النص المفهرس
صفحات 21-36
الهزيمة النجاح والنصر في مختلف المعارك وفي مختلف العصور، فالمحارب الذي انكب على النهر یشرب من مائه حتى يمتلئ وهو في طريقه مباشرة إلى الميدان، محكوم عليه مسبقا بالهزيمة والخسران، إذ هو محارب فاقد للصبر، غير قادر على الاحتمال، قد أثقله العرق وأبطأ به اللهث، وقد أعطى الدليل قبل دخول المعركة وهو في طريقه إليها على أنه لا يعير لأوامر قائده الأعلى أدنى اهتمام، بل إنه يعصي هذه الأوامر دون تردد ولا إحجام، فهل يعتمد على مثل هذا في الحصول على النصر، أم أنه عامل أساسي من عوامل الهزيمة؟، وإن المحاربين المتحلين بروح الامتثال والطاعة لقيادتهم، هم الذين تحملوا عبء المعركة، وهو من الأسباب المباشرة في كل هزيمة لحقت المسلمين، مثل أحد والغزوات والمعارك التي بعدها (١). قال تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَبَتَّكُمْ قُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّ هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندٍ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [آل عمران: ١٦٥]. الخذلان والرسول معنا؟!؛ فالجواب قل (١) انظر: التيسير في أحاديث التفسير، محمد المكي الناصري ١ / ١٦٢. دون تردد ولا اعتراض، فهذا هو مفتاح لهم إن هذا الانكسار والهزيمة بسبب مخالفتكم، فأنتم الذين خالفتم أمر قائدكم حين أبيتم إلا الخروج من المدينة مع أن النبي صلى الله عليه وسلم أشار عليكم بالبقاء فيها، وأنتم الذين خالفتم وصيته أيها الرماة بترككم أماكنكم التي حددها لكم وأمركم بالثبات فيها، وأنتم الذين تطلعت أنفسكم إلى الغنائم فاشتغلتم بها وتركتم النصيحة، وأنتم الذين تفرقتم عن رسول الله في ساعة الشدة والعسرة، فلهذه المخالفات التي نبعت من أنفسكم أصابکم ما أصابكم في أحد ولذلك خذلتم، وأصابتكم هذه المصيبة عقوبة لمعصيتكم لنبيكم (٢). إن الذين يظنون أن النصر دائمًا في جانب المسلمين مهما عصوا وخالفوا أوامر الله، يجيبهم الله عن تساؤلهم موبخًا ومقرعًا لهم بأن ما وقع حدث بشؤم معصيتكم لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين أمركم ألا تبرحوا مكانكم؛ فانهزمتم وأذاقكم الله الغم بفعلكم. قال تعالى: ﴿فَأَثَبَكُمْ عَمَّا بِغَرٍ لِكَيْلَا تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَآ أَصَلَبَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ فعندما تقولون: من أين جاءنا هذا [آل عمران: ١٥٣]. فقد غممتم رسول الله صلى الله عليه (٢) انظر: الجواهر الحسان، الثعالبي ٣٣٠/١، بيان المعاني، العاني ٤٢٣/٥، التفسير الوسيط، سيد طنطاوي ٣٢٨/٢. www. modoee.com ١٨٣ حرف الهاء وسلم بمخالفة أمره، فجزاكم الله بذلك الغم القتل والهزيمة عقوبة لكم على مخالفته، ففاتتکم بذلك الغنيمة، فقد جعل الله المسببات نتائج للأسباب، فکل عسکر يعصي قائده ويكشف ظهره لعدوه يصاب بمثل ما أصبتم به(١) . أنواع الهزائم الهزائم على نوعين: أولًا: الهزيمة العسكرية: وإن من سنن الله في خلقه أنه جعل الحياة صراعًا دائمًا بين الحق والباطل، ونزاعًا موصولًا بين الأخيار والأشرار، فالحرب سنة طبيعية في الخلق من يوم أن اقتتل ابنا آدم، وهي على ما فيها من ضرر وخطر لا تخلو من نفع وخير؛ إذ لولا أن الله يدفع الناس بعضهم ببعض، ويسلط جماعة على جماعة لفسدت الأرض وعمت الفوضى بغلبة الكفر، وتمكن الطغيان وأهل المعاصي، ولانتشر الظلم وهدمت أماكن العبادة التي يذكر فيها اسم الله، فلو ترك الفاسقون من غير أن يدافعوا ويقاوموا لنشروا فسوقهم وفجورهم وطغيانهم في الأرض، ولكن الله ذو فضل على الناس جميعا حيث يسلط على الظالم من يبيده ویهلكه، فإذا نبت ظالم آخر أرسل له من يفتك به، وهكذا ينصر الله رسله بالغيب، وفي قصة المؤمنين من بني إسرائيل مع طالوت ما يدل على تجلي عظمة الله وقدرته بأجلى مظهر، فقد هزمت الفئة القليلة الفئة الكثيرة بإذن الله وإرادته هزيمة عسكرية بالقتال. (١) انظر: لباب التأويل، الخازن ١/ ٤٣٤، السراج المنير، الشربيني ٢٠٦/١، أيسر التفاسير، أسعد حومد ص٤٥٩. قال تعالى: ﴿فَهَزَمُوهُمْ يِذْنِ اللّهِ ١٨٤ القرآن الكريم الهزيمة وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُونَ وَءَاتَنَهُ اللهُ الْمُلْكَ وَاَلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِنَا يَشَاءُ وَلَوْلًا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى [البقرة: ٢٥١]. الْعَلَمِينَ فانکسر عدوهم رغم کثرته، وقتل رأس الطغيان وقائد الجبابرة واندحر جيشه، فلم يبق منهم أثر ولا عين، وفي ذلك ترغيب للمؤمنين في الجهاد، وتحذير من الضعف والفرار حذر الموت (١). والهزيمة هنا تدل على فرار الجند والعسكر خوفًا من القتل، فقد كسروهم كسرةً انتهت بدفعهم من المعركة، وهروبهم منها مقهورين مغلوبین، وقد تكون الهزيمة بدون إبادة كل الجنود، بل بقتل أئمة الكفر فيهم، بدليل قوله تعالى: ﴿وَقَّتَلَ دَاوُودُ جَالُونَ﴾ وهو زعيم جيش الكفار الذي هرب، فطارده داود وقتله(٢). وقال تعالى: ﴿جُنَّدٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّنَ الْأَحْزَابِ ﴾ [ص: ١١]. أي: هؤلاء الجند المكذبون الذين هم في عزة وشقاق سیهزمون ویغلبون ویکبتون (١) انظر: لطائف الإشارات، القشيري ١٩٤/١، التفسير الواضح، محمد محمود حجازي ١/ ١٦٤، التفسير الوسيط، سيد طنطاوي ١/ ٥٧٧. (٢) انظر: المنار، محمد رشيد رضا ٣٨٩/٢، تفسير الشعراوي ٢/ ١٠٥٧. كما كبت الذين من قبلهم من الأحزاب المكذبين، أخبر الله نبيه وهو بمكة أنه سيهزم جند المشركين، واسم الإشارة يدل على مصارعهم في بدر فكفار مكة وأحزابهم سيهزمون، وقد تحقق وعد الله فقهروا وأهلكوا(٣). وقال تعالى: ﴿سَيُّهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُونَ الدُّبُرَ ٥﴾ [القمر: ٤٥]. وكان ذلك يوم بدر والمعنى: هؤلاء الجمع المكذبون سيهزمون ويغلبون، ويكبتون كما كبت الذين من قبلهم من الأحزاب الذين تحزبوا على الرسل، فذاقوا الهزيمة وقهروا وغلبوا، وإنَّ أهل مكة الذين قالوا واثقين بشوكتهم: نحن جماعة أمرنا مجتمع، ونحن جماعة منصورون، سيهزمون ويتفرق شملهم، ويغلبون حين يلتقي جيشهم وجيش المؤمنين، وهذا من أخبار الغيب ودلائل النبوة، حيث هزمت جموعهم، وولوا الأدبار، وفروا من أمام جيش المسلمين، فالله توعدهم بقتل صناديدهم وبانصرافهم من الحرب منهزمین. وفي الإفراد في قوله ﴿الدُّبْرَ ﴾ إشارة إلى أنهم في التولية والهزيمة كنفس واحدة، فلا يتخلف أحد عن الهزيمة، ولا يثبت أحد (٣) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٨٠٤/٦، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٨/٧، التفسير الواضح، محمد محمود حجازي ٣ / ٥٧٦. www. modoee.com ١٨٥ حرف الهاء للزحف، فهم في ذلك كرجل واحد، أو إنَّ کل واحد من الجيش منھم یولي دبره ويفر هاربًا(١). والتعبير بالسين لتأكيد أمر هزيمتهم في المستقبل القريب، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَيِفْسَ الْمِهَادُ (١)﴾ [آل عمران: ١٢]. لقد قالها الرسول مبلغًا عن الله، والمسلمون في حالة من الضعف واضحة، فتساءل عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أي جمع هذا الذي سیهزم؟، والمسلمون ضعاف لا يقدرون على ذلك، ولا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم، وأسباب الانتصار غير موجودة، لكن الواقع جاء لیثبت صدق الحق في قوله تعالى: ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾، فقد تم انتصار المسلمين بالفعل، فهزموا الكافرين وغلبوهم، وجعلوهم يولون الدبر(٢). وقال تعالى: ﴿قَتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَصُرَّكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُوَرَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْطَ قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ١٤ -١٥]. (١) انظر: تفسير السمرقندي ٣٧٥/٣، لباب التأويل، الخازن ٢٢١/٤، نظم الدرر، البقاعي ١٩/ ٩٣، البحر المديد، ابن عجيبة ٥٣٤/٥. (٢) انظر: نظم الدرر، البقاعي ٢٧ /٩٨، تفسير الشعراوي ١٢٩٦/٢، التفسير الوسيط، سيد طنطاوي ١٤ / ١١٩. أي: قاتلوا هؤلاء الكفار، فإنهم إذا جاء الوغی یفرون ویولونکم الأدبار، بل وتنزلون فيهم الذل والخزي وتشفون صدوركم منهم قتلا وأسرًا، والدليل هزيمتهم يوم بدر وتولیھم الأدبار يومئذ، حيث قتل رؤساء الشرك وأساطين الكفر، كذلك توليهم الأدبار في جمع آخر وهو جمع الأحزاب في غزوة الخندق؛ حيث فروا بالليل منهزمين مقهورین(٣). ومع قصة الخندق وغزوة الأحزاب لنا حديث في تحديد نوع الهزيمة، فلقد جمع الكفار جموعهم على إبادة المسلمين و استئصال شأفتهم، لكن الله هزمهم وردهم بغيظهم لم ينالوا خيرًا، وكفى الله المؤمنين القتال، فالشاهد هنا هو أن الكفار هزموا واندحروا وولوا الأدبار من دون قتال، فالهزيمة العسكرية لها وجه آخر، وهو (عدم تحقيق الأهداف)، فإذا عجز الخصم عن تحقيق أهدافه ورجع من حيث أتى فقد هزم عسكريًّا، وكما يقولون: (إذا لم يستطع القوي أن ينتزع استسلامًا من الضعيف فقد هزم هزيمة نكراء). بقي أن ننوه لموضوع مهم في هذا المطلب وهو: الإعداد الجيد لهزيمة الأعداء عسکریًّا، أمر الله المسلمین بإعداد القوة لكبح جماح أعداء الإسلام، بشكل (٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢١٣/٢٧. ١٨٦ القرآن الكريمِ الهزيمة عام، وخصَّ كتاب الله بالذكر من بين أنواع بالنسبة للعرض، والروح بالنسبة للجسد، فالقوة الروحية في نظر الدين والأخلاق، القوة الخيل، وقد كانت الخيل فى الحروب الماضية تحتل مكانًا بالغ الأهمية، وذكر (الخيل) هو إنما ورد على وجه التنبيه، نظرًا؛ لأن الخيل كانت في العهد الإسلامي الأول أهم شيء في الحرب(١)، وذلك حتى يقيس المسلمون عليها غيرها، ويهتموا في مستقبل الأيام بكل ما یستحدث ویجد من أدوات القوة ووسائلها الفعالة، فالعبرة أولًا وأخيرًا إنما هي بإعداد القوة التي لا تضام، والاستعداد التام للعدو على الدوام. والروح المعنوية العالية، في نظر المختصين من رجال الدراسات النفسية والأبحاث العسكرية هي منبع كل قوة، وأساس كل نصر، وبدونها تضطرب القلوب وتنهار الأعصاب، وتصبح الهزيمة من كل جيشٍ قاب قوسين أو أدنى، لكن إذا كانت قوة الإيمان بالله وتقوى الله تقود جنود الإسلام، في خطواتهم إلى الأمام فبشرهم من عند الله بالفتح المبين والنصر والتمكين، ووقتئذ يتم وعد الله بالغلبة على الكافرين (٢). قال تعالى: ﴿وَأَعِدُواْ لَهُم مَّا أُسْتَطَعْتُم مِن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ اَلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ، عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا نَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمَّ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَىْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَنَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا نُظْلَمُونَ [الأنفال: ٦٠]. ثانيًا: الهزيمة النفسية: كتاب الله عندما يتحدث عن القوة ويدعو المسلمین إلى إعدادها بكل الوسائل لا يقصد بلفظ القوة معناها المادي المجرد وحده، المتمثل في الآلات والأدوات الحربية، وإنما يقصد معناها المادي الروحي في آنٍ واحدٍ، بل إنَّ القوة الروحية عنده بالنسبة إلى القوة المادية تعتبر كالجوهر (١) انظر: التيسير في أحاديث التفسير، محمد المكي الناصري ٣٤٦/٢. وإن الإيمان بالله واليوم الآخر يزيد الثقة بالنفس فلا تضعف ولا تخور أمام المنعطفات، بل تواجه المواقف بصلابة ورباطة جأش، تجعلهم يقبلون على القتال والموت دونما وَجَلٍ أو خوفٍ، ومثال ذلك ما ذكره القرآن الكريم في قصة طالوت، حيث عقد مقارنة بين الهزيمة النفسية والمعنوية العالية بين ضعاف الإيمان والمؤمنين الصابرين. قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ، قَالُواْ لَا طَاقَةَ لَنَا أَلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ، قَالَ الَّذِينَ يَظُنُونَ أَنَّهُم مُّلَقُواْ اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَتْ فِتَةً كَثِيرَةٌ بِإِذْنِ اَللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٩]. (٢) انظر: المصدر السابق ٣٤٥/٢. www. modoee.com ١٨٧ حرف الهاء على العطش والتعب، ولما أصبحوا على مقربة من جيش العدو، وكانوا («قرابة مائة ألف))(١). فلما رأوا عدوهم يقودهم قائدهم الجبار (جالوت)، ورأوا كثرة عددهم وتفوقهم، فزعوا واضطربوا واعتراهم الخوف، وقال الكافرون والمنافقون، والشك والنفاق منهم، من الذين شربوا وعصوا أمر قائدهم: لا قدرة لنا اليوم ولا طاقة لنا بمحاربة الأعداء ومناضلتهم فضلاً عن التغلب علیهم، فنحن قلة وهم کثرة كاثرة، فأعلنوا انهزامهم، وانصرفوا فارين عن طالوت، ولم يشهدوا القتال (٢). لكن في المقابل، فإن المؤمنين الذين يظنون أنهم ملاقو الله فمجازيهم على أعمالهم، وهم الصفوة الأخيار والعلماء الأبرار من أتباع طالوت قالوا: لا تغرنكم أيها القوم کثر تهم، فكثيرا ما غلبت فئة قليلة العدد فئةً كثيرة العدد بقوة إيمانها وإرادة ربها (٣). وهكذ نلحظ أن التعبئة الروحية الإيمانية تتمثل في تعميق الثقة بما أعده الله فى (١) تفسير مقاتل بن سليمان ٢٠٨/١. (٢) انظر: التفسير الواضح، محمد محمود حجازي ١/ ١٦٤. (٣) انظر: الکشف والبيان، الثعلبي ٢/ ٢١٧، أيسر التفاسير، الجزائري ١/ ٢٣٨. جوبيه القرآن الكريمِ لما اجتاز طالوت النهر مع الذين صبروا الآخرة لعباده المؤمنين، فيؤثرون الآخرة على الدنيا، ويزهدون فيها طمعًا بما عند الله، فلا يلتفتون إلى ما وراءهم من أهل وولد ومال، ولم يخفهم الموت الراصد لھم فی ید أعدائهم، ولم یھابوا العدو وكثرته وقوته، فرأوا أنهم فى قلتهم المؤمنة الصابرة أقوى من عدوهم الذي لا يؤمن بالله ولا یصبر على المكروه، ولا یقاتل إلا طمعًا فى مغانم الدنيا ومتاعها، وهذه المعنوية العالية تقابل الهزيمة النفسية والروحية التي تخوف أصحابها، فلا يقدرون على المواجهة، ويتجرؤون العيش في جو الهزائم (٤). التوجيهات القرآنية لهزيمة الأعداء نفسيًّا: أولًا: لقد دعا القرآن إلى تطبيق أقصى درجات التخويف والتنكيل على المنافقين والكافرين وغيرهم، وذلك هدمًا لنفسيتهم وكسرًا لأنفتهم، وتأثيرًا على معنويات غيرهم، فلا يتجرءون على مقاتلة المسلمين خوفًا منهم، وذلك قوله تعالى: ﴿فَشَرِدٌ بِهِمِ مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَكَّرُونَ [الأنفال: ٥٧]. أي: نَكِّلْ بهم، واجعلهم أداة لتشريد من خلفهم، وأوقع بهم من العقوبة ما يصيرون به عبرة لمن بعدهم، وعليك أن (٤) انظر: التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب ٣١٠/١. ١٨٨ الهزيمة تؤدبهم أدبًا يجعل الذين وراءهم يخافون ونكال كل مجتمع للضلال، وكل من يبيت منكم، ويبتعدون عنكم، وكلما رأوكم أصابهم الخوف والهلع، لعل الذين من خلفهم يحذرون أن يصيبهم ما أصابهم، وهذه من فوائد العقوبات والحدود المرتبة على المعاصي، أنها سبب لازدجار من لم يعمل المعاصي، بل وزجر لمن عملها أن لا يعاودها(١). فالمطلوب أن نجاهدهم بقوة وبدون شفقة حتى لا يفكر في مساندتهم من جاؤوا خلفهم ممن هو على مثل رأيهم في المنافرة للإسلام أن ينصروهم أو يؤازروهم بالدخول معهم في القتال، ولا تحدثهم أنفسهم في أن يستمروا في المعركة، وذلك کی تکون هذه التجربة درسًا لهم؛ فلا یفکروا مرةً أخرى في حربٍ معك؛ لأنهم سوف يتذكرون ما حدث لهم ولغيرهم فيبتعدوا عن مواجهتك، ولا يجسر عليك بعدهم أحد، اعتبارًا بهم واتعاظًا بحالهم (٢)، وهذا الإرشاد الحربي في استعمال القسوة مع المحاربين، والناقضين لعهود السلم، متفق عليه بين قواد الحرب في هذا العصر. أي: فرق بهذا الذي تأخذهم به من بلاء (١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٣٢٤. (٢) انظر: الكشاف، الزمخشري ٢١٩/٢، تفسير المنار، محمد رشيد رضا ٤٤/١٠، تفسير الشعراوي ٣٣١٣/٦. السوء للمسلمين، فكل من تحدثه نفسه بخيانة عهد المسلمين من بعد تلك الضربة التي نزلت بهؤلاء الخائنين، سيجد أمام ناظریه مثلا حيًّا لما ينتظره من بلاء ونکال، وإن هذه الآية الكريمة لمن أحكم الآيات التي ترشد المؤمنين إلى وجوب أخذ المستمرين على كفرهم وعنادهم ونقضهم العهود أخذًا شديدًا رادعًا، حتى يبقى للمجتمع الإسلامي أمانه واستقراره وهيبته أمام أعدائه، فالآية الكريمة ترسم صورة بديعة للأخذ المفزع، والهول المرعب الذي يكفي السماع به للهرب والشرود، فما بال من يحل به هذا الأخذ الشديد؟، وبذلك تبقى لدين الله هيبته وسطوته(٣). ثانيًا: أمر بإثخان المشركين قتلا في ساحات المعركة من دون رأفة، وذلك ليكون صيت جيش المسلمين يسبق تحركه لأي بلد وأي حرب، والغرض هو التأثير على نفسيات الأعداء وروحهم المعنوية، وذلك يظهر من قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيّ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ أَشْرَى حَقَّى يُثْخِنَ فِىِ الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧]. فالإثخان شدة التقتيل، وذلك حتى تتحطم قوة العدو وتتهاوى، فلا تعود به (٣) انظر: التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب ٦٤٦/٥، التفسير الوسيط، سيد طنطاوي ٦ /١٣٥. www. modoee.com ١٨٩ حرف الهاء قدرة على هجوم أو دفاع، فتكون لهم الغلبة لأنه لا أحد يخالف دين الإسلام إلا وفي قلبه خوف ورعب(٢). التامة، والسيطرة الكاملة، فتصير قوتهم في موضع التفوق المطلق على الأعداء، فلا يستطيع هؤلاء الأعداء الثأر والعودة إلى القتال إذا سنحت لهم الفرصة، لأن الملك والدولة إنما تقوى وتشتد بالقتال والقتل، فكثرة القتل توجد الرعب وشدة المهابة، وذلك يمنع الأعداء من الجرأة والإقدام على حرب المسلمین، فالإنخان في الأرض يرهب الأعداء(١). ثالثًا: وجه القرآن المؤمنين للسعي في إدخال الرعب لقلوب الأعداء؛ لأن ذلك سيهزمهم نفسيًّا وروحيًّا قبل الهزيمة العسکریة، فلا یصمدوا ولا تحدثهم نفسهم بالمواجهة. قال تعالى: ﴿سَنُلِّقِى فِ قُلُوبٍ أَلَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَآ أَشْرَكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ، سُلْطَنَّا وَمَأْوَنُهُمُ النَّارُّ وَيِئْسَ مَثْوَى الطَّلِمِينَ ﴾ [آل عمران: ١٥١]. قال البيضاوي في تفسير هذه الآية: ذكر القرآن ما قذف في قلوبهم من الخوف يوم أحد حتى تركوا القتال ورجعوا من غير سبب، فلما رجعوا وكانوا ببعض الطريق ندموا وعزموا أن يعودوا عليهم ليستأصلوهم؛ فألقى الله الرعب في قلوبهم؛ (١) انظر: نظم الدرر، البقاعي ٣٥/١٠، في ظلال القرآن، سيد قطب ٤٣٥/٦. رابعًا: بَيَّنَ القرآن الكريم أن الهزيمة النفسية تورث أصحابها الذل والخنوع والقعود عن مواجهة الأعداء ومقاتلتهم، كما قال تعالى على لسان أصحاب موسی الذين أحجموا عن قتال الجبارين: ﴿قَالُواْ يَمُوسَى إِنَّا لَنْ تَّدْخُلَهَآ أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَاً فَأَذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَتِلَا إِنَّا هَهُنَا فَعِدُونَ [المائدة: ٢٤]. فلا غرابة في إحجامهم عن قتالهم؛ لأن كُلَّ قوم تربوا في أحضان الذلِّ والاستعمار يألفون القعود ولا يألفون الحرية والكرامة (٣). وبهذا يظهر التفاوت بين سائر الأمم، وأمة محمد صلى الله عليه وسلم التي تربت على النفسية الإسلامية، وارتوت من نبع القرآن الصافي، حيث قال الصحابة له حین شاورهم في القتال یوم بدر: يا رسول الله، لو خضت بنا هذا البحر لخضناه معك وما تخلف عنك أحد، ولا نقول كما قال قوم موسى لموسى: ﴿فَأَذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَتِلَا إِنَّا هَهُنَا قَعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤]. ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما (٢) أنوار التنزيل، البيضاوي ١/ ١٠٢. (٣) انظر: التفسير الواضح، محمد محمود حجازي ١/ ٥٠٢. ١٩٠ مَشَ ارَةُ الْبَقِيَة القرآن الكريمِ الهزيمة مقاتلون(١). خامسًا: لقد تناول القرآن الكريم موضوع الإشاعة وحاربها. ﴿ لَّيِنِ لَّمْ يَنْتَهِ الْمُنَفِقُونَ قال تعالى: وَالَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِىِ الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [الأحزاب: ٦٠]. والإرجاف هو من الرجفة بمعنى الزلزلة، وسميت بذلك لإحداثها الاضطراب والزلزلة في المجتمع وفي قلوب الناس، والمرجفون: هم الذين يثيرون الشائعات الكاذبة، ويطلقون الأراجيف المصطنعة، ليشغلوا الناس بها، ويفسدوا عليهم حياتهم، وذلك أن ناسًا منهم كانوا إذا خرجت سرايا رسول الله يوقعون في الناس أنهم قتلوا وهزموا، ومن الكذب الذي کان یذیعه أهل النفاق أيضًا: قد أتاكم العدو بعدد وعدة، فيخوفون ويرهبون من الأعداء، ويحدثون بكثرتهم وقوتهم، وضعف المسلمين؛ فيكسرون بذلك قلوب المؤمنين؛ لتضعف قلوبهم ويحزنوا، ويحبون أن يفشوا الأخبار(٢). وتمثل الإشاعة طريقًا مضمونًا لتحقيق الهزيمة النفسية؛ لأنها سريعة الانتشار، (١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٢٢٨. وتصادف أناسًا جهالًا، ونفوسًا مريضة يرددونها دون تفكير؛ فيذيعون كل ضار ومفسد، لذلك يستعملها الأعداء دومًا في توهين جانب المسلمين، وإظهار تفوق المشركين وغلبتهم عليهم، والإشاعة تنشر القلق والخوف والاضطراب، وتضعف من معنويات الجماعة مما يسهل هزيمتهم، وانتصار الأعداء عليهم، وتقتل فيهم روح (٣) الإقدام(٣). فكان جزاؤهم أينما ثقفوا ووجدوا أخذوا بالضرب والتنكيل والاحتقار، ولا غرابة في ذلك، فالأمم الحديثة الآن لا تعرف الرحمة مع الجواسيس والخارجين على الدولة الذين يطعنون من الخلف، ويتعاونون مع العدو مع تظاهرهم بالإخلاص، وتلك سنة الله مع المنافقين وأصحاب الإشاعات في كل زمن. (٤) سادسًا: ضرب القرآن المثل بأن نفاذ الصبر والشك واستبطاء وعد الله دليل على الهزيمة النفسية، وقد تحدث القرآن عن ذلك في قصة موسی وبني إسرائيل، حیث وصل قلقهم وخوفهم إلى حد لم يصبروا معه؛ فاشتكوا واستبطؤوا النصر، وكانت نفسيتهم منهزمة متأثرة بالريبة والشك. (٣) انظر: التفسير المنير، وهبة الزحيلي ١١٢/٢٢. (٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم ٣١٥٥/١٠، (٤) انظر: التفسير الواضح، محمد محمود حجازي ١١٨/٣. الكشف والبيان، الثعلبي ٦٤/٨. www. modoee.com ١٩١ حرف الهاء قال تعالى: ﴿قَالُواْ أُوْذِينَا مِن قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنُ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ [الأعراف: ١٢٩]. فكان استبطاؤهم للنصر بقولهم: متى یکون ما وعدتنا به یا موسی من زوال ما نحن فيه؛ فجزعوا ولم يصبروا على هذا البلاء الذي أخذهم فرعون به، وألقوا اللوم والسخط على موسى(١). وتلك هي طبيعة الانهزاميين: فلقد كان ردهم يدلُّ على سفاهتهم، فقد قالوا له: نحن لم نستفد من رسالتك شیئا، فإلى متى نسمع منك تلك النصائح التي لا جدوى من ورائها؟ (٢). سابعًا: أعطى القرآن حلًّا واقعيًا يعالج مشكلة الهزيمة النفسية، وهو الحث على التحلي بروح الثقة بالله والاستعانة به على ما يعتري الإنسان من خواطر نفسية، فدعا إلى التأسي بالعباد المؤمنين الذين ينظرون إلى ما عند الله، وإلى الدار الآخرة فلا تنکسر نفسیاتهم، ولا تنال منهم الهزيمة. قال تعالى: ﴿فَأَقْضِ مَآ أَنْتَ قَاضٌٍ إِنَّمَا نَقْضِى هَذِهِ الْحَيَّوَةَ الدُّنْيَا﴾ [طه: ٧٢]. قالوا لفرعون: إن ما توعدنا به غاية ما يكون في هذه الحياة الدنيا الفانية، وكلَّ ما تصنعه أو تحكم به ينقضي ويزول ولا (١) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٢٥٠/٢، الباب التأويل، الخازن ٢٧٤/٢، نظم الدرر، البقاعي ٨٨/٣. (٢) التفسير الوسيط، سيد طنطاوي ٣٥٤/٥. يضرنا، ولا رغبة لنا في البقاء فيها، بخلاف عذاب الله لمن استمر على كفره فإنه دائم عظيم، وإنَّ أمرك وسلطانك في هذه الحياة الدنيا سيزول عن قريب، ونحن نرغب في سكنى الدار الدائمة، بسبب موتنا على الإيمان، وذلك من ثباتهم على الإيمان، وعدم مبالاتهم بتهدید فرعون ووعيده رغبة فیما عند الله(٣). استخدام الدعاية والإشاعة في الحرب النفسية، كالتي يشنها الأعداء على الأمة اليوم، فهي لها أثر كبير في تحقيق الهزيمة بها، وبأقل الخسائر في الأرواح والمعدات، وهي تجرد الأمة من أثمن ما لديها وهي الإرادة القتالية، فهي تستهدف العقل والتفكير والقلب والعواطف؛ لكي تحطم الروح المعنوية لدى أبنائها، وقد بلغ من تأثير الحرب النفسية أنَّ كثيرًا من الأمم استسلمت لأعدائها قبل أن تطلق جيوشها طلقة واحدة، ومن أعظم الدروس التي تستخلص من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في صراعه مع الأعداء، هو استخدام العامل النفسي في الصراع لتحقيق الأهداف الإستراتيجية، فمن بين ثمانٍ وعشرين غزوة قادها بنفسه، نجد تسع عشرة غزوة حققت أهدافها بلا قتال، إذ فَرَّ الأعداء تحسبًا لنتائج مواجهة قوة المسلمين. (٣) انظر: تفسير القرآن، السمعاني ٣٤٢/٣، أضواء البيان، الشنقيطي ٢١/ ١٢٧. جَوْسُو ◌َرَ النَّقِينَ القرآن الكريمِ ١٩٢ الهزيمة آثار الهزيمة الهزيمة إذا وقعت في قوم وحلت بهم، فإِنَّ لها ما بعدها من الآثار المدمرة على حیاتهم ومعيشتهم ومعنویاتهم ونفسیاتھم، فالهزيمة العسكرية لا بد أن تكون درسًا تعليميًّا يتخذ منه العبر؛ لتلافي الأخطاء التي حصلت في المستقبل؛ فتصير هذه الهزيمة عبارة عن كرة من الكرات تؤدي مستقبلًا إلى النصر والظفر، أما إذا كانت هزيمة مكنت العدو من الأرض ومن نفسية الإنسان وعقله، فإن آثارها أكبر وأعظم، وتؤدي إلى النهاية والاستئصال، وتورث فى عقليات أصحابها الذلة والخنوع والهوان، وعدم السعي للتغيير. لكنَّ القرآن الكريم عندما نزلت الهزيمة بالمسلمين، أراد لهم التعلم والاستفادة من أخطائهم التي وقعوا فيها، وحذَّرهم من مغبة الركون إلى اليأس والقنوط من تحقيق وعد الله لهم، وهذا ما سيظهر لنا من خلال دراستنا لهذا المبحث الذي يبين آثار الهزيمة في القرآن، وما هي معالجات القرآن لها بشكل موجز، يتضمن العديد من الفوائد. ومن تلك الآثار: ١. الشعور بالغمِّ خلال المعركة وبعدها. قال تعالى: ﴿فَأَثَبَكُمْ غَمَّا بِغَرٍ لِكَيْلَا تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَآ أَصَبَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٣)﴾ [آل عمران: ١٥٣]. الغمُّ الأول هو أنهم غموا رسول الله صلى الله عليه وسلم بمخالفة أمره، فجزاهم الله بذلك الغمَّ الثاني وهو القتل والهزيمة عقوبةً لهم على مخالفتهم، فصاروا مغمومين بعد ذلك لِمَا أصابهم من القتل والهزيمة، ولفوت الغنيمة عنهم (١). ٢. الندم على التقصير في الإعداد لمتطلبات النصر قبل المعركة أو داخلها. فالناس في كل زمان يعيشون في الأحلام والخيالات، فهم ينتظرون النصر منحة إلهية خالصة للمؤمنين، دون أن يقوموا بواجباتهم ويعملوا بما تقتضيه متطلبات الحروب مع العدو، فهم المكلفون من الخلق بالجهاد وحمل الأمانة، فإذا جاهدوا وصبروا وثبتوا أيدتهم العناية الإلهية، وتحقق لهم النصر والفوز، والله صادق الوعد بنصر المؤمنين ما داموا على الحق ثابتين، وفي ميدان المعارك مجاهدين صابرين مطيعين، متوحدين غير متفرقين، وأما الجبن والضعف والتفرق، والنزاع والأطماع الدنيوية فهي أسباب الخذلان والهزيمة المنكرة، وتورث بعد ذلك الندم على ما فات، ولقد صور القرآن الكريم ذلك في معركة أحد، ففي بداية المعركة صدق الله وعده للمؤمنين، وأراهم (١) لباب التأويل، الخازن ١/ ٤٣٤. www. modoee.com ١٩٣ حرف الهاء الفتح حين صرع صاحب لواء المشركين مقهورین في أيدي المؤمنین ذلیلین مهینین؛ فلما حصل الخزي لهم بسبب كونهم مقهورين فقد حصل النصر للمسلمين بسبب کونهم قاهرین» (٤). وقتل معه سبعة نفر، وولى المشركون الأدبار، وتر کوا أموالهم وهربوا، فلما عصی المسلمون وخالفوا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالثبات على الجبل، واشتغلوا بالغنيمة أعقبهم البلاء، وأدى بهم إلى الجراح والقتل والهزيمة والفرار، فتحصلوا على الندم بعد المعركة على تقصيرهم، ولكن هيهات أن يرجع الماضي (١). ٣. الخزي. قال تعالى: ﴿قَتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُوَرَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ [التوبة: ١٤]. و((الإخزاء: الإذلال، ويكون بالقهر والأسر والفقر لمن لم يقتل منهم)) (٢)، فقوله تعالى ﴿وَيُخْزِهِمْ﴾ يعني: ((يذلهم بالهزيمة؟ لأن الله تعالى قد وعد المؤمنين على لسان النبي صلی الله عليه وسلم أن يعذب الكفار بأيديهم ويخزهم وينصرهم عليهم، فأنجز وعده ولم يظهر خلاف ما وعد لهم))(٣). وقال الإمام الرازي في تفسيره: ((إنَّ الإخزاء واقعٌ بهم في الدنیا، ومعناه: ما ينزل بهم من الذل والهوان حيث شاهدوا أنفسهم (١) انظر: التفسير المنير، وهبة الزحيلي ٤ /١٣١. (٢) انظر: نظم الدرر، البقاعي ٦٨/١٠، التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٣٥/١٠. (٣) تفسير السمر قندي ٢/ ٤٢. معالجة القرآن الآثار الهزيمة النفسية: لكننا نجد أن القرآن قد عالج آثار الهزيمة التي حدثت فور وقوعها، حتى لا تتفشى في نفسيات الناس وعقولهم، وحافظ على رفع الروح المعنوية، وأعطى الدعم النفسي، وهيأ الناس لمواجهات قادمة، بتجديد الروح والعزيمة لديهم، وتعميق ثقتهم بدينهم ونبيهم، وبتحقيق وعد الله لهم بالنصر على أعدائهم فقال: ﴿وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَّحْزَنُواْ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُتُم مُؤْمِنِينَ ﴿ إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ تَرْحُ مِّثْلُهُ، وَتِلْكَ الْأَيَّامُ تُدَاوِلُهَا بَيْنَ اَلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٣٩ - ١٤٠]. ومن تلك المعالجات: ١. النعاس. من معالجات القرآن الكريم الآثار الهزيمة في معركة أحد، ما ألقاه عليهم من النعاس أو النوم بعد هذا الغم الذي أصابهم؛ ليشعرهم بالأمن، وليجددوا عزائمهم، وترتاح نفوسهم من بعد هذه الهزيمة. قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةُ نُّمَاسًا يَغْشَىْ طَآئِفَةٌ مِّنْكُمْ﴾ [آل (٤) مفاتيح الغيب، الرازي ١٦/ ٦. جَوْسُورَةُ التَّقَ لِلْقُرآن الكَرِيمِ ١٩٤ الهزيمة عمران: ١٥٤]. عمران: ١٥٢]. والله يقول: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا لَقِيتُهُ وقوله: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ﴾ [آلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ نَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ ١٥ وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَيِذٍ دُبُرَهُ، إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِنَالٍ أَوْ مُتَحَيْزًّا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَنُهُ جَهَنَّمٌ وَبِئْسَ المَصِيرُ (٥) [الأنفال: ١٥- ١٦]. فيها إِشعارٌ بالهدف الأسمى، وهو أخذ الدرس والعبرة، حتى وإن حصلت المخالفة والذنوب، فالهدف أننا نريد أناسًا عمليين، يخطئون فيتعلمون من أخطائهم، وليس كما يفعل اليوم بالإقصاء والتغيير، وإعفاء من المهمات، بل إن الأخطاء تعطي هذا الجندي أو القائد حنكة وتجربة يكتسبها ويتعلمها من أخطائه، فیجعل الله على يديه نصرًا في معارك أكبر وذات شأن، فالمصاعب يكون في ميدان القتال، لكن معالجة القرآن والشدائد هي التي تصقل الرجال، وتخرج المقاتلين (١). ٢. إنزال السكينة. من معالجات القرآن الكريم لآثار الهزيمة في غزوة حنين بعد الفرار والتولي، هو إنزال السکینة عليهم بعد الذي أصابهم، فقد أحاط بهم العدو، وأوقع في صفوفهم الفوضى والاضطراب، وهذا الأمر يسلم إلى الهزيمة التي لا مفر منها، فما كان للمسلمين أن يفروا بأي حال كانوا عليه، وعلى أي تقدير يقدرونه لنتائج المعركة، فلتكن الهزيمة واقعة بهم، ولکن الذي کان يجب ألا يكون منهم، هو الفرار، فهذا أمر لا يصح أن يقع من المسلمین في ميدان القتال، (١) انظر: التفسير المنير، وهبة الزحيلي ٤ /١٣١. فأي مسلم هذا الذي تحدثه نفسه بالفرار من المعركة، وهو يعلم حكم الله فيمن يفر ویولی العدو دبره، ولکن الذي حدث هو أن المسلمين فروا وولوا الأدبار، ومن هنا كان هذا الأمر منهم حدثًا غريبًا، ما كان ينبغي أن الكريم لهذه الهزيمة، إذ أنزل الله سكينته عليهم، ونزع ما كان قد استولى على قلوبهم من خوف وهلع، وأمدهم بجنود من عنده كانوا ردًا لهم، ويدًا قوية ضاربة معهم، فكان لهم النصر والظفر(٢). ٣. التحذير من الإشاعات والأراجيف. قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُوكُمْ عَلَى أَعْقَبِكُمْ فَتَنْقَلِبُواْ خَسِرِينَ (٥)﴾ [آل عمران: ١٤٩]. تصور الآية ما حدث بعد معركة أحد من بلبلة في الأفكار وإرجاف من المشركين، فلقد انتهز المنافقون والکفار والیھود جميعًا (٢) انظر: التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب ٥/ ٧٣٠. www. modoee.com ١٩٥ حرف الهاء ما أصاب المسلمين من الهزيمة، وأخذوا وضعف الثقة في النفوس، لكن هناك قلة امتازوا من المسلمين بقوة العزيمة، وثبات الإيمان، فإنهم هم الذين يكونون بمنجاة من التأثر بهذه الأخبار، فلا يصدقونها ولا يذيعونها(٢). يثبطون من عزائمهم، ويخوفونهم عاقبة السیر مع محمد صلی الله عليه وسلم، ويصورون لهم مخاوف الحرب ضد مشركي قريش وحلفائهم، وإشاعة عدم الثقة في القيادة، وتزيين الانسحاب من المعركة، ولا شك أنَّ أصلح الأجواء لبلبلة النفوس هو جوُّ الهزيمة. فانظر إلى هذه الحكمة البالغة في النهي عن الإنصات لهذه الفئات، بل وينهاهم عن متابعة الكفار والمنافقين في أمر ولو کان صغيرًا، والمعنى: إن تطيعوا أعداء الله الذين أرجفوا يوم أحد وقالوا: إنَّ محمدًا قد قتل، وإنه لو كان رسولًا حقًّا لما هزم، فإنهم سيطلبون إليكم أن ترجعوا إلى الدين الذي کنتم علیه، وبذلك تخسرون الدنيا والآخرة، وأيُّ خسارة أشد من الارتداد عن الإيمان إلى الكفر (١). ولقد امتن الله على عباده المؤمنين بحفظهم من شَرِّ هذا السلوك الشائن من بعض المنافقين وضعفاء الإيمان، حيث رحمهم بالحفظ من تصديق ما يذيعه الأعداء وضعاف الإيمان وذوو الغفلة، فلولا هذا الفضل وتلك الرحمة مِنَ الله بهذه الأمة؛ لضل الكثير من أبنائها باتباع سبيل الشيطان، ولكان مصيرها الضياع والانهزام، (١) انظر: تيسير التفسير، القطان ٢٢٨/١. صَوْنُو القرآن الكريمِ قال تعالى: ﴿ وَإِذَا جَآءَ هُمْ أَمْرٌ مِّنَ اُلْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِّ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَ أُوْلِ آلْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ. مِنْهُمُّ وَلَوْلَا فَضْلُ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ، لَأَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلاً ﴾ [النساء: ٨٣]. ٨٣ وقد أضافت هذه الآية معنی جدیدا وهو: كتمان أخبار القتال، وصيانة أسراره، فطبيعة الجهاد تقتضي كتمان أخبار القتال وصيانة أسراره إذا ما أريد له النجاح، وبخاصة ما يستفيد منها الأعداء، ومن أخطر الأمور التي تضر بالمسلمين وبجيشهم المقاتل؛ إذاعة ما يسمعه المرء من أخبار النصر أو الهزيمة، قبل أن يعرضه على أولي الأمر، فإنهم أعلم بما إذا كان إفشاء هذه الأخبار مما يضرُّ الصالح العامّ أم لا. فيجب على الناس أن يسوسوا أنفسهم، ويروضوها على صيانة أخبار أمن الدولة، وكل ما يتعلق بالجانب العسكري من معلومات، ذلك لأن إفشاء أخبار الدولة، يسهل للعدو مهمة التجسس، ومعرفة مواطن (٢) انظر: التفسير الوسيط، سيد طنطاوي ٢/ ٨٦٤. ١٩٦ الهزيمة الضعف والقوة لدى المسلمين، ويكشف عن عيوبهم، ويستوي في ذلك الأخبار المتعلقة بالنصر أو الهزيمة؛ لأن أخبار النصر قد تؤدي إلى التواكل والإهمال؛ فلا يأخذ المسلمون حذرهم، وبهذا يكونون فريسة سهلة لأعدائهم، وأخبار الهزيمة تلقي الرعب في قلوب ضعفاء الإيمان؛ فتنهار الروح المعنوية، ولا يستطيع الجيش ملاقاة الأعداء(١)، لذلك حذر القرآن منهم، وسماهم منافقين ومرجفين. ﴿ لَّيِنِ لَّمْ يَنَهِ الْمُنَفِقُونَ قال تعالى: وَالَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَّرَضْ وَالْمُرْجِفُونَ فِىِ اٌلْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [الأحزاب: ٦٠]. ٤. تقوية الجبهة الداخلية. قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِ الدُّنْيَّا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ النَّارِ ﴾ [الحشر: ٣]. فلقد كانت لغزوة أحد التي هزم فيها جيش المسلمين، أثر عميق في نفوس المنافقين واليهود والكفار من قبائل العرب؛ مما كان سببًا في حوادث تتابعت كيوم الرجيع، (وفيه قتلت هذيل عاصمًا في سبعة نفر من خيار الصحابة وأسرت ثلاثة قتلت منهم واحدًا في الطريق، وباعت اثنين لقريش فقتلوهما)، وقد ذكر البخاري في صحيحه القصة كاملة (٢)، وكيوم بئر معونة، (وفيه قتل من المسلمين أربعون غيلةً)، ووجد المنافقون واليهود فيما أصاب المسلمين في بئر معونة والرجيع وغزوة أحد ما شجعهم على الانتقاص من هيبة محمد صلى الله علیه وسلم وصحبه، وفکر النبي صلى الله علیه وسلم کثیرًا في هذا الأمر، فذهب إلى يهود بني النضير وأجلاهم عن المدينة، فعمل بذلك على تقوية الجبهة الداخلية، حتى لا يكون هناك خلاف في وجهة النظر في المدينة وما حواليها (٣). ونهي عن التودد للكفار وموالاتهم حتى في حالات الضعف والانهزام، بل حرم ذلك أشد التحريم. قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَُّ قِّنَكُمْ فَإِنَّهُهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]. وقال في موضع آخر: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَآَذُونَ مَنْ حَادّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَلَوْ كَانُواْ ءَابَآءَ هُمْ أَوْ أَبْنَآءَ هُمْ أَوْ إِخْوَنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢]. حتى ولو كانت الموادة بحجة النفع (٢) أخرجها البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب غزوة الرجيع ورعل وذكوان وبئر معونة وحديث عضل والقارة وعاصم بن ثابت وخبيب وأصحابه، رقم ٣٨٥٨، ٤ /١٤٩٩. (١) انظر: التفسير الوسيط، سيد طنطاوي (٣) انظر: التفسير الواضح، محمد محمود حجازي ٣/ ٦٤٢. ٨٦٣/٢. www. modoee.com ١٩٧ حرف الهاء العام، أو تحقيق المصالح للمسلمين. قال تعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَرِعُونَ فِهِمْ يَقُولُونَ تَخْشَىَ أَن تُصِيبَنَا دَابِرَةٌ﴾ [المائدة: ٥٢]. فقال لهم: إذا ما حدثتكم أنفسكم بأنه قد يترتب على الميل إليهم قدرٌ من الحماية والنصر (وهذا ما يفعله بعض حكام المسلمين مع أميركا في الوقت الحاضر)؛ فاعلموا أن ذلك وهمٌّ خادع، واعلموا أن الله مولاکم، وهو ناصرکم ومعینکم وحامیکم، فلا تطلبوا منهم نصرة، بل لا تستسلموا لهم، ولا تعينوهم على إخوانكم (١). بهذا السرد الموجز يظهر لنا أن القرآن كتاب هداية وإرشاد وتوجيه، فقد وضع معالجاتٍ قيمةً لآثار الهزيمة، تصحُّ أن يؤلف منها المصنفات في علم الحروب العسكرية والسياسية، وضوابط تُنَظِّمُ الدول وتسوس الجند، وترعى الناس في الأزمات والنكبات. موضوعات ذات صلة: الثبات، الجهاد، الدفع، القتال، النصر، الوهن (١) انظر: تيسير التفسير، القطان ٢٢٨/١. جَوَسُولَةُ النَّفِيَّة القرآن الكريمِ ١٩٨