النص المفهرس

صفحات 21-37

ذاته، ثم تفرض عليه هذه الحياة أن يعامل لا أذية فيه، فيقابلهم بالهجر والإعراض
عنهم وعن أقوالهم التي تؤذيه، مع جدالهم
بالتي هي أحسن»(٤).
أفراد هذه البيئة ويخالطهم، ويتواجد معهم
بجسده لسببٍ ما، فحينئذٍ لا يجد إلا أن
يهجرهم بمشاعره وقلبه.
وهي هجرة شرعية جعلها الله لمن عجز
عن الهجرة ببدنه.
وقد جاء الأمر بهذه الهجرة في القرآن:
قال عز وجل: ﴿وَأَصْبِرْ عَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ
مَجْرَّاجَميلًا﴾ [المزمل: ١٠].
قال الحافظ ابن كثير في بيان المراد بهذه
الآية: ((يقول تعالى آمرًا رسوله صلى الله
عليه وسلم بالصبر على ما يقوله من كذبه
من سفهاء قومه، وأن يهجرهم هجرًا جميلًا؛
وهو الذي لا عتاب معه))(١)
وقال صاحب الإشارات: ((الهجر
الجميل: أن تعاشرهم بظاهرك، وتباينهم
بسرك وقلبك)»(٣).
وقال السعدي عن الهجر الجميل: ((هو
الهجر حيث اقتضت المصلحة، الهجر الذي
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٥٦/٨.
(٢) الكشاف، الزمخشري ٤/ ٦٤٠.
(٣) لطائف الإشارات، القشيري ٦٤٤/٣.
ومن تأمل كلمات المفسرين تتضح لنا
صور للهجر الجميل:
# المجانبة القلبية والمخالفة في الأعمال.
# الهجر حيث اقتضت المصلحة مع عدم
الإيذاء.
· الإعراض عن الأقوال التي تؤذي، مع
الاستمرار في الدعوة والتبليغ.
فليس المقصود من هذا الهجر ترك
الدعوة والتبليغ، وإنما هو هجر وإعراض
جميل، مع مواصلة الدعوة، وهذا ما نبه
إليه الطاهر ابن عاشور رحمه الله بقوله:
((ولما كان الهجر ينشأ عن بغض المهجور،
وقد تعددت أقوال المفسرين في بيان
معنى الهجر الجميل:
أو كراهية أعماله كان معرضًا لأن يعتلق به
فقال الزمخشري: ((الهجر الجميل أن أذى من سب أو ضرب أو نحو ذلك؛ فأمر
يجانبهم بقلبه وهواه، ويخالفهم، مع حسن الله رسوله بهجر المشركين هجرًا جميلًا،
المخالفة والمداراة والإغضاء، وترك
المكافأة)»(٢).
أي: أن يهجرهم ولا يزيد على هجرهم
سبًا أو انتقامًا، وهذا الهجر هو إمساك النبي
صلى الله عليه وسلم عن مكافأتهم بمثل ما
يقولونه، مما أشار إليه قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ
عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ [المزمل: ١٠].
وليس منسحبًا على الدعوة للدين؛ فإنها
مستمرة، ولكنها تبليغ عن الله سبحانه
(٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٨٩٣
بتصرف.
www. modoee.com
١٠٥

حرف الهاء
وتعالى، فلا ينسب إلى النبي صلى الله عليه الأوثان والإشراك بالرحمن، فقل لهم: ﴿إنّ
بَرِكٌِّ مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٦].
وسلم)» (١).
وقد انتزع الرازي رحمه الله من هذه
الآية منزعًا أخلاقيًا نفيسًا في كيفية التعامل
مع الخلق، فقال: «قد جمع سبحانه وتعالى
كل ما يحتاج إليه في هذا الباب في هاتين
الكلمتين؛ وذلك لأن الإنسان إما أن يكون
مخالطًا للناس أو مجانبًا لهم، فإن كان
مخالطًا لهم فعلیه أن یصبر علی إیذائهم، وإما
أن یکون مجانبًا لهم فعليه أن يهجرهم هجرًا
جميلا، بأن یجانبهم بقلبه وهواه، ویخالفهم
في أفعالهم مع المداراة والإغضاء))(٢).
ومما يستشهد به على هجرة القوم
بالمشاعر ما ورد في قول الله: ﴿فَإِنْ عَصَوْكَ
فَقُلْ إِّ بَرِىٌّ مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٦].
فقد أمر الله رسوله بإعلان براءته
وإنكاره، وإظهار عدم رضاه عن معصية
قومه بعد دعوتهم، وسواء كان المقصود هم
كفار قريش، أو من آمن بالنبي صلى الله عليه
وسلم، فسياق الآيات یحتمل القولین، وقد
فسرها المفسرون على القولين:
الأول: كفار قريش.
قال الطبري رحمه الله: ((فإن عصتك
يا محمد عشيرتك الأقربون الذين أمرتك
بإنذارهم، وأبوا إلا الإقامة على عبادة
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٦٨/٢٩.
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٦٨٩/٣٠.
من عبادة الأصنام، ومعصية بارئ
٠
الأنام)) (٣)
الثاني: من آمن بالنبي صلى الله عليه
وسلم.
قال السعدي رحمه الله: ((﴿فَإِنْ
عَصَوْكَ﴾ [الشعراء: ٢١٦].
في أمر من الأمور فلا تتبرأ منهم،
ولا تترك معاملتهم بخفض الجناح ولين
الجانب، بل تبرأ من عملهم، فعظهم عليه
وانصحهم، وابذل قدرتك في ردهم عنه،
و توبتهم منه؛ وهذا لدفع احتراز وهم من
يتوهم أن قوله: ﴿وَأَخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ أَّعَكَ
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥].
يقتضي الرضاء بجميع ما يصدر منهم ما
داموا مؤمنين فدفع هذا بهذا))(٤)
.
وعلى كلا القولين فالآية شاهد على
هجرة القوم بالمشاعر عند ارتكاب
المعاصي.
وقد ذكر لنا القرآن بعض المواقف العملية
للهجرة بالمشاعر، نذكر منها موقفين:
١. موقف إبراهيم عليه السلام ومن معه.
لما نهى الله المؤمنين في سورة الممتحنة
عن موالاة الكفار ذكر قصة إبراهيم عليه
(٣) جامع البيان، الطبري ١٩/ ٤١١.
(٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٥٩٨.
١٠٦
القرآن الكريمِ

فأمر المؤمنين أن يقتدوا به فى هذه الهجرة
القلبية، فقال عز وجل: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُمْوَّةُ
حَسَنَّةٌ فِىَ إِّزَهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ: إِذْ قَالُواْ لِقَوِْهِمْ إِنَّا
بُرَؤُاْ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُرْ
وَبَا بَيْنَنَاوَبَيْنَكُمُ الْعَدَوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًّا حَتَّى تُؤْمِنُواْ
◌ِاَللَّهِ وَحْدَهُ ﴾ [الممتحنة: ٤].
فنلحظ من هذا الموقف أن إبراهيم
عليه السلام والمؤمنين معه أعلنوا البراءة
والإنكار على قومهم؛ لكفرهم بالله
وعبادتهم ما سواه، وأظهروا لهم العداوة
والبغضاء، جاعلین هذا شعارهم حتى ينتهي
قومهم عن كفرهم ومعاصيهم.
قال الطاهر ابن عاشور: « ﴿رَبَدًا﴾ معناه:
ظهر ونشأ، أي: أحدثنا معكم العداوة ظاهرةً
لا مواربة فيها، أي: ليست عداوة في القلب
خاصة، بل هي عداوة واضحة علانيةً بالقول
والقلب»(١).
ونلحظ في نظم الآية الجمع بين العداوة
والبغضاء، وإن كانت إحداهما تكفي في
التعبير عن هذه الهجرة القلبية، إلا أن القرآن
لم يكتف بواحدة؛ بل جمع بينهما للتأكيد
على هذه الهجرة القلبية التي وقعت من
إبراهيم عليه السلام ومن معه.
قال ابن عاشور: ((والعداوة: المعاملة
بالسوء والاعتداء، والبغضاء: نفرة النفس
(١) التحرير والتنوير ١٤٤/٢٨.
السلام، وأن من سيرته التبرؤ من الكفار، والكراهية، وقد تطلق إحداهما في موضع
الأخرى إذا افترقتا، فذكرهما معًا هنا مقصود
به حصول الحالتين في أنفسهم حالة المعاملة
بالعدوان وحالة النفرة والكراهية»(٢).
٢. موقف لوط عليه السلام وهجرته الرذائل
قومه.
من المواقف العملية التي ذكرها القرآن
في هجرة القوم بالمشاعر، ما فعله لوط عليه
السلام مع قومه، حین أعلن بغضه لما يفعله
قومه من جريمة اللواط، حيث قال: ﴿قَالَ
إِنِّي لِعَمَلِكُم مِّنَ اَلْقَائِينَ ﴾ [الشعراء: ١٦٨].
أي: ((إني لعملكم الذي تعملونه -من
إتيان الذكور- لمن المبغضين له بغضًا
شدیدًا»(٣).
ومن دلالات النظم على شدة كراهية
لوط عليه السلام لهذا العمل، ومفارقته قومه
في جریمتھم أمران:
وَمِّنَ
أحدهما: إيثاره التعبير بقوله:
الْقَالِينَ﴾ دون غيره، كالمبغضين مثلًا؛
لأنه بغضٌ شديد، كأنه يقلي الفؤاد والكبد
لشدته(٤).
الأمر الآخر: أراد لوط عليه السلام
أن يبين لقومه أنه من زمرة الراسخين في
بغض هذا العمل، المشهورين في قلاه، فلم
(٢) المصدر السابق ٢٨/ ١٤٥.
(٣) التفسير الميسر، مجموعة علماء ص ٣٧٤.
(٤) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٢٦١/٦
بتصرف.
www. modoee.com
١٠٧

حرف الهاء
﴿مِّنَ
يقل: ((إني لعملكم قالٍ))، وإنما قال:
اٌلْقَالِينَ﴾ وهو أبلغ؛ لدلالته على المعنى
المراد.
المهاجرون
تحدث القرآن الكريم عن المهاجرين؛
لیقتدي بهم المؤمنون، وسوف نقوم بتناول
منزلتهم ونماذج منهم فيما يأتي:
أولًا: منزلة المهاجرين:
إن للمهاجرين منزلة عالية في القرآن
الکریم، فقد احتفی بهم احتفاءً کبیرًا، ويظهر
ذلك ما يأتي:
١. تخليد ذكرهم.
ذكر الله سبحانه وتعالى المهاجرين
السابقین في کتابه خیر ذکر، وخلد ذكرهم
أبد الدهر، وقد حدثنا القرآن في غير موضع
عن هجرة نبي الله موسى، والخليل إبراهيم،
وتهجيره لولده وزوجته: ﴿رَبَّنآ إِنْ أَسْكنتُ
مِن ذُرِّيَّقِ بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْنِكَ الْمُحَرَّم
رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلَوَةَ فَأَجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ
تَهْوِىّ إِلَيْهِمْ وَأَرْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَتِ لَعَلَّهُمْ
﴾ [إبراهيم: ٣٧].
نَشْكُرُونَ
وكيف أن هذه الهجرة الميمونة كانت
هي البشائر لميلاد أمة جديدة صارت هي
الأجدر بتلقي كلمات الله ورسالته الأخيرة،
والانسياح بها في مختلف الأصقاع والبقاع،
وإزالة الظلام الذي ران على العقول والأفئدة
في ظل غيبة أنوار التوحيد.
فتخليد الله ذكر المهاجرين السابقين في
القرآن تكريمٌ ما بعده تكريم.
١٠٨
◌َالنَّسَبـ
قَضوري
جوبيع
القرآن الكريمِ

٢. ضرب المثل بهم وجعلهم في مقام ولا سيما سيد الصحابة بعد الرسول
القدوة.
وخيرهم وأفضلهم، أعني الصديق الأكبر
يستفاد من ذكر القرآن لقصص والخليفة الأعظم أبا بكر بن أبي قحافة
المهاجرین السابقین أنهم صاروا في موضع
الأسوة والقدوة للجماعة المؤمنة على
امتداد الزمان وتراخيه.
فذكر القرآن لهم يعني: أن سيرهم
ومواقفهم وتضحياتهم وبطولاتهم ستبقى
حية ومتداولة لا تنسى على مر العصور، وکر
الدهور، تستخرج منها الدروس، وتستنبط
من بين ثناياها العبر.
فجعل المهاجرين السابقين مضرب
المثل، ومحل اعتبار جموع المؤمنين
السائرين إلى ربهم لهو تشريف يعجز الجنان
والبنان عن تخيله وتسطيره؛ لأنه مهما سطر
فسيبقى خارج التصور.
قال تعالى: ﴿وَالسَّبِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ
الْمُهَجِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ أَتَّبَعُوهُم ◌ِإحْسَنِ
رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَذَّلَهُمْ جَنَّتٍ
تَجْرِى تَحْتَهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ
اَلْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠].
يخبر تعالى عن رضاه عن السابقين
من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم
بإحسان، ورضاهم عنه بما أعد لهم من
جنات النعيم، والنعيم المقيم(١)، فيا ويل من
أبغضهم أو سبهم أو أبغض أو سب بعضهم،
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٧٨/٤.
رضي الله عنه؛ فإن الطائفة المخذولة من
الرافضة يعادون أفضل الصحابة ويبغضونهم
ویسبونهم -عياذا بالله من ذلك-، وهذا يدل
على أن عقولهم معكوسة وقلوبهم منكوسة،
فأين هؤلاء من الإيمان بالقرآن إذ يسبون
من رضي الله عنهم؟ وأما أهل السنة فإنهم
یترضون عمن رضي الله عنه، ویسبون من
سبه الله ورسوله، ويوالون من يوالي الله،
ويعادون من يعادي الله، وهم متبعون لا
مبتدعون، ويقتدون ولا يبتدئون؛ ولهذا هم
حزب الله المفلحون وعباده المؤمنون (٢)
ثانيًا: المهاجرون من الأنبياء:
الهجرة أسلوب من أساليب نشر الدعوة،
وطريقة للمحافظة عليها من بغي الباغين،
وعدوان الجبابرة الظالمين؛ ولهذا كانت
الهجرة سبيل الأنبياء السابقين والرسل
المتقدمين قبل نبينا محمد صلى الله عليه
وسلم، يرتادون فيها الأرض الخصبة التي
تحتضن الدعوة، ويبحثون أثناءها عن البذور
الطيبة الصالحة للإخصاب.
وقد حدثنا القرآن عن عدد من الأنبياء
الذين هاجروا وتركوا ديارهم، وسنفصل
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٧٨/٤.
www. modoee.com
١٠٩

حرف الهاء
القول في بعضهم:
١. إبراهيم عليه السلام.
هذا النبي المبارك الذي بدأ دعوته في
بيئة كفر وشرك، فدعا قومه إلى التوحيد
الخالص والعقيدة الصحيحة، ونبذ ما هم
عليه من خرافات وأباطيل، دعاهم دعوة
واضحة المعالم، ميسورة الفهم.
قال تعالى: ﴿وَإِّرَهِيمَ إِذْقَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُواْ
اللَّهَ وَأَتَّقُوَةٌ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ
تَعْلَمُونَ ﴿ إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَنًا
وَتَخْلُقُونَ إِفْكَّا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ
اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَأَبْتَغُواْ عِندَ اللَّهِ
الرِّزْقَ وَأَعْبُدُوهُ وَأَشْكُرُواْ لَهُهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾
[العنكبوت: ١٦ - ١٧].
ولكنهم بدلًا من أن يمدوا البصر في
دعوته، ویجیلوا النظر في محتوى رسالته،
قاموا بإشعال النيران من أجل إحراقه، ﴿فَمَا
كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ، إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَقْتُلُوهُ أَوْ
حَرْقُوهُ﴾ [العنكبوت: ٢٤].
((إنه منطق الحديد والنار الذي لا يعرف
الطغاة منطقًا سواه، عندما تعوزهم الحجة
وينقصهم الدليل، وحينما تحرجهم كلمة
الحق الخالصة ذات السلطان المبين)»(١).
فلما يئس إبراهيم من هؤلاء القوم
الغلاظ -الذين لم تلن قلوبهم لآية إنجائه
من النار - قرر أن يهاجر ويتركهم؛ ((لأن
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٩٩٣/٥.
الهادي إذا هدى قومه ولم ينتفعوا فبقاؤه
فیهم مفسدة؛ لأنه إن دام على الإرشاد كان
اشتغالًا بما لا ینتفع به مع علمه، وإن سكت
فالسکوت دلیل الرضا، فیقال بأنه صار منا
ورضي بأفعالنا، وإذا لم يبق للإقامة وجه
وجبت المهاجرة)» (٢).
وقال تعالى: ﴿وَقَالَ إِّ مُهَاجِرُ إِلَى رَقِّيِّ
إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [العنكبوت: ٢٦].
((وهذه أول هجرةٍ لأجل الدين ولذلك
جعلها هجرةً إلى ربه))(٣).
وقال الله عن هجرته أيضًا: ﴿وَقَالَ إِنِّي
ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّ سَيَهْدِينٍ﴾ [الصافات: ٩٩].
((وإبراهيم عليه السلام لم يهاجر للنجاة،
ولم يهاجر لأرض أو کسب أو تجارة، وإنما
هاجر إلى ربه متقربًا له، ملتجئًا إلى حماه
بقلبه وعقيدته، قبل أن يهاجر بلحمه ودمه،
هاجر إليه ليخلص له عبادته، ويخلص
له قلبه، بل وکیانه كله في مهجره، بعیدا
عن موطن الكفر والضلال، بعد أن لم يبق
رجاء في أن يفيء القوم إلى الهدى والإيمان
بحال))(٤).
وهجرة إبراهيم عليه السلام ((هجرة
نفسية قبل أن تكون هجرة مكانية، هجرة يترك
وراءه فيها كل شيء من ماضي حياته، يترك
فيها أباه وقومه وأهله وبيته ووطنه، و کل ما
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٥/ ٤٧ بتصرف.
(٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٣٨/٢٠.
(٤) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٧٣٢/٥.
١١٠
القرآن الكريمِ

يربطه بهذه الأرض، وبهؤلاء الناس، ويدع إِنِّ لَكُمْ رَسُولُ أَمِينٌ ) وَأَنْ لَّا تَعْلُواْ عَلَى اللَّهِ إِنّ
مَاتِيكُ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ (١) وَإِنِ عُذْتُ بِرَبِ وَرَيِّكُوْ
أَنْ تَرْجُونِ ) وَإِنْ أَّْ تُؤْمِنُو ◌ْلِى فَاعْتَزِلُونِ﴾ [الدخان:
١٨-٢١].
وراءه کذلك کل عائق و کل شاغل ويهاجر
إلى ربه متخففًا من كل شيء، طارحًا وراءه
كل شيء، مسلمًا نفسه لربه لا يستبقي منها
شيئًا، موقنًا أن ربه سیهدیه، ویرعی خطاه،
وينقلها في الطريق المستقيم، إنها الهجرة
الكاملة من حال إلى حال، ومن وضع إلى
وضع، ومن أواصر شتى إلى آصرة واحدة
لا يزحمها في النفس شيء، إنه التعبير عن
التجرد والخلوص والاستسلام والطمأنينة
واليقين))(١)
٢. موسى عليه السلام.
من نماذج هجرة الأنبياء في القرآن هجرة
سيدنا موسى عليه السلام، ذلك النبي الكريم
الذي تحمل الكثير والكثير من أجل إبلاغ
الرسالة، وتبصير الناس بها، فقد قال الله له:
﴿أَذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه: ٢٤].
وتلك مهمة شاقة؛ لأن فرعون من
الجبابرة الطغاة الذين لا يقيمون وزنًا للأرواح
والأنفس، إنها مهمة غاية في الصعوبة
والخطورة؛ لأنها مواجهة بالموعظة لأعظم
ملوك الأرض يومئذٍ؛ لیکشف له فساد حاله،
ويحذره من سوء مآله.
ومع كل هذه المصاعب والمخاطر
ذهب موسى إلى فرعون، وعرض عليه
أنَّ أَدَّوْا إِلَىَّ عِبَادَ اللّهِ
رسالته، وقال له ولملئه:
(١) المصدر السابق ٢٩٩٤/٥.
لقد طلب منهم أن يسلموه بني إسرائيل،
وألا يتكبروا على الله بتكذيب رسله،
((فإن استعصوا على الإيمان فهو يفاصلهم
ويعتزلهم، ويطلب إليهم أن يفاصلوه
ويعتزلوه، وذلك منتهى النصفة (٢) والعدل
والمسالمة، ولكن الطغيان قلما يقبل
النصفة؛ فهو يخشى الحق أن يظل طليقًا،
ويصل إلى الناس في سلام وهدوء، ومن ثم
يحاربه بالبطش، ولا يسالمه أبدًا.
وحين وصلت التجربة إلى نهايتها،
وأحس موسى أن القوم لن يؤمنوا له، ولن
يستجيبوا لدعوته، ولن يسالموه أو يعتزلوه،
وأنه لن يستطيع تبليغ الدعوة وأداء الرسالة،
وبدا له إجرامهم أصيلًا عميقًا لا أمل في
تخليهم عنه، عند ذلك لجأ إلى ربه وملاذه
الأخير: ﴿وَإِن ◌َّوْ نُؤْمِنُواْ لِى فَأَ عْنَِلُونِ﴾ [الدخان:
٢١](٣) ، فأتاه الأمر بالخروج: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِى
لَيْلً إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ وَأَتْرُكِ الْبَحْرَ رَهُوَا إِنَّهُمْ
(٢) أنصفت الرجل إنصافًا: عاملته بالعدل
والقسط، والاسم: النصفة، بفتحتين، لأنك
أعطيته من الحق ما تستحقه لنفسك.
انظر: المصباح المنير، الفيومي ٦٠٨/٢.
(٣) في ظلال القرآن، سيد قطب ٣٢١٣/٥
بتصرف.
www. modoee.com
١١١

حرف الهاء
جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ [الدخان: ٢٣ -٢٤].
وهکذا خرج موسی بقومه، وأهلك الله
فرعون وجنده، وهاجر موسى بقومه ليتوجه
بهم إلى بلاد جدیدة، يستطيع فيها أن يبلغهم
الهدايات الإلهية، وتعاليم الرسالة الربانية،
وأن ينشئ بهم مجتمعًا فاضلاً على وفق
موازينها ومراداتها.
٣. محمد صلی الله عليه وسلم.
كانت مكة حين بعث النبي صلى الله
عليه وسلم قلعة الشرك والوثنية، ومقصدا
لعباد الأصنام من كل حدب وصوب، فبدأ
النبي صلى الله عليه وسلم دعوته فيها إلى
التوحيد وعبادة الله وحده، ونبذ عبادة
ما سواه، ولكن قريشًا لم تستقبل دعوته
بالود والترحاب، وإنما واجهت رسالته
بالتكذيب، وأصحابه بالتعذيب، وقرآنه
باللغو: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَسْمَعُواْ لِذَا الْقُرْءَانِ
وَالْفَوْاْفِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦].
ولما بدأت دعوته تنتشر ويقبل عليها
الناس ((قرر المشركون ألا يألوا جهدا في
محاربة الإسلام، وإيذاء الداخلين فيه،
والتعرض لهم بألوان النكال والإيلام،
وانفجرت مكة بمشاعر الغضب، وظلت
عشرة أعوام تعد المسلمين عصاً ثائرين،
فزلزلت الأرض من تحت أقدامهم،
واستباحت في الحرم الآمن دماءهم،
وأموالهم وأعراضهم، وجعلت مقامهم
تحملًا للضیم، وتوقعًا للويل))(١).
ولما لم تنجح هذه المحاولات في قطع
دابر الدعوة وثني الناس عنها حز ذلك في
نفوس طواغيت الكفر والشرك، فاجتمعوا
في دار الندوة؛ ليتخذوا قراراهم الحاسم
بالخلاص من النبي صلی الله عليه وسلم،
وآنئذٍ أمر الله نبيه بالهجرة؛ فانتقل النبي صلى
الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة حيث
البلد الجديد، والدولة التي سيجري العمل
على بنائها ورفع عمادها، وقد أشار القرآن
إلی هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وعبر
عنها بالإخراج، كما في قوله: ﴿ وَإِذْ يَمْكُ
بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُقْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُولٌ
وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اَللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَكِرِينَ﴾
[الأنفال: ٣٠].
وقوله: ﴿إِلَّا نَصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ
اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِى أَثْنَيْنِ
إِذْ هُمَا فِى الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ.
لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَّلَ اَللَّهُ
سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَدَهُ بِجُنُورٍ لَّمْ
تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ
كَفَرُواْ السُّغْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِ
اٌلْعُلْيَأْ وَاَللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٤٠].
والتعبير عن الهجرة بالإخراج فيه دلالة
على حجم الإيذاء الذي تعرض له النبي
صلى الله عليه وسلم وصحابته في مكة
(١) فقه السيرة، محمد الغزالي ١/ ١١٠ بتصرف.
فَضْو
مَوَسُولَةُ النَفي
القرآن الكريمِ
١١٢

من قبل المشركين، وعلى شدة تضييق وجوه:
المشركين على الدعوة، ومنعها من الانتشار
بين الناس.
ثالثًا: المهاجرون من الصحابة:
إن الهجرة كما مر معنا عمل عظيم، فيه
من المشقة والتعب والتضحيات ما فيه،
ولا يقوم به بشرطه -حقًا- إلا مؤمن تمكن
الإيمان من قلبه، وملأ اليقين فؤاده.
ولولا أن القرآن حدثنا عن أناس ليسوا
بأنبياء ولا مرسلين قاموا به لقلنا ما يقوم به
إلا نبي أو رسول؛ لأجل هذا کان للمهاجرین
من الصحابة رضي الله عنهم مكانة خاصة،
ومنزلة سامية في القرآن والسنة.
وقد تحدث القرآن عن المهاجرين من
الصحابة على صورتين:
الصورة الأولى: الحديث عنهم بوجهٍ
عام.
وهذا يظهر من خلال ما يأتي:
١. ثناء الله عليهم وإظهار عظيم جزائهم.
قال تعالى: ﴿وَالسَّبِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ
الْمُهَجِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ أَتَّبَعُوهُم بِإِحْسَنِ
رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَذََّهُمْ جَنَّتٍ
تَجْرِى تَحْتَهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ
اٌلْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠].
وفي هذه الآية ثناء بلیغ على المهاجرين،
وإظهار لفضلهم، ويظهر هذا في الآية من
؛ كلام الله عنهم، وهذه وحدها تكفي
لإظهار فضلهم ورفعة درجاتهم؛ إذ
الكلام من الرب الجليل مدبر الأفلاك،
وفاطر الأرض والسماء، تنويهًا على
عظيم صنعهم، وشريف فضلهم.
تزكية من حذا حذوهم، واقتفى أثرهم،
وسار على دربهم، تأمل قوله تعالى:
﴿يإحْسَنِ﴾ تجد أنه ((قيد مؤكد،
یکشف عن الإحسان الذي یکون من
متابعة السابقين الأولين من المهاجرين
والأنصار، والتأسي بهم، فمتابعتهم
﴿پاحسنِ
هي إحسان. وقوله تعالى:
هو توكيد لهذا الإحسان الذي تنطوي
عليه المتابعة، وهذا يعني أن ما كان
من السابقين من المهاجرين والأنصار
هو إحسان كله، فمن تابعهم وتأسی
بهم علی ما کانوا علیه فهو محسن كل
الإحسان))(١).
رفعهم لمقام تبادل الرضا مع الخالق،
تأمل قوله: ﴿رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ
عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠]. ((ورضا الله عنهم
هو الرضا الذي تتبعه المثوبة، وهو في
ذاته أعلى وأكرم مثوبة، ورضاهم عن
الله هو الاطمئنان إليه سبحانه، والثقة
(١) التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم يونس
الخطيب ٨٨١/٦- ٨٨٢ بحذف یسیر.
www. modoee.com
١١٣

حرف الهاء
بقدره، وحسن الظن بقضائه))(١).
جزاؤهم أعده الله. قال تعالى: ﴿وَأَعَدَّ
لَهُمْ جَنَّتٍ تَجْرِى تَّحْتَهَا الْأَنْهَرُ
خَلِينَ فِيهَآ أَبَدًا﴾ [التوبة: ١٠٠]. فما
ظنك بجزاء أعده الله الكريم الجليل؟!
إن جزاءهم إذًا لعظيم، ونعيمهم لا
یوصف، وسرورهم یوم يلقونه لا يقدر.
ومن الثناء عليهم ما جاء في قوله تعالى:
﴿وَمَن يَخْرُجْ مِنْ بَيْنِهِ، مُهَاجِرًا إِلَى اَللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ
يُدْرِكِهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا
رَّحِيمًا﴾ [النساء: ١٠٠].
قال ابن عباس في رواية عطاء: كان عبد
الرحمن بن عوف يخبر أهل مكة بما ينزل
فيهم من القرآن، فكتب الآية التي نزلت:
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَقَّهُمُ الْمَلَتِكَةُ ظَالِىّ أَنْفُسِهِمْ﴾
[النساء: ٩٧].
فلما قرأها المسلمون قال حبيب بن
ضمرة الليثي لبنيه -وكان شيخًا كبيرًا -:
احملوني، فإني لست من المستضعفين،
وإني لا أهتدي إلى الطريق، فحمله بنوه
على سرير متوجهًا إلى المدينة، فلما بلغ
(التنعيم) أشرف على الموت، فصفق يمينه
على شماله، وقال: اللهم هذه لك وهذه
لرسولك أبایعك علی ما بایعتك ید رسول
الله صلى الله عليه وسلم، ومات حميدًا،
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ١٧٠٥/٣ -
١٧٠٦ بتصرف.
فبلغ خبره أصحاب رسول الله صلى الله
عليه وسلم فقالوا: لو وافى المدينة لكان أتم
أجرًا، فأنزل الله تعالى فيه هذه الآية (٢).
٢. شهادة الله لهم بالصدق.
قال تعالى عن المهاجرين: ﴿لِلْفُقَرَآءِ
اَلْمُهَجِنَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَدِهِمْ وَأَمْوَ لِهِمْ
يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اَللَّهِ وَ رِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ؟
أُوْلَيْكَ هُمُ الصَّدِقُونَ﴾ [الحشر: ٨].
أي فضل وأي تكريم وأي شهادة
أعظم؟! وأي تزكية أعظم لهم من تزكية رب
العالمين؟!
قال تعالى: ﴿أُوْلَيْكَ هُمُ الصَّدِقُونَ﴾
[الحشر: ٨].
إنه إذن الخلود في مقامات الشرف
والرفعة، إنها الشهادة لهم بالصدق من خالق
هذا الكون.
٣. دعوة القرآن لحسن معاملتهم.
﴿وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُواْ اُلْفَضْلِ
قال تعالى:
مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُواْ أُوْلِي الْقُرْبَ وَالْمَسِكِينَ
وَالْمُهَجِرِينَ فِى سَبِيلِ اللّهِ وَلْيَعْقُواْ وَلْيَصْفَحُوَّأُ
أَلَا تُحِبُونَ أَنْ يَغْفِرَ اَللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾
[النور: ٢٢].
وهذه الآية لها علاقة بحادثة الإفك؛
حیث «إن أبا بكر رضي الله عنه كان ينفق
على مسطح بن أثاثة، وكان مسطح ابن
(٢) أسباب النزول، الواحدي ص١٧٨.
وانظر: الصحيح المسند من أسباب النزول
ص٧٧.
صَوَسُولَةُ الْتَّخِ
جوسين
لِلْعَرَآن الكَرِيْمِ
١١٤

خالة أبي بكر الصديق، وكان من فقراء النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ أَبْتِغَآءَ مَرْضَاتٍ
اللَّهِ وَاللَّهُ رَهُوَفْ بِاَلْعِبَادِ﴾ [البقرة: ٢٠٧].
المهاجرين، فلما علم أبو بكر بخوضه في
قضية الإفك أقسم أن لا ینفق علیه، فلما تاب
مسطح وتاب الله علیه لم یزل أبو بكر واجدًا
في نفسه على مسطح فنزلت هذه الآية»(١).
ولقد ظهر هذا جليًا في تعامل الصحابة
مع المهاجرين، فعمر بن الخطاب رضي الله
عنه لما حضرته المنية قال: ((أوصي الخليفة
من بعدي بالمهاجرين الأولين خيرًا، أن
یعرف لهم حقهم، وأن یحفظ لهم حرمتهم،
وأوصیہ بالأنصار خیرًا الذين تبوؤوا الدار
والإيمان أن يقبل من محسنهم، ویعفی عن
مسيئهم، وأوصيه بذمة الله، وذمة رسوله
صلی الله علیه وسلم أن یوفی لهم بعهدهم،
وأن يقاتل من ورائهم، وأن لا يكلفوا فوق
طاقتهم»(٢).
فلما دنا من المدينة تلقاه عمر في رجال،
فقال له عمر: ربح البيع، قال: وبيعك فلا
وهذا الوصية العمرية تظهر عميق تقديره يخسر، قال: وما ذاك؟ قال: أنزل فيك كذا
للمهاجرين واعترافه بمكانتهم وفضلهم عن وكذا(٣).
غیرهم.
الصورة الثانية: الحديث عن بعضهم
بوجه خاص:
وهذا يتجلى في قول الله: ﴿وَمِنَ
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٨٨/١٨.
وانظر: الصحيح المسند من أسباب النزول
ص١٤٩.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز،
باب ما جاء في قبر النبي صلى الله عليه وسلم
وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ١٠٣/٢،
رقم ١٣٩٢.
وقد ذكر كثير من المفسرين أن هذه الآية
نزلت في صهيب بن سنان الرومي رضي الله
عنه أراد أن يأتي النبي صلى الله عليه وسلم
ويهاجر إلى المدينة، فمنعته قریش وحبسوه،
فقال لهم: أعطیکم داري ومالي وما كان لي
من شيء، فخلوا عني فألحق بهذا الرجل؟
فأبوا، ثم إن بعضهم قال لهم: خذوا منه
ما كان له من شيء وخلوا عنه، ففعلوا،
فأعطاهم داره وماله ثم خرج، فأنزل الله
عز وجل على النبي صلى الله عليه وسلم
بالمدينة: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ
أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾﴾ [البقرة: ٢٠٧].
وهذه المنازل العظيمة والدرجات
الرفيعة التي أعدها الله لهم تثبت فضل
المهاجرين، وتوضح أن هؤلاء المهاجرين
ما نالوا هذه الدرجات إلا عن تعب ومشقة
وبذل وعطاء، وبذا قضى الله تعالى بين
عباده أن الدرجات العلى لا تنال إلا بعد
معاناة وصبر.
(٣) جامع البيان، الطبري ٢٤٨/٤، وانظر:
الصحيح المسند من أسباب النزول ص٣٣.
www. modoee.com
١١٥

حرف الهاء
﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَيِمَّةً
قال تعالى:
يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ وَكَانُواْ بِشَايَيْنَا
يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤].
آثار الهجرة في سبيل الله
أولًا: الآثار الدنيوية:
١. الهجرة إلى الله سبب لسعة الرزق.
الهجرة أحد أسباب السعة في العيش
والرزق، وبهذا وعد الله تعالى من خرج
مهاجرًا في سبيله، قال سبحانه وتعالى:
﴿وَمَن يُّهَاجِرْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِ الْأَرْضِ مُرَغَمًا
كِرًا وَسَعَةً﴾ [النساء: ١٠٠].
وفي هذا ((بيان للحث على الهجرة
والترغيب فيها، وبيان ما فيها من المصالح،
فوعد الصادق في وعده أن من هاجر في
سبيله ابتغاء مرضاته يجد مراغمًا في الأرض
وسعة، فالمراغم مشتمل على مصالح الدين
والسعة على مصالح الدنيا»(١).
((فهم لما تركوا الأوطان والخلان،
وانتقلوا عنها لأجل طاعة الرحمن، ذكر
لهم ثوابًا عاجلًا في الدنيا من الرزق الواسع
والعيش الهانئ الذي رأوه عيانًا بعد ما
هاجروا، وانتصروا على أعدائهم، وافتتحوا
البلدان وغنموا منها الغنائم العظيمة،
فتمولوا وآتاهم الله في الدنيا حسنة))(٢).
ولما هاجر إبراهيم عليه السلام إلى الله
عز وجل من دار قومه إلى الشام، رزقه الله
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص١٩٦
بتصرف.
(٢) المصدر السابق ص ٤٤١ بتصرف.
١١٦
قَضوري
◌َالنَّسَبـ
جوبيع
القرآن الكريمِ

بالولد، وجعل في ذريته النبوة والكتاب، عِندِكٌ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُفِى
وجعل له الثناء الحسن، والذكر الجميل، إِن شَآءَ اللّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [القصص: ٢٤-
وآتاه من خيري الدنيا والآخرة.
٢٧].
قال جل جلاله مخبرًا عن إبراهيم عليه
السلام: ﴿فَعَامَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّ مُهَاجِرُ إِلَى
رَبِّ إِنَّهُ, هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) وَوَهَبْنَا لَهُو
إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِى ذُرِيَّتِهِ النُّبُوَّةَ
وَالْكِنَبَ وَءَاتَيْنَهُ أَجْرَهُ فِ الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِ
اُلْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٦-٢٧].
وقال أيضًا: ﴿فَلَمَّا أَعْتَّزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ
مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُمْ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبٌ وَكُلَُّجَعَلْنَا
نَبِيًّا (١) وَوَهَبْنَا لَمُ مِّن رَّحْمَئِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ
لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٩ - ٥٠].
ولما هاجر موسى عليه السلام وفارق
ديار مصر فرارًا من بطش فرعون وجنوده،
وسع الله عليه فاستأجره الرجل الصالح،
وزوجه إحدى ابنتيه، وآواه ونصره.
قال تعالى مخبرًا عن موسى عليه السلام:
﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىَ إِلَى الظِّلِ فَقَالَ رَبِّ إِنِ
لِمَا أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَفِيْرٌ لَتُهُ إِحْدَمُهُمَا
تَمْشِى عَلَى أَسْتِحْيَآءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِىِ يَدْعُوكَ
لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَأَ فَلَمَّا جَاءَهُ، وَقَصَّ
عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَّخَفٌْ فَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ
الظَّالِمِينَ ﴿ قَالَتْ إِحْدَهُمَا يَكَأَبَتِ أَسْتَعْجِرَةٌ
إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَشْجَرْتَ الْقَوِىُّ الْأَمِينُ ٦ قَالَ
إِّ أُرِيدُ أَنْ أَنكِحَكَ إِحْدَى أَبْنَتَىَّ مَنْتَيْنِ عَلَ أَن
تَأَجُرَبِ ثَمَنِىَ حِجَجٌ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ
ولما هاجر نبينا صلى الله عليه وسلم
وصحابته من مكة إلى المدينة أخرجهم
الله من الضيق إلى السعة، ومن الاضطهاد
والإقصاء إلى العزة والتمكين، فجعل لهم
دارًا، ووسع عليهم، ورزقهم من فضله.
٢. الهجرة إرغامٌ لأنوف الأعداء.
الهجرة ثورة على الخضوع للقوى
الغاشمة الظالمة، ورفض لمظاهر الكفر
والعصيان بمفارقة أرضه وسلطانه وأمره، إنها
استعلاء وثبات، وتمسك بالحق، وإصرار
عليه؛ ولذا وعد الله تعالى المهاجرين في
سبيله بالسعة - كما مر في الآية السابقة-
ليكون في ذلك إرغام للأعداء، وإغاظة
لقوى الباطل، وشفاء لصدور قوم مؤمنين.
قال تعالى: ﴿يَجِدْ فِ الْأَرْضِ مُرَغَمَا كَثِيرًّاً
وَسَعَةٌ﴾ [النساء: ١٠٠].
يقول الرازي مفسرًا الآية: ((المعنى: ومن
یهاجر في سبیل الله إلی بلد آخر، يجد في
أرض ذلك البلد من الخير والنعمة ما يكون
سببًا لرغم أنف أعدائه الذين كانوا معه في
بلدته الأصيلة؛ وذلك لأن من فارق وذهب
إلى بلدة أجنبية، واستقر فيها أمره، وعلم
أهله بذلك، خجلوا من سوء معاملتهم معه،
www. modoee.com
١١٧

حرف الهاء
ورغمت أنوفهم بسبب ذلك))(١). ويقول الدنيا(٣).
القرطبي رحمه الله: ((فكأن كفار قريشٍ
أرغموا أنوف المحبوسين بمكة، فلو هاجر
منهم مهاجرٌ لأرغم أنوف قريشٍ؛ لحصوله
على منعةٍ منهم، فتلك المنعة هي موضع
المراغمة)»(٢).
وعد الله للمهاجرين بالعاقبة الحسنة
والنصر على الأعداء:
قال تعالى: ﴿ وَاُلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِ اَللَّهِ مِنْ
بَعْدِ مَا ظُلِمُوْلَنُبُّوِّقَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ [النحل:
٤١].
فهذه الآية فيها وعد من الله للمهاجرين
في سبيله بأن يجعل عاقبتهم حسنة، ومآلهم
مرضیًا.
وقد اختلفت أقوال المفسرين في قوله:
﴿لَنُّوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ جمعها ابن
الجوزي رحمه الله في خمسة أقوال:
الأول: لننزلنهم المدينة.
والثاني: لنرزقنهم في الدنيا الرزق
الحسن.
والثالث: النصر على العدو.
والرابع: أنه ما بقي بعدهم من الثناء
الحسن، وصار لأولادهم من الشرف.
والخامس: أن المعنى: لنحسنن إليهم في
والمتأمل لهذه الأقوال جميعها يدرك أنها
جميعًا مرادة، ومفادها أن الله تعالی سیجعل
عاقبتهم حسنة، ومصيرهم ومآگھم مرضیًا،
وهو ما يدل عليه لفظة ﴿لَنُوِّتَنَّهُمْ﴾.
((ولقد صدق الله وعده فأيد المؤمنين
بنصره، ومكن لهم فى الأرض، وأذل
الكافرين والمشركين والمنافقين، وجاء
نصر الله والفتح، ودخل الناس فى دين الله
أفواجًا)»(٤).
وعاد المخرجون المهاجرون فاتحين
منتصرين، وحقق الله وعده لنبيه حين قال
عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِى فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ
لَرَآتُكَ إِلَى مَعَادٍ قُل رَّ أَعْلَمُ مَن جَآءَ بِاَلْهُدَى وَمَنْ
هُوَفِ ضَلَلٍ مُّبِينٍ﴾ [القصص: ٨٥].
الآثار الأخروية:
١. الهجرة سبيل إلى رحمة الله.
الهجرة من أعظم أسباب النجاة، وأكثر
الأعمال رجاءً في إدراك رحمة الله، يقول
الله جل جلاله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ
حَاجَرُواْ وَجَلِهَدُواْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ
رَحْمَتَ اَللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٨].
قوله: ﴿أُوْلَبِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾
روي أن عبد الله بن جحش وأصحابه حین
(٣) زاد المسير، ابن الجوزي ٢/ ٥٦٠ باختصار.
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ١١/ ١٩٨.
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٤٨/٥ (٤) التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم يونس
الخطيب ٢٩٩/٧.
بتصرف.
١١٨
القرآن الكريمِ

قتلوا الحضرمي في الشهر الحرام، ظن قوم يقضوا ما يلزمهم في نصرة دينه، فيقدمون
أنهم إن سلموا من الإثم فليس لهم أجر، على الله مع الخوف والرجاء(٢).
فنزلت: ﴿أُوْلَكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اَللَّهِ﴾(١).
قال الرازي: فإن قيل: لم جعل الوعد
مطلقًا بالرجاء ولم يقطع به كما في سائر
الآيات؟
فالجواب من وجوه:
أحدها: أن مذهبنا أن الثواب على
الإيمان والعمل غير واجب عقلًا، بل بحكم
الوعد، فلذلك علقه بالرجاء.
وثانيها: هب أنه واجب عقلًا بحكم
الوعد ولکنه تعلق بأن لا یکفر بعد ذلك،
وهذا الشرط مشكوك فيه لا متيقن، فلا جرم
كان الحاصل هو الرجاء لا القطع.
وثالثها: أن المذكور ها هنا هو الإيمان
والهجرة والجهاد في سبيل الله، ولا بد
للإنسان مع ذلك من سائر الأعمال، وهو
أن يرجو أن يوفقه الله لها، كما وفقه لهذه
الثلاثة، فلا جرم علقه على الرجاء.
ورابعها: ليس المراد من الآية أن الله
شكك العبد في هذه المغفرة، بل المراد
وصفهم بأنهم يفارقون الدنيا مع الهجرة
والجهاد مستقصرين أنفسهم في حق الله
تعالی، یرون أنهم لم یعبدوه حق عبادته، ولم
(١) لباب النقول ص٣١.
وانظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير
٤٢٩/١، الكشاف، الزمخشري ٢٥٩/١،
معالم التنزيل، البغوي ١/ ٢٧٦.
والمقصود أنه سبحانه وضع الذين آمنوا
وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله موضع
الرجاء من رحمة الله ولم يعطهم الثواب
والمغفرة والرضوان على القطع والتحقيق؛
وذلك ليقيمهم من هذا الرجاء على عمل
دائم، وجهاد متصل، وهذا على خلاف ما إذا
سوى حسابهم بعد الهجرة وبعد كل موقف
من مواقف الجهاد، فقد یقعد بهم هذا عن
أن يضيفوا جديدًا، أو يخفوا للجهاد مرة بعد
مرة.
ثم إنه من جهة أخرى يرى الذين
آمنوا -مجرد إيمان- ولم يهاجروا ولم
يجاهدوا يريهم شناعة موقفهم ومغبة
تقصيرهم بتخلفهم عن ركب المهاجرين
والمجاهدين، ويرفع لأعينهم بعد ما بينهم
وبين مواقع رحمة الله ورضوانه؛ إذ يرون
المهاجرين المجاهدين ولما يلمسوا
بأيديهم مواقع الرحمة والرضوان، وأنهم
ما زالوا على رجاء، فكيف بالذين آمنوا ولم
یهاجروا ولم یجاهدوا؟
إن المدی بعید بينهم وبين أن يصلوا إلى
جانب الأمن والسلامة، وإن عليهم أن يحثوا
المطي إلى ميدان الهجرة والجهاد؛ ليلحقوا
بركب المهاجرين المجاهدين، وليكونوا
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٦/ ٣٩٥.
www. modoee.com
١١٩

حرف الهاء
بمعرض من رحمة الله ورضوانه(١).
ومما يدل على أن الهجرة من أهم أسباب
الحصول على رحمة الله قوله سبحانه:
(الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُوا فِى سَبِيلِ
اللَِّ بِأَمْوَهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُوْلَكَ
هُ الْفَِّرُونَ ﴿ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ
مِنْهُ وَرِضْوَنٍ وَجَنَّتٍ لَهُمْ فِيَهَا نَحِيمٌ مُقِيمُ﴾
[التوبة: ٢٠-٢١].
وقوله سبحانه: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ
لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ
جَهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا
لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠].
٢. الهجرة سبب لتكفير السيئات وغفران
الذنوب.
قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ آَنِ لآ
أُضِيعُ عَمَلَ عَمِلٍ مِنَكُم بِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم
مِنْ بَعْضِ فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ
وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِ وَقَتَلُواْ وَقُتِلُواْ لَأُ كَفِّرَنَّعَنْهُمْ
سَيْئَاتِهِمْ وَلَّأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن نَّحْتِهَا
اُلْأَنْهَرُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللّهُ وَاَللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ
الثَّوَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٥].
فهم لما هجروا الشرك وأرضه، وتركوا
الأوطان التي تربوا فيها، وهانت عليهم
أنفسهم وأموالهم؛ إعلاءً لكلمة الله ورغبةً
فيما عنده، كافئهم الله بخير مما تركوا؛
((فطهرهم من الذنوب والآثام، ونقاهم منها،
(١) التفسير القرآني للقرآن ٢٤٢/١.
ثم أدخلهم بعد ذلك جنته، وأعطاهم فيها ما
لا عين رأت، ولا أذن سمعت ولا خطر على
قلب بشر))(٢).
(وقد ختم الله تعالى الآية التي بشر فيها
المهاجرين بالسعة في الرزق وكيد الأعداء،
بالتلويح بالمغفرة لهم.
قال تعالى: ﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ مَهِدْ
فِ اَلْأَرْضِ مُرَغَمَا كَثِرًا وَسَعَّةٌ وَمَن يَخْرُجْ مِنْ بَلْتِهِ،
مُهَاجِرً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِ، ثُمَّ يُدْرِكُهُ الْمَوْتُّ فَقَدٌ وَقَعَ
أَجْرُهُ عَلَى اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾﴾ [النساء:
١٠٠].
فمع ضمانة الأجر، التلويح بالمغفرة
للذنوب والرحمة في الحساب، وهذا فوق
الصفقة الأولى ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾
إنها صفقة رابحة لا شك، يقبض فيها
المهاجر الثمن كله منذ الخطوة الأولى،
خطوة الخروج من البيت مهاجرًا إلى الله
ورسوله»(٣).
٣. الهجرة سبب لتحصيل رضوانه وجنته.
من أعظم ما للهجرة من فضل أن الله
تعالى وعد المهاجرين وبشرهم بالرحمة
الواسعة والرضوان الذي لا سخط بعده،
والنعيم المقيم في جنات الخلد.
قال تعالى: ﴿اَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ
(٢) التفسير الوسيط للقرآن، طنطاوي ٣٧٨/٢
بتصرف.
(٣) في ظلال القرآن، سيد قطب ٧٤٦/٢
بتصرف.
١٢٠
مَوَسُولَةُ النَّفي
القرآن الكريم

وَجَهَدُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ أبدًا ولا يخطئه؛ لأنه أجر مضاف إلى الله
دَرَجَّةً عِندَ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُ اَلْفَآیِزُونَ ﴾ يُبَشِّرُهُمْ
بالوعد الذي وعده سبحانه للمهاجرين،
ولن يخلف الله وعده)) (٣)
رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّتٍ لَّمْ فِيهَا
نَعِيدٌ مُقِيمُ﴾ [التوبة: ٢٠-٢١].
فقد وعدهم الله في هذه الآيات ((بإدخال
المسرة عليهم، وتحقيق فوزهم، وتعريفهم
برضوانه عليهم، ورحمته بهم، وبما أعد
لھم من النعيم الدائم، ومجموع هذه الأمور
لم يمنحه غيرهم من أهل السقاية والعمارة
الذين وإن صلحوا لأن ينالوا بعض هذه
المزايا فهم لم ينالوا جميعها))(١).
٤. جزاء من أدر كه الموت وهو مهاجر إلى
الله.
قال الله تعالی مبينًا أجر من مات مهاجرًا
في سبيله: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرٍ فِ سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِى
اُلْأَرْضِ مُرَغَمَا كَثِيرًا وَسَعَّةٌ وَمَن يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ،
مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ يُدْرِكِهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ
أَجْرُهُ عَلَى اللَّهُ وَ كَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء:
١٠٠].
وأي أجر أتم، وأي أجر أعظم من أجرٍ
تكفل به الله وضمنه؟! ﴿فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى
اللَّهِ﴾ ((أجره كله، أجر الهجرة والرحلة
والوصول إلى دار الإسلام والحياة فيها،
فماذا بعد ضمان الله من ضمان؟!))(٢).
﴿فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اَللَّهِ﴾ ((أجرٌ لا يفوته
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٤٩/١٠.
(٢) في ظلال القرآن ٢/ ٧٤٦.
لَّذِين
وصدق الله إذ يقول:
هَاجَرُواْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُواْ أَوْ مَاتُواْ
لَيَّرْزُقَنَّهُمُ اللّهُ رِزْقًا حَسَنَّاً وَإِنَّ اللَّهَ
لَهُوَ خَيْرُ الَّزِقِينَ ﴾ لَيُدْخِلَنَّهُم
مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ، وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾
[الحج: ٥٨-٥٩].
موضوعات ذات صلة:
الأرض، الأنصار، الإيمان، الشرك، الفتنة
(٣) التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم يونس
الخطيب ٨٨١/٣ بتصرف.
www. modoee.com
١٢١