، كالكلب إن طردته لهث، عبر لمن تأمله ووعاه! وإن تركته على حاله لهث))(١). وهكذا يتضح من هذا المثل المضروب خطورة السير وراء الهوى، والإخلاد إلى الأرض، والبعد عن الآيات والهدى، وفي هذا ((عبرة وموعظة للمؤمنين، وتحذير لهم من اتباع أهوائهم، حتى لا ينزلقوا في مثل تلك الهوة التي انزلق إليها صاحب المثل بحبه للدنيا، وركونه إلى شهواتها ولذاتها)»(٢). ((وهل أسوأ من هذا المثل مثلٌ؟! وهل أسوأ من الانسلاخ والتعري من الهدى؟! وهل أسوأ من اللصوق بالأرض واتباع الهوی؟! وهل یظلم إنسان نفسه كما يظلمها من يصنع بها هكذا؟! من يعريها من الغطاء الواقي، والدرع الحامي، ويدعها غرضًا للشيطان يلزمها ويركبها، ويهبط بها إلى عالم الحيوان اللاصق بالأرض، الحائر القلق، اللاهث لهاث الكلب أبدًا(٣). وصدق صاحب الإشارات فـموافقة الهوى تنزل صاحبها من سماء العز إلى تراب الذل، وتلقيه في وهدة الهوان، ومن لم یصدق علمًا فعن قریب یقاسیه وجودًا»(٤). فما أعظمه من مثل! وما أكثر ما فيه من (١) الفوائد، ابن القيم ١/ ١٠٢. (٢) نظم الدرر، البقاعي ٩/ ١٠٧. (٣) في ظلال القرآن، سيد قطب ٣/ ١٣٩٧. (٤) لطائف الإشارات، القشيري ١/ ٥٨٧. ٢. قصص بني إسرائيل. ومن القصص التي ذكرها القرآن للتنفير من أهل الأهواء قصص بني إسرائيل، وما كان منهم من تقتيل، وتكذيب لرسل الله وأنبيائه. قال سبحانه وتعالى: ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَقَ بَنِي إِسْرَءِيلَ وَأَرْ سَلْنَآ إِلَيْهِمْ رُسُلَاً كُلَّمَا جَآءَهُمْ رَسُولْ بِمَا لَا تَهْوَىَّ أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُواْ وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ [المائدة: ٧٠]. وهذا أنموذج يقصه القرآن علينا لبني إسرائيل، ويذكر كيف «أنه أخذ العهود والمواثيق على بني إسرائيل على السمع والطاعة لله ولرسوله، فنقضوا تلك العهود والمواثيق، واتبعوا آراءهم وأهواءهم وقدموها على الشرائع، فما وافقهم منها قبلوه، وما خالفهم ردوه»(٥). وهذا من أكثر الأمور التي تعطل فوائد التشريع، وتضيع ثمرته؛ إذ الغرض من الرسالات والشرائع هو كبح النفس عن هواها الذي يوجب لها الخسران في الدنيا والآخرة، فإذا صار الهوى قائدًا، وكذب حملة الخير والهدى واضطهدوا، تعطلت آنئذٍ فائدة التشريع، وفاتت فائدة طاعة الأمة لهداتها، ونتج عن ذلك فساد عريض. وما صنع بنو إسرائيل تلك الشنائع التي (٥) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٥٦/٣. www. modoee.com ٣١١ حرف الهاء ذكرتها الآية إلا لغلبة الهوى عليهم، وتمكنه ((ببيان أن ظنهم: لن تنزل بهم مصائب في من أنفسهم، فصور لهم أنهم الشعب المختار، وأنهم بمأمن من عقوبة الله وفتنته، فهم كما يقول صاحب الإشارات: ((داروا مع الهوى؛ فوقعوا في البلاء، ومن أمارات الشقاء الإصرار على متابعة الهوى))(١). الدنيا بسبب مفاسدهم، هذا الظن هو الذي جعلھم یرتکبون ما یرتکبون من قبائح، وهذا شأن الأمم إذا ما استحوذ عليها الشيطان، وتغلب عليها حب الشهوات، وضعف الوازع الديني في نفوس أفرادها، إنهم في هذه الحالة يصير همهم مقصورًا على تدبير قال تعالى: ﴿وَحَسِبُواْ أَلَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُواْ وَصَقُّواْ ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُواْ كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٧١]. شؤون دنياهم، فإذا ما وجدوا فيها مأكلهم وشربهم وملذاتهم أغمضوا أعينهم عن آخرتهم، بل وربما استهانوا وتهكموا بمن يذكرهم بها، فتكون نتيجة إيثارهم الدنيا على الآخرة الشقاء والتعاسة)» (٤). ((أي: وحسبوا ألا يترتب لهم شر على ما صنعوا فترتب، وهو أنهم عموا عن الحق وصموا، فلا يسمعون حقًا، ولا يهتدون إليه(٢). وهكذا يظهر لنا من قصص السابقين مدی خطورة اتباع الهوى، و کیف أنه یورث الإنسان الشقاء، ويهبط بالأمم إلى القاع، ويحرمها من الانتفاع بهدايات السماء، بفاء السببية التي تدل على ترتيب ما وكفى بذلك معتبرًا وزاجرًا ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَّذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ، قَلْبُ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ﴾ [ق: ٣٧]. وتأمل كيف أن قوله: ﴿فَعَمُواْ وَصَنُوا ﴾ ﴿وَحَسِبُوا [المائدة: ٧١] معطوف على [المائدة: ٧١]. بعدها على ما قبلها، أي: إن عماهم عن الطريق القويم، وصممهم عن سماع الحق كان سببه ظنهم الفاسد الذي سوله لهم الهوی، واعتقادهم الباطل أن ما ارتكبوه من قبائح لن يعاقبوا عليه في الدنيا(٣). وهكذا أومأ القرآن إلى عدم اكتراثهم بالآخرة، وما يكون لهم فيها من شأن (١) لطائف الإشارات، القشيري ٤٣٩/١. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٥٦/٣. (٣) انظر: التفسير الوسيط، سيد طنطاوي ٢٣٤/٤. (٤) المصدر السابق ٢٣٤/٤ بتصرف. جَوَسُورَة التقنية القرآن الكريم ٣١٢ الهوى مجالات اتباع الهوى لاتباع الهوى مجالات متعددة نوضحها فيما يأتي: أولًا: العقائد: للهوی آثار جسیمة، ومخاطر کبیرة؛ لأنه يدخل في مجالات كثيرة، وأبواب عديدة، ولكن أثر الهوى على العقائد من أعظمها وأخطرها؛ لأنها هي التي يترتب عليها دخول المرء في حظيرة الإيمان أو خروجه منها، ولقد تحدث القرآن عن ذلك في أمرين: توحيد الله، الإيمان باليوم الآخر، وفيما يلي عرض لذلك: ١. توحيد الله. لقد عبر القرآن الكريم عن متبع الهوى في العقائد أن الهوی إله يعبد من دون الله تعالی. قال تعالى: ﴿أَرَدَيْتَ مَنِ أَخَذَ إِلَهَهُ, هَوَئِهُ﴾ [الفرقان: ٤٣]. قال ابن عباس رضي الله عنهما: ((الهوى إله یعبد من دون الله»(١). وقال ابن كثير رحمه الله (أي: مهما استحسن من شيء ورآه حسنا في هوى نفسه كان دينه ومذهبه»(٢) وقد تحدث القرآن عن أثر اتباع الهوى (١) المحرر الوجيز ٢١٢/٤. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٠٣/٦. في العقائد في غير ما موضع، فقال سبحانه وتعالى: ﴿أَفَرََّيُّ اللَّتَ وَالْعُزَّى ( وَمَنَوَةً الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى ◌ْ أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنَّ تِلْكَ إِذَا قِسْمَةٌ صِيرَىٌ ﴿ إِنْ هِىَ إِلََّ أَسْمَاءُ سَيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَءَابَا ؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَيَّ إِن يَتَبِعُونَ إِلَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُّ وَلَقَدْ جَآءَ هُم مِّن رَّيِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: ١٩-٢٣]. فهذه الآيات جاءت في معرض التنديد بالمشركين، وبيان أن أوثانهم التي يعظمونها ليس لها حظ من الشرف، وإنما هي محض أسماء ليس لها من الألوهية التي أثبتوها لها سوى اسمها، وأما معناها وحقيقتها فهي أبعد ما تكون عما وصفوها به، وما ذلك إلا ((لأنهم لم يأخذوا ذلك عن وحي جاءهم من الله، ولا عن رسول الله أخبرهم به)»(٣). فلعبت بهم الظنون، وحركتهم الأهواء. يقول ابن تيمية رحمه الله: ((وأصل الضلال اتباع الظن والهوى، كما قال الله سبحانه وتعالى في حق من ذمهم: ﴿إِن يَتَبِعُونَ إِلَّا الَّنَّ وَمَا تَهْوَى اَلْأَنْفُسُّ وَلَقَدْ جَآءَ هُمْ مِن ◌َّتِهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: ٢٣]))(٤). ومما يوحي بشدة خطر الهوى وكيف أنه كان السبب وراء هذه الظنون التي ظنوها، والاعتقادات الفاسدة التي اعتقدوها هو ((عطف ﴿وَمَا تَهْوَى اَلْأَنْفُسُ﴾ على (٣) جامع البيان، الطبري ٥٢٨/٢٢. (٤) مجموع فتاوى ابن تيمية ٣٨٤/٣. www. modoee.com ٣١٣ حرف الهاء ﴿الَّنَّ﴾ عطف العلة على المعلول، أي: نَّصِرِينَ﴾ [الروم: ٢٨ -٢٩]. الظن الذي يبعثهم على اتباعه أنه موافق لهواهم وإلفهم»(١). ومع كل هذا فقد جاءهم من ربهم الهدى والخير، وتأمل التعريف في كلمة ﴿الْهُدَى﴾ فإنه يدل «على معنى الكمال، أي: الهدى الواضح)»(٢). فالهدی الذي أتاهم کان ظاهرًا شدید الظهور، ومع ذلك لم ينتفعوا به، وما ذلك إلا لشدة الهوى الذي کان في نفوسهم، ومتى «انتهى الأمر إلى شهوة النفس وهواها فلن يستقيم أمر، ولن يجدي هدی؛ لأن العلة هنا ليست خفاء الحق، ولا ضعف الدلیل، إنما هي الهوى الجامح الذي يريد، ثم يبحث بعد ذلك عن مبرر لما يريد! وهي شر حالة تصاب بها النفس، فلا ينفعها الهدى، ولا يقنعها الدليل))(٣). ومما يزيد أمر اتباع الهوى وضوحًا في توحيد الله قوله سبحانه وتعالى: ﴿ ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ فِ مَا رَزَقْنَكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كُخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْأَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ٢٨ بَلِ أَتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَهْوَآءَهُم بِغَيْرِ عِلٌّ فَمَن يَهْدِى مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِّن (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١١٠/٢٧. (٢) المصدر السابق. (٣) في ظلال القرآن، سيد قطب ٣٤٠٨/٦. فهذا مثل ضربه الله للمشركين ﴿هَل لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُم مِّن شُرَكَآءَ فِمَا رَزَقْنَكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ ﴾ [الروم: ٢٨]. ((أي: لا يرتضي أحد منكم أن يكون عبده شریگًا له في ماله، فهو وهو فیه علی السواء» (٤) . والمراد أن الإنسان العادي يأنف من هذا، فكيف يرضونه إذًا لرب العالمين؟! وهذا مثل واضح وظاهر وحاسم لا مجال للجدل فيه، فكان المتوقع أن تكون الإجابة إجابتهم عقلية مساوية للحجة العقلية التي أوردتها الآية، وذلك بالإقلاع عن الشرك، وقبول الإيمان، ولكن هذا لم يصدر منهم؛ ولذلك جاء الإضراب الإيطالي؛ ليكشف عن حقيقة القوم، وعن العلة الأصيلة في هذا التناقض المريب ﴿بَلِ أَتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَهْوَآءَهُم بِغَيْرِ عِلَّمٌ﴾ [الروم: ٢٩]. «إنه الهوى الذي لا يستند على عقل أو تفكير، والهوى لا ضابط له ولا مقياس، إنما هو شهوة النفس المتقلبة، ونزوتها المضطربة، ورغباتها ومخاوفها، وآمالها ومطامعها التي لا تستند إلى حق، ولا تقف عند حد، ولا تزن بميزان، وهو الضلال الذي لا یرجی معه هدى، والشرود الذي لا (٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣١٢/٦. ٣١٤ جوية الْقُرآن الكَرِيمِ الهوى ترجی معه أوبة»(١). ولذلك ختم الله الآية بقوله: ﴿فَمَنْ يَهْدِى مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُم مِّن نَّصِرِينَ﴾ [الروم: ٢٩]. فمن ذا الذي یمکن أن یرد بمن أضله الله موارد الهدى؟! ومن ذا الذي يفض هذا الختم الذي ختم الله به عليه؟! ومن ذا الذي یمکنه نصرته إذ الله أراد به الهلاك؟! ٢. الیوم الآخر. اليوم الآخر من المحاور الكبرى للعقيدة الإسلامية، وهو من المجالات التي ظهر فيها اتباع الأهواء بشکل کبیر، ومما حدثنا القرآن فيه عن ذلك قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ ءَانِيَةُ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى ﴿ فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لَّا يُؤْمِنُ بِهَا وَأَتَّبَعَ هَوَهُ فَتَرْدَى﴾ [طه: ١٥- ١٦]. وهذا كلام أتى في مقام تكليف موسى بالرسالة، يؤكد فيه الرب سبحانه وتعالى على أمر الساعة، وأنها آتية لا محالة، وواقعة لا ریب فیھا. والإيمان بقدوم الآخرة منطقي ظاهر، وشواهده غاية في الوضوح، فالمجهول ((عنصر أساسي في حياة البشر، وفي تكوينهم النفسي، فلا بد من مجهول في حیاتهم يتطلعون إليه، ولو كان كل شيء (١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٧٦٧/٥. مكشوفًا لهم وهم بهذه الفطرة لوقف نشاطهم وأسنت (٢) حياتهم، وتعليق قلوبهم ومشاعرهم بالساعة المجهولة الموعد، يحفظهم من الشرود، فهم لا يدرون متى تأتي الساعة، فهم من موعدها على حذر دائم، وعلى استعداد دائم))(٣). ولكن ذلك كله لمن صحت فطرته واستقام على الجادة، أما من فسدت فطرته، واتبع هواه، فيقع في الإنكار والتكذيب، ویبقی في جهله وغیه حتى يكون من الهالكين ﴿فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لَّا يُؤْمِنُ بِهَا وَأَتَّبَعَ هَوَنُهُ فَتَرْدَى﴾ [طه: ١٦]. وتأمل كيف أنه زاد ﴿وَأَتَّبَعَ هَوَتُهُ﴾ «للإيماء بالصلة إلى تعليل الصد، أي: لا داعي لهم للصد عن الإيمان بالساعة إلا اتباع الهوى دون دليل ولا شبهة (٤). ومن الآيات التي كشفت عن مجال الهوى في الآخرة أيضًا قوله سبحانه وتعالى: ﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ أَّخَذَ إِلَهَهُّ هَوَنُهُ وَأَضَلَُّ اللّهُ عَلَى عِ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ، وَقَلْبِهِ، وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِهِ غِشَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللّهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ ﴿ وَقَالُواْ مَا هِىَ إِلَّا حَانُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَغَيَا وَمَا يُهْلِكُنَاْ إِلَّ الدَّهْرِّ وَمَا لَم بِذَلِكَ مِنْ عِلٍّ إِلَّ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ﴿ وَإِذَا نُتْلَ عَلَيْهِمْ ءَايَتُنَا بَيْنَتِ مَّا كَانَ حُبَّتَهُمْ إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَثْتُوا بِتَابََّيْنَآ (٢) أي: فسدت، وتغيرت. انظر: تاج العروس ١٧٨/٣٤. (٣) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٣٣١/٤. (٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٦/ ٢٠٣. www. modoee.com ٣١٥ حرف الهاء إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ [الجاثية: ٢٣ -٢٥]. يستجيبوا لما يدعون إليه من الإيمان بالله وهذه الآيات تكشف بوضوح وجلاء ورسوله، ومن العمل الصالح الذي يدعو إلیه الله ورسوله»(٢). عن شأن الهوى في التصديق باليوم الآخر، وكيف أنه يصرف الإنسان عنه، ويعلقه فقط باليوم الحاضر والشهوة العاجلة، فیكذب ويعاند ويوغل في اللجج والخصومة، مع أن الأمر أظهر ما یکون، ولكن هكذا شأن الهوى في النفوس. يقول صاحب الظلال: «اتباع الهوى هو الذي ينشىء التكذيب بالساعة، فالفطرة السليمة تؤمن من نفسها بأن الحياة الدنيا لا تبلغ فيها الإنسانية كمالها، ولا يتم فيها العدل تمامه، وأنه لا بد من حياة أخرى يتحقق فيها الكمال المقدر للإنسان، والعدل المطلق في الجزاء على الأعمال)» (١). ثانيًا: الاتباع: العبد في هذه الحياة مأمور بالطاعة والاستجابة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم. قال سبحانه وتعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أُسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحِيكُمْ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ اَلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ، وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ [الأنفال: ٢٤]. ففي هذه الآية دعوة ((قائمة على الناس جميعًا بأن يطيعوا الله ورسوله، وأن (١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٣٣٢/٤. جوببية القرآن الكريمِ ولكن هذه الطاعة لله والرسول والاستجابة لأمرهما التي يجب على العبد النهوض بها من المجالات التي تتدخل فيها الأهواء بشکل کبیر. قال سبحانه وتعالى: ﴿وَأَسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوَاْ أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ ﴿ فَأَخَذْنَهُ وَجُنُودَهُ. فَنَبَذْنَهُمْ فِ الْبَرِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٣٩-٤٠]. فهذه الآيات جاءت بعدما بين سبحانه وتعالى أنه إنما أرسل رسوله قطعًا لمعذرة الكفار حتی لا یقولوا حين نزول البأس بهم: هلا أرسلت إلينا رسولا فنتبعه؟! وكيف أنهم لما جاءهم النذير جحدوا وأنكروا وراوغوا وطلبوا المعجزات الحسية، فجاءت هذه الآيات؛ لتفضح سر عدم استجابتهم ﴿قُلّ فَأْتُواْ بِكِنَبٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ﴿ فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ فَأَعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَآءُ هُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ أَتََّعَ هَوَنُهُ بِغَيْرِ هُدَى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٤٩ -٥٠]. جاءت هذه الآية لتبين (( أن الحق في هذا (٢) التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب ٩٨٦/١٤. ٣١٦ الهوى القرآن بین، وأن حجة هذا الدین واضحة، فما يتخلف عنه أحد يعلمه إلا أن يكون الهوى هو الذي يصده))(١). يقول ابن جرير: ((فإن لم يجبك هؤلاء كما قال القرآن: ﴿وَإِن يَرَوْاْ ءَايَةٌ يُعْرِضُواْ فاعلم أنما يتبعون أهواءهم)) (٢). فهما طريقان إذًا ولا ثالث لهما: ((إما إخلاص للحق، وخلوص من الهوى، وعندئذٍ لا بد من الإيمان والتسليم، وإما مماراة في الحق، واتباع للهوى، فهو التكذيب والشقاق، ولا حجة من غموض في العقيدة، أو ضعف في الحجة، أو نقص في الدليل كما يدعي أصحاب الهوى المغرضون»(٣). ففي هذه الآية دليل إذًا على أن (( كل من لم يستجب للرسول، وذهب إلى قول مخالف لقول الرسول؛ فإنه لم يذهب إلى هدی، وإنما ذهب إلی هوی)) (٤). ولقد ذكر القرآن نماذج عدة لأثر الهوى في الاستجابة لله ورسوله، ومن أبرزها ما كان من أمر كفار قريش مع آية انشقاق القمر. وروى الإمام البخاري عن قتادة عن أنسٍ رضي الله عنه قال: (سأل أهل مكة أن يريهم آيَةً فأراهم انشقاق القمر)(٥). (١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٦٩٩/٥. (٢) جامع البيان، الطبري ١٩ / ٥٩٢ باختصار. (٣) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٦٩٩/٥. (٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٦١٨. (٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير وتلك آية عظيمة كان المفترض أن يتحولوا عن كفرهم بعدها، ويحسنوا الاستجابة والسير في طريق الهدى، ولكنهم وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِزٌّ﴾ [القمر: ٢]. وما ذلك إلا لأن قصدهم ليس اتباع الحق والهدى، وإنما قصدهم اتباع الهوى)) (٦) قال بعدها: ﴿وَكَذَّبُواْ وَأَتَّبَعُواْ أَهْوَاءَ هُمَّ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ [القمر: ٣]. إذ لو ((كان قصدهم اتباع الهدى؛ لآمنوا قطعًا، واتبعوا محمدًا صلى الله عليه السلام؛ لأنه أراهم الله علی یدیه من البينات والبراهين والحجج القواطع ما دل على جميع المطالب الإلهية، والمقاصد الشرعية)) (٧)، ولكن هكذا الهوى يطمس القلوب؛ فلا تنتفع برؤية آيات، ولا تستجيب للنذر، مهما كانت واضحة شديدة الظهور ﴿وَلَقَدْ جَآءَ هُم مِّنَ الْأَنْبَلِمَا فِيهِ مُرْدَجَرٌ حِكْمَةٌ بَلِفَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر: ٤- ٥]. وإذا كان الله عاب على كفار قريش تركهم الاستجابة واتباع الهوى؛ فإننا نجد القرآن، باب (وانشق القمر وإن يروا آية يعرضوا)، ١٤٢/٦، ٤٨٦٧، ومسلم في صحيحه، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب انشقاق القمر، ٢١٥٩/٤، رقم ٢٨٠٢. (٦) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٨٢٤. (٧) المصدر السابق. www. modoee.com ٣١٧ حرف الهاء أننا بحاجة ماسة إلى فهم مثل هذا الأمر، وخصوصًا في هذا الزمان «الذي کثرت فيه الأهواء، وتنوعت فيه المشارب في التعامل مع النصوص الشرعية، بدعاوی کثيرة، فهذا ینصر بدعته، وهذا یروج لمنهجه في تناول النصوص، وثالث يتتبع الرخص التي توافق مراد نفسه، لا مراد الله ورسوله))(١). وهذا ما أشار إليه الإمام ابن تيمية بقوله: «فکل من اتبع ذوقًا أو وجدًا، ومن اتبع ما يهواه حبًا وبغضًا بغير الشريعة فقد اتبع هواه بغير هدى من الله» (٢) فالواجب على العبد أن يتعلم التسليم والطاعة والاستجابة، وأن لا يُقّدِّم على كلام الله ولا كلام رسوله أي كلام؛ فإن عدم الاستجابة إنما هي اتباع للهوى، فکل من علم من هدي النبي صلى الله عليه السلام وسنته أمرا ثم تركه بعد معرفته به فهو متبع للهوى، كما يقول الإمام ابن القيم: ((من ترك الاستجابة إذا ظهرت له سنة، وعدل عنها إلى خلافها فقد اتبع هواه))(٣). ولا شك أن المؤمن كامل الإيمان لا یکون هواه إلا تبعًا لما جاء به الرسول صلى الله عليه السلام، وقد جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه السلام قال: (لا يؤمن (١) قواعد قرآنية، القاعدة الرابعة عشر، عمر المقبل ص ٩١. (٢) الاستقامة، ابن تيمية ١/ ٢٥٣. (٣) الصواعق المرسلة، ابن القيم ١٥٢٦/٤. جوبنيـ القرآن الكريمِ أحدكم حتى يكون هواء تبعا لما جئت به)(٤). ولذلك كان الصحابة رضي الله عنهم أفضل الخلق؛ لما خصوا بالمزايا والصفات الكاملة، أعلاها: الميل إلى ما جاءت به الشريعة السمحة التي ليلها كنهارها في الإضاءة والوضوح، كان أحدهم يقاتل أباه وابنه، وهو في صف المؤمنين، وهما في حيز الكافرين المشركين، بذلوا رضي الله عنهم في طريقه مهجهم، وأنفقوا أموالهم، فطوبى لهم! فمن كان الهوى -وهو الباطل- المطاع المحبوب الاتباع تابعًا لطرق الهدى من الملة البيضاء والسنة الزهراء؛ حتى تصير همومه المختلفة، وخواطره المتفرقة التي تنبعث من هوى النفس، وميل الطبع همَّا واحدًا، يتعلق بأمر ربه، واتباع شرعه؛ تعظيمًا لحقه، وشفقة على خلقه(٥). قال المباركفوري: قوله: ((لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه» أي: ميل نفسه (تبعًا لما جئت به)) هذا محمول على نفي أصل الإيمان، أي: حتی یکون تابعًا مقتديًا لما جئت به من الدين والشرع عن الاعتقاد، (٤) أخرجه ابن أبي عاصم في كتابه السنة ١/ ١٢، ١٥، وابن بطة في الإبانة الكبرى ٣٨٧/١، ٢٧٩. وضعفه الألباني في تعليقه على مشكاة المصابيح ٥٩/١، رقم ١٦٧. (٥) الإتحافات السنية بالأحاديث القدسية، المناوي ص٦٧. ٣١٨ الهوى لا عن الإكراه وخوف السیف کالمنافقين. وقيل: المراد نفي الكمال، أي: لا يكمل إیمان أحدكم حتى يكون في متابعة الشرع، وموافقته له كموافقته لمألوفاته، فيستمر على الطاعة من غير كلفة وكراهية، وذلك عند ذهاب كدر النفس وبقاء صفوتها، وهذه حالة نادرة إلا في المحفوظین من أوليائه، وقيل في معناه: حتى يحب ما أمر به، ويكره ما نهى عنه، أي: يقدم الشرع على هواه(١). فلا یمیل إلا بأمر الشرع، ولا یھوی إلا حكم الشرع، فمن كان هذا حاله؛ فهو المؤمن الكامل التوحيد، ومن أعرض عنه متبعًا لهواه، مبتغيًا لرضاه؛ فهو الخاسر في دنياه وعقباه. قال الحافظ ابن رجب: ((فجميع المعاصي إنما تنشأ من تقديم هوى النفوس على محبة الله ورسوله، وقد وصف الله المشركين باتباع الهوى في مواضع من كتابه، فقال تعالى: فإن لم يستجيبُواْ لكَ فَأَعْلَمْ أَنَّمَا يَتَِّعُونَ أَهْوَآءَ هُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ أَتَّبَعَ هَوَهُ بِغَيْرِ هُدَّى مِنَ اَللَّهَّ إِنَّ اللَّهَ لَ يَهْدِى اُلْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٥٠]. وكذلك البدع إنما تنشأ من تقديم الهوى على الشرع؛ ولهذا يسمى أهلها أهل الأهواء، وكذلك المعاصي إنما تقع (١) مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ٢٦٦/١. من تقدیم الهوی علی محبة الله ورسوله، ومحبة ما يحبه، كذلك حب الأشخاص الواجب فيه أن یکون تبعًا لما جاء به الرسول صلى الله عليه السلام، فيجب على المؤمن محبة الله، ومحبة من يحبه الله من الملائكة والرسل والأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين عمومًا؛ ولهذا كان من علامات وجود حلاوة الإيمان أن يحب المرء لا يحبه إلا الله، وتحريم موالاة أعداء الله، وما يكره الله عمومًا (٢). ثالثًا: الحكم والقضاء: القضاء والحكم بين الناس من المجالات التي یظھر فیھا اتباع الهوى بشکل كبير، ويترتب عليها آثار خطيرة في الدماء أو الأموال أو الأعراض؛ ولذا أكد القرآن على خطر هذا الأمر في غير ما موضع. قال سبحانه وتعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ اُلْكِتَبِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَأَحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءُ هُمْ عَمَّا جَآءََكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجَأْ وَلَوْ شَآءَ اَللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَحِدَةٌ وَلَكِن لِيَبْلُوَّكُمْ فِي مَّا ءَاتَنَكُمْ فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَتِّ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَّخْتَلِفُونَ () وَأَنِ أَعْكُمْ بَيْنَهُم بِمَّ أَنزَلَ اَللَّهُ وَلَا تَقَبِعْ أَهْوَآءَ هُمْ (٢) جامع العلوم والحكم ٣٩٨/٢. www. modoee.com ٣١٩ حرف الهاء وَأَحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَآ أَنْزَلَ اَللَّهُ الباطل))(٢). إِلَيْكٌ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمَّ أَنََّا يُرِدُ اَللّهُ أَنْ يُصِيبُهُم بِبَعْضٍ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ ) أَفَعُكْمَ اَلْجَهِيَّةِ يَبْغُونَّ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اَللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمِ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٤٨ -٥٠]. أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال کعب بن أسد وابن صوريا وشأس بن قيس بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى محمد؛ لعلنا نفتنه عن دينه! فأتوه فقالوا: يا محمد إنك قد عرفت أنا أحبار يهود وأشرافهم وساداتهم، وأنا إن اتبعناك اتبعنا يهودٌ، ولم يخالفونا، وأن بيننا وبين قومنا خصومة فنحاكمهم إليك، فتقضي لنا عليهم، ونؤمن لك ونصدقك! فأبى رسول الله صلى الله عليه السلام، فأنزل الله فيهم: ﴿ وَأَنِ أَحْكُمْ بَيْنَهُم بِمَّ أَنْزَلَ اللّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ هُمْ وَأَحْذَرْهُمْ أَنْ يَقْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَآ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكٌ﴾ إلى قوله: ﴿لَقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٤٩-٥٠] (١). ويظهر خطر الأهواء في مجال القضاء من خلال توجيه الخطاب للنبي صلى الله عليه السلام، ففي هذه الآية تحذير للنبي صلى الله عليه السلام من اتباع أهوائهم (بالاستماع لهم وقبول كلامهم ولو لمصلحة في ذلك کتأليف قلوبهم، وجذبهم إلى الإسلام، فالحق لا يوصل إليه بطريق (١) جامع البيان، الطبري ٣٩٣/١٠. جَوْسُورُ القرآن الكريمِ فأن يكون الخطاب موجهًا للنبي صلى الله عليه السلام -وهو من هو - فهذا لا شك يوحي بخطورة الهوى في هذا المجال وبشدته فیه. والذي يتأمل الآيات يلحظ أن الله سبحانه وتعالى كرر النهي عن اتباع أهوائهم ﴾ [المائدة: ٤٩]وما ذلك وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهَمْ إلا(( لشدة التحذير منها؛ ولأن ذلك في مقام الحكم والفتوى وهو أوسع، وهذا في مقام الحكم وحده، وكلاهما يلزم فيه أن لا يتبع أهواءهم المخالفة للحق))(٣). وتكرار التحذير من اتباع الهوى في هذا المجال أيضًا؛ لأنه شدید التسرب فیه دون أن يلحظه الإنسان، وهکذا یظهر خطر اتباع الهوى في مجال القضاء والحكم بين الناس. ومن الآيات التي أشارت لخطر الهوى في هذا المجال أيضًا قوله سبحانه وتعالى: ﴿يَدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةً فِ آلْأَرْضِ فَأَحْكُ بَيْنَ النَّاسِ يِاْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ الَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦]. فهذا أمر رباني من الله لنبيه داود عليه السلام بأن يحكم بين الناس بالحق ﴿فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحِ﴾ [ص: ٢٦]. (٢) نظم الدرر ٦/ ١٣٢. (٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٢٣٤. ٣٢٠ الهوى وبعد هذا الأمر ذكر له الآفة التي من الاستزادة من العلم ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] . شأنها أن تقطعه عن العدل، ولا تمكنه من التزام الحق عند الحكم فقال: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ اَلْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ﴾ [ص: ٢٦]. فـ«اتباع الهوى يبعد الحاكم عن الحكم بالحق، فالهوى في النفس له ميولات وانحرافات لا تحصر، واتباع الهوى يوصل إلى اعتناق الباطل، والاستمساك بالأفكار والمفهومات الفاسدات، ويوصل إلى الظلم والعدوان والبغي والفساد العريض في الأرض)»(١). وهكذا يظهر مدى خطورة أمر اتباع الهوى في مجال الحكم والقضاء، وكيف أنه ینحرف بالإنسان؛ لیبعده عن العدل، ويوقعه في الجور، نسأل الله سبحانه وتعالى الثبات على الحكم بما أنزل، والقضاء بما شرع. رابعًا: العلم: العلم من النعم الكبرى التي يعطيها الله للعبد ويمنحها إياه، كيف لا! وهو الذي ينير للمرء الدروب الحالكة، ويعصمه من ظلمات الشهوات والشبهات، ويمنحه القدرة على حسن الإبصار ﴿أَفَنْ يَعْلَمُ أَنَمَّاً أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّيِّكَ اَلْحُ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنّا يَنَذَّكَّرُ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ﴾ [الرعد: ١٩]. ولذا طلب الله سبحانه وتعالى منا (١) معارج التفكر، حبنكة الميداني ٥٤٣/٣ باختصار. قال القرطبي: «فلو كان شيء أشرف من العلم لأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه السلام أن يسأله المزيد منه، كما أمر أن یستزیده من العلم»(٢). ولكن من أخطر الآفات التي تصد المرء عن حسن الانتفاع بالعلم وحقائقه: الهوى؛ وذلك حينما يتسلط على القلب فيفسده ويصرفه عن حقيقته وحقائقه، وهذا ما يظهره ويجليه قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِىّ ءَاتَيْنَهُ مَايَئِنَا فَأَنْسَلَخَ مِنْهَا فَتْبَعَهُ الشَّيْطَنُ فَكَانَ مِنَ الْغَارِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٥]. وسنقف مع هذا المثل وقفات تجلي أثر اتباع الهوى في عدم التمسك بحقائق العلم: الوقفة الأولى: هذه القصة أتت بعد حديث القرآن عن عهد الميثاق ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِىّ ءَآدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّنَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىّ شَهِدْنَاْ أَنْ تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَفِلِينَ ١٧٢ أَوْ نَقُولُواْ إِنَّا أَشْرَكَ ءَابَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ [الأعراف: ١٧٢ - ١٧٣]. أي: إن الله أودع فطر الخلق ما يدلهم عليه، ويقودهم إلى بابه، ويبصرهم بالحق (٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٤/ ٤١. www. modoee.com ٣٢١ حرف الهاء الذي أتت به الرسل، ولكن الإنسان قد یمیل به الهوى والتقليد؛ فيعرض عن حقيقة العلم الكامن في الفطرة ((وما ذاك إلا لإعراضه عن حجج الله وبيناته وآياته الأفقية والنفسية، فإعراضه عن ذلك ربما صيره بحالة يفضل بها الباطل على الحق))(١). وهذا الأنموذج هو الذي حدثتنا عنه الآيات في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِىّ ءَاتَيْنَهُ ءَايَِنَا فَأَنْسَلَخَ مِنْهَا ١٧٥ فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَارِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ: أَخْلَدَ إِلَى اَلْأَرْضِ وَأَتَّبَعَ هَوَنَهُ فَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَتَّ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِثَايَئِنَا فَأَقْصُصِ اَلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٥ - ١٧٦ ]. فمجيء قصة هذا الرجل بعد آية الميثاق السابقة فيه ((إشارة للعبرة من حال أحد الذين أخذ الله عليهم العهد بالتوحيد والامتثال لأمر الله، وأمده الله بعلم يعينه على الوفاء بما عاهد الله عليه في الفطرة، ثم لم ينفعه ذلك كله)»(٢). فاستخدام ضمير العظمة هنا يوحي وما ذلك إلا لأنه اختار الأسفل على بعظمة ما آتاه الله، وأنه قد آتاه شيئًا عظيمًا الأشرف، ورغب عن الهدى واتبع الهوى كان من شأنه أن يرفعه، وأن يجعله من الخواص، ولكنه لما أصابته آفة الهوى حرم ﴿وَلَكِنَّهُ: أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَأَتَّبَعَ هَوَنَهُ ﴾ (١) تيسير الكريم الرحمن ص ٣٠٨ بتصرف. (٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٩/ ١٧٣. [الأعراف: ١٧٦]. «أي: رکن إلی الدنیا وسکن))(٣). والتعبير بالإخلاد يوحي بأن ((اختياره للأدنى لم يكن عن خاطر وحديث نفس، ولکنه کان عن إخلاد إلى الأرض، ومیل بكليته إلى ما هناك، وأصل الإخلاد اللزوم على الدوام، كأنه قيل: لزم الميل إلى الأرض»(٤). ثم ذكرت الآية آفة الآفات التي كانت سببًا في فساده هذا، فقالت: ﴿وَأَتََّعَ هَوَنَةٌ ﴾ [الأعراف: ١٧٦]. (معناه: أنه أعرض عن التمسك بما آتاه الله من الآيات واتبع الهوی، فلا جرم وقع في هاوية الردى))(٥). وهكذا حرم من الانتفاع بحقائق العلم الذي كان معه وبين يديه، وانطمست بصيرته، فلم یبصر من أنواره شيئًا. الوقفة الثانية: مما يظهر أيضًا شدة تأثير الهوى على التمسك بحقائق العلم في ءَاتَيْنَهُ الآيات قوله سبحانه وتعالى: ءَايَئِنَا﴾ [الأعراف: ١٧٥]. (٣) زاد المسير، ابن الجوزي ٢/ ١٧٠ . (٤) بدائع التفسير، ابن القيم ١/ ٤٣٠. (٥) مفاتيح الغيب، الرازي ٤٠٥/١٥. ٣٢٢ فَضْو جَوَبُور الْقُرْآن الكَرِيمِ الهوى برکة الآيات ونفعها على اشتداد عظمتها، وهذا يدل على شدة خطر الهوى في صرف الإنسان عن التمسك بحقائق العلم مهما کان عظيمًا. الوقفة الثالثة: ومما يكشف لك أيضًا عن خطر الهوى في حرمان الإنسان من هدى العلم وحقائقه أن هذا المثل أتى بعد حديث القرآن عن اليهود، ومن المعلوم أن اليهود کان فيهم عدد کبیر من الأنبياء، ولكن كانت آفتهم الکبری هي اتباعهم الھوی. يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ، بِالرُّسُلِّ وَءَاتَيْنَا عِيسَى أَبْنَ مَنْيَمَ الْبَهِنَتِ وَأَيَّدْنَهُ بِرُوج اَلْقُدُسِّ ◌َفَكُلَّمَا جَاءَ كُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا نَهْوَ أَنْفُسُكُمُ أَسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا نَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٧]. فكأنما أتت هذه القصة بعد سرد قصصهم؛ لتؤكد علی مدی تأثير الهوى في التمسك بحقائق العلم. وهكذا يظهر أثر الهوى في صده المرء عن التمسك بحقائق العلم الظاهرة، وبيناته القاطعة، وحججه الواضحة، نعوذ بالله من هذه الآفة وسبيلها. وسائل مقاومة الهوى تعددت وسائل مقاومة الھوی التي ذكرها القرآن الكريم، وسوف نتناولها بالبيان فيما يأتي: أولًا: تذكر العاقبة السيئة لاتباع الهوى: من أعظم الأمور وأكثرها تأثيرًا في انصراف الإنسان عن أي خطأ معرفة الإنسان بعاقبة الخطأ الذي يفعله، وقد ذكر القرآن أمورًا کثیرة توضح شناعة عاقبة اتباع الهوى، ولا شك أن استحضارها وتأملها من أکثر ما يعين العبد على مقاومة الهوى ومدافعته، ومن عواقب اتباع الهوى ما يلي: ١. الحرمان من ولاية الله ونصره. من أعظم الأمور في حياة العبد هي ولاية الله له، فمن تولاه الله أسعده ونصره، ومن عاداه خذله وأخزاه، كيف لا والله سبحانه وتعالى يقول: (من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب)(١). ولذا كان حرمان العبد من ولاية ربه من أبشع العواقب لاتباع الهوى، وکفی بها، فحرمان العبد من ولاية الله يعني أنه هالك حتمًا، ومخذول لا محالة، وإلا فمن يملك إفلاته من قبضة الله، وإنجائه من بأس الله؟! ومن الآيات التي تحدثت عن هذه (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب التواضع، ٨/ ١٠٥، رقم ٦٥٠٢. www. modoee.com ٣٢٣ حرف الهاء العاقبة السيئة لاتباع الهوى قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنِكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَرَىّ حَّى تَّعَ مِلَتْهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ اَلْهُدَىُّ وَلَبِ أَتَّبَعْتَ أَهْوَآءَ هُم بَعْدَ الَّذِى جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَالَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلٍِ وَلَا تَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٢٠]. كذا قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَنَهُ حُكْمًا عَرَبَّأْ وَلَيْنِ أَتَبَعْتَ أَهْوَآءَ هُم بَعْدَمَا جَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اَللَّهِ مِن وَإِيٍّ وَلَا وَاقٍ﴾ [الرعد: ٣٧]. ففي هاتین الآیتین یظهر حرمان العبد من ولاية ربه إذا أعرض عن هدیه واتبع هواه، وتأمل كيف أن الخطاب موجه للنبي صلى الله عليه السلام، فهذا «أبلغ في تقرير هذه الحقيقة التي لا تسامح في الانحراف عنها، حتى ولو كان من الرسول صلى الله عليه وسلم وحاشاه))(١). ويا لها من عاقبة شنيعة لمن تأملها «فأي فلاح، وأي رجاء، وأي عيش لمن انقطعت عنه أسباب الخير، وقطع ما بينه وبين وليه ومولاه الذي لا غنى عنه طرفة عين، ولا بدل له منه، ولا عوض له عنه، واتصلت به أسباب الشر، ووصل ما بينه وبين أعدی عدو له، فتولاه عدوه وتخلى عنه وليه! فلا تعلم نفس ما في هذا الانقطاع والاتصال من أنواع الآلام، وأنواع العذاب(٢). (١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٤/ ٢٠٦٤. (٢) الداء والدواء، ابن القيم ص ٨٢ - ٨٣. فحري بالعاقل أن يتأمل في هذه العاقبة السيئة لاتباع الهوى، ولا شك أن ذلك من أعظم ما یعينه على مقاومة الھوی. ٢. الوقوع في الظلم. من العواقب السيئة التي ذكرها الله سبحانه وتعالى لاتباع الهوى الوقوع في الظلم، فإن المنصرف عن الحق، المتبع لهواه يكون بهذا من الظالمين، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَيْنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُواْ اَلْكِتَبَ بِكُلِّءَايَةٍ مَّا تَبِعُوا فِبِلَتَكَّ وَمَا أَنتَ يِتَابِعِ قِلَنَهُمَّ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِيْلَةَ بَعْضٍٍّ وَلَيْنٍ أَتَّبَعْتَ أَهْوَآءَ هُم مِّنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِّ إِنَّكَ إِذَا لَّمِنَ الَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٤٥]. وكذا قوله: ﴿بَلِ أَتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَهْوَآءَ هُم بِغَيْرِ عِلٍّ فَمَن يَهْدِى مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّصِرِينَ﴾ [الروم: ٢٩]. وجعل الظلم عاقبة لاتباع الهوى؛ لأنه أعظم الظلم فـ«أي ظلم أعظم من ظلم من علم الحق والباطل، فآثر الباطل على الحق؟!)»(٣)، ورأى النور وأبصره ثم حاد عنه وتر که، إنه -لا شك- ظلم عظيم. وأن يؤول اتباع الهوى بصاحبه إلى الظلم فهي عاقبة موحشة ﴿وَاللّهُ لَا يُحِبُّ الَّلِينَ﴾ [آل عمران: ٥٧]. وهو ﴿لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الَّلِمِينَ﴾ [المائدة: (٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٧٢. ٣٢٤ القرآن الكريم الهوى ٥١]. وهذا يعني أنه سيحيا حياة نكدة ((حياة تعسة بل إن ﴿لَقْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ضالة، يضرب فيها في ظلام، لا يرى فيه بصيصًا من الأمل والرجاء))(٣). نعوذ بالله من هذا المصير. ٤٤]. وأي خير يرتجى لمن أبغضه رب العالمین، وصرفه عن موارد الهدى، وحلت عليه لعنته، إنه لا شك خاسر في دنياه وأخراه كيف لا؟! والله يقول: ﴿إِنَّهُلَايُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [يوسف: ٢٣]. ٣. الوقوع في الضلال. من العواقب التي ذكرها الله سبحانه وتعالى لاتباع الهوى الوقوع في الضلال والغواية، كما قال الله سبحانه وتعالى مخاطبًا نبيه داود عليه السلام: ﴿يَدَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةً فِ الْأَرْضِ فَأَحْكُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحِّ وَلَا تَنَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ الْحَابِ﴾ [ص: ٢٦]. ففي هذه الآية بيان واضح أن ((متابعة الهوى توجب الضلال عن سبيل الله))(١). وهذه عاقبة غاية في السوء؛ فالإنسان ما يضل عن هدى الله ((إلا ويتخبط في القلق والحيرة والتكفؤ والاندفاع من طرف إلى طرف، لا يستقر ولا يتوازن في خطاه، والشقاء قرين التخبط، ولو كان في المرتع الممرع! ثم الشقوة الكبرى في دار البقاء(٢). (١) مفاتيح الغيب، الرازي ٣٨٦/٢٦. (٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٣٥٥/٤. ٤. عداوة الله لمن اتبع هواه. من العواقب السيئة لاتباع الهوى أن المتبع لهواه يصير بذلك عدوًا لله، ومن عاداه الله أکبه وأخزاه مهما اتسع سلطانه، وعظم جاهه وماله «ومن لم یکن الله مولاه فلا مولى له، ولو اتخذ الإنس والجن كلهم أولياء؛ فهو في النهاية مضيع عاجز، ولو تجمعت له كل أسباب الحماية، وكل أسباب القوة التي يعرفها الناس» (٤). فمعاداة الله للإنسان إذًا تعني خسرانه الدنيا والآخرة، وكيف يرجى فلاح لمن ناصيه العداء مدير الأفلاك، وفاطر الأرض والسماء؟ قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا بَنِىّ إِسْرَِّ يلَ اَلْكِتَبَ وَاَلْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَهُم مِّنَ الَّتِيَتِ وَفَضَّلْنَهُمْ عَلَى الْعَلَمِينَ (١) وَءَاتَّيْنَهُم بَيْنَتٍ مِنَ الْأَمْرِّ فَمَا أَخْتَلَفُواْ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى ٠٠٠٠١٠٠ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ثُمَّ جَعَلْنَكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَتَّعْهَا وَلَا نَتَّبِعْ أَهْوَآءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٥) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُواْ (٣) التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب ٠٨٣٦/٨ (٤) في ظلال القرآن، سيد قطب ٣٢٩٠/٦. www. modoee.com ٣٢٥ حرف الهاء عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ في الآيات من خلال أن يكون المخاطب بَعْضِ وَاَللَّهُ وَلِىُّ الْمُنَّقِينَ﴾ [الجاثية: ١٦ -١٩]. فها هنا يخبر المولى سبحانه وتعالى کیف أنه أنعم على بني إسرائيل بنعم كثيرة فآتاهم الحکم والنبوة، ورزقهم خيرًا وفیرًا، وآتاهم ﴿بَيْنَتٍ مِّنَ الْأَمْرِ﴾ [الجاثية: ١٧]. (١) أى: ((دلالات تبين الحق من الباطل)) ٠ ولكنهم ما ارتفعوا وارتقوا بهذا، بل اختلفوا ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الجاثية: ١٧]. أي: «سیفصل بینهم بحكمه العدل، وهذا فيه تحذير لهذه الأمة أن تسلك مسلكهم، وأن تقصد منهجهم)) (٢) ولهذا قالت الآيات بعدها: ﴿ثُمَّ جَعَلْتَكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ ١٨ فَتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللّهُ وَإِىُّ الْمُنَّقِينَ﴾ [الجاثية: ١٨-١٩]. الرسول الكريم إن اتبعت أهواء هؤلاء الضالين؛ صرت مستحقًا لمؤاخذتنا، ولن یستطیع هؤلاء أو غيرهم أن يدفع عنك شيئًا مما أراده الله سبحانه وتعالى بك)) (٣) وتظهر شدة عداوة الله لمتبع الهوى (١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٧٧٦. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٦٧/٧. (٣) التفسير الوسيط، سيد طنطاوي ١٣/ ١٥٧. بهذا التهديد وذاك الوعيد هو النبي صلى الله عليه السلام، والخطاب لا شك لأمته أيضًا، ولكن توجيه الخطاب إليه يوحي بشدة عداوة اللہ لمتبع الھوی -مهما كان- حتى أن النبي صلى الله عليه السلام نفسه مع أنه يأتيه الوحي، ويحوطه ربه بالرعاية إلا أنه ((إن اتبع أهواء هؤلاء القوم؛ تعرض لنقمة الله، ولم يكن له من ولي يدفع عنه بلاء الله، أو يقيه بأسه إن جاءه! فكيف بغير النبي صلى الله عليه السلام من عباد الله؟! إن الخطر شديد، وإن البلاء داهم، وإنه لا عاصم من أمر الله لمن ألقى نفسه في لجج هذا الطوفان (٤). وقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَإِىُّ الْمُنَّقِينَ﴾ [الجاثية: ١٩]. هذا تعليل آخر لترك اتباع أهواء السابقين، وفیه بیان بأن الذین یحیدون عن شرائع الله، والآية الثانية كأنها التعليل للنهي عن اتباع الهوى في التي قبلها أي: (( إنك أيها ويتبعون الأهواء هم الظلمة ((فلا يواليهم ولا يتبع أهواءهم إلا من كان ظالمًا مثلهم)) (٥). وقد جعلهم الله أولياء لبعضهم البعض بينما خصص ولايته للمتقين، وفي هذا تأكيد لعداوته لهؤلاء الظلمة متبعي الأهواء، (٤) التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب ٧/ ١٤٠. (٥) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٧١/٨ بتصرف يسير. ٣٢٦ ◌َالنَّسَبـ جوبي لِلْقُرآن الكَرِيمِ الهوى وتحقير لشأنهم ووجهه «أنه قال: هؤلاء يتولى بعضهم بعضًا، والمتقون يتولاهم الله، فخرجوا عن ولاية الله وتبرأت منهم، ووكلهم الله بعضهم إلى بعض))(١). ومن وكله الله إلى غيره يعني أنه سخط عليه وعاداه، وأنه لا شك خسر دنياه وأخراه. وبذلك يظهر مدى عداوة الله لمن اتبع هواه فعلى المرء أن يحذر وأن يتدبر، وأن يسأل نفسه: أي الولایتین یرید؟ فهذه بعض عواقب متابعة الهوى وهي عواقب مؤلمة، وما في الآخرة أشد وأنكى، ولا شك أن كثرة تأملها يعين العبد بقوة على مدافعة هواه، واتباع هدى مولاه. ثانيًا: الاستعانة بالله: الاستعانة بالله من أعظم الأسباب التي تعين العبد على تجنب الهوى والامتناع عن اتباعه كيف لا؟! وهي لجوء إلى خالق الأكوان ومدبرها سبحانه وتعالى؛ ولهذا لما توعد فرعون بني إسرائيل بالتقتيل والتعذيب وَقَالَ الْلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ، لِيُفْسِدُوا فِى الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَّكَّ قَالَ سَنُقَيِّلُ أَءَهُمْ وَنَسْتَجِ نِسَآءَ هُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَهِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٧]. وجههم موسى عليه السلام إلى الاستعانة بخالقهم، واللجوء لربهم ﴿ قَالَ (١) المحرر الوجيز، ابن عطية ٨٤/٥. مُوسَى لِقَوْمِهِ أَسْتَعِينُواْ بِاللَّهِ وَأَصْبِرُوَّأَ إِنَّ اَلْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ. وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨]. ((إنها رؤية النبي لحقيقة الألوهية وإشراقها في قلبه، ولحقيقة الواقع الكوني والقوي التي تعمل فيه، ولحقيقة السنة الإلهية وما يرجوه منها الصابرون، إنه ليس لأصحاب الدعوة إلا رب العالمين، إلا ملاذ واحد، وهو الملاذ الحصين الأمين، وإلا ولي واحد وهو الولي القوي المتين)»(٢). ولما جاء إخوة يوسف عليه السلام لأبيهم؛ ليخبروه بأكل الذئب لولده وحبيبه وقرة عينه يوسف عليه السلام لم يزد أن قال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]. ولا غرو، فنحن نقف بين يدي الله في اليوم الواحد مرات ومرات لنقول: ﴿إِيَّكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينٌ﴾ [الفاتحة: ٥]. وتأمل كيف أنه ذكر الاستعانة بعد العبادة مع أنها داخلة فيها ((لاحتياج العبد في جميع عباداته إلى الاستعانة بالله سبحانه وتعالى؛ فإنه إن لم یعنه الله لم يحصل له ما یریده من فعل الأوامر، واجتناب النواهي)) (٣). يقول ابن رجب: ((وأما الاستعانة بالله عز وجل دون غيره من الخلق؛ فلأن العبد (٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ١٣٥٥/٣. (٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٣٩. www. modoee.com ٣٢٧ حرف الهاء عاجز عن الاستقلال بجلب مصالحه، ودفع اَللَّهِ أَفَلَ تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ٢٣]. مضاره، ولا معین له على مصالح دينه ودنياه إلا الله سبحانه وتعالى، فمن أعانه الله فهو المعان، ومن خذله فهو المخذول)) (١). والاستعانة بالله من أقوى الأمور التي تحفظ العبد لاسيما في أمر الهوى الذي يعسر على النفس مخالفته، ويشق عليها ترکه، وتقوى عليها مدافعته، ولا عاصم منه إلا القوي المتين سبحانه وتعالى. يقول ابن تيمية: ((يجب على المؤمن أن يستعين بالله، ويتوكل عليه في أن يقيم قلبه ولا یزیغه، ویثبته على الهدى والتقوى، ولا يتبع الهوى، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعٌ وَأَسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتِّ وَلَا نَِّعْ أَهْوَآءَهُمْ وَقُلْ ءَامَنتُ بِمَآ أَنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتَبٍّ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَلُنَا وَلَّكُمْ أَعْمَلُكُمْ لَا حُبَّةً بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَاْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [الشورى: ١٥]))(٢). فالمرء إن أراد أن يحفظ من الهوى وأخطاره عليه أن يكثر من اللجوء لله، وتأمل خاتمة قوله سبحانه وتعالى: ﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ أَّخَذَ إِلَهَهُّ هَوَنُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمْ عَلَى سَّمْعِهِ، وَقَلْبِهِ، وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ، غِشَوَةٌ فَمَن يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدٍ (١) جامع العلوم والحكم، ابن رجب الحنبلي ٤٨١/١- ٤٨٢. (٢) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ابن تيمية ٠٣٢/١ إنها كما يقول صاحب التفسير القرآني: «دعوة إلى الوقوف عند هذا المشهد الذي يرى فيه هذا الإنسان الذي اتخذ إلهه هواه، وأضله الله بعد أن جاء العلم، وختم الله على سمعه وقلبه، وجعل على بصره غشاوة؛ فليأخذ كل إنسان لنفسه عظة من هذا المشهد، ولينظر إلى نفسه، فإن كان بالمكان الذي فيه هذا الضال، فليحاول أن ینخلع عن هذا المكان، ولیمد يده إلى الله طالبًا العون منه، فإنه لا یطلب العون إلا منه، ولا يرجى الخلاص إلا على يده سبحانه وتعالى))(٣). وقد كان النبي صلى الله عليه السلام من أكثر الناس لجوءًا لربه، واستعانة بمولاه في هذا الأمر، فعن عبد الرحمن بن عوفٍ رضي الله عنه قال: (سألت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها بأي شيءٍ كان نبي الله صلی الله عليه وسلم يفتتح صلاته إذا قام من الليل؟ قالت: كان إذا قام من الليل افتتح صلاته: (اللهم رب جبرائیل ومیکائیل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنى لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراطٍ (٣) التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب ٢٤٧/١٣-٢٤٨. ٣٢٨ جوبيين القرآن الكريم الهوى مستقيم) (١). وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه السلام يقول: (اللهم انفعني بما علمتني، وعلمني ما ينفعني، وزدني علما، والحمد لله على كل حالٍ)(٢). وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: ما خرج النبي صلى الله عليه السلام من بيتي قط إلا رفع طرفه إلى السماء فقال: (اللهم أعوذبك أن أضل أو أضل، أو أزل أو أزل، أو أظلم أو أظلم، أو أجهل أو يجهل علي)(٣). والذي يتأمل في أقوال النبي صلى الله عليه وسلم: (اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك) (انفعني بما علمتني، وعلمني ما ينفعني) (أعوذ بك أن أضل أو أضل، أو أزل أو أزل) يدرك مدى حاجة العبد للجوء لربه، والانكسار والذلة لمولاه؛ حتى يصفو له حسن الاتباع، وینجو من شر الهوى، وما ذلك إلا لأن الهداية والتوفيق بيده سبحانه وتعالى. (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صلاة المسافر وقصرها، باب الدعاء في صلاة الليل، ٥٣٤/١، رقم ٧٧٠. (٢) أخرجه ابن ماجه في صحيحه، كتاب الدعاء، باب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم، ١/ ٩٢، رقم ٣٨٣٣. (٣) أخرجه أبو داود في سننه، أبواب في النوم، باب ما يقول إذا خرج من بيته، ٤ /٣٢٥، رقم ٥٠٦١. ثالثًا: الخوف من الله: لكي يستيقظ القلب الراقد من غفلته، ويصحو من سکرة هواه، لا بد له من مؤثر ضخم پهزه وينبهه، ولا شيء أفضل في هذا من الخوف من الله، فهو من أعظم الأمور التي تهز الأفئدة، وتحرك القلوب. قال سبحانه وتعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِهِ، وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْوَّ ◌َ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤٠-٤١]. فـ((الخوف من الله هو الحاجز الصلب أمام دفعات الهوى العنيفة، وقل أن يثبت غير هذا الحاجز أمام دفعات الهوى» (٤). وتأمل كيف أن الله سبحانه وتعالى قدم الخوف علی نھي النفس عن الهوى، وما ذلك إلا لأن ((الخوف من الله هو السبب المعين لدفع الهوى)) (٥). فهذا يظهر قيمة الخوف من الله في مدافعة الهوى. يقول إبراهيم بن شيبان: ((الخوف إذا سكن القلب أحرق موضع الشهوات منه، وطرد رغبة الدنیا عنه، وأسكت اللسان عن ذكر الدنيا)»(٦) وقال ذو النون: ((الناس على الطريق ما لم يزل عنهم الخوف فإذا زال عنهم الخوف؛ ضلوا الطريق))(٧). حين نتأمل كتاب الله نجد هذه الحقائق (٤) في ظلال القرآن، سيد قطب ٣٨١٩/٦. (٥) مفاتيح الغيب، الرازي ٣١ / ٥٠. (٦) شعب الإيمان، البيهقي ٢٦٨/٢. (٧) مدارج السالكين، ابن القيم ١/ ٥٠٩. www. modoee.com ٣٢٩ حرف الهاء المهمة من كتاب الله جل جلاله: أولًا: الملائكة المعصومة تخاف ربها ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ [النحل: ٥٠]. ثانيًا: أن أولياء الله يتعبدون الله بالخوف منه ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ اُلْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيُرْتُونَ رَحْمَتَهُ، وَيَخَافُونَ عَذَابَهٌّ إِنَّ عَذَابَ رَيِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٧]. ﴿رِجَالُ لَّا نُلْهِمْ تِجَرَةٌ وَلَا بَيْعُ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَوةِ وَ إِنَِّ الزَّكَوَةٌ يَخَافُونَ يَوْمًّا نَتَقَلَّبُ فِيهِ اَلْقُلُوبُ وَالْأَبْصَرُ﴾ [النور: ٣٧]. ثالثًا: أن الله أمر البشرية بالخوف منه وَقَالَ اللهُ لَا نَتَّخِذُوَاْ إِلَهَيْنِ أَثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهُ وَحِدٌّ فَإِيَّنَ فَأَرْهَبُونِ﴾ [النحل: ٥١]. رابعًا: من أسباب الكفر والعصيان عدم كَلَّا بَل لَا يَخَافُونَ الخوف، قال جل جلاله: اْآَخِرَةَ﴾ [المدثر: ٥٣]. خامسًا: الخوف من الله عز وجل سبب من أسباب التمكين، قال عز وجل: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِى وَخَافَ وَعِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٤]. وبين الله -في جلاء تام- العلاقة بين الخوف ومقاومة الهوى بقوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ، وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْوَى﴾ [النازعات: ٤٠]. وبین ربنا أيضًا أن الخائفین منه هم الذین الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمٌ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِ، وَإِىٌّ وَلَا شَفِيعُ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ٥١]. ﴿ وَتَكِنَا فِيَهَآ ءَايَّةٌ لِّلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ [الذاريات: ٣٧]. الْأَلِيمَ﴾ ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَةٌ لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآَخِرَةُ ذَلِكَ يَوْمٌ تَجْمُوعُ لَّهُ أُلنَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣]. سادسًا: أن جميع الأنبياء والمرسلين بدءوا دعوتهم بتحذير أقوامهم من المآل الذي ينتظرهم؛ ليحذروا غضب الله، ويخافوا عذابه؛ فيسهل عليهم مجانبة الهوى. نماذج من تحذير الأنبياء لأقوامهم في بداية دعوتهم: فهذا نوح عليه السلام يقول لقومه: ﴿َيُقَوْمِ إِّ لَكُنْنَذِيْرٌ مُّبِينٌ﴾ [نوح: ٢]. وهذا إبراهيم عليه السلام يقول: ﴿ إِذْ قَالَ لِأَبِهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ ) أَبِفْكًا مَالِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ ﴿ فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [الصافات: ٨٥-٨٧]. وتأمل ما قاله هود عليه السلام: ﴿وَأَذْكُرْ أَخَاعَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ- أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّ اللَّهَ إِنّ ◌َخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٢١]. وكذلك روى الإمام البخاري عن ابن ينتفعون بالقرآن والآيات، فقال: ﴿وَأَنذِرَبِهِ عباسٍ رضي الله عنهما قال: لما نزلت: ٣٣٠ جَوَسُو لِلْقُرآن الكَرِيمِ