النص المفهرس

صفحات 21-32

الهم الشىء
وتكذيبًا لنبيه صلى الله عليه وسلم، ومحسبةً عليهم الهم بالكفر والارتداد(٦). فهو من
هم بالشيء أراد فعله. والمعنى: أهمتهم
منهم أن الله خاذل نبيه(١).
أنفسهم المكاشفة ونبذ الدين، وهذا على
قول من قال: قد قتل محمد فلنر جع إلی دیننا
الأول (٧).
ومعنى ﴿قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ ﴾ حملتهم
على الهم، يقال: أهمني الشيء أي: كان من
همي، وأهمني الأمر: أقلقني (٢). فكان همهم
خلاص أنفسهم، فهم أصلًا لم يحضروا إلا
لطلب الغنيمة(٣).
وقد حدثتهم أنفسهم بما أدخل عليهم
الهم؛ وذلك لعدم رضاهم بقدر الله، وبشدة
تلهفهم على ما أصابهم، وتحسرهم على ما
فاتهم مما يظنونه منجيًا لهم لو عملوه: أي
من الندم على ما فات، وإذ کانوا كذلك كانت
نفوسهم في اضطراب وتحرق يمنعهم من
الاطمئنان ومن المنام، وهذا كقوله الآتي:
﴿لَيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةٌ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [آلـ
عمران: ١٥٦] (٤). والإنسان إذا اشتد اشتغاله
بالشيء واستغراقه فيه، صار غافلًا عما
سواه، فلما كان أحب الأشياء إلى الإنسان
نفسه، فعند الخوف على النفس یصیر ذاهلا
عن كل ما سواها، فهذا هو المراد من قوله:
﴿أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾(٥).
﴿أَهَمَّتْهُمْ﴾: أدخلت
وقيل معنى
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٣١٥/٧.
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٤١/٤.
(٣) انظر: مفاتيح الغيب ٩/ ٣٩٣.
(٤) التحرير والتنوير ٤ /١٣٤.
(٥) مفاتیح الغیب ٩/ ٣٩٣.
فالهم هنا إما أن يكون بمعنى اشتغال
النفس بالشيء اشتغالًا يحملهم على الهم،
وإما أن يكون أهمتهم بمعنى حملتهم
ودعتهم للردة عن الدين. وكلا المعنيين
وارد، ولا تعارض بينهما، فقد يكون وقع
منهم هذا وذاك، وقد یکون همهم بالارتداد
دعاهم إليه انشغالهم بأنفسهم وقلقهم على
خلاصها، فتكون الردة سبيل خلاصهم على
حسب ظنهم السيئ.
ولعل في معنى ما ورد بعده: ﴿يَقُولُونَ
هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن شَيْءٍ﴾ ما يشير إلى القول
الثاني، فإن كان معنى هذا القول -ما لنا
من الأمر- استفهام إنكاري(٨) أي: مالنا
من النصر والظهور شيء، فيكونوا أساءوا
الظن بربهم وبدينه ونبيه، وأن الله لا يتم
أمر رسوله، وهذه الهزيمة هي القاضية على
(٦) التحرير والتنوير ١٣٤/٤.
(٧) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٢٨/٢،
البحر المحيط، أبو حيان ٣٩٢/٣.
(٨) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ١٥٣.
وقيل: استفهامٌ معناه الجحد تقديره: ما لنا من
الأمر من شيء. قال الحسن: «قالوا لو كان
الأمر إلينا ما خرجنا، وإنما أخرجنا كرهًا)).
انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ١ / ٤٨١.
www. modoee.com
٢١٩

حرف الهاء
دينه، فما من محیص سوی الردة عنه.
وقولهم هذا إنکار منهم، وتكذيبٌ بقدر
الله، وتسفيةٌ منهم لرأي رسول الله صلى
الله عليه وسلم ورأي أصحابه، وتزكية
منهم لأنفسهم؛ فرد الله عليهم بقوله: ﴿قُل
لَوْ كُمفى بُوتِكُمْ ﴾ التي هي أبعد شيء عن
مظان القتل ﴿لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ
إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ فالأسباب -وإن عظمت-
إنما تنفع إذا لم يعارضها القدر والقضاء،
فإذا عارضها القدر لم تنفع شیئا، بل لابد أن
يمضي الله ما كتب في اللوح المحفوظ من
الموت والحياة(١).
وإن كنت أميل كما أشرت آنفًا أن كلا
المعنيين وارد، ولا تعارض بينهما.
وهذه العقيدة تعلم أصحابها -فیما تعلم-
أن ليس لهم في أنفسهم شيء، فهم كلهم
لله، وأنهم حین يخرجون للجهاد في سبيله
يخرجون له، ویتحرکون له، ويقاتلون له، بلا
هدفٍ آخر لذواتهم في هذا الجهاد، وأنهم
يسلمون أنفسهم لقدره، فيتلقون ما یأتیهم به
هذا القدر في رضی وفي تسلیم، كائنًا هذا
القدر ما يكون. فأما الذين تهمهم أنفسهم،
وتصبح محور تفكيرهم وتقديرهم، ومحور
اهتمامهم وانشغالهم فهؤلاء لم تكتمل في
نفوسهم حقيقة الإيمان(٢).
(١) تيسير الكريم الرحمن ص ١٥٣.
(٢) في ظلال القرآن ١/ ٤٩٦.
وهم الاشتغال بالنفس، الداعي إلى
الغم والحزن، الغالب فيه هو خوف الموت
وانتهاء الحياة، أو يكون داعيه الخوف من
المستقبل وماسيحصل له، وقد عالجت
الآيات ذلك، فالموت لا مفر منه قال تعالى:
﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِكِكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُمْ فِ بُرُوچ
◌ُسَّيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨].
وقد حدد الله الآجل والأعمار، من لم
یمت بالسيف مات بغيره. فلابد من تفويض
الأمر لله سبحانه الذي بيده كل شيء.
أما ما يحصل للمؤمن في هذه الحياة
من الهم والغم الذي هو سنة ربانية لاينفك
عنها عبد، فليس المطلوب منه محاربة
ذلك، وإنما تجنب أسباب الوقوع فيه، فإذا
وقع داواه بكثرة ذكر الله، فبذكر الله تطمئن
القلوب المضطربة، وتسكن النفوس القلقة
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطْمَيْنُّ قُلُوبُهُم
◌ِذِكْرِ اللَّهُ أَلَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَيْنُّ الْقُلُوبُ ﴾
[الرعد: ٢٨].
وأعظم ذكر تنشرح به الصدور قراءة
كلامه عز وجل.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتَّكُمْ
مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِ الصُّدُورِ وَهُدًى
وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧].
ولما ضاق صدر النبي صلى الله عليه
وسلم بما يقوله المشركون أمره الله بذكره.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعَلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ
٢٢٠
القرآن الكريم

الهربالشی
صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ
مِّنَ السَّجِدِينَ
اَلْيَقِيرُ ﴾ [الحجر: ٩٧-٩٩].
فَسَبِحْ بِحَمْدٍ رَّكَ وَكُنْ
٩٧
وَأَعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْنِيَكَ
٩٨
كذلك الدعاء بأن يجنبه الله أسباب
الهموم، ففي الحديث: عن أنس رضي
الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه
وسلم يقول: (اللهم إني أعوذ بك من الهم
والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل،
وضلع الدين وغلبة الرجال)(١).
والتفطن لحال الدنيا، وأنها مهما عظمت
لذتها فانية، وأن كدرها مهما طال فزائل،
فلیعلل نفسه من طال لیل همه، بأن الصبح
قریب.
وفي ختام هذه السطور يتضح من خلال
ما تقدم أن القرآن الكريم تفرد في استعمال
الهم بالشيء في معرض الذم في المجالات
جميعها؛ ولعل ذلك -والله أعلم- لأن
الإنسان حريص كل الحرص على إخفاء
النوايا والهموم والخواطر السيئة، أما نيته
وهمه بالخير فلا يحرص على إخفائه
-وإن كان يبطنه مرات- ولكن ليس بدافع
الحرج منه، والخوف من إظهاره. فجاءت
الآيات مبينةً لهذا الهم السيئ الخفي؛ فضحًا
للكافرين، وليتداركه المؤمنون، مستشعرين
فضل الله عليهم وولايته لهم في ذلك.
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
الدعوات، باب الاستعاذة من الجبن والكسل،
رقم ٢٣٤٢/٥،٦٠٠٨.
وورد الهم في الحدیث على حدٍ سواء
في معرض المدح والذم كما هو في اللغة.
كذلك غلب استعمال الهم بالشيء في
القرآن بمعنى العزم. فالسياقات الواردة
غالبها دلالة الهم بالشيء فيه تتوجه إلى
العزم على الفعل، دون حديث النفس
أو مجرد الفكر وخطورته في القلب، ودون
اشتغال النفس بالشيء اشتغالًا يحملها على
الهم والقلق؛ ولعل القصد -والعلم عند
الله- لأنها جميعًا جاءت في معرض الذم،
ثم إن العزم هو الذي ينبغي الحذر منه،
فلیس بعد العزم إلا صدور الفعل ووقوعه.
www. modoee.com
٢٢١

حرف الهاء
توابع الهم بالشيء وآثاره
تحدث القرآن الكريم عن توابع الهم
بالشيء وآثاره، وسوف نتناولها بالتوضيح
فيما يأتي:
أولًا: جزاء الكافرين على همهم
السيء:
لأهل الهم السيئ من الكفار المكذبين
لرسلهم، الساعين بكل سبيل للحط من
شأنهم وماجاءوا به من الدين، جزاء وعقوبة
استحقوها في الدنيا، سوى ماينتظرهم يوم
القيامة من الخزي والنكال.
١. معاداة الكفار وقتالهم في الدنيا.
الهم في ميادين القتال، أو ضد ميادين
الدعوة، وسواء كان همهم لإيذاء الرسل
أو المؤمنين والدعاة، فإن لهمهم تبعةً وأثرًا
في الدنيا، من عدم موالاتهم، ولا التسليم
والأمن لهم، ووجوب قتالهم وأخذ الحيطة
والحذر منهم.
توابعه وآثاره:
إذا ما ظهر من الكافرين همٌّ بغدٍ أو
خيانة، فقد أوجبوا لأنفسهم من المؤمنين
الانتصار، ونصبوا أنفسهم لغيرهم محل
اعتبار، ووجب معاداة ومواجهة أصحاب
الهمم الفاسدة في همهم بإخراج الرسل، أو
إضلالهم، وإيذاء المؤمنين بما يستحقون.
ففي قوله تعالى: ﴿أَلَا تُقَئِلُونَ قَوْمًا
نَّكَنُوا أَيْمَنَهُمْ وَهَنُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ
وَهُم بَدَهُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٌ﴾ [التوبة:
١٣].
الآية فيها تهييج وتحضيض وإغراء على
قتال المشركين الناكثين لأيمانهم، الذين
هموا بإخراج الرسول من مكة، كما قال
تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُّمُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُشْبِتُّوكَ أَوْ
يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُولٌ وَيَمْكُرُونَ وَيَمَّكُمُ اللَّهُ وَاللّهُ
خَيْرُ الْمَكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠](١).
فلما ظهر منهم الهم بإخراج الرسول
استحقوا القتل في الدنيا. وانظر لجميل
ما ختمت به الآية من بديع القول الداعي
لمعاداة أولئك الناكثين، وقتالهم أشد
القتال: ﴿أَتَخْشَوْنَهُمَّ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِن
كُنْتُ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١٣].
ففي هذا الكلام تقوية داعي القتال من
وجوه:
الأول: أن تعديد الموجبات القوية
وتفصيلها مما يقوي هذه الداعية.
الثاني: أنك إذا قلت للرجل: أتخشى
خصمك؟! کان ذلك تحریگًا له فیستنکف
أن ينسب إلى كونه خائفًا من خصمه.
الثالث: أن قوله: ﴿قَللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ﴾
يفيد ذلك، كأنه قيل: إن كنت تخشى أحدًا
فالله أحق أن تخشاه؛ لكونه في غاية القدرة
والكبرياء والجلالة. والضرر المتوقع منهم
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤/ ١١٧.
٢٢٢
القرآن الكريم

الهمبالشىء
غايته القتل، أما المتوقع من الله فالعقاب
الشدید في القيامة، والذم اللازم في الدنيا.
الرابع: أن قوله: ﴿إِنْ كُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
معناه: إنکم إن كنتم مؤمنين بالإيمان وجب
عليكم أن تقدموا على هذه المقاتلة، ومعناه
إنكم إن لم تقدموا عليها وجب أن لا تكونوا
مؤمنين، فثبت أن هذا كلام مشتمل على
أنواع من الأمور التي تحملهم على مقاتلة
أولئك الكفار الناقضين للعهد (١).
حمایة النبي صلی الله عليه وسلم من
فتك الکافرین به وترصدهم لقتله، كما
حصل من هم اليهود، وقبلهم كفار مكة
ليلة الهجرة، وكما حصل من غورث
بن الحارث، وكلهم يدفعهم حصن:
﴿وَاَللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِِّ﴾ [المائدة:
٦٧].
حماية النبي صلى الله عليه وسلم
من إضلال الكافرين له، وعصمته من
الزلل. قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ
عَلَيْكَ وَرَحْتُهُ، لَمَّت طَآئِفَةٌ مِنْهُمْ
أَن يُضِلُوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّ أَنْفُسَهُمْ
وَمَا يَضُّونَكَ مِنْ شَىْءٍ﴾ [النساء: ١١٣].
تذکیر المؤمنین بهم الکافرین بإیذائهم،
وحفظ الله لهم، ﴿أَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ
عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمُ أَنْ يَبْسُطُوْاْ إِلَيْكُمْ
أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ﴾
(١) انظر: مفاتيح الغيب ٥٣٦/١٥.
[المائدة: ١١]. اذكروا نعمته تعالى
عليكم عندما قصد ﴿قَوْمُ أَنْ يَبْسُطُوَاْ
إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ أي: بأن يبطشوا
بكم بالقتل والإهلاك. وتقديم الجار
والمجرور على المفعول الصريح
للمسارعة إلى بيان رجوع ضرر البسط
وغائلته إليهم. والفاء في ﴿فَكَفَّ﴾
للتعقيب المفيد تمام النعمة وكمالها،
وإظهار الأيدي لزيادة التقرير، وتقديم
المفعول الصريح على الأصل أن منع
أيديهم أن تمد إليكم عقيب همهم
بذلك وعصمكم منهم، وليس المراد
أنه سبحانه كفها عنكم بعد أن مدوها
إليكم، وفي ذلك ما لا يخفى من إكمال
النعمة ومزيد اللطف (٢). فأنعم عليهم
بکف أيدي عدوهم، ورد كيدهم في
نحورهم، وقد هموا بأمر، ظنوا أنهم
قادرون علیه، فلم يدركوا مقصودهم،
وكان نصر من الله لعباده المؤمنين
ينبغي لهم أن یشکروه علیه، وهو یشمل
كل من هم وأراد المؤمنين بشر، من
کافر ومنافق وباغ، کف الله شره عن
المسلمين؛ فإنه داخل في هذه الآية (٣).
تأييد المؤمنين بإخوانهم والشد من
عزمهم وتقويتهم بمعاونتهم لهم،
(٢) انظر: روح المعاني ٢٥٦/٣.
(٣) تيسير الكريم الرحمن ص ٢٢٤.
www. modoee.com
٢٢٣

حرف الهاء
فهو سبحانه الذي یثبتهم ويربط على
قلوبهم، ويتولى من توكل عليه، فلا
يجبن ولاينكص، بل ينزل عليهم
الملائكته تثبتهم، والنعاس يؤمنهم.
أما المنافقون فلا هم لهم سوى أنفسهم
وتخليصها من الموت؛ فدعتهم
إلى التقاعس عن فعل الخير، فهم
مشغولون بأنفسهم لا يفكرون في أي
أمر آخر، سوى ظنونهم السيئة في الله
ورسوله. ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ
فِي قُلُوبِهِم ◌َّرَضَُّ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا
غُرُورًا ﴾ [الأحزاب: ١٢].
وأما الكافرون فهم في وادٍ آخر من
محاولة التنكيل بالمؤمنين والنيل منهم
واستئصالهم، والله يتولى من آمن به،
ويخزي الکافرین.
٢. العذاب الأليم لأهل الهم السيئ منهم لِيُدْحِضُواْ﴾ هو التكذيب بعينه، والأخذ
يوم القيامة.
فأهل الهموم السيئة في الله ودينه
ورسله، انطوت نفوسهم على دسائس
عظيمة من الشبهات أوجبت جهادهم في
الدنیا، وعقاب الله الشديد لهم يوم الخزي
والندامة.
توابعه وآثاره:
استحقاق عذاب الله للمكذبين
لرسلهم، ولأهل الهم السيئ بهم في الدنيا
ويوم القيامة: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوح
وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَِّ
بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهٌ وَجَدُلُواْ بِالْبَطِلِ لِيُدْحِضُوا
بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمَّ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابٍ﴾ [غافر: ٥].
فالمقصود من تعداد جرائم الأمم السابقة
من تكذيب الرسل، والهم بقتلهم، والجدال
بالباطل: تنظير حال المشركين النازل فيهم
قوله: ﴿مَا يُحَدِلُ فِىّ ءَايَتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾
[غافر: ٤].
بحال الأمم السابقين سواء؛ لينطبق
الوعيد على حالهم أكمل انطباق في قوله:
﴿فَأَخَذُُّهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابٍ﴾(١).
ومن هنا يكون السبب المسبب عنه الأخذ
المذكور في قوله: ﴿فَأَخَذْتُهُمْ﴾ قيل: مجموع
التكذيب، والهم بالأخذ، والجدال بالباطل،
واختار الزمخشري كونه الهم بالأخذ فقط؛
وذلك لأن قوله تعالى: ﴿وَجَدَلُواْ يِالْبَطِلِ
يشاكل الأخذ، وإنما التكذيب موجب
استحقاق العذاب الأخروي المشار إلیه بعد،
ولا ينكر أن كليهما يقتضى كليهما، لكن لما
كان ملاءمة الأخذ للأخذ أتم، والتكذيب
للعذاب الأخروي أظهر أنه متعلق بالأخذ؛
تنبيهًا على كمال الملاءمة (٢).
ولا ضير أن يكون مجموع ما صدر
منهم من التكذيب، والهم بالرسل والجدال
(١) التحرير والتنوير ٢٤/ ٨٥.
(٢) روح المعاني ٢٩٨/١٢.
٢٢٤
جوبيع
ـَ النَّسَةْ
القرآن الكريم

الهم،الشىء
بالباطل سببًا للأخذ، أو أن یکون أخذ الرسل
وحده سببًا؛ لعظمته، وقد استوجبوا الأخذ
والخزي والعذاب الشديد جزاء ما فعلوا.
ثانيًا: هم المؤمنين بالسوء:
أما المؤمنين فهمهم بالسوء - كما ظهر
من الآيات- قد يكون باعثه الشهوات التي
تستحکم أحيانًا، وقد يكون سببه ما جبل
عليه البشر من حب الحياة، وهؤلاء لم
ينسلخوا من بشريتهم بتلك الهموم، وإنما
هي مشاعر إنسانية رافقت أحداثًا، يحسن
التفطن لها، والاستعانة بالله في تهذيبها.
١. الربط على قلوب المؤمنين والتجاوز
عن همهم.
فلجؤوهم إلی الله واعتصامهم به كان
سببًا في ربط الله على قلوبهم، وتنجيتهم من
الهم السيء، ومن ثم التجاوز عنهم.
توابعه و آثاره:
تذکیر المؤمنین بهمهم بالسوء، ثم ربطه
على قلوبهم وتجاوزه عن همهم.
فيعرف عجزهم عن صرف ذلك عن
أنفسهم، وفقرهم لعون مولاهم -جل
وعلا- فإن تو کلوا عليه تولا هم؛ فکفاهم شر
أنفسهم وشر عدوهم. ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ
فَهُوَ حَسْبُهُ؟ ﴾ [الطلاق: ٣].
ففي قوله تعالى المتقدم: ﴿إِذْ هَمَّت
مَّيِفَتَانِ مِنكُمْ أَنْ تَفْسَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ [آل
عمران: ١٢٢].
عبر بالطائفتين دون ذكرها إشارةً لطيفة
إلى الكناية عن من يقع منه ما لا يناسب
والستر عليه؛ إذ لم يعين بأنفسهما، ولا صرح
بمن هما منه من القبائل سترًا عليهما(١)، وهو
غاية في حفظه سبحانه لهم والعناية بهم؛ مما
جعل همهم ذلك یئول إلى السرور.
فعن جابر رضي الله عنه قال: نزلت هذه
الآية فينا ﴿إِذْ هَمَّت ◌َطَآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَنْ
تَفْشَلَا﴾ بني سلمة وبني الحارثة، وما أحب
أنها لم تنزل، والله يقول: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾(٢).
ومعنى ذلك: فرط الاستبشار بما حصل لهم
من الشرف بثناء الله تعالى، وإنزاله فيهم
آية ناطقة بصحة الولاية، وأن تلك الهمة ما
أخرجتهم عن ولاية الله تعالى (٣)، فصرف
عنهم الهم السيىء بتولیه لهما.
حفظ عباده المؤمنين مما لا يليق من
الهم.
فيوسف عليه السلام حفظه الله من
الوقوع في براثن الرذيلة أو حتى الهم بها،
ودلائل الآي تبين ذلك؛ فالمراودة تقتضي
(١) البحر المحيط ٣٢٨/٣.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
المغازي، باب (إذ همت طائفتان منكم أن
تفشلا)، رقم ٣٨٢٥، ١٤٨٨/٤، ومسلم في
صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب من
فضائل الأنصار رضي الله عنهم، رقم ٩٥٦٩،
١٧٣/٧.
(٣) مفاتيح الغيب ٣٤٧/٨.
www. modoee.com
٢٢٥

حرف الهاء
تكرير المحاولة منها، قيل: المفاعلة تقديرية
بأن اعتبر العمل من جانب والممانعة من
الجانب الآخر، فهي تحاول الإيقاع به،
وامتنع واعتصم بالله الذي أحسن مثواه.
وفي هذا الكلام عبرة عظيمة من العفاف،
والتقوى، وعصمة الأنبياء قبل النبوة من
الکباثر.
وفي قوله: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ
السُّوْءَ وَالْفَحْشَآءَ ﴾ [يوسف: ٢٤].
الصرف: نقل الشيء من مكان إلى مكان،
وهو هنا مجاز عن الحفظ من حلول الشيء
بالمحل الذي من شأنه أن يحل فیه، عبر به
عن العصمة من شيء، والتعبير عن العصمة
بالصرف يشير إلى أن أسباب حصول السوء
والفحشاء موجودة ولكن الله صرفهما
عنه (١). وهذا غاية الحفظ لعبده الذي لجأ
إلیه، فلم يضيعه.
وفي السيرة عن علي بن أبي طالب رضي
الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله
عليه وسلم يقول: (ما هممت بشيء مما
كان أهل الجاهلية يهمون به من النساء إلا
ليلتين كلتاهما عصمني الله تعالى فيهما.
قلت لیلة لبعض فتیان مکة ونحن في رعاية
غنم أهلنا، فقلت لصاحبي: أبصر لي غنمي؛
حتى أدخل مكة فأسمر فيها كما يسمر
الفتیان. فقال: بلى. قال: فدخلت، حتى إذا
(١) التحرير والتنوير ٢٥٠/١٢-٢٥٥.
جئت أول دار من دور مکة سمعت عزفًا
بالغرابيل والمزامير، فقلت: ما هذا؟ فقيل:
تزوج فلان فلانة. فجلست أنظر، وضرب
الله تعالى على أذني، فوالله ما أيقظني إلا
مس الشمس، فرجعت إلى صاحبي. فقال:
ما فعلت؟ قلت: ما فعلت شيئًا، ثم أخبرته
بالذي رأيت. ثم قلت له ليلة أخرى: أبصر
لي غنمي؛ حتی أسمر بمكة. ففعل، فدخلت،
فلما جئت مكة سمعت مثل الذي سمعت
تلك الليلة فسألت. فقيل: فلانٌ نكح فلانة،
فجلست أنظر، وضرب الله على أذني،
فوالله ما أيقظني إلا مس الشمس فرجعت
إلى صاحبي. فقال: ما فعلت؟ فقلت: لا
شيء. ثم أخبرته الخبر، فوالله ما هممت ولا
عدت بعدها لشيء من ذلك، حتى أكرمني
الله عز وجل بنبوته)(٢).
عظم الجزاء والأجر لمن هم بالخير
وإن لم یعمله بعد ذلك.
وهذا من فضل الله و کرمه سبحانه حتى
في مجرد الهم والخاطر القلبي، وإن لم
تظهر صورة العمل على أرض الواقع، وهو
أيضًا من أثر الهم بالخير وبركته. وربما يكون
العمل القلبي أعظم من عمل الجوارح، وكم
(٢) أخرجه البيهقى في دلائل النبوة ٣٣/٢،
والبزار مختصرًا في مسنده، رقم ٦٤٠،
٢٤٠/٢.
وضعفه الألباني في تعليقه على فقه السيرة
ص ٦٧.
٢٢٦
جَوَنُواحَرَ النَّفْسِير
الْقُرْآن الكَرِيمِ

الهم الشىء
من عملٍ صغيرٍ عظمته النية.
عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي
صلی الله عليه وسلم، فيما يروي عن ربه
عز وجل قال: قال: (إن الله كتب الحسنات
والسيئات ثم بين ذلك، فمن هم بحسنة فلم
يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن
هو هم بها فعملها كتبها الله له عنده عشر
حسنات إلى سبع مائة ضعف إلى أضعاف
كثيرة، ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله
له عنده حسنة كاملة، فإن هو هم بها فعملها
كتبها الله له سيئة واحدة)(١).
فمن قصد وحدث نفسه بفعل الخير،
كتبت له حسنة وإن لم يعمل لعائق حال بينه
وبين فعلها. وإن ترك السيئة خوفًا من الله عز
وجل، لا عجزًا عنها، استحقها حسنة كاملة
لم تنقص بسبب الهم والقصد إلى فعلها؛
لأنه إنما تركها أيضًا لأمر عظيم قام في قلبه.
وليس بعد هذا الفضل فضل.
٢. معالجة هم المؤمن بالسوء.
الذي يقع في النفس من قصد المعصية
علی خمس مراتب: الأولى- الهاجس وهو
ما يلقى فيها، ثم جريانه فيها وهو الخاطر،
ثم حديث النفس وهو ما يقع فيها من التردد
ھل یفعل أو لا؟ ثم الهم وهو ترجيح قصد
الفعل، ثم العزم وهو قوة ذلك القصد
والجزم به(٢).
والمراتب الثلاث الأولى لا يؤاخذ عليها
العبد وهي ترد عليه، وباستطاعته دفعها
والانصراف عنها، قبل أن تصبح همًا يتردد،
أو عزمًا على المعصية وقصدًا يؤاخذ به.
وفي خضم الحياة، يواجه المؤمن سيلًا
من الفتن، التي إن لم يتحصن منها بحصن
قوي زلت به القدم. وهاهنا وقفة لمعالجة
ذلك:
تقوية الإيمان بالله.
فيوسف ذكر امرأة العزيز بالله رجاء
أن تنتهي عن فعلها ومراودتها له، فقال:
﴿مَعَاذَ اَللَّهِ﴾ [يوسف: ٢٣].
أي: أعتصم بالله من الذي تدعوني إليه،
واستجير به منه.
وبعض هذه الهموم والخواطر لا يمكن
دفعها وقطعها، فهي كما يقول ابن القيم:
((تهجم عليه هجوم النفس))(٣).
كيف وقد استحكمت في امرأة العزيز
حتى دفعتها للمجاهرة بهذا الأمر من غير
حياء ولا خجل. والسبيل لقبول أحسن هذه
الخواطر والهموم ودفع سيئها، يكون بقوة
الإيمان والعقل؛ فكلما قوي الإيمان دفع
ماعداه، والعكس؛ فإنها تشوش الإيمان
وتضعفه. لذا كان أول مأذكرها به يوسف
(١) تقدم تخريجه.
(٢) الأشباه والنظائر، السيوطي ص ٧٦.
(٣) انظر: فوائد الفوائد، ابن القيم ص٢٦٩.
www. modoee.com
٢٢٧

حرف الهاء
عليه السلام الله عز وجل.
التذكير بالنعمة.
فذکرها يوسف عليه السلام بنعمة مولاه
عليه، المستوجبة لحفظها ومراعاتها؛ سواء
کان المراد بربه: الله عز وجل، أو ربه بمعنی
سيده(١).
و ﴿آحْسَنَ مَثْوَاىَ﴾ أي: أحسن منزلتي،
وأكرمني وائتمنني؛ فلا أخونه(٢).
قال ابن عاشور: ((وذكر وصف الرب
على الاحتمالین؛ لما يؤذن به من وجوب
طاعته وشكره على نعمة الإيجاد بالنسبة إلى
الله، ونعمة التربية بالنسبة لمولاه العزيز))(٣).
وهكذا ينبغي أن يؤدب العبد نفسه
ويردعها بتذكيرها بفضل الله عليه، ﴿يَأَيُّهَا
اَلْإِنسَنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار: ٦].
ما الذي جرأك عليه حتى عصيته؟ !! ألأنه
أكرمك ونعمك؟ !!
وإيثار تعريف الله بوصف ﴿رَبِكَ﴾دون
ذكر اسم الجلالة لما في معنى الرب من
الملك والإنشاء والرفق؛ ففيه تذكير للإنسان
بموجبات استحقاق الرب طاعة مربوبه؛ فهو
تعريض بالتوبيخ.
وكذلك إجراء وصف ﴿اَلْكَرِيرِ﴾ دون منعت رزقًا، وحرمت توفيقًا، وكم أنست
غيره من صفات الله للتذكير بنعمته على
الناس ولطفه بهم؛ فإن الكريم حقيق بالشكر
(١) جامع البيان، الطبري ١٦/ ٣٢.
(٢) المصدر السابق ٣٢/١٦.
(٣) التحرير والتنوير ١٢/ ٢٥٢.
والطاعة (٤). لا بالمعصية.
﴿الَّذِى خَلَقَكَ فَسَوَّنِكَ فَعَدَلَكَ ا فِ أَبِّ
صُورَةِ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: ٧-٨].
لمسة عتاب مبطنة بالوعيد لهذا الإنسان
الذي يتلقى من ربه فيوض النعمة في ذاته
وخلقته، ولكنه لا يعرف للنعمة حقها، ولا
يعرف لربه قدره، ولا يشكر على الفضل
والنعمة والكرامة، فتذکیره بنعمة الله الأولى
عليه من خلقه في هذه الصورة السوية، على
حين يملك ربه أن يركبه في أي صورة تتجه
إليها مشيئته، ولكنه اختار له هذه الصورة
السوية المعتدلة الجميلة تکرمًا علیه من ربه،
راعيه ومربيه سبحانه (٥).
# التخويف من العاقبة.
فقد قال يوسف في ذلك: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ
الظَّالِمُونَ﴾ فإجابتها لمراودته ظلم؛ لأن
فيها ظلم کلیهما نفسه بارتكاب معصية مما
اتفقت الأديان على أنها كبيرة، وظلم سيده
الذي آمنه على بيته وآمنها على نفسها إذا
اتخذها زوجًا وأحصنها (٦).
فلابد من النظر للعاقبة، فكم أعقبت
المعصية ألمًا، وكم أورثت ندمًا، وكم
علمًا، وجلبت همًا وغمًا. ومن تعجل شيئًا
(٤) المصدر السابق ١٧٥/٣٠.
(٥) في ظلال القرآن ٦/ ٣٨٤٥ - ٣٨٤٧.
(٦) التحرير والتنوير ١٢/ ٢٥٢.
٢٢٨
القرآن الكريمِ

الهمبالشىء
قبل أوانه، عوقب بحرمانه(١).
وليحذر من المعصية مهما صغرت،
فلیس بينك وبين الله نسب، وقد أخرج آدم
عليه السلام من الجنة بلقمة، وإبليس بترك
سجدة، ودخلت امرأة النار في هرة.
وما أحسن هذا التنصل من الوقوع في
السوء. فيوسف عليه السلام استعاذ أولًا
بالله الذي بيده العصمة وملكوت كل
شيء، ثم نبه علی أن إحسان الله أو إحسان
العزيز الذي سبق منه، لا يناسب أن یجازی
بالإساءة، ثم نفى الفلاح عن الظالمين وهو
الظفر والفوز بالبغية، فلا يناسب أن أكون
ظالمًا أضع الشيء غیر موضعه، وأتعدی ما
حده الله تعالى لي(٢).
وقد أبدع ابن القيم في علاجه؛ حيث
يذكر طرقًا في حراسة الخواطر وحفظها،
إذ هي مبدأ الفعل بعدها، فلابد من حفظها
والحذر من إهمالها والاسترسال معها، فإن
أصل الفساد كله من قبلها، فهي بذر الشيطان
والنفس في أرض القلب، فإذا تمکن بذرها
تعاهدها بسقيه حتى تصير إرادات، ثم
يسقيها بسقیه حتی تکون عزائم، ثم لا يزال
بها حتى تثمر الأعمال، ولا ريب أن دفع
الخواطر أيسر من دفع الإرادات والعزائم.
وطرق حفظ الخواطر - كما قال-
(١) انظر: الجواب الكافي، ابن القيم ص٥٢.
(٢) البحر المحيط ٢٥٧/٦.
عديدةٌ؛ أوجزها في الآتي:
١. العلم الجازم باطلاع الرب سبحانه
ونظره إلى قلبك، وعلمه بتفصيل
خواطرك؛ فتستحيي منه.
٢. إجلاله لله أن يرى تلك الخواطر في بيته
(القلب) الذي خلق لمعرفته ومحبته،
والخوف من السقوط من عينه.
٣. إیثارك له أن تساکن قلبك غیر محبته.
٤. الخشية من أن تتولد تلك الخواطر
ویستعر شررها، فتأکل ما في القلب من
الإيمان ومحبة الله.
٥. العلم أن تلك الخواطر بمنزلة الحب
الذي يلقى للطائر ليصاد به.
٦. العلم أن تلك الخواطر الرديئة لا
تجتمع هي وخواطر الإيمان ودواعي
المحبة والإنابة.
٧. العلم أن تلك الخواطر هي وادي
الحمقى وأماني الجاهلين، فلا تثمر
لصاحبها إلا الندامة والخزي، وإذا
غلبت على القلب أورثته الوساوس،
وعزلته عن سلطانها(٣).
ولما كانت تلك الخواطر خفيةً، احتيج
في التخلص منها إلى عبادات قلبية خفية،
من إجلال الله، والحياء والخوف منه،
وخشيته وإيثار محبته، ولا يتحقق ذلك إلا
(٣) طريق الهجرتين وباب السعادتين، ابن القيم
ص ٢٧٤.
www. modoee.com
٢٢٩

حرف الهاء
بالإيمان والعلم؛ إذ يثمران له اليقين بوعد
الله ورجاء ثوابه، فيحتقر كل لذة دونها.
وقبل الختام نقول لمن اعتلجت في
صدره هموم سوء: النفس مثل الرحى تدور
بما يرمى فيها، فإن كانت خواطرها وأفكارها
وهمومها خيرًا أخرجت خيرًا والعكس (١).
فاحرص على تنقية فكرك مما يشوبه من
الشبهات والشهوات تنج.
موضوعات ذات صلة:
الإخلاص، الثبات، العزم، الغم
(١) انظر: فوائد الفوائد ص٢٦٩.
الموضوي
٢٣٠
جَوَسُوع
القرآن الكريمِ