النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ ٧ هـ عناصر الموضوع مفهوم الهجرة ٨٦ الهجرة في الاستعمال القرآني ٨٧ الألفاظ ذات الصلة ٨٨ ٩٠ هجرة المكان ١٠٣ هجرة الأعمال ١٠٨ المهاجرون ١١٦ آثار الهجرة فى سبيل الله المُجَلَدَ الرَّابِعْ وَالثَّلاثُونْ حرف الهاء مفهوم الهجرة أولًا: المعنى اللغوي: الهاء والجيم والراء، أصلان: يدل أحدهما على قطيعة وقطع، والآخر على شد شيء وربطه. فالأول الهجر: ضد الوصل، وكذلك الهجران، وهاجر القوم من دار إلى دار: تركوا الأولى للثانية(١). هجره يهجره هجرًا وهجرانًا: صرمه، وهما يهتجران ويتهاجران، والاسم: الهجرة، وقيل: الهجران، ويذهب إلى أن الهواجر جمع هجر، ويرى أنه من الجموع الشاذة كأن واحدها هاجرةٌ، والصحيح في هواجر أنها جمع هاجرةٍ: بمعنى الهجر (٢). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: الهجرة شرعا: «ترك الوطن الذي بين الكفار، والانتقال إلى دار الإسلام))(٣). وقيل: ((الخروج من دار الكفر إلى دار الإسلام»(٤). وقيل: إنما تنصرف إلى هجران بلد الشرك إلى دار الإسلام؛ رغبة في تعلم الإسلام والعمل به (٥). فالهجرة، هي: ((الخروج في سبيل الله من دار الكفر إلى دار الإسلام، ومن دارٍ شديد الفتنة إلى دارٍ أقل منه فتنة؛ طلبًا للسلامة في الدين والنفس))(٦). (١) مقاييس اللغة، ابن فارس ٣٤/٦. وانظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير ٢٤٤/٥. (٢) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٢٥٠/٥. (٣) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٨٣٣. وانظر: التعريفات، الجرجاني ص٢٥٦. (٤) المغني، ابن قدامة ٢٩٣/٩. (٥) انظر: فتح الباري، ابن حجر العسقلاني ٣٩/١. (٦) الهجرة مسائل وأحكام، عبد المنعم مصطفى ص١١، المفصل في أحكام الهجرة، علي بن نايف الشحود ص ٦. جَوَسُولَةُ النَّفِيـ القرآن الكريمِ ٨٦ الهجرة في الاستعمال القرآني وردت مادة (هجر) في القرآن الكريم (٣١) مرة (١). والصيغ التي وردت، هي: الصيغة عدد المرات المثال الفعل الماضي ١١ فُتِنُواْ ﴾ [النحل: ١١٠] فَلَ نَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُّهَاجِرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ٦ [النساء: ٨٩] ﴿لَيْنِ لَّمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَأَهْجُرْنِ مَلِيًّا (٥﴾ [مريم: ٤٦] ﴿وَأَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَأَهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا المصدر ١ [المزمل: ١٠] ﴿وَقَالَ إِنِّ مُهَاجِرُ إِلَى رَبِّ إِنَّهُ, هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ٢٦ ٨ [العنكبوت: ٢٦] وَقَالَ الرَّسُولُ يَرَبٍ إِنَّ قَوْمِى أَتَّخَذُواْ هَذَا الْقُرْءَانَ مَهْجُورًا اسم المفعول ١ ﴾ [الفرقان: ٣٠] ٣٠ وجاءت الهجرة في القرآن بمعناها اللغوي، وهو: الترك والمفارقة؛ إما بالبدن أو باللسان أو بالقلب(٢). (١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٧٣٠، ٧٣١، المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، باب الهاء ص ١٣٦٢ - ١٣٦٣. (٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص ٤٥٩، ٤٦٠، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي، ٣٠٤/٥، ٣٠٦، عمدة الحفاظ، السمين الحلبي، ٤ /٢٤٠ - ٢٤٢. www. modoee.com ٨٧ ﴿ُثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِنْ بَعْدِ مَا الفعل المضارع فعل الأمر اسم الفاعل ٤ حرف الهاء الألفاظ ذات الصلة الترك: ١ الترك لغةً: التاء والراء والكاف: الترك: التخلية عن الشيء؛ ولذلك تسمى البيضة بالعراء تريكة. تركت الشيء تركًا: خليته، وتاركته البيع متاركة، وتراك بمعنى: اترك، وهو اسمٌ لفعل الأمر (١). الترك اصطلاحًا: الترك عند العرب تخليف الشيء في المكان الذي هو فيه والانصراف عنه(٢). الصلة بين المتاركة والهجرة: المتاركة هي: ترك الأمر بالشيء والرغبة فيه، والنهي عن خلافه (٣)، أما الهجرة: فهي أعم من الترك، فهي ترك الأشياء مع الرغبة فيها، وتمني الرجوع إليها. القطيعة: ٢ القطيعة لغةً: (القاف والطاء والعين، أصل صحيح واحد، يدل على صرم وإبانة شيء من شيء، والقطيعة: الهجران، يقال: تقاطع الرجلان، إذا تصارما))، والاسم: القطيعة (٤)، وقطع رحمه قطيعةً: إذا لم يصلها، ويقال: رحم قطعاء بيني وبينك، إذا لم توصل(٥). والقطيعة اصطلاحًا: ترك البر والإحسان إلى الأهل والأقارب وهي ضد الصلة(٦). الصلة بين القطيعة والهجرة: قد يكون بينهما ارتباط في ترك المكان، فالمقاطع قد يترك مكان التواصل مع أقربائه، (١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٣٤٥/١، مجمل اللغة، ابن فارس ١٤٧/١، الصحاح، الجوهري ٤ /٠١٥٧٧ (٢) الفروق اللغوية، أبو هلال العسكري ص١١٣. (٣) المصدر السابق ص ١٢٣ . (٤) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ١/ ١٣٠. (٥) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ١٠١/٥، مجمل اللغة، ابن فارس ٧٥٧/١، الصحاح، الجوهري ١٢٦٦/٢. (٦) انظر: موسوعة نضرة النعيم ٥٣٢٩/١١. ٨٨ جَوَسُو القرآن الكريمِ والمهاجر قد يترك موطنه الأصلي، إلا أنه لا يلزم في الهجرة المقاطعة؛ كما أن المقاطع الذي يهجر قراباته من الكفار لا يلزم من قطيعتهم الهجرة إلى موطن وبلد آخر ما دام قادرًا علی تأدية فرائض الدین. الخروج: ٣ الخروج لغةً: الخاء والراء والجيم، أصلان، وقد يمكن الجمع بينهما، فالأول: النفاذ عن الشيء، والثاني: اختلاف لونين. والخروج: خروج السحابة، يقال ما أحسن خروجها، وفلان خريج فلان، إذا كان يتعلم منه، كأنه هو الذي أخرجه من حد الجهل (١). الخروج اصطلاحًا: ((الانفصال من المحيط إلى الخارج ويلزمه الظهور والبروز))(٢)، وقيل: ((هو عبارة عن الانفصال من مكانه الذي هو فيه إلى مكان قصده، وذلك المكان تارة يكون قريبا، وتارة یکون بعیدا))(٣). الصلة بين الخروج والهجرة: الخروج: هو الانتقال من مكان إلى مكان آخر، وقد يعد مذمومًا أو محمودًا، والهجرة: الرحيل من مكان لآخر، وتعد في الغالب محمودة. (١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ١٧٥/٢، مجمل اللغة، ابن فارس ٢٨٦/١. (٢) التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص ١٥٤. (٣) الكليات، الكفوي ص٤٥٢. www. modoee.com ٨٩ حرف الهاء وكلام ابن زيد أوضح في أن المراد بالآية هجرة المكان هجرة المسلمين من مكة؛ فقد سأله ابن وهب عن هذه الآية: ﴿يَعِبَادِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ من أنواع الهجرة التي ذكرها القرآن الكريم هجرة المكان، وسوف نتناولها بالبيان فیما یآتي: إِنَّ أَرْضِى وَسِعَةٌ فَإِيَّنَىَ فَأَعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت: ٥٦]: ((يريد بهذا من كان بمكة من المؤمنين؟ أولًا: الهجرة من دار الحرب إلى دار فقال: نعم))(٣). الإسلام: دار الحرب: هي كل بقعة تكون فيها الحرب بين المؤمنين والكافرين. فدار الحرب هي دار الكفار الذين بينهم وبين المسلمين حرب(١). وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا النوع من الهجرة. قال الله جل جلاله في سورة العنكبوت: ﴿يَعِبَادِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ أَرْضِ وَسِعَةٌ فَإِيََّىَ فَأَعْبُدُونِ ﴾ [العنكبوت: ٥٦]. فأرشد الله عباده المؤمنين للهجرة من البلد الذي لا يقدرون فيه على إقامة الدين إلى أرض الله الواسعة حيث يمكن إقامة الدین وعبادة الله وحده. وممن ذهب إلى أن المراد بهذه الآية الهجرة والانتقال ابن زيد ومقاتل والكلبي (٢). (١) الإعلام بوجوب الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام، عبد العزيز بن صالح الجربوع ص٨. (٢) جامع البيان، الطبري ٥٦/٢٠، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٣/ ٣٥٧. وتذييل الآية بقوله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِيَّنَىَ فَأَعْبُدُونِ﴾ فيه بيان ((أن علة الأمر لهم بالهجرة هي تمكينهم من إظهار التوحيد، وإقامة الدين» (٤). وقال سبحانه وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ توفنهم الْمَلَتِكَةُ ظَالِىّ أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيَ كُمْ قَالُوا كُنَّ مُسْتَضْعَفِينَ فِىِ الْأَرْضَِّ قَالُواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَسِعَةٌ فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَنَّهُمْ جَهَنَّمٌ وَسَآءَتْ مَصِيرًّا ( ٣) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَآءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةٌ وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا ٩٨ فَأُوْلَكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: عن ابن عباس رضي الله عنه قال: (كان قوم من أهل مكة أسلموا، وكانوا يستخفون(٥) بالإسلام، فأخرجهم المشركون يوم بدر معهم، فأصیب بعضهم بفعل بعض، قال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين (٣) جامع البيان ٢٠/ ٥٦. (٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٢/٢١. (٥) (يستخفون): يستترون، أي: يسرون بالإسلام. انظر: الكليات، الكفوي ص٩٩٣. ٩٠ القرآن الكريم وأكرهوا، فاستغفروا لهم، فنزلت الآية))(١). فهذه الآية كما نرى شددت على أهمية الهجرة من أرض الكفر، وحذرت من البقاء بين أظهر المشركين، وبينت خطره، وتوعدت من فعل ذلك بعقاب الله له، ما لم یکن من أهل الأعذار. والمقصود بالهجرة في الآية: الانتقال من مكة إلى المدينة، بعدما حاربت قريش النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين، وضيقت عليهم ومنعتهم من الدعوة إلى الله عز وجل وإقامة شعائره، فأذن الله لنبيه صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى المدينة؛ لإقامة دولة الإسلام، وإرساء مبادئ الدين الجديد. الإسلام: يستدل من الآية السابقة على بعض الأحكام المتعلقة بالهجرة على النحو الآتي: ١. وجوب الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام عند عدم العذر. هذا حكمٌ باقٍ إلى يوم القيامة، ويستفاد هذا الوجوب في الآية من عدة أمور: وصف الذين لم يهاجروا بالظلم، في قوله جل جلاله: ﴿إِنَّالَّذِينَ تَوَنَّهُمُ الْمَكَتَبِكَةُ ظَالِمِىّ أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧]. (١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره، ١٠٤٥/٣، رقم ٥٨٦٢، وأصله في صحيح البخاري ٦/ ٤٨، رقم ٤٥٩٦. توبيخ الملائكة لهم بعد موتهم، في قوله عز وجل: ﴿قَالُواْ فِيمَ كُمْ﴾ [النساء: ٩٧]. توعدهم بالنار في الآخرة، وبئس المصير، في قوله عز وجل: ﴿فَأُوْلَكَ مَأْوَنَّهُمْ جَهَنَّمُ وَسَآءَتْ مَصِيًّا﴾ [النساء: ٩٧]. قال الإمام ابن کثیر رحمه الله في هذه الآية: ((الآية الكريمة عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين وهو قادر على الهجرة، وليس متمكنًا من إقامة الدين، فهو ظالم لنفسه، مرتكب حرامًا بالإجماع، وبنص هذه الآية»(٢). قال ابن العربي رحمه الله: ((النوع الثاني حكم الهجرة من دار الحرب إلى دار من الهجرة: الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام، وكانت فرضًا في أيام النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه الهجرة باقية مفروضة إلى يوم القيامة، والهجرة التي انقطعت بالفتح هي القصد إلى النبي صلى الله عليه وسلم حیث کان، فمن أسلم في دار الحرب وجب عليه الخروج إلى دار الإسلام، فإن بقي فقد عصى))(٣). وقال الشيخ السعدي في تفسير الآية: ((وفي الآية دليل على أن الهجرة من أكبر الواجبات، وتركها من المحرمات، بل من (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٨٩/٢. (٣) أحكام القرآن، ابن العربي ١/ ٦١١ بتصرف. www. modoee.com ٩١ حرف الهاء الكبائر))(١). ٢. أهل الأعذار معفو عنهم ولا يشملهم العقاب. من رحمة الله عز وجل بعباده أنه لم يكلفهم فوق طاقتهم، ولم يأمرهم بما يعجزون عن تحقيقه، وهذا من محاسن الإسلام، ويسر شريعته؛ ولذلك فإن الله سبحانه وتعالى قد عفا عمن لم يقدر على الهجرة لسبب من الأسباب، ولم يتوعده بما توعد به تارك الهجرة لغير سبب، وهو المُسْتَضْعَفِينَ إلَّا الْمُسْتَصـ ما يبينه قوله عز وجل: مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَنِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةٌ وَلَا يَسْتَدُونَ سَبِيلًا (٦) فَأُوْلَكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمّْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا ﴾ [النساء: ٩٨ - ٩٩]. قال ابن عطية رحمه الله: ((ثم استثنى منهم من كان استضعافه على حقيقة من زمنة (٢) الرجال، وضعفة النساء والولدان. والحيلة: لفظ عام لأسباب أنواع التخلص، والسبيل: سبيل المدينة فيما ذكر مجاهد والسدي وغيرهما، والصواب أنه عام في جمیع السبل، ثم رجی الله سبحانه وتعالى (٣) هؤلاء بالعفو عنهم)) وقال ابن عاشور: ((﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ ﴾ استثناء من الوعيد، والمعنى: إلا (١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ١٩٥. (٢) أزمن الله فلانًا: جعله زمنًا، أي: مقعدًا، أو ذا عاهةٍ. تاج العروس ١٥٥/٣٥. (٣) المحرر الوجيز، ابن عطية ٢/ ١٠٠. المستضعفين حقًا، أي: العاجزين عن الخروج من مكة؛ لقلة جهد أو لإكراه المشركين إياهم على البقاء، والتبيين بقوله: ﴿مِنَ الرِّجَالِ وَالنَّسَاءِ وَاُلْوِلْدَانِ ﴾ [النساء: ٩٨]؟ لقصد التعميم، والمقصد التنبيه على أن من الرجال مستضعفين؛ فلذلك ابتدئ بذكرهم، ثم ألحق بذكرهم النساء والصبيان؛ لأن وجودهم في العائلة يكون عذرًا لوليهم إذا كان لا يجد حيلة. وجملة: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيَةٌ وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا ﴾ [النساء: ٩٨]. حال من المستضعفين، موضحة للاستضعاف؛ ليظهر أنه غير الاستضعاف الذي يقوله الذين ظلموا أنفسهم: ﴿كُنّ مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾﴾ [النساء: ٩٧]. أي: لا يستطيعون حيلة في الخروج؛ إما لمنع أهل مكة إياهم، أو لفقرهم، ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٩٨]. أي: معرفة للطريق كالأعمى)) (٤). فالهجرة واجبة في حق كل من أقام بين ظهراني المشركين وهو قادر على الهجرة، وليس متمكنًا من إقامة الدين، فإن لم يفعل فهو ظالم لنفسه مرتكب حرامًا، وأما من كان مستضعفًا عاجزًا عن الهجرة لسبب من الأسباب فقد عفا الله عنه وعذره، والله (٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٧٦/٥، ١٧٧ بتصرف. ٩٢ القرآن الكريم أعلم. ثانيًا: الهجرة من أرض البدعة والمعصية إلى أرض السنة والطاعة: من أنواع الهجرة التي أقرها الشرع الهجرة من أرض البدعة والمعصية إلى أرض السنة والطاعة. والمقصود بأرض البدعة والمعصية التي استقر فيها الإسلام، ثم انتشرت فيها البدع والمخالفات. وليس المقصود بالأرض البلد أو المدينة أو المنطقة، بل الأمر أوسع من هذا، فيشمل كل بقعة أو مجلس تحول عنه لنوع بدعة أو شيء محرم. وقد جاءت الإشارة إلى هذا النوع من الهجرة في الكتاب والسنة. فأرشد القرآن الكريم في بعض آياته إلى ضرورة الهجرة من أرض البدعة والمعصية إلى أرض السنة والطاعة، ومن هذه الآيات: قال الله عز وجل في سورة العنكبوت: ﴿ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ أَرْضِ وَسِعَةٌ فَإِيَّنَىَ فَأَعْبُدُونِ ﴾ [العنكبوت: ٥٦]. وهذه الآية وإن كان قد سبق الاستدلال بها على وجوب الهجرة من دار الكفر إلا أن بعض السلف -ومنهم سعيد بن جبير وعطاء - (١) رأوا أن المقصود بالهجرة في (١) جامع البيان، الطبري ٥٦/٢٠. الآية الهجرة من أرض المعاصي إلى أرض الطاعة؛ بناءً على عموم الآية. قال الإمام القرطبي في بيان القول السابق عند تفسيره لهذه الآية: ((وقال ابن جبير وعطاء: إن الأرض التي فيها الظلم والمنكر تترتب فيها هذه الآية، وتلزم الهجرة عنها إلى بلد حق»(٢). وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيْ ءَئِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِ حَدِيثٍ غَيْرِهِ، وَإِمَّا يُكْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا نَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىْ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨]. وقد استنبط العلماء من هذه الآية وجوب الهجرة من أرض البدعة والمعصية إلى أرض السنة والطاعة. وقد أشار ابن العربي المالكي رحمه الله إلى هذا النوع من أنواع الهجرة بقوله: ((النوع الثاني من الهجرة: الخروج من أرض البدعة، قال ابن القاسم: سمعت مالكًا يقول: «لا يحل لأحد أن یقیم ببلد سب فيها السلف)). وهذا صحيح؛ فإن المنكر إذا لم يقدر على تغييره نزل عنه (٣). قال الله جل جلاله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي ءَِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِىِ (٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٥٧/١٣، ٣٥٨. (٣) كذا في أحكام القرآن، ولم يتبين لي وجهه في اللغة. ولعل صوابه: يزول عنه. أي: يتحول عنه ويبتعد. www. modoee.com ٩٣ حرف الهاء حَدِيثٍ غَيْهِ، وَإِمَّا يُلْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا نَقْعُدْ بَعْدَ الذَّكْرَىْ مَعَ الْقَوْمِ الظَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨] (١). ثم ذكر رحمه الله الهجرة من أرض المعصية إلى أرض الطاعة بقوله: ((النوع الثالث من أنواع الهجرة: الخروج عن أرض غلب عليها الحرام؛ فإن طلب الحلال فرض على كل مسلم))(٢). ووردت الهجرة كذلك في السنة النبوية وأغلب أهل العلم في تفسير هذه كما وردت في القرآن. الآية على أن المقصود بها مجالس البدع والاستهزاء بالدين (٣). والخطاب وإن كان للرسول صلى الله عليه وسلم في الآية مباشرةً، فإن حكم بقية المسلمين كحكمه. كما قال جل جلاله في ذكر المنافقين: ﴿فَلَا نَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَقَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِهِ﴾ [النساء: ١٤٠]. قال الحافظ ابن كثير عن آية سورة الأنعام مبينًا عمومها لكل المسلمين: ((والمراد بهذه الآية كل فرد من آحاد الأمة ألا يجلس مع المكذبين الذين يحرفون آیات الله، ويضعونها على غير مواضعها، وهذه الآية هي المشار إليها في قوله: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى الْكِتَبِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ ءَايَتِ اللَّهِ (١) أحكام القرآن، ابن العربي ١/ ٦١١ بتصرف. (٢) المصدر السابق. (٣) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٣٠٥/٢، مفاتيح الغيب، الرازي ٢٢/١٣، التفسير الوسيط، طنطاوي ٩٨/٥. يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَ نَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِنَّ إِنَّكُمْ إِذَّا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَفِقِينَ وَاَلْكَفِرِينَ فِي جَهَنَّمَ ◌َمِيعًا ﴾ [النساء: ١٤٠]. أي: إنكم إذا جلستم معهم وأقررتموهم على ذلك فقد ساويتموهم في الذي هم فیه»(٤). فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن نبي الله صلی الله عليه وسلم قال: (كان فيمن كان قبلكم رجلٌ قتل تسعةً وتسعين نفسًا، فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على راهب، فأتاه، فقال: إنه قتل تسعةً وتسعين نفسًا، فهل له من توبة؟ فقال: لا، فقتله، فکمل به مائةً، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجلٍ عالم، فقال: إنه قتل مائة نفسٍ، فهل له من توبةٍ؟ فقال: نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض کذا و کذا؛ فإن بها أناسًا يعبدون الله فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك؛ فإنها أرض سوء، فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبًا مقبلًا بقلبه إلى الله، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرًا قط، فأناهم (٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٧٨/٣. جَوَسُولَةُ النَّقِينَ القرآن الكريمِ ٩٤ فقال: قیسوا ما بين الأرضین فإلى أيتهما کان أدنی فهو له، فقاسوه فوجدوه أدنی إلی الأرض التي أراد، فقبضته ملائكة الرحمة)، قال قتادة: فقال الحسن: ذكر لنا أنه لما أتاه الموت نأى بصدره (٢)(٣). قال النووي رحمه الله: «قوله: (انطلق إلی أرض كذا و كذا؛ فإن فيها أناسًا يعبدون الله فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك؛ فإنها أرض سوء) قال العلماء: في هذا استحباب مفارقة التائب المواضع التي أصاب بها الذنوب، والأخدان المساعدين له على ذلك، ومقاطعتهم ما داموا على حالهم، وأن يستبدل بهم صحبة أهل الخير والصلاح والعلماء والمتعبدين الورعين ومن يقتدي بهم وينتفع بصحبتهم، وتتأكد بذلك توبته)» (٤). حكم هذه الهجرة: ومن دلالات الوجوب في الآية: صيغة سبق أن بينا أن الهجرة من أرض البدعة الأمر بالإعراض في قوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضَ عَنْهُمْ﴾ [الأنعام: ٦٨]. (١) أي: حكمًا بينهم. (٢) نأى: أي: نهض ومال، بصدره: أي: إلى ناحية القرية التي توجه إليها للتوبة والعبادة، أي ثم مات ... ، فالمعنى: فبعد بصدره عن الأرض التي خرج منها. انظر: مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ٨/ ٢١. (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب التوبة، باب قبول توبة القاتل وإن كثر قتله، ٢١١٨/٤، رقم ٢٧٦٦. (٤) شرح صحيح مسلم، النووي ١٧ / ٨٣. ملكٌ في صورة آدمي، فجعلوه بينهم(١)، والمعصية إلى أرض السنة والطاعة ليس المقصود منها انتقال إلى بلد أو مدينة أو منطقة فحسب، بل الأمر أوسع من هذا، يشمل كل بقعة أو مجلس تحول عنه لنوع بدعة أو شيء محرم. وبناءً على ذلك يكون لهذه الهجرة حكمان: الأول: الوجوب إذا كان الجلوس في مثل هذه الأماكن سببًا في فقد المسلم القدرة على الالتزام بتعاليم دینه، وعدم قدرته على تغيير المنكرات، كما يفهم من نصوص القرآن وكلام العلماء. ويفهم هذا الوجوب من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي ءَايَئِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْهِ، وَإِمَّا يُنِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَ نَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىْ مَعَ الْقَوْمِ الَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨]. وجعل غاية هذا الإعراض (٥) أن يخوضوا في حديث غيره، وهو قوله تعالى: ﴿حَّ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْهِ﴾ [الأنعام: ٦٨]. وكذلك يستفاد من النهي في قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطِنُ فَلَا نَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨]؟ (٥) أي: زمن الإعراض. www. modoee.com ٩٥ حرف الهاء لأن الإقامة في هذه الأرض أيًا كان نوعها - كما بينا سابقًا - تعرض المسلم لسخط الله عز وجل وفقد القدرة على الالتزام بتعاليم دینه. ويفهم الوجوب من كلام العلماء كان يشاركهم في القول والعمل المحرم، المذكورين سابقًا، كابن العربي وابن كثير، وغيرهما. الثاني: جواز الهجرة وعدمه: وهذا إذا كان المسلم قادرًا على إقامة أحكام دينه، وعلى إزالة هذه المنكرات، وعلى دعوة العصاة في مثل هذه الأماكن. ويؤخذ هذا الحكم من قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ وَلَكِن ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ٦٩]. وقد صرح بعض العلماء بهذا الحكم، واتضح من كلام بعضٍ آخر بمفهوم المخالفة. قال الرازي في تفسير هذه الآية: «قال ابن عباس رضي الله عنهما: قال المسلمون: لئن كنا كلما استهزأ المشركون بالقرآن وخاضوا فيه قمنا عنهم لما قدرنا على أن نجلس في المسجد الحرام، وأن نطوف بالبيت، فنزلت هذه الآية، وحصلت الرخصة فيها للمؤمنين بأن يقعدوا معهم ويذكرونهم ویفهمونهم»(١). (١) مفاتيح الغيب، الرازي ١٣/ ٢٣. وقال الشيخ السعدي في قوله تعالى: ﴿فَلَ نَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الَّلِينَ [الأنعام: ٦٨]: ((هذا النهي والتحريم لمن جلس معهم ولم يستعمل تقوى الله بأن أو يسكت عنهم وعن الإنكار، فإن استعمل تقوى الله تعالى بأن كان يأمرهم بالخير وينهاهم عن الشر والكلام الذي يصدر منهم فيترتب على ذلك زوال الشر أو تخفيفه فهذا ليس عليه حرج ولا إثم؛ ولهذا قال: ﴿ عَلَى الَّذِينَ يَثَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّنْ شَىْءٍ وَلَكِن ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَنَّقُونَ﴾ [الأنعام: ٦٩])»(٢). وقال ابن القاسم: ((سمعت مالكًا یقول: لا يحل لأحد أن یقیم ببلد سب فيها السلف» (٣). وقد وافقه ابن العربي بقوله: ((وهذا صحيح؛ فإن المنكر إذا لم يقدر على تغييره نزل عنه (٤). قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيَءَئِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهْ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا نَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى (٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ١٩٥. (٣) أحكام القرآن، ابن العربي ١/ ٦١١. (٤) كذا في أحكام القرآن ولم يتبين لي وجهه في اللغة. ولعل صوابه: يزول عنه. أي: يتحول عنه ويبتعد. ٩٦ لِلْقُرآن الكَرِيمِ مَعَ الْقَوْمِ اَلَّكَلِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨](١). فيفهم من قوله: ((فإن المنكر إذا لم يقدر على تغييره نزل عنه)»، جواز المكث والجلوس عند استطاعة تغيير المنكر. وقال الشوكاني في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيْ ءَايَئِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَّ يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْهِ، وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَ نَّقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىْ مَعَ الْقَوْمِ الفَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨]: ((وفي هذه الآية موعظة عظيمة (٢) بمجالسة المبتدعة الذين لمن يتسمح يحرفون كلام الله، ويتلاعبون بكتابه وسنة رسوله، ويردون ذلك إلى أهوائهم المضلة وبدعهم الفاسدة، فإنه إذا لم ينكر عليهم ويغير ما هم فيه، فأقل الأحوال أن يترك مجالستهم، وذلك يسير عليه غير عسير))(٣). وبعد عرض كلام أهل العلم في هذا النوع من الهجرة يتبين أنها تدور بين الوجوب والجواز، على التفصيل الذي سبق بیانه، والله أعلم. ثالثًا: الهجرة لطلب العلم والتجارة: لما كان طلب العلم وتعلمه وتعليمه للناس من أجل الأعمال وأفضلها؛ عد السفر في سبيل تحصيله لونًا من ألوان الهجرة، (١) أحكام القرآن، ابن العربي ١/ ٦١١. (٢) تسمح وأصله الاتساع، أي: تساهل. انظر: المصباح المنير ١ /١٥٠. (٣) فتح القدير، الشوكاني ١٤٦/٢. ونوعًا من أنواعها؛ وذلك لما يترتب عليه من منافع للمسلمين؛ ولما يصاحبه من مشقة ترك الأوطان، ومفارقة الإخوان، ومكابدة مشاق السفر والغربة ومتاعبه. وجاء الحث على هذا النوع في القرآن الكريم في أكثر من موضع، بین آيات تأمر بها، وأخرى تذكر قصصًا للمهاجرين في طلب العلم. كما حثت السنة النبوية الشريفة أيضًا على هذا النوع وبينت فضائله. يقول الله عز وجل: ﴿فَلَوَّلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَآئِقَةٌ لِّيَنَفَقَّهُواْ فِ اُلِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢]. وهنا نجد الإشارة إلى أهمية الخروج والهجرة لطلب العلم والتفقه في الدين، فقد بين سبحانه وتعالى فيها أن غاية هذا الخروج من البلدان هو التفقه في الدين، وإنذار العباد به. يقول الشيخ السعدي رحمه الله في قوله: ﴿لِيَنَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَمُوْاْ إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٢]. أي: ((ليتعلموا العلم الشرعي ويعلموا معانيه، ويفقهوا أسراره، وليعلموا غيرهم، ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم)) (٤). ويقول السيوطي رحمه الله: ((وفي الآية (٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٣٥٥. www. modoee.com ٩٧ حرف الهاء إشارة إلى الرحلة في طلب العلم)»(١). واتخذ الطاهر ابن عاشور هذه الآية أصلًا في طلب العلم، فقال: ((هذه الآية أصل في وجوب طلب العلم، على طائفة عظيمة من المسلمين وجوبًا على الكفاية))(٢). وبالنظر في سياق الآية يتبين لنا أنها أتت في معرض الحديث عن الجهاد في سبيل الله، وكأن في هذا إشارة إلى أن الهجرة لطلب العلم لا تقل في المنزلة عن الهجرة للجهاد في سبيل الله. «فهناك نفرٌ(٣) کالنفر إلى الجهاد، وهو النفر إلى التفقه فى الدين، والتعرف على أحكام الشريعة، ففي النفر إلى الجهاد يقول الله عز وجل: ﴿أَنفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١]. وفي النفر إلى العلم يقول جل جلاله: ﴿فَلَوَّلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآَيِفَةٌ لِيَنَفَقَّهُواْ فِىِ الدِّينِ﴾ [التوبة: ١٢٢]. فطلب العلم فريضة على كل مسلم كفريضة الجهاد سواء بسواء)» (٤). تناسب لطيف: نلحظ وجود تناسب رائق من حيث (١) الإكليل في استنباط التنزيل، السيوطي ص١٤٥. (٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١١/ ٦٠. (٣) أي: التفرق، وهو مأخوذ من معنى الخروج. لسان العرب مادة نفر بتصرف يسير. (٤) التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم يونس الخطيب ٩١٧/٦ بتصرف يسير. المعنی ومن حیث اللفظ بین هذه الآية وما قبلها، في قوله: ﴿مَاكَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٢٠]. ونجد الطاهر ابن عاشور رحمه الله يجلي لنا هذا الترابط فيقول: ((وإذ قد كانت الآية السابقة قد حرضت فريقًا من المسلمين على الالتفاف حول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغزو لمصلحة نشر الإسلام، ناسب أن یذکر عقبها نفر فريق من المؤمنین إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم للتفقه في الدين؛ ليكونوا مرشدين لأقوامهم الذين دخلوا في الإسلام. ومن محاسن هذا البيان أن قابل صيغة التحريض على الغزو بمثلها في التحريض على العلم؛ إذ افتتحت صيغة تحريض الغزو بلام الجحود، في قوله: ﴿مَاكَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الْأَعْرَابِ﴾ [التوبة: ١٢٠]. وافتتحت صيغة التحريض على العلم ﴿وَ مَا كَانَ والتفقه بمثل ذلك، إذ يقول: اَلْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُواْ كَاَنَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢](٥). وهذا لا شك يبين فضل الهجرة في طلب العلم وتحصيله. والهجرة لطلب العلم لكفاية حاجة (٥) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٥٩/١١ بتصرف يسير. جَوَسُولَةُ التَفيمـ لِلْعُرْآن الكَرِيمِ ٩٨ الأمة لا تقل في وجوبها عن وجوب الجهاد بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله لتحقيق مصالح الأمة. وقد استنبط الطاهر ابن عاشور رحمه الله هذا الحكم اللطيف من قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنِفِرُواْ كَافَّةٌ فَلَوَلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَآَيِقَةٌ لِيَنَفَقَّهُواْ فِ اَلْدِِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢]. فقال: ((الإتيان بصيغة لام الجحود تأكيد للنفي، وهو خبر مستعمل في النهي، فتأكيده يفيد تأكيد النهي، أي: کونه نھیًا جازمًا يقتضي التحريم؛ وذلك أنه كما كان النفر للغزو واجبًا؛ لأن في تركه إضاعة مصلحة الأمة، كذلك كان تركه من طائفة من المسلمين واجبًا، لأن في تمحض جميع المسلمين للغزو إضاعة مصلحة للأمة أيضًا، فأفاد مجموع الكلامين أن النفر للغزو واجب على الكفاية، أي: على طائفة كافية لتحصيل المقصد الشرعي منه، وأن تركه متعين على طائفة كافية منهم، لتحصيل المقصد الشرعي مما أمروا بالاشتغال به من العلم في وقت اشتغال الطائفة الأخرى بالغزو))(١). وإذا كان القرآن أشار إلى الهجرة لطلب العلم فقد أشارت السنة النبوية إليه أيضًا، وصرحت بأن هذه الهجرة جهاد، فعن أنس صلى الله عليه وسلم: (من خرج في طلب العلم فهو في سبیل الله حتی یرجع)(٢). وعن زر بن حبيشٍ قال: أتيت صفوان بن عسالٍ المرادي فقال: ما جاء بك؟ قلت: أنبط (٣) العلم، قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من خارج خرج من بيته في طلب العلم إلا وضعت لّه الملائكة أجنحتها رضًا بما يصنع) (٤). ومما يبين لنا أيضًا فضل الهجرة في طلب العلم -زيادةً على ما سبق- ما قصه الله علينا من خبر الكليم موسى عليه السلام مع الخضر عليه السلام في سورة الكهف. قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَنُ لَآ أَبْرَعُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِىَ حُقُبًا ث فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَانَسِيَا حُوقَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِ الْبَحْرِ سَرَبًا فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَنَهُ ءَائِنَا غَدَآءَنَا لَقَدْ لَفِينَا مِن سَفَرِنَا قَالَ أَرَوَيْتَ إِذْ أَوَيِّنَآ إِلَى الصَّخْرَةِ ٦٢ هَذَا نَصَبًا (٢) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب العلم، باب فضل طلب العلم ٢٦٤٧،٢٩/٥. وضعفه الألباني في السلسة الضعيفة، رقم ٢٠٣٧. (٣) نبط العلم والحكمة: استخرجهما. انظر: المعجم الوسيط ٢/ ٨٩٧. (٤) أخرجه ابن ماجه في سننه، المقدمة، باب فضل العلماء والحث على طلب العلم ١/ ٨٢، رقم ٢٢٦. وصححه الألباني في صحيح الجامع ٥٧٠٢،٩٩٤/٢. (١) المصدر السابق. www. modoee.com ٩٩ حرف الهاء فَإِّ نَسِيتُ الْحُتَ وَمَآ أَفْسَنِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذَّكْرَهُ، وَاَّخَذَ سَبِيلَهُ فِ اَلْبَحْرِ عَبَأَ جْ قَالَ ذَلِكَ مَاكُنَّا نَبْغٌ فَأَرْتَدًا عَلَى ءَاثَارِهِمَا قَصَصًا ( ٦٤ فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَآ ءَانَيْنَهُ رَحْمَةٌ مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا ) قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشِدًا﴾ [الكهف: ٦٠-٦٦]. فهذه قصة ارتحال موسى عليه السلام إلى الخضر وهجرته إليه، وسبب هذه الهجرة يبينه لنا حديث النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: (إن موسى قام خطيبًا في بني إسرائيل، فسئل: أي الناس أعلم؟ فقال: أنا، فعتب الله علیه إذ لم يرد العلم إليه، فأوحى الله إليه إن لي عبدًا بمجمع البحرين هو أعلم منك، قال موسى: يا رب فكيف لي به؟ قال: تأخذ معك حوتًا فتجعله في مکتلٍ، فحيثما فقدت الحوت فهو)(١) إذن فموسی علیه السلام قد هاجر لطلب العلم من العبد الصالح. يقول القرطبي رحمه الله: ((في هذا من الفقه رحلة العالم في طلب الازدياد من العلم، والاستعانة على ذلك بالخادم والصاحب، واغتنام لقاء الفضلاء والعلماء وإن بعدت أقطارهم، وكان ذلك دأب (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب قوله: (وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين)، ٨٨/٦، رقم ٤٧٢٥. السلف الصالح)»(٢). ويتتبع آيات القصة ومفرداتها يتبين لنا: الحرص الشديد من موسى عليه السلام على مواصلة الرحلة، مهما كلفه ذلك من مشقة وعناء؛ إذ يقول: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَنْهُ لَآ أَبْرَحُ حَقَّ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِىَ حُقُبًا ﴾ [الكهف: ٦٠]. وهذا «یکشف عن حرصه الشدید علی تحقيق هذه الرغبة حتى إنه إذا لم يبلغها في المدی الذي قدره فلن یکف عن السعي، بل يظل هكذا طوال حياته راصدًا لهذه الغاية، ساعيًا إليها، شأن من تتسلط عليه رغبة ويستولي عليه أمل فيعيش حياته كلها ساعيًا لهذه الرغبة، جاريًا وراء هذا الأمل إلى أن یتحقق أو یموت دونه)»(٣). فالهجرة في طلب العلم من نفائس الأعمال وعظيمها، فلا غرو أن استحقت کل هذا الإصرار من نبي کریم. قال الرازي: في قوله تعالى: ﴿وَإِذْقَالَـ مُوسَى لِفَتَنَّهُ لَّ أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ اَلْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِىَ حُقُبًا ﴾ [الكهف: ٦٠]. ((هذا إخبار من موسى عليه السلام بأنه وطن نفسه على تحمل التعب الشديد والعناء العظيم في السفر؛ لأجل طلب العلم، وذلك تنبيه على أن المتعلم لو سافر من المشرق (٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١١/ ١١. (٣) التفسير القرآني للقرآن ٦٤٧/٨. ١٠٠ الْقُرآن الكَرِيْمِ إلى المغرب لطلب مسألة واحدة لحق له جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَأَمْشُواْ فِى مَنَاكِهَا وَكُلُواْ ذلك))(١). ولو لم يكن لهذا النوع من أنواع الهجرة ثمرة إلا تحصيل العلم النافع الذي يورث العبد خشية الله، مصداقًا لقوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اَللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَواْ﴾ [فاطر: ٢٨](٢) لکفی، فكيف وقد أمر الله به، وجعله من سنة الأنبياء والصالحين، وجعل تعلیمه للناس من خير الأعمال وأقومها! ولله در القرطبي إذ يقول: ((بسبب ذلك -أي: الهجرة لطلب العلم- وصل المرتحلون إلى الحظ الراجح، وحصلوا على السعي الناجح، فرسخت لهم في العلوم أقدام، وصح لهم من الذكر والأجر والفضل أفضل الأقسام))(٣). ومن تمام نعمة الله على عباده أن ذلل لهم الأرض وسخرها کالدابة الذلول سهلة الانقياد، وأرشدهم إلى السير والسعي في جنباتها وفجاجها؛ لتحصيل الرزق والمعاش، فقال سبحانه وتعالى: ﴿هُوَالَّذِى (١) مفاتيح الغيب ٤٧٩/٢١. (٢) قال ابن كثير ((أي إنما يخشاه حق خشيته العلماء العارفون به، لأنه كلما كانت المعرفة للعظيم القدير العليم الموصوف بصفات الكمال المنعوت بالأسماء الحسنى، كلما كانت المعرفة به أتم والعلم به أكمل كانت الخشية له أعظم وأكثر)). تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ٤٨٢. (٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١١/ ١١. مِنْ رِّزْقِهِ، وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: ١٥]. ومن رحمة الله بعباده أيضًا أن وازن لهم بين متطلبات أرواحهم، ومقتضيات الحياة في الأرض من عمل ونشاط وكسبٍ؛ فأباح لهم الانتشار في الأرض للتجارة والكسب بعد الفراغ من صلاة الجمعة، حیث قال جل جلاله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ فَأَنْتَشِرُواْ فِ الْأَرْضِ وَابْنَغُواْ مِن فَضْلِ اَللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠]. قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: ((لما حجر عليهم في التصرف بعد النداء، وأمرهم بالاجتماع أذن لهم بعد الفراغ في الانتشار في الأرض، والابتغاء من فضل الله)» (٤). وابتغاء الفضل ورد في القرآن بمعنى التجارة(٥). كما أرشد الله عباده أن السفر للتجارة سبب للنيل من فضل الله الواسع، فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَءَاخَرُونَ يَضْرِئُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠]. والضرب في الأرض هو السفر للتجارة (٦). ((وسمى الله السفر للتجارة ضربًا في الأرض؛ لأن الماشي بجد واجتهاد یضرب (٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٠٨٩/٧. (٥) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢/ ٤١٣. (٦) انظر: الجواهر الحسان، الثعالبي ٥٠٧/٥، المحرر الوجيز، ابن عطية ٣٩١/٥، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٨٥/٢٩. www. modoee.com ١٠١ حرف الهاء الأرض برجله))(١). ((وتأمل كيف أن الله قال: فَضّلِ اَللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠]. ويبتَغُونَ مِن فأشار إلى سعة ما عند الله بكونه فوق أمانيهم؛ وقال: ﴿مِن فَضْلِ اللهِ﴾، أي: بعض ما أوجده الملك الأعظم لعباده، ولا حاجة به إليه بوجهٍ من الربح في التجارة))(٢). ومما يبين فضيلة السفر للتجارة وتحصيل الرزق، بشرط توفر النية الطيبة، وعدم الانشغال به عن ذكر الله، أن الله عز وجل جعل الهجرة للسعي على الرزق والتجارة مقرونة بالجهاد في سبيله، فقال جل جلاله: ﴿وَءَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِىِ اَلْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ الَّهِ وَءَاخَرُونَ يُقَِلُونَ فِ سَبِيلِ اَللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠]. بمعنى أن الله ما ذكر هذين السببين لنسخ تحديد القيام إلا تنويها بهما)» (٤). فها هو عمر رضي الله عنه يبين فضيلة الهجرة للتجارة والسعي إلى الرزق، فيقول: «ما جاءني أجلي في مكانٍ، ما عدا في سبيل الله عز وجل أحب إلي من أن يأتيني وأنا بين شعبتي رحلي أطلب من فضل الله، ثم تلا: ﴿وَءَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِى الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠](٥). وهكذا فهم كثير من العلماء؛ فتواترت كلماتهم في بيان فضيلة السفر للتجارة من خلال آية المزمل(٦). وجاءت هذه الجملة من الآية في سورة المزمل في سياق بيان أعذار بني آدم التي تحول بينهم وبين قيام الليل، فذكر الله من هذه الأعذار سفر بعض المسلمين للتجارة فقد ((جمع الله سبحانه وتعالى في الآية بين السعي في الأرض لطلب الرزق والجهاد في سبيله؛ للإشعار بأن الأول لا يقل في فضله عن الثاني متى توافرت فيه يطلبون من رزق الله ما يحتاجون إليه في معاشهم، وهذا يبين فضيلة الهجرة للتجارة، والسعي على الرزق؛ إذ جعلها الله عذرًا لمن النية الطيبة، وعدم الانشغال به عن ذكر لا يقوم الليل كله، ولا ينقطع لقراءة القرآن. الله))(٣). قال الطاهر ابن عاشور: ((وقد كان بعض الصحابة رضي الله عنهم يتأول من هذه الآية فضيلة السفر للتجارة؛ حيث سوى الله بين المجاهدين والمكتسبين المال الحلال، (١) نظم الدرر، البقاعي ٣٣/٢١. (٢) المصدر السابق. (٣) التفسير الوسيط، طنطاوي ١٥/ ١٦٩. (٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٨٥/٢٩- ٢٨٦ بتصرف. (٥) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، باب التوكل بالله ٢/ ٤٥٠، رقم ١١٩٨. (٦) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٣٩١/٥، مفاتيح الغيب، الرازي ٣٠/ ٦٩٥، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٥٥/١٩، روح المعاني، الألوسي ١٥/ ١٢٦. ١٠٢ ◌َالنَّفَبـ جوبي القرآن الكريمِ هجرة الأعمال من أنواع الهجرة التي بينها القرآن الكريم هجرة بعض الأعمال، وسوف نتناولها بالشرح فيما يأتي: أولًا: الهجرة من الآثام إلى التوحيد: الذنوب والمعاصي من أكثر ما يهلك العبد ويخزيه في دنياه وأخراه، وقد حدثنا القرآن عن علة هلاك الأقوام السابقة والأمم المتقدمة، فقال جل جلاله: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَتْبِةِ فَمِنْهُم مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَأْ وَمَا كَانَ اَللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٠]. والإيمان بالله والاعتصام به من أكبر أسباب النجاة. قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةُ ءَامَنَتْ فَتَفَعَهَآ إِيَمَنُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّاَ ءَامَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِرِّيِ فِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَمَثَّعْنَهُمْ إِلَى حِينٍ ﴾ [يونس: ٩٨]. فهجرة المعاصي والحذر منها والاعتصام بالتوحيد لا ريب أنه من أكثر أسباب النجاة؛ لذا جاء الأمر بها في القرآن: ﴿وَاُلُّجْزَنَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥]. وقد ورد في بيان المراد بالرجز في الآية قولان: الأول: الرجز هو الأصنام، وقد ورد عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة والزهري وابن زيد. الثاني: الرجز هو المعصية، وقد ورد عن إبراهيم والضحاك (١). وتوجيه الأمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم باجتناب الرجز لا يلزم منه تلبسه بشيء منه، قال ابن كثير رحمه الله: ((وعلى كل تقدير فلا يلزم تلبسه بشيء من ذلك، كقوله: ﴿بَأَيُّهَا النَّبِىُّ أَتَّقِ اللّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَفِرِينَ وَالْمُنَفِقِينَ﴾ [الأحزاب: ١]. وقوله: ﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَرُونَ أَخْلُفْقِ فِ قَوِى وَأَصْلِحْ وَلَا تَنَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٢](٢). والمعنى في الأمر: اثبت ودم على هجره؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان بريئاً منه))(٣). وعلى كلا القولين في معنى الرجز فهناك أمر بهجر الإثم، سواء كان الشرك أو الذنوب التي يدخل فيها الشرك وسائر الشرور. قال الشيخ السعدي: ((﴿وَلُّجْزَفَهْجُزْ﴾ [المدثر: ٥]. يحتمل أن المراد بالرجز الأصنام والأوثان التي عبدت مع الله، فأمره بتركها، والبراءة منها، ومما نسب إليها من قول أو عمل، ويحتمل أن المراد بالرجز أعمال الشر (١) جامع البيان، الطبري ١٣/٢٣. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٦٤/٨. (٣) البحر المحيط، أبو حيان ٣٢٦/١٠. www. modoee.com ١٠٣ حرف الهاء كلها وأقواله، فيكون أمرًا له بترك الذنوب، صغيرها وكبيرها، ظاهرها وباطنها، فيدخل في ذلك الشرك وما دونه))(١). ولعل القول بالعموم هو الأولى؛ لأن من معاني الرجز في اللغة العذاب، قال الله تعالى: ﴿لَبِن كَشَفْتَ عَنَّا الْرِجْزَ﴾ [الأعراف: ١٣٤]. فتكون الآية دالة على وجوب الاحتراز عن كل المعاصي؛ لأنها مسببة للعذاب، فكل ما يؤدي إلى الرجز فاهجره، كأنه قيل له: اهجر الجفاء والسفه وكل شيء قبيح، ولا تتخلق بأخلاق هؤلاء المشركين المستعملين للرجز. ((وتظهر أهمية هجرة الآثام حينما نعلم أن هذا الأمر ﴿وَاُلُّجْزَناهْجُزْ﴾ [المدثر: ٥]. أتی في سورة المدثر، وهي من أوائل ما نزل» (٢). ولخطورة الآثام ولأهمية هجرها، قدم المفعول ﴿وَاُلُّحْزَ﴾ على عامله ﴿نَامْجُزْ﴾. قال ابن عاشور: ((وتقديم (الرجز) على فعل (اهجر)؛ للاهتمام في مهيع(٣) الأمر (١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٨٩٥. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، باب بدء الوحي ١ / ٧، رقم ٤. (٣) التهيع: هو الانبساط، ومنه: طريق مهيع: واسع. انظر: الفائق في غريب الحديث ١٢٣/٤، والمقصود به هنا: في طريق، أو في معرض. بتر کە)»(٤). وقد جاء هذا المعنى -هجرة الآثام- في الحديث الصحيح: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه)(٥). قال ابن حجر في شرحه لهذا الحديث: ((الهجرة ضربان: ظاهرة وباطنة، فالباطنة: ترك ما تدعو إليه النفس الأمارة بالسوء والشيطان، والظاهرة: الفرار بالدين من الفتن»(٦). والهجرة الظاهرة على المرء أن يقوم بها متى تحققت دواعيها، أما الهجرة الباطنة فلا ينبغي أن يتخلف الإنسان عنها. وهذا لا ريب يدل على أهمية هجر الذنوب والبعد عنها «فإن النفس متی طهرت منها كانت مستعدة للإفاضة على غيرها، وأقبلت بإصغاء وشوق إلى سماع ما يقول الداعي)»(٧) . ثانيًا: هجرة القوم بالمشاعر: من البلاءات العصيبة أن يكون الإنسان مؤمنًا يريد الله والدار الآخرة، ويحيا في بيئة لا تسيطر على أفرادها الغاية نفسها والهدف (٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٩٨/٢٩. (٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ١/ ١١، رقم ١٠. (٦) فتح الباري، ابن حجر ١/ ٥٤. (٧) نظم الدرر ١٢٦/٢٩. ١٠٤ القرآن الكريمِ