النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقُرآن الكَرِّيْمِ ٧ أو باليشِى؟ 2 عناصر الموضوع ٢٠٠ مفهوم الهم بالشيء ٢٠١ الهم بالشيء في الاستعمال القرآني ٢٠٢ الألفاظ ذات الصلة ٢٠٣ مجالاته وميادينه ٢٢٢ توابع الهم بالشيء وآثاره المُجَلَدَ الرَّابِعْ وَالثَّلاثُونْ حرف الهاء مفهوم الهم بالشيء أولًا: المعنى اللغوي: الهاء والمیم: أصل صحیح یدل على ذوب وجریان ودبیب وما أشبه ذلك، ثم یقاس عليه، همني الشيء: أذابني، والهاموم: الشحم الكثير الإهالة، والهموم: البئر الكثيرة الماء، وأما الهم الذي هو الحزن فعندنا من هذا القياس؛ لأنه كأنه لشدته يهم، أي: یذیب، والهم: ما هممت به، وكذلك الهمة، ومهم الأمر: شديده، وأهمني: أقلقني، والهمام: الملك العظيم الهمة، والهميمة: المطرة الضعيفة، والهميمة: الريح اللينة، وهمم في رأسه، إذا جعل أصابعه في خلال شعره يجيء بها ويذهب لينام، والهميم: الدبيب(١). الهم: الحزن والجمع الهموم، وأهمني الأمر، إذا أقلقك وحزنك، ويقال: همك ما أهمك، والمهم: الأمر الشديد، والهمة: واحدة الهمم، يقال: فلانٌ بعيد الهمة أيضًا بالفتح، وهممت بالشئ أهم هما، إذا أردته، ويقال: لا مهمة لي بالفتح، ولا همام، أي أهم بذلك ولا أفعله (٢). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: الهم: ((هو عقد القلب على فعل شيء قبل أن يفعل، من خير أو شر))(٣). وقيل: ((الهم دواعي الإنسان إلى الفعل من خير أو شر)» (٤). ويظهر أن الهم متعلق بالنية والإرادة قبل وقوع الفعل، فإن فعله كان حقيقة واقعة، وإن لم يفعله يبقى في دائرة النية والرغبة والإرادة. فالمعنى الاصطلاحي راجع إلى أحد المعاني اللغوية وهو الإرادة. (١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، ١٣/٦، مجمل اللغة، ابن فارس، ٨٩٢/١. (٢) انظر: الصحاح، الجوهري، ٢٠٦١/٥، مختار الصحاح، الرازي، ص٣٢٨. (٣) التعريفات، الجرجاني، ص٢٥٧. (٤) الکلیات، الكفوي، ص٩٥٢. ٢٠٠ جَوَسُور القرآن الكريمِ الهمبالشىء الهم بالشيء في الاستعمال القرآني ورد (الهم بالشيء) في القرآن الكريم (٨) مرات(١). والصيغ التي وردت، هي: الصيغة عدد المرات المثال وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهُ وَهَمَّ بِهَالَوْلًا أَنْ زَّمَا بُرْهَنَ رَبِّهِ، الفعل الماضي ٨ [يوسف: ٢٤] وجاء الهم بالشيء في القرآن بمعناه في اللغة وهو: الإرادة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾ [التوبة: ٧٤]. أي: أرادوا قتل الرسول وإخراجه(٢). (١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي ص٧٣٨. (٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص ٤٦٠. www. modoee.com ٢٠١ حرف الهاء الألفاظ ذات الصلة ١ القدرة: القدرة لغة: الطاقة والقوة على الشيء والتمكن منه، والغنى والثراء، يقال: رجل ذو قدرة ذو يسار وغنی (١). القدرة اصطلاحًا: الصفة التي تمكن الحي من الفعل وتركه بالإرادة (٢)، والقدرة: صفة تؤثر على قوة الإرادة» (٣). الصلة بين الهم بالشيء والقدرة: الهم: إجماع النفس على الأمر والإزماع عليه، وتحقيقه يكون بالقدرة وهي القوة على فعل الشيء، فقد يحصل الهم بالشيء ويتخلف حصوله لعدم القدرة على تحقيقه. العزم: ٢ العزم لغة: ((عزم على الشيء: عقد ضميره على فعله، وعزم عزيمة: اجتهد وجد في أمره)) (٤). العزم اصطلاحًا: (العزم: عقد القلب على إمضاء الأمر))(٥). الصلة بين الهم بالشيء والعزم: الهم: إجماع النفس على الأمر والإزماع عليه، والعزم: عقد القلب على إمضاء الأمر (٦). وقيل: الهم: أقل من التصميم على الفعل وإرادة وقوعه، والعزم: تصميمٌ وإرادةٌ قويةٌ للفعل. (١) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ٩/ ٤٠، مختار الصحاح، الرازي ص ٢٤٨، المصباح المنير، الفيومي ٤٩٢/٢. (٢) انظر: التعريفات، الجرجاني ص ١٧٣، الكليات، الكفوي ص ١٠٨. (٣) التعريفات، الجرجاني ص١٧٣. (٤) المصباح المنير، الفيومي ٤٠٨/٢. (٥) المفردات، الراغب ص ٥٦٥. (٦) الكليات، الكفوي، ص١٥٣٩. ٢٠٢ فَضْو جَوْسُور القرآن الكريم الهم الشىء مجالاته وميادينه بين القرآن الكريم مجالات للهم بالشيء، منها الهم في القتال، وفي الأخلاق، وفي مجابهة الدعوة، والهم بإيذاء الرسل والدعاة، وسوف نتناول ذلك بالتوضيح فيما يأتي: أولًا: الهم في ميادين القتال: إن ساحات القتال من أعظم المواطن التي يظهر فيها صدق الصادقين؛ حيث تذهل النفوس، وتتطاير الرءوس، ولا يثبت إلا أناس يحبون الموت كما يحبون الحياة، فيبذلون مهجهم في سبيل الله في هذا الموطن تصاب بعض النفوس بعوارض نفسيةٍ شديدةٍ؛ من الخوف، والقلق، والهم بالفرار، أما الكافر والمنافق فما ثم إلا الظنون السيئة، وأما المؤمن فعلى قدر استعانته بالله يثبته الله، وفي يوم أحدٍ كان لطائفةٍ من المؤمنين شأنٌ، فأحدٌ - كما قال صاحب الظلال- لم تكن معركةً في الميدان وحده، إنما كانت معركةً كذلك في الضمير (١). قال تعالى: ﴿إِذْ هَمَّت ◌َطَآئِفَتَانٍ مِنكُمْ أَنْ تَفْسَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَ اللَّهِ فَلْيَتَوَّكَلِ اُلْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٢]. والطائفتان: بنو سلمة وبنو حارثة، حيان من الأنصار، هموا بأمر فعصمهم الله من (١) في ظلال القرآن، سيد قطب ١/ ٤٥٧. ذلك، وكان همهما الذي هما به من الفشل: الانصراف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين؛ حين انصرف عنهم عبد الله بن أبي بن سلول بمن معه (٢). فأدى هذا الإنصراف إلى ضعف قلوب البعض، فراودت النفس بالفشل. والفشل في البدن: الاعياء، وفي الحر: الجبن، والخور، وفي الرأي: العجز والفساد(٣). وهذا الهم إنما هو حركة قلب عند من السر عنده علانية، وقد علم ذلك منهم. فهل كان همهم بالفشل عزمًا على الرجوع عن لقاء المشركين يوم أحدٍ، وترك النبي صلى الله عليه وسلم جبنًا منهم، ثم لم يفعلا. أو کان همهم بالفشل مجرد حدیث نفس خطر على أذهانهم؟ ظاهر الآية يدل على أن همهم هنا كان عزمًا على الفشل والترك. ولعل الصواب: أن الهم هنا دون العزم، فهو خاطرٌ قلبي، وحديث تردد في النفس، ولم يترجح ليصبح عزمًا على الفعل؛ بدليل قوله بعدها: ﴿وَاللَّهُ (٢) انظر: العجاب في بيان الأسباب، ابن حجر ٢/ ٧٤٢، جامع البيان، الطبري ٧/ ١٦٥. والمراد بهذه الوقعة يوم أحد عند الجمهور، قاله ابن عباس، والحسن، وقتادة، والسدي، وغير واحد. أما ما ورد أنه يوم الأحزاب. فغريب لا يعول عليه. تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٠٩/٢. (٣) البحر المحيط، أبو حيان ٣٢٤/٣. www. modoee.com ٢٠٣ حرف الهاء وَلِيُّهُمَا﴾ فولاية الله لهما دلالة على عدم وتستقر(٣). وقوع العزم على ترك النبي صلى الله عليه وسلم إذ هو معصية. قال الرازي: «الهم قد یراد به العزم، وقد يراد به الفکر، وقد يراد به حديث النفس، وقد يراد به ما يظهر من القول الدال على قوة العدو وكثرة عدده؛ لأن أي شيء ظهر من هذا الجنس صح أن يوصف من ظهر ذلك منه بأنه هم بأن یفشل من حيث ظهر منه ما يوجب ضعف القلب»(١). ونحوه ذکر الشيخ الشنقيطي، بأن جعله كهم يوسف عليه السلام الذي هو خاطرٌ قلبيٌّ صرفه عنه وازع التقوى؛ لأن قوله: ﴿وَاللّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ يدل على أن ذلك الهم ليس معصيةً؛ لأن اتباع المعصية بولاية الله لذلك العاصي إغراءٌ على المعصية. والعرب تطلق الهم وتريد به المحبة والشهوة(٢). قال ابن عباس رضي الله عنهما: ((أضمروا أن يرجعوا، فعزم الله لهم على الرشد فثبتوا)). وهذا الهم غير مؤاخذٍ به؛ إذ ليس بعزيمة، إنما هو ترجيح من غير عزم. ولا شك أن النفس عندما تلاقي الحروب ومن يجالدها يزيد عليها مثلين وأكثر، يلحقها بعض الضعف عن الملاقاة، ثم يوطنها صاحبها على القتال فتثبت ﴿وَاَللَّهُ وَلِيُهُمَا﴾ أي: ناصرهما على ذلك الهم الشيطاني، الذي لو صار عزمًا لكان سبب شقائهما، فلعناية الله بهما برأهما الله من فعل ما همتا به (٤). فهمهما في الآية على ما ذكر مجرد حديث نفس وخاطر قلبي، بالتراجع عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ دعاهم إليه الضعف والوهن، ثم دفعه المولى سبحانه عنهما بفضله وعنایته. كما يدلل هذا على أن الهموم تتفاوت؛ فبعضها أعظم من بعض، وهم الجبن والانصراف عن المعركة ليس کالهم بقتل الرسول صلی الله عليه وسلم. وفي موقفٍ عظيم مهيب للمسلمين في صلاتهم، هم المشركون بالإغارة عليهم؛ إذ أنهم في موقف حرب -والحرب خدعةٌ- فعن خالد بن الوليد رضي الله عنه قال: (لما أراد الله عز وجل ما أراد بي من الخير قذف في قلبي الإسلام وحضرني رشدي، وقلت: قد شهدت هذه المواطن كلها على محمدٍ، فليس موطنٌ أشهده إلا أنصرف وأنا أرى في نفسي أني موضع في غير شيء، وأن محمدًا سيظهر، فلما خرج رسول الله إلى الحديبية خرجت في خيل المشركين، فلقيت رسول الله في أصحابه بعسفان فقمت بإزائه (١) مفاتيح الغيب، الرازي ٣٤٧/٨. (٢) أضواء البيان، الشنقيطي ٢/ ٢٠٧. (٣) المصدر السابق ٣٢٨/٣. (٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤ /٧٠. ٢٠٤ جوبيـ القرآن الكريم الهربالشی وتعرضت له، فصلى بأصحابه الظهر أمامنا، خلق ضعيفًا فقد ترديه نفسه الأمارة بالسوء والشيطان والهوى في شباك المعصية وفي فهممنا أن نغير عليه ثم لم يعزم لنا، وكانت فيه خيرٌ، فأطلع على ما في أنفسنا من الهموم فصلى بأصحابه صلاة العصر صلاة الخوف فوقع ذلك منا موقعا وقلت: الرجل ممنوعٌ)(١). ظل غياب الرقيب -في نفسه- فلم يغب الرقيب الأعلى سبحانه إنما غاب الإيمان في قلبه حين هم بمعصية الله، وفي قصر العزیز یقص الله علينا أحداث ذلك الهم وما آکی إلیه. فانتهى همهم هنا في صدورهم؛ إذ لم يتحقق عزمهم على الأمر أول مرة، ثم حمى الله عباده، بما شرع في الصلاة التي تليها -فلله الحمد من قبل ومن بعد- ثم كان وقوع هذا الأمر على مرأى من خالد بن الوليد، داعيته إلى الإسلام والإقبال على الدين. وهاتان الواقعتان تربيان في المسلم عظمة خالقه سبحانه المطلع على خلجات النفوس؛ فيرتجف قلبه رهبةً مما حاك في صدره مما لايرضى الله، فيسعى للخلاص منه. ثانيًا: الهم في ميادين الأخلاق: إن تربية المسلم نفسه على الفضائل من أوجب ما يجب عليه، وهو مطالبٌ بتهذيبها وتزكيتها، وأن يجنبها مداخل الشيطان التي يلج منها. والدنيا قد تتزين للعبد، ولكونه (١) أخرجه البيهقى في دلائل النبوة، باب ذكر إسلام خالد بن الوليد رضي الله عنه. ٣٣/٢. وانظر: أسباب النزول، الواحدي ص ١٢٠، المحرر في أسباب نزول القرآن، خالد المزيني ١ / ٤٣٧. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ، وَهَمَّ بِهَا لَوْلاً أَن رَّهَا بُرْهَنَ رَبِّهِ، كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوْءَ وَالْفَحْشَآءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤]. همت امرأة العزيز بالمعصية همًا مؤكدًا محققًا، أما هم يوسف عليه السلام فاختلف فيه المفسرون. ولئن عد البعض هذه المسألة شائكة واختلفت فيها الأقوال فإنه يتوقف ولا يخوض غمارها؛ لذا فإنني أفتتحها بذكر أقوال المفسرين حول هم يوسف عليه السلام؛ لتتبين المسألة بجلاء لمن لا يعرفها. وهذه الأقوال هي: * أنه هم بها أن يضربها حين راودته عن نفسه ولم یهم بمواقعتها. أن قوله: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾ كلامٌ تامٌ قد انتھی، ثم ابتدأ الخبر عن يوسف، فقال: ﴿وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَّمَا بُرْهَنَ رَبِّهِ﴾ ومعنى الكلام: لولا أن رأى برهان ربه لهم بها(٢). وحكم الطبري بفساده، (٢) النكت والعيون، الماوردي ٢٤/٣. www. modoee.com ٢٠٥ حرف الهاء فقال: ((يفسد هذا القول أن العرب لا يوسف عليه السلام هم بأن يفعل مع تلك المرأة مثل ما همت هي به منه. والقرآن تقدم جواب ﴿کژڵآ ﴾ قبلها، لا تقول: (لقد قمت لولا زید)، وهي تريد: (لولا زيد لقد قمت)، هذا مع خلافهما جميع أهل العلم بتأويل القرآن، الذين عنهم يؤخذ تأويله))(١). العظيم بين براءته - عليه الصلاة والسلام- من الوقوع فيما لا ينبغي. وتأويل هم يوسف بأنه قارب الهم ولم يهم بالفعل؛ كقول العرب: قتلته لو لم أخف الله. أي: قاربت أن أقتله. وتأويل الهم بأنه هم بضربها، أو هم بدفعها عن نفسه؛ فكل ذلك غیر ظاهرٍ، بل بعيدٌ من الظاهر ولا دليل عليه (٧). * هم یوسف بالمرأة، ولکن همه بها لم يكن عزمًا وإرادةً، وإنما كان تمييلًا(٢) بین الفعل والترك، ولا حرج في حدیث النفس إذا لم يقترن به عزمٌ ولا فعلٌ، وأصل الهم: حديث النفس حتى يظهر، فيصير فعلًا(٣). والقول الراجح في بيان همه عليه السلام على ما وجه أهل العلم؛ من وجهين: الوجه الأول: إن المراد بهم يوسف أنه هم بمواقعتها وعزم عليه (٤). وأن بها خاطرٌ قلبي صرفه عنه وازع التقوى، ابن عباس، سئل عن هم يوسف ما وقال بعضهم: هو الميل الطبيعي والشهوة الغريزية المزمومة بالتقوى، وهذا لامعصية بلغ؟ فقال: «حل الهميان، وجلس منها مجلس الخائن))(٥). فيه؛ لأنه أمرٌ جبلي لا يتعلق به التكليف؛ كما في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: أنه أنه لم يقع منه همّ بها ألبتة (٦). وظاهر الآية الكريمة قد يفهم منه أن كان يقسم بين نسائه فيعدل ثم يقول: (اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما لا أملك) (٨) يعني: ميل القلب الطبيعي. (١) جامع البيان، الطبري ٣٩/١٦. (٢) التمييل بين الشيئين: كالترجيح بينهما. وفي حديث أبي ذر: ((دخل عليه رجل فقرب إليه طعامًا فيه قلة فميل فيه لقلته، فقال أبو ذر: إنما أخاف كثرته ولم أخف قلته)). ميل أي: تردد هل يأكل أو يترك، تقول العرب: إني لأميل بين ذينك الأمرين، وأمايل بينهما أيهما آتي. انظر: لسان العرب، ابن منظور ١١ /٦٣٥. (٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٩/١٦. (٤) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٩ / ١٦٦. (٥) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٩/١٦. (٦) البحر المحيط ٦/ ٢٥٧. (٧) أضواء البيان ٢٠٥/٢. (٨) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب النكاح، باب ما جاء في التسوية بين الضرائر، رقم ١١٤٠، ٤٤٦/٣، وأبو داود في سننه، كتاب النكاح، باب فى القسم بين النساء، رقم ٢١٣٦، ٢٠٨/٢، والنسائي في سننه، كتاب عشرة النساء، باب ميل الرجل إلى بعض نسائه دون بعض، رقم ٣٩٤٣، ٧/ ٦٣، وابن ماجه في سننه، كتاب النكاح، رقم ١٩٧١، ١٤٤/٣، وأحمد في مسنده رقم ٢٥١١١، ٤٢ /٤٦. ٢٠٦ لِلْقُرْآن الكَرِيمِ الهم الشىء البارد، مع أن تقواه تمنعه من الشرب وهو صائم، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة كاملة)(١)؛ لأنه ترك ما تميل إليه نفسه بالطبع خوفًا من الله، وامتثالًا لأمره؛ كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ، وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْمَوَى ) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤٠-٤١] (٢) . قال شيخ الإسلام: ((وأما قوله: ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ، وَهَمَّ يِهَا لَوْلَا أَنْ رََّا بُرْهَنَ رَبِّهِ» ﴾ فالهم: اسم جنس تحته نوعان، كما قال الإمام أحمد: الهم همان: هم خطراتٍ وهم إصرار. وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن العبد إذا هم بسيئة لم تكتب عليه، وإذا تركها لله كتبت له حسنة، وإن عملها کتبت له سیئةٌ واحدةٌ، وإن تركها من غير أن يتركها لله لم تكتب له حسنة ولا تكتب عليه سيئة. ويوسف صلى الله عليه وسلم هم همًا تركه لله؛ ولذلك صرف الله عنه السوء والفحشاء لإخلاصه، وذلك إنما يكون إذا قام المقتضي للذنب والحديث معلول بالإرسال. (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب من هم بحسنة أو بسيئة، رقم ٦١٢٦، ٢٣٨٠/٥، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب إذا هم العبد بحسنة كتبت، رقم ٠٣٢٣/١،١٨٧ (٢) أضواء البيان ٢٠٥/٢. ومثال هذا: ميل الصائم بطبعه إلى الماء وهو الهم، وعارضه الإخلاص الموجب لانصراف القلب عن الذنب لله، فيوسف علیه السلام لم يصدر منه إلا حسنةٌ یئاب عليها، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ أَتَّقَوْاْ إِذَا مَسَّهُمْ طَيْفٌ مِّنَ الشَّيْطَنِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم تُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١]))(٣). الوجه الثاني: وهو اختيار أبي حيان: أن یوسف علیه السلام لم يقع منه هم أصلًا، بل هو منفي عنه لوجود البرهان. قال أبو حيان: ((طول المفسرون في تفسير هذين الهمين، ونسب بعضهم ليوسف ما لا يجوز نسبته لآحاد الفساق. والذي أختاره: أن يوسف عليه السلام لم يقع منه همّ بها ألبتة، بل هو منفي لوجود رؤية البرهان، كما تقول: لقد قارفت لولا أن عصمك الله، ولا تقول: إن جواب (لولا) متقدم عليها، وإن کان لا یقوم دلیل علی امتناع ذلك، بل صريح أدوات الشرط العاملة مختلفٌ في جواز تقدیم أجوبتها علیها. وقد ذهب إلى ذلك الكوفيون، ومن أعلام البصريين: أبو زيد الأنصاري، وأبو العباس المبرد. بل نقول: إن جواب (لولا) محذوفٌ لدلالة ما قبله عليه؛ كما يقول جمهور البصريين في قول العرب: أنت ظالمٌ إن فعلت. فيقدرونه: إن فعلت فأنت ظالم. ولا يدل قوله: أنت ظالم على ثبوت الظلم، بل هو مثبت على تقدير (٣) مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٦٢/٥. www. modoee.com ٢٠٧ حرف الهاء وجود الفعل. وكذلك هنا التقدير: (لولا أن استغفارهم ورجوعهم فور الذنب أو فعل رأى برهان ربه لهم بها)، فوجود الهم معلقٌ خلاف الأولى، فلما لم يذكر دل على عدم وقوع مالا يليق منه ولو یسیرًا، بل إن ما حصل منه حسنة تتول إلى الثواب، وتوجب المدح؛ إذ كف نفسه ابتغاء وجه الله فتركها من خشیته. علی تقدیر انتفاء رؤية البرهان، فلما وجد البرهان انتفى الهم - إلى أن قال ردًا على ابن عطية -: أما قوله: يرده لسان العرب. فلیس کما ذکر. وقد استدل من ذهب إلى جواز ذلك بوجوده في لسان العرب، قال الله تعالى: ﴿إِن كَادَتْ لَنُبْدِى بِه لَوْلاً أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ١٠]. قال شيخ الإسلام: ((وأما يوسف الصديق فلم یذکر الله عنه ذنبًا؛ فلهذا لم يذكر الله عنه ما يناسب الذنب من الاستغفار، بل قال: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءُ إِنَّهُ. فقوله: ﴿إِن كَادَتْ لَنُبْدِى بِ﴾ إما مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ فأخبر أنه صرف عنه السوء والفحشاء، وهذا يدل على أنه لم يصدر منه سوءٌ ولا فحشاء»(٢). ٢. أن الله عز وجل ذكر أنه صرف عنه السوء. فقال في ختام الآية: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَاَلْفَحْشَآءَ﴾ ذكر أنه من المخلصين، وهي إما بكسر اللام، أي: الذين أخلصوا طاعة الله. أو بفتح اللام، أي: الذين أخلصهم الله لرسالته، فكيف یکون موصوفا بهاتین الصفتين، وفيه هم أو ميلٌ للسوء؟! قال الرازي: «فكيف يليق برب العالمين ١. أن يوسف لم يقع منه الذنب، وإلا لكان أن يشهد في عين هذه الواقعة بكونه بريئًا من السوء مع أنه كان قد أتى بأعظم أنواع السوء استغفر بعده وذكر في الآية. والفحشاء. وأيضًا فالآية تدل على قولنا من فإن الله ذكر عن أنبيائه عليهم السلام (١) انظر: البحر المحيط ٢٥٧/٦. (٢) الفتاوى الكبرى، ابن تيمية ٢٦٢/٥. ٢٠٨ مَوَسُولَة النفسية القرآن الكريم أن يتخرج على أنه الجواب على ما ذهب إليه ذلك القائل، وإما أن يتخرج على ما ذهبنا إليه من أنه دليل الجواب، والتقدير: لولا أن ربطنا على قلبها لكادت تبدي به. وأما أقوال السلف فنعتقد أنه لا يصح عن أحدٍ منهم شيء من ذلك؛ لأنها أقوال متكاذبة یناقض بعضها بعضا، مع كونها قادحة في بعض فساق المسلمين؛ فضلا عن المقطوع لهم بالعصمة))(١). وذكر أهل العلم القائلين بذلك دلائل عدة تبين نفي الهم عن يوسف عليه السلام، منها: الهم الشىء وجه آخر؛ وذلك لأنا نقول: هب أن هذه الآية لا تدل على نفي هذه المعصية عنه، إلا أنه لا شك أنها تفيد المدح العظيم والثناء البالغ، فلا يليق بحكمة الله تعالى أن يحكي عن إنسان إقدامه على معصية عظيمة ثم إنه يمدحه ويثني عليه بأعظم المدائح والأثنية عقيب أن حكى عنه ذلك الذنب العظيم))(١). ٣. أن القرآن أکد همها. فقد أكد الفعل بـ (قد، ولام القسم)؛ لیفید أنها عزمت عزمًا محققًا، و كانت جادةً فیما راودته لا مختبرةً. والمقصود من ذکر همها به التمهید إلی ذکر انتفاء همه بها؛ لبيان الفرق بين حاليهما في الدين؛ فإنه معصوم(٢). فتأكید همها وتقديمه دلالة على الفارق الكبير بينهما، فقد عزمت، وهو لم یھم أصلًا. ٤. أن كل من كان له تعلق بتلك الواقعة شهد ببراءة يوسف عليه السلام من المعصية. ومن له تعلقٌ بهذه الواقعة: يوسف عليه السلام وتلك المرأة وزوجها، والنسوة، والشهود، ورب العالمين شهد ببراءته عن الذنب، وإبليس أقر ببراءته أيضًا عن المعصية (٣). ولا شهادة بعد شهادة القرآن ببراءته عليه الصلاة والسلام. (١) مفاتيح الغيب ٤٤٠/١٨. (٢) التحرير والتنوير ٢٥٢/١٢. (٣) مفاتيح الغيب ٤٤٠/١٨. وبهذين الجوابين نعلم أن يوسف عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام بريء من الوقوع فيما لا ينبغي، وأنه إما أن يكون لم يقع منه همّ أصلًا بناءً على أن الهم معلق بأداة الامتناع التي هي (لولا) على انتفاء رؤية البرهان، وقد رأى البرهان فانتفى المعلق عليه، وبانتفائه ينتفي المعلق الذي هو همه بها. كما تقدم إيضاحه في كلام أبي حيان. وإما أن يكون همه خاطرًا قلبيًا صرفه عنه وازع التقوى، أو هو الشهوة والميل الغريزي المزموم بالتقوى. كما سبق (٤). أما توجيه الروايات الواردة في ذلك، فقد نقل الألوسي في تفسيره عن الطيبي قوله - بعد أن اختار أن الهم هنا -: («همٌّ عارض، وهو: الخطرة وحديث النفس من غير اختیارٍ ولا عزم فقال: إن هذا التفسير هو الذي يجب أنّ نذهب إليه ونتخذه مذهباً، وإن نقل المفسرون ما نقلوا؛ لأن متابعة النص القاطع، وبراءة المعصوم عن تلك الرذيلة، وإحالة التقصير على الرواة أولى بالمصير إليه، على أن أساطين النقل المتقنين لم پرووا في ذلك شيئًا مرفوعًا في کتبھم، وجل تلك الروايات - بل كلها- مأخوذٌ من مسألة أهل الكتاب)». نعم قد صحح الحاکم بعضًا من الروايات التي استند إليها من نسب تلك الشنيعة إليه (٤) انظر: أضواء البيان ٢١٤/٢. www. modoee.com ٢٠٩ حرف الهاء عليه السلام، لكن تصحيح الحاكم محكومٌ لايرى إلا شهوته. ومايلبث أن يفيق حتى (١). عليه بعدم الاعتبار عند ذوي الاعتبار)) يرجع. والذي أميل إليه وأؤيده أنه عليه السلام لم يهم بها ألبتة؛ فرؤيته برهان ربه صرف عنه الهم بالسوء، وكيف لا يحفظ الله عبدًا خصه لرسالته من الهموم والخواطر الرديئة! وهو الولي الحفيظ، اللطيف الخبير سبحانه. نلحظ أن الباعث لامرأة العزيز على الهم بهذه المعصية هو المحبة؛ فالشهوات مزلقٌ خطیرٌ ينبغي أن یزم بزمام التقوى، وإلا عاش المرء حیاته کالمخمور بسکرة الهوى، (١) روح المعاني، الألوسي ٦/ ٤٠٧. وقال العلامة الشنقيطي («هذه الأقوال التي نسبت إلى العلماء منقسمة إلى قسمين: ١. قسمٌ لم يثبت نقله عمن نقله عنه بسند صحيح. وهذا لا إشكال في سقوطه. ٢. وقسم ثبت عن بعض من ذكر، ومن ثبت عنه منهم شيء من ذلك. فالظاهر الغالب على الظن المزاحم لليقين: أنه إنما تلقاه عن الإسرائيليات، لأنه لا مجال للرأي فيه، ولم يرفع منه قليل ولا كثير إليه صلى الله عليه وسلم. وبهذا تعلم أنه لا ينبغي التجرؤ على القول في نبي الله يوسف بأنه جلس بين رجلي كافرة أجنبية، يريد أن يزني بها، اعتمادًا على مثل هذه الروايات، مع أنّ في الروايات المذكورة ما تلوح عليه لوائح الكذب، كقصة الكف التي خرجت له أربع مرات، وفي ثلاث منهن لا يبالي بها، لأن ذلك على فرض صحته فيه أكبر زاجر لعوام الفساق، فما ظنك بخيار الأنبياء؟! مع ما تقدم من دلالة القرآن على براءته من جهات متعددة». انظر: أضواء البيان ٢/ ٢١٥. والهم في میدان الأخلاق یشمل کذلك: الآداب والفضائل التي ينبغي أن يتحلى بها المؤمن ويكون عليها؛ ليرتقي بأخلاقه، فينمي في نفسه كل هم يدعوه إلى السمو للمعالي وإن لم يكن واجبًا، ويحاول التخلص من كل هم يسقط همته، ويزري بها، وإن لم يكن حرامًا. وذكر عن الإمام الشافعي رحمه الله قوله: ((والله لو علمت أن الماء البارد يثلم من مرؤتي، ما شربته إلا حارًا))(٢). وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلةً، فلم يزل قائمًا حتی هممت بأمر سوء. قلنا: وما هممت؟ قال: هممت أن أُقعد وأذر النبي صلى الله عليه وسلم) (٣). فجعل رضي الله عنه همه للقعود وتحديث نفسه بذلك أمرًا سوءًا؛ لكونه مخالفًا للأدب معه صلی الله عليه وسلم. مع كون ذلك جائز منه -كما اتفق العلماء- سواء في فريضة أو نافلة (٤). (٢) طبقات الشافعية الكبرى، السبكي ٢/ ٧٢. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التهجد، باب طول القيام في صلاة الليل، رقم ١٠٨٤، ٣٨١/١، ومسلم في صحيحه، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل، رقم ١٨٦/٢،١٨٥١. (٤) شرح صحيح مسلم، النووي ٣/ ١٢٤. ٢١٠ القرآن الكريم الهيالشىء فمن أدبه لنفسه رضي الله عنه وسعيه للکمال لم يدع النبي صلی الله عليه وسلم ويجلس، رغم المشقة التي لحقته، وهكذا يأخذ المؤمن نفسه بكل مكرمة ترقيه عند الله عز وجل. ثالثًا: الهم في مجابهة الدعوة: اتحذ أعداء الله لمجابهة الدعوة طرقًا وأساليب يصدون بها عن سبيل الله، فتارةً يوجهون طعنهم لحامل الرسالة، وتارةً يطعنون فيما جاء به، وتارةً يقترحون الآيات، ويتعنتون في السؤالات، ويؤلبون الأعداء، ويحاولون ترويج الباطل على النبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه ما اسطاعوا إلى ذلك سبيل، والله متفضل على رسوله من الوقوع في حبائلهم. قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْتُهُ، لَمَّتِ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُونَ إِلَّ أَنْفُسَهُمّ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَىْءٍّ وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِنَبَ وَاَلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمَّ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ﴾ [النساء: ١١٣]. فقد كشفت الآية لرسول الله صلی الله عليه وسلم الأمر؛ ليقوم ميزان العدل. ويأبى الله إلا أن يحق الحق ويبطل الباطل، فهذه الآية نزلت في طعمة بن أبيرق(١)، واختلف (١) طعمة بن أبيرق بن عمرو الأنصاري ذكره أبو إسحاق المستملي في الصحابة وقال: «شهد في سبب نزولها فيه: فقال الحسن: إنه كان سرق درعًا وطعامًا فأنكره، واتهم غيره وألقاه في منزله، وأعانه قوم من الأنصار. وخاصم النبي صلی الله عليه وسلم عنه أو هم بذلك، فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية إلى قوله: ﴿ثُمَّيَّرْمِ بِهِ، بَرِيْئًا﴾ [النساء: ١١٢]. يعني: الذي اتهمه السارق وألقى عليه السرقة (٢). ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ﴾ [النساء: ١١٣]. أي: لولا أن الله تفضل عليك یا محمد، فعصمك بتوفيقه وتبيانه لك أمر هذا الخائن، فكففت لذلك عن الجدال عنه، ومدافعة أهل الحق عن حقهم قبله ﴿لَمَّت﴾ فرقة منهم، أن يزلوك عن طريق الحق؛ وذلك لتلبیسهم أمر الخائن علیه صلى الله عليه وسلم، وشهادتهم للخائن عنده المشاهد كلها إلا بدرًا». وقد تكلم في إيمان طعمة. انظر: الإصابة في تمييز الصحابة، ابن حجر ٥١٨/٣. (٢) مع اختلاف المفسرين في سبب النزول إلا أنهم متفقون على أنها في سارق بني أبيرق، وأخرج الترمذي القصة مطولة في سننه، أبواب تفسير القرآن، باب ومن سورة النساء، رقم ٢٤٤/٥،٣٠٣٦. وقال الدكتور خالد المزيني في المحرر في أسباب نزول القرآن ٤٤٤/١ : وكونها سببا لنزول الآيات، فالسبب المذكور في نزولها معلول بالإرسال، ولعله يتأيد بموافقته للسياق القرآني، واعتماد المفسرين عليه في نزول الآيات والله أعلم. www. modoee.com ٢١١ حرف الهاء بأنه بريء مما ادعي عليه، ومسألتهم إياه أن من مؤمنيهم، وخلقٌ مقصود من منافقيهم، عصم الله رسوله منه»(٥). يعذره، وما يضل هؤلاء إلا أنفسهم (١). وقيل: ﴿لَمَّت﴾ معناه: لجعلته همها وشغلها حتى تنفذه، والمعنى: ولولا عصمة الله لك لكان في الناس من يشتغل بإضلالك ويجعله هم نفسه، كما فعل هؤلاء، لكن العصمة تبطل كيدهم(٢). والظاهر أن الهم هنا بمعنى: العزم على إضلاله عن الحق في هذه الواقعة؛ لعلمهم أنه سارق، ثم هم یجادلون عنه، ويطلبون من النبي صلى الله عليه وسلم ذلك. فقد قيل: إن قوم طعمة كانوا قد عرفوا أنه سارق، ثم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يدفع ويجادل عنه، وينسب السرقة إلى اليهودي، فتعاونوا على الإثم والعدوان (٣). وحتى على فرض أنهم لم يكونوا يعلمون، بل قالوا ذلك ظنًا منهم أنه لم يسرق (٤) فحينها سيكون عزمهم أشد، وطلبهم من النبي صلى الله عليه وسلم المدافعة عنه أقوى وأكثر؛ جهلا منهم بحقيقته. فتبين أن همهم هنا عزمٌ مؤكد منهم، سواء من علم، أو من لم يعلم منهم أنه سرق، فكان كما قال ابن عطية: ((معصيةٌ (١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٩٩/٩. (٢) البحر المحيط ٤ / ٦١. (٣) انظر: مفاتيح الغيب ٢١٦/١١. (٤) انظر: أحكام القرآن، الجصاص ٢٦٦/٣. رابعًا: الهم بإيذاء الرسل والدعاة: من عناية الله بخلقه أن أرسل الرسل وأنزل الكتب؛ لئلا يكون للناس حجةٌ؛ فسعوا في الأرض ينشرون دينه، لا يرجون أجرًا ولا يتطلعون لدنيا. ومع ذلك نجد من طبع الله على قلبه سخر وقته للنيل منهم، فآذوهم، وطردوهم، ونقضوا عهودهم، وأغروا بهم سفهاءهم، ومن لم يستطع منهم ذلك فإنه لم یأل جهده في العزم عليه، والسعي له، والفرح به إن تحقق، ومن منة الله على عباده: حفظهم من كيد أعدائهم وهمهم السيء بهم. قال تعالى: ﴿يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمُ أَنْ يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المائدة: ١١]. اختلف المفسرون فى سبب نزول الآية وأشهر ما ذكر: ((أن رجلًا من أصحاب رسول الله صلی الله علیه وسلم قتل رجلین من بني سلم وبين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قومهما موادعة، فجاء قومهما يطلبون الدية فأتى النبي صلى الله عليه (٥) المحرر الوجيز، ابن عطية ٢/ ١٩٣. مَوَسوبرا القرآن الكريمِ ٢١٢ الهم الشىء وسلم ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة وعبد الرحمن بن عوف -رضوان الله علیھم أجمعین-، فدخلوا علی کعب بن الأشرف(١) وبني النضير يستعينهم في عقلهما، فقالوا: يا أبا القاسم قد آن لك أن تأتینا وتسألنا حاجةً، اجلس حتى نطعمك ونعطیك الذي تسألنا، فجلس هو وأصحابه، فجاء بعضهم ببعض وقالوا: إنكم لم تجدوا محمدًا أقرب منه الآن، فمن یظهر على هذا البيت فيطرح عليه صخرةً، فيريحنا منه؟ فقال عمر بن جحاش بن كعب(٢): أنا، فجاء إلی رحی عظيمة ليطرحها علیه، فأمسك الله تعالى يده، وجاء جبريل عليه السلام وأخبره بذلك، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنزل الله تعالى هذه الآية))(٣). وورد أيضًا عن جابر رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل منزلًا وتفرق (١) كعب بن الأشرف الطائي، من بني نبهان: شاعر جاهلي. كانت أمه من بني النضير فدان باليهودية، وكان سيدًا في أخواله. أكثر من هجو النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وتحريض القبائل عليهم وإيذائهم، والتشبيب بنسائهم. أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله، فانطلق إليه خمسة من الأنصار فقتلوه في ظاهرٍ حصنه، وحملوا رأسه إلى المدينة. انظر: الأعلام، الزركلي ٢٢٥/٥. (٢) عمرو بن جحاش بن كعب بن بسيل النضري، أخو بني النضير. انظر: الطبقات الكبرى، ابن سعد ٢/ ٥٧. (٣) انظر: أسباب النزول، الواحدي ص١٢٩، جامع البيان، الطبري ١٠/ ١٠١. الناس فى العضاه يستظلون تحتها، فعلق النبي صلى الله عليه وسلم سلاحه بشجرة، فجاء أعرابي إلى سيف رسول الله صلى الله علیه وسلم وأخذه فسله، ثم أقبل على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: من يمنعك مني؟ والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (الله)، فشام (٤) الأعرابي السيف، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه فأخبرهم خبر الأعرابي، وهو جالسٌّ إلى جنبه لم يعاقبه)(٥). وقصة هذا الأعرابي - وهو غورث بن الحارث - ثابتة في الصحيح (٦). وجعل الطبري القول الأول أولى الأقوال (٤) الشين والياء والميم: أصلان متباينان، وكأنهما من باب الأضداد إذ أحدهما يدل على الإظهار، والآخر يدل على خلافه. تقول: شمت السیف، إذا سللته. وشمت السيف، إذا قربته. انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٢٣٦/٣. (٥) انظر: أسباب النزول، الواحدي ص١٢٩، جامع البيان، الطبري ١٠/ ١٠٦. (٦) غورث بن الحارث الذي قال: من يمنعك مني؟ قال: الله. فوضع السيف من يده. ذكر بعضهم أنه أسلم، والصحيح أنه لم يسلم كما قال ابن حجر في الإصابة. انظر: الإصابة، ابن حجر ٣٢٨/٥. وقصته أخرجها البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب غزوة ذات الرقاع، رقم ٣٩٠٥، ١٥١٥/٤، ومسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب توكله على الله تعالى وعصمة الله تعالى له من الناس، رقم ٨٤٣، ١٧٨٤/٤. www. modoee.com ٢١٣ حرف الهاء بالصحة(١). كما أن كف اليد مجاز عن الإعراض عن بينما رد ابن عاشور ذلك، وذكر أن السوء خاصة. المراد: ((قومٌ يعرفهم المسلمون يومئذ؛ فيتعين أن تكون إشارة إلى واقعة مشهورة أو قريبة من تاريخ نزول هذه السورة))(٢). وأيا كان سبب نزول الآية ومن المراد بها، ففيها تذكير بنعمته تعالى لما قصد قوم وهموا بقتل الرسول صلى الله عليه وسلم، أو قتل المسلمين، أو أن ينالوهم بشرٍ، فمنعهم الله، وحفظ عباده المؤمنين. والهم هنا قيل إنه: حديث النفس بالفعل، ويقال: أهم بالشيء واهتم به، إذا عني به (٣). والذي يظهر لي أنهم قد حدثوا أنفسهم بالتخلص من النبي صلى الله عليه وسلم أو المؤمنین، ولکن لم يقف همهم عند هذا الحد من إضمار الغدر بالنبي صلى الله عليه وسلم في أنفسهم، بل إنهم عزموا على التخلص منه والفتك به عزمًا جازمًا، في محاولة بيتوا فيها الغدر والخيانة؛ إذ لم يقدروا على ذلك علانية. فأظهر الله مكرهم وأبطل كيدهم وحمى أهل طاعته. والتعبير ببسط اليد يوحي بذلك، فبسط اليد مجاز في البطش. ولقتالهم ثلاثة أسباب یوجبه كل واحد قال تعالى: ﴿وَيَبْسُطُوَاْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم منها بانفراده فكيف بها مجموعة؟! وهي: [الممتحنة: ٢]. بالسّوءِ (١) جامع البيان، الطبري ١٠/ ١٠٧. (٢) انظر: التحرير والتنوير ٦/ ١٣٧. (٣) تفسير السمعاني ٢/ ١٩. قال تعالى: ﴿وَكَفَّ أَيْدِىَ النَّاسِ عَنكُمْ﴾ [الفتح: ٢٠](٤). فالهم هنا بمعنى العزم المؤكد على إيقاع السوء به صلى الله عليه وسلم. وظاهر الآية والسنة الصحيحة الصريحة يدلل على ذلك. وهؤلاء قومٌ ديدنهم الخيانة والغدر والفتك بالداعین إلى الله، فأصبح لا يجدي معهم إلا أن تستأصل شأفتهم، ويقطع دابرهم. يقول تعالى ذكره للمؤمنين بالله ورسوله، حاضًا لهم على جهاد أعدائهم من المشركين: ﴿أَلَا تُقَيِّلُونَ قَوْمًّا نَّكَنُوا أَيْمَنَهُمْ وَهَمُواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَهُوكُمْ أَوَّلَـ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمَّ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١٣]. ألا تقاتلون هؤلاء المشركين الذين نقضوا العهد الذي بينكم وبينهم، وطعنوا في دینکم، وظاهروا علیکم أعداءكم، وهموا بإخراج الرسول من بين أظهرهم فأخرجوه(٥). (٤) انظر: التحرير والتنوير ١٣٨/٦. (٥) جامع البيان، الطبري ١٤ / ١٥٨. ٢١٤ جوية القرآن الكريم الهمبالشىء ١. نكثهم العهد؛ حيث نكث كفار مكة أن يقاتلوا هؤلاء الكفرة أئمة الكفر(٢). أيمانهم بعد عهد الحديبية، وأعانوا بني بكر علی خزاعة. ٢. همھم بإخراج الرسول؛ فإن هذا من آكد ما يجب القتال لأجله. سواءً إخراجه من مکة حین هاجر، أو من المدينة لما أقدموا عليه من المشورة والاجتماع على قصده بالقتل. أو هموا بإخراجه من حيث أقدموا على ما يدعوه إلى الخروج وهو نقض العهد، وإعانة أعدائه، فأضيف الإخراج إليهم توسعًا لما وقع منهم من الأمور الداعية إليه. وقوله: ﴿وَهَنُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ﴾ إما بالفعل وإما بالعزم عليه، وإن لم يوجد ذلك الفعل بتمامه. ٣. قوله: ﴿وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّكَـ مَرَّةٍ﴾ إما بالقتال يوم بدر؛ لأنهم حين سلم العير قالوا: لا ننصرف حتى نستأصل محمدًا ومن معه. أو أراد أنهم قاتلوا حلفاء خزاعة فبدءوا بنقض العهد -على قول الأكثرین- وإنما قال: ﴿بَدَهُوَكُمْ ﴾ تنبيهًا على أن الباديء أظلم(١). والتحضيض معناه: الطلب بحثٍ وشدةٍ. والمعنى: إن الله هنا طلب منهم بحثٍ وشدة فجعل همهم بإيذاء الرسل والداعين إلى الله، من آكد الأسباب التي تستوجب قتالهم وقطع دابر هم، سواء وقع ذلك منهم بالفعل، أو لم يقع، وظاهره أن همهم هنا بمعنى العزم، فقد دلت آيات أخر على حرصهم علی ذلك کل الحرص، وسعیھم إلیه بکل سبیل. قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُشْبِتُوَكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكٌ﴾ [الأنفال: ٣٠]. وقال أيضًا: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِرُونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذَا لَّا يَلْبَثُونَ خِلَفَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٦]. ثم إنه بعد هذا الحث أمر بقتالهم صراحة: ﴿قَتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرَّكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُوَرَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١٤]. وفي الآية السابقة تهديد للكفار والمنافقين وإنذارٌ لهم، وفي الآية التالية يدعوهم إلى التوبة؛ فقد تردى حالهم من الاستهزاء بالله ورسوله، وإضمار النفاق، والأيمان الكاذبة، والهم بالسوء. قال تعالى: ﴿يَخْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ أَلْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلَمِهِمْ (١) مفاتيح الغيب ١٥/ ٥٣٥. (٢) العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير، ٣٠٧/٥. www. modoee.com ٢١٥ حرف الهاء وَهَمُواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ وَمَا نَقَمُواْ إِلَّ أَنْ أَغْنَبِهُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُ مِن فَضْلِهِ، فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْرًا أَّهُوَّ وَإِن يَتَوَّلَّوْاْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِىِ الدُّنْيَا وَاْآَخِرَةَّ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [التوبة: ٧٤]. فقد كان المنافقون إذا خلا بعضهم إلى بعض سبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فنقل ذلك له، فلما كلمهم حلفوا ما قالوا شيئًا من ذلك، فأنزل الله الآية إكذابًا لهم. وقيل في سبب نزولها أيضًا: ((اقتتل رجلان؛ رجل من جهينة ورجل من غفار، فظهر الغفاري، فنادی ابن أبي: يا بني الأوس انصروا أخاكم، فوالله ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل: سمن كلبك يأكلك، فوالله ﴿لَيْن رَّجَعْنَآ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَ الْأَعَزُّمِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨]. فسمع بها رجل من المسلمين، فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فأرسل إليه، فحلف بالله ما قال، وأنزل الله الآية))(١). وقيل: «كان الجلاس بن سويد(٢) ممن (١) أسباب النزول، الواحدي ص ١٦٩. (٢) الجلاس بن سويد بن الصامت من بني حبيب ابن عمرو بن عوف، كان متهما بالنفاق، وهو ربيب عمير بن سعد زوج أمه، وهو ممن تخلف من المنافقين في غزوة تبوك، وكان يثبط الناس عن الخروج. نزل فيه قرآن، وقيل: «إنه تاب بعد ذلك وحسنت توبته)). تخلف عن رسول الله صلی الله عليه وسلم في تبوك وقال: لئن كان هذا الرجل صادقًا لنحن شر من الحمير، فرفع عمير بن سعيد ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحلف ما قلت، فأنزل الله الآية))(٣). والأقوال تدل على أن المنافقين حلفوا كذبًا على كلمة كفر تكلموا بها أنهم لم يقولوها أيا كانت هذه الكلمة من إيذاء للنبي صلى الله عليه وسلم أو المؤمنين أو الطعن في دينهم وعن من صدرت من المنافقين. ثم ترتب على ذلك أن هموا بأمر، وثم دسيسة سوء بيتوها، ففضحهم الله عز وجل. فقيل: هم المنافقون بقتل المسلم الذي سمع قولهم: لنحن شرٌّ من الحمير؛ لكي لا يفشيه. وقيل: قالوا إذا قدمنا المدينة عقدنا علی رأس عبد الله بن أبي تاجًا، فلم يصلوا إليه (٤). وربما كان همهم بأمر آخر لاعلاقة له بما وقع عليه الحلف، وفيه إيذاء للنبي صلى الله علیه وسلم؛ حیث إن هذه الروایات کما قال صاحب الظلال: ((لا تنسجم مع قوله: ﴿وَهَقُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ﴾ [التوبة: ٧٤]))(٥). وورد في سبب نزولها: هموا أن يدفعوا انظر: الإكمال، ابن ماكولا ١٧٠/٣، الوافي بالوفيات، الصفدي ١١/ ١٣٧. (٣) لباب النقول، السيوطي ص ١١٥. (٤) معالم التنزيل، البغوي ٤/ ٧٥. (٥) في ظلال القرآن ٣/ ١٦٧٧. ٢١٦ جوب القرآن الكريمِ الهيالشی ليلة العقبة، وكانوا قومًا قد أجمعوا على أن بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمَّ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابٍ﴾ [غافر: ٥]. يقتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم معه يلتمسون غرته حتى أخذ في عقبة، فتقدم بعضهم وتأخر بعضهم، وذلك كان ليلًا قالوا: إذا أخذ في العقبة دفعناه عن راحلته في الوادي، وكان قائده في تلك الليلة عمار بن ياسر وسائقه حذيفة، فسمع حذيفة وقع أخفاف الإبل، فالتفت فإذا هو بقوم متلثمین، فقال: إلیکم یا أعداء الله فأمسكوا، ومضى النبي عليه الصلاة والسلام حتى نزل منزله الذي أراد، فأنزل الله تعالى قوله: ﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُواْ﴾(١). فهذه الواقعة تصور ما بیتوه مستخفین فیه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأطلعه عليه من علم السرائر جل وعلا. فلم يكتفوا بالتكذيب والاستكبار والتجبر في الأرض بغير الحق، حتى وجهوا سهامهم ليبطشوا برسلهم ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَِّم بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾ [غافر: ٥]. أي: ليحبسوه ويعذبوه، وقيل: ليقتلوه. والأخذ يرد بمعنى الإهلاك، كقوله: ﴿ثُمَّأَخَذْتُهُمَّ فَكَيْفَ كَانَ تَكِيرٍ﴾ [الحج: ٤٤] (٢). واختير هذا الفعل (الأخذ) هنا ليشمل مختلف ما همت به كل أمةٍ برسولها من قتل أو غيره، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُشْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ [الأنفال: ٣٠]. والمعنى: إن الأمم السابقة من الكفرة لم وهمهم لقتل النبي صلى الله عليه وسلم يقتصروا على تكذيب الرسول، بل تجاوزوا ذلك إلى غاية الأذى من الهم بالقتل كما حكى الله عن ثمود: ﴿قَالُواْتَقَاسَمُواْ بِاللَّهِ ◌َتُبَسْتَنَّهُ وَأَهْلَهُ، ثُمَّ لَقُولَنَّ لِوَلِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ، وَإِنَّا لَصَدِقُونَ﴾ [النمل: ٤٩]. أو إخراجه من المدینة، أو قتل رجل من المسلمين، وإن لم ينالوه، فهو همّ محقق بمعنى العزم دل عليه ظاهر الآية. والدلالة نفسها تحملها آية غافر في بيان حال أعداء الله مع رسل الله، وما هموا به من أمور تستوجب قتالهم وأخذ الله لهم بجريرة مافعلوا. قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوُجِ وَالْأَخْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمٌّ وَهَمَّتْ كُلُّ أُنَِّ بَِسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهٌ وَحَدَلُواْ بِالْبَطِلِ لِيُدْحِضُواْ (١) أسباب النزول، الواحدي ص ١٦٩. وقد تآمر كفار قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة دار الندوة ليقتلوه، بأن يتجمع نفر من جميع عشائرهم فيضربوه بالسيوف ضربة رجل واحد؛ كي لا يستطيع (٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٩٣/١٥. www. modoee.com ٢١٧ حرف الهاء أولياؤه من بني هاشم الأخذ بثأره(١). وقد حيث القتال والهزيمة والفرار، يمحص الله بابتلاءاته القلوب، فيطفو النفاق جليًا حرصوا على قتله بكل ممكن، ومن الأمم من قتل رسوله(٢). على بعض النفوس الظآنة ظن الجاهلية، ويحملها على لوم النفس - لما هي هاهنا- حتى حل الفزع منها محل النوم. فأخذ الله الأمم عقوبة لهم على همهم برسلهم فأهلكهم واستأصلهم. وتفريع قوله: ﴿فَأَخَذْتُهُمْ﴾ على قوله: ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾ إنذار المشركين أن همهم بقتل الرسول صلی الله عليه وسلم هو منتهى أمد الإمهال لهم، فإذا صمموا العزم على ذلك أخذهم الله كما أخذ الأمم المكذبة قبلهم، حين همت كل أمة برسولهم ليأخذوه، فإن قريشًا لما هموا بقتل الرسول صلى الله عليه وسلم أنجاه الله منهم بالهجرة ثم أمکنه من نواصیھم یوم بدر (٣). فالهم الواقع من أعداء الله لأوليائه من الرسل والدعاة، لا ريب أنه عزمٌ منهم على الأخذ، تعذيبًا وقتلًا ونحوه. خامسًا: الاشتغال والعناية بالنفس الداعية للهم: المؤمن الحق يرخص روحه في سبيل نصرة دين الله وحماية رسوله، أما المنافق فهمه نفسه وحمايتها؛ سلم غيره أم لا فمن همه بنفسه اشتعل صدره خوفًا وقلقًا لتخليصها كيفما اتفق. وفي ميدان (أحد) (١) التحرير والتنوير ٢٤/ ٨٥. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧/ ١٢٩. (٣) التحرير والتنوير ٢٤/ ٨٥. جَوْسُورَةُ النَّفِيَّة القرآن الكريم قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَيِّ أَمَنَةً نُّمَاسًا يَغْشَى طَآَيِفَةٌ مِّنْكُمْ وَطَايِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن ثَوْءُ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِىّ أَنْفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكٌ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَىْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَذَهُنَّأُ قُل لَّوْ كُمْفِ بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَّ أَلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِىَ اَللَّهُ مَا فِ صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِى قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌبِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾ [آل عمران: ١٥٤]. يقص الله عز وجل في الآية أحداث ماجرى، حيث أنزل على المؤمنين من بعد الغم الذي أصابهم أمنةً؛ وهي الأمان على أهل الإخلاص منهم واليقين، دون أهل النفاق والشك. وهذه الأمنة التي أنزلها عليهم، هي النعاس وطائفة قد أهمتهم أنفسهم -وهم المنافقون- لا هم لهم غير أنفسهم، فهم من حذر القتل على أنفسهم، وخوف المنية عليها في شغل، قد طار عن أعينهم الكرى، يظنون بالله الظنون الكاذبة، ظن الجاهلية من أهل الشرك بالله، شكّا في أمر الله، ٢١٨