النص المفهرس
صفحات 41-60
النكاح فإن قال قائل: من أين يقال لمن كفر بالنبي صلى الله عليه وسلم مشرك وإن قال: إن الله عز وجل واحد؟ فالجواب: أنه إذا كفر بالنبي صلى الله عليه وسلم فقد زعم أن ما أتی به من القرآن من عند غير الله جل وعلا والقرآن إنما هو من عند الله عز وجل؛ لأنه يعجز المخلوقين أن يأتوا بمثله، فقد زعم أنه قد أتی غیر الله بما لا يأتي به إلا الله عز وجل فقد أشرك به غيره(١). وإن قال قائل: فكيف نجمع بين قوله هنا: ﴿وَلَا تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ [البقرة: ٢٢١]. وبين قوله في الآية الأخرى: ﴿وَأَمُحْصَنَتُ مِنَ الْمُؤْمِنَتِ وَالْخُصَنَتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِكَبَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَاَ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [المائدة: ٥]؟ فالجواب: أن الآیتین لا تعارض بينهما، فإن ظاهر لفظ الشرك لا يتناول أهل الكتاب؛ لقوله تعالى: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٠٥]. ففرق بينهم في اللفظ، وظاهر العطف يقتضي مغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، وأيضًا فاسم الشرك عموم وليس بنص. فالشرك المطلق في القرآن لا يدخل فيه أهل الكتاب؛ وإنما يدخلون في الشرك المقید. (١) معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٢٩٥/١. قال تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ اَلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ اُلْكِتَبِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: ١]. فجعل المشركين قسمًا غير أهل الكتاب، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَِّينَ وَالنَّصَرَىَّ وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ ﴾ [الحج: ١٧]. فجعلهم قسمًا غيرهم. فأما دخولهم في المقيد، ففي قوله تعالى: ﴿أَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْيَمَ وَمَآ أُمِرُواْ إِلََّّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهَا وَحِدَّالَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ سُبْحَنَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١]. فوصفهم بأنهم مشركون. وسبب هذا أن أصل دينهم الذي أنزل الله به الكتب، وأرسل به الرسل ليس فيه شرك؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيّ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَآ إِلَهَإِلَّآ أَنَاْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]. ولكنهم بدلوا وغيروا، فابتدعوا من الشرك ما لم ينزل الله به سلطانًا، فصار فيهم شرك باعتبار ما ابتدعوا؛ لا باعتبار أصل الدین. فيكون في قوله: ﴿وَلَا تُنكِحُواْ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ﴾ تحريم لتزويج المسلمة من المشرك، فإن كان المشرك محمولًا على ظاهره في لسان الشرع، فالآية لم تتعرض www. modoee.com ٤٠٣ حرف النون لحکم تزويج المسلمة من الکافر الکتابي، فيكون دليل تحريم ذلك الإجماع، وهو إما مستند إلى دليل تلقاه الصحابة من النبي صلى الله عليه وسلم وتواتر بينهم، وإما مستند إلى تضافر الأدلة الشرعية، كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَرِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ ◌َُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]. فعلق النهي بالكفر، وهو أعم من الشرك، وإن كان المراد حينئذٍ المشركين(١). وقوله: ﴿حَّ يُؤْمِنَ﴾ غاية للنھي، فإذا آمن زال النهي؛ ولذلك إذا أسلم المشرك الأبناء والبنات من الأزواج المسلمين، مع ولم تسلم زوجته تبین منه، إلا إذا أسلمت عقب إسلامه بدون تأخير (٢). والمعنى: أي: يدخلن في دين الله؛ ودخولهن في دين الله يلزم منه التوحید. فالحاصل أن التزويج بين الكفار والمسلمين ممنوع في جميع الصور إلا صورة واحدة، وهي تزوج الرجل المسلم بالمرأة المحصنة الكتابية، والنصوص الدالة على ذلك قرآنية كما رأيت. والحكمة من تحريم نكاح كل كافرة تحقيق أمرين: تثمر نباتًا فاسدًا. الأمر الثاني: تأكيد الولاء بين المسلمين، وتقويته في أساس الأمة، وهي الأسرة. ولا يشكل على هذا جواز نكاح الكتابيات؛ لأنه لا ضرر على المسلم في نكاح الكتابية، فجانب الضرر على عقيدة المسلم مأمون، مع ما فيه من مصلحة للطرف الآخر، وذلك أن يبعد الكتابيات عن ملة الكفر، ويمنعهن من إظهار الكفر في بيوت أزواجهن، ويفرض عليهن إسلام ما أوجبه الله على الأزواج المسلمين من إحسان عشرتهن، ومعاملتهن بالمعروف، فيكون هذا وسيلة لاستدراجهن وأقربائهن إلى الإسلام. ومن الحكم أيضًا في تخصيص حل نكاح نساء أهل الكتاب دون غيرهم من الكفار إيجاد أرضية مشتركة ببيننا وبينهم من الإيمان بالله وبرسله وكتبه على وجه الإجمال، فكان هذا عاملًا محفزًا لدعوتهم؛ ليبين لهم الهدى فيما ضلوا فيه. ومع هذا فمنهم من فرق بين الزواج من الأمر الأول: المفاصلة بين عباد الله الكتابية في دار الإسلام ودار الحرب، فأجازه المؤمنين، وأعدائهم الكافرين، في تكوين في الأول، ولم يجزه في الثاني؛ لأن الزوجة نواة الأمة، وهي الأسرة؛ لأن النواة الفاسدة الكتابية في بلاد الحرب تكون أكثر تمسكًا بدينها، وأخلاقها وعاداتها، وأقل ميلًا إلى دين زوجها، وأخلاقه، بل إنه ليخشى على (١) انظر: التحرير والتنوير ٦٢٠/١. (٢) المصدر السابق ٦١٩/١. ٤٠٤ جوبير لِلْقُرآن الكَرِيْمِ النكاح زوجها المسلم أن يتأثر بمحيط الكفر الذي الدينية لا المودة النفعية أو الشهوية، فإنا إذا يعيش فيه، ويخشى أكثر على ذريته من التدین بدین أمهم التي تربیھم علیه. فقد ذكر القرطبي رحمه الله: أن ابن عباس رضي الله عنهما سئل عن نكاح أهل الكتاب إذا كانوا حربًا؟ فقال: ((لا يحل، وتلا قوله تعالى: ﴿قَائِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحِّمُونَ مَا حَزَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ حَتَّى يُعْعُواْ الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]. قال المتحدث: حدثت بذلك إبراهيم النخعي فأعجبه - يعني: أن إبراهيم يقول بالتحريم-، وكره مالك تزوج الحربيات، لعلة ترك الولد في دار الحرب؛ ولتصرفها في الخمر والخنزير))(١). فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَآَدُونَ مَنْ حَآَدَّ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]. والنكاح يجلب المودة؛ لقوله: ﴿ وَمِنْ ءَايَتِهِ أَنْ خَلَقَ لَّكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَجًا لِتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا وَحَعَلَ بَيْنَكُمْ قَّوَدَّةٌ وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١]. نواصلهم؟! (١) الجامع لأحكام القرآن ٦٩/٣. أوددناهم لنفع ما، فإنما نود النفع كمودتنا لذمي يعيننا على مدافعة المشركين، فقوله: ﴿يُؤَدُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ عنى بها المودة الدينية(٢). وقد أشارت الآية إلى وجه الحكمة في تحريم زواج المسلمة من الكافر حتی یسلم؛ لأن في إنكاح المؤمنة الكافر خوف وقوع المؤمنة في الكفر؛ لأن الزوج يدعوها إلى دينه، والنساء في العادات يتبعن الرجال فيما يؤثرون من الأفعال، ويقلدونهم في الدين، وإليه وقعت الإشارة في آخر الآية بقوله عز وجل: ﴿أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ لأنهم يدعون المؤمنات إلى الكفر، والدعاء إلى الكفر دعاء إلى النار؛ لأن الكفر يوجب النار، فکان نكاح الكافر المسلمة سببًا داعيًا إلى الحرام، فکان حرامًا. وحرمة زواج المسلمة بغير المسلم -من كتابي أو مشرك- مبنية على أن الزوج له القوامة على المرأة، والتوجيه للحياة الأسرية، وأن أولاده منها ينسبون إليه، وينشئون على دينه، ويتبعونه في الأحكام قبل سن التكليف، وهذا إجحاف بالزوجة، وقد نهانا عن مودتهم، فيجب ألا والذرية، بخلاف زواج المسلم من كتابية؛ فالإسلام يضمن لها حرية البقاء على دينها، لکن أولاده منها یحکم لهم بالإسلام. والجواب: قيل: المودة المنهي عنها هي (٢) تفسير الراغب الأصفهاني ٤٥٤/١. www. modoee.com ٤٠٥ حرفالنون كما أن الكتابية حين تقترن بمسلم تقترن بالإضافة إلى اسم الجلالة في قولهم: یا عبد الله، ويا أمة الله، وكون الناس إماء الله وعبيده إنما هو نظر للحقائق، لا للاستعمال، فکیف یخرج القرآن عليه (٢). بزوج يؤمن بنبيها، وسائر أنبياء الله، ولا يفرق بين أحد منهم، في حين أن الكتابي من يهودي أو نصراني لا يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، وأنه خاتم الأنبياء، فكيف يسوغ أن يجمعه عقد واحد، ويظله سقف واحد مع مسلمة؟! وقوله: ﴿وَلَأَمَّةٌ مُؤْمِنَةٌ﴾ أي: امرأة مؤمنة حرة؛ لأن سبب نزولها العيب على من تزوج أمة، وترغيبه في نكاح حرة مشركة ﴿خَيْرٌ مِّن مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ هذه الجملة تعليل للنهي عن نكاح المشركات، يعود مؤكدة بلام الابتداء؛ وقوله تعالى: تأخير مِّن مُشْرِكَةٍ﴾ أطلق الخيرية؛ ليعم كل ما كان مطلوبًا في المرأة. ووقع في الكشاف: حمل الأمة على مطلق المرأة؛ لأن الناس كلهم إماء الله وعبيده(١)، وهذا باطل من جهة المعنى، ومن جهة اللفظ، أما المعنى: فلأنه يصير تكرارًا مع قوله: ﴿وَلَا تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَتِ﴾؛ إذ قد علم الناس أن المشركة دون المؤمنة، وبقيت المقصود من التنبيه على شرف أقل أفراد أحد الصنفین علی أشرف أفراد الصنف الآخر. وأما من جهة اللفظ: فلأنه لم يرد في كلام العرب إطلاق الأمة على مطلق المرأة، ولا إطلاق العبد على الرجل إلا مقيدين ﴿أُوْلَيْكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ وجملة: تعليل لما سبق؛ والمشار إليه فيها أهل الشرك، أي: يدعون الناس إلى النار بأقوالهم وأفعالهم وأموالهم؛ حتى إنهم يبنون المدارس والمستشفيات، ويلاطفون الناس في معاملتهم خداعًا ومكرًا؛ ولكن قد بين الله نتيجة عملهم في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنُفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمّ يُغْلَبُونَُ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ﴾ [الأنفال: ٣٦]. وقيل: معناه يدعون إلى ترك المحاربة والقتال، وفي تركهما وجوب استحقاق النار. وقيل: المعنى أن الولد الذي يحدث ربما دعاه الكافر إلى الكفر فيوافق، فيكون من أهل النار، والذي يدل عليه ظاهر الآية: أن الكفار يدعون إلى النار قطعًا، إما بالقول، وإما أن تؤدي إليه الخلطة والتآلف والتناكح، والمعنى: أن من كان داعيًا إلى النار يجب اجتنابه لئلا يستميل بدعائه معاشره فيجيبه إلى ما دعاه فيهلك. وفي هذه الآية تنبيه على العلة المانعة (١) الكشاف ١٩٥/١. (٢) انظر: التحرير والتنوير ١/ ٦٢٠. ٤٠٦ جوبيع القرآن الكريم النكاح من المناكحة في الكفار، لما هم عليه من فيها؟ فالجواب من وجهين: الالتباس بالمحرمات من: الخمر والخنزير، والانغماس في القاذورات، وتربية النسل، وسرقة الطباع من طباعهم، وغير ذلك مما لا تعادل فيه شهوة النكاح في بعض ما هم عليه، وإذا نظر إلى هذه العلة فهي موجودة في كل كافر وكافرة، فتقتضي المنع من المناكحة مطلقًا(١). وفي الآية دلالة من باب أولى على النهي عن مخالطة كل مشرك ومبتدع؛ لأنه إذا لم يجز التزوج مع أن فيه مصالح كثيرة، فالخلطة المجردة من باب أولى، وخصوصًا الخلطة التي فيها ارتفاع المشرك ونحوه على المسلم، كالخدمة ونحوه (٢). وقوله: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَتْگُمْ﴾ أي: سرتكم، ونالت إعجابكم في جمالها، وخلقها ومالها وحسبها، وغير ذلك من دواعى الإعجاب. وفيه تنبیه علی دناءة المشرکات، وتحذير من تزوجهن، ومن الاغترار بما یکون للمشركة من حسب أو جمال أو مال. وضمير: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ﴾ يعود إلى المشركة، ﴿وَلَوْ﴾ وصلية للتنبيه على أقصى الأحوال التي هي مظنة تفضيل المشركة، فالأمة المؤمنة أفضل منها حتى في تلك الحالة (٣). فإن قيل: كيف جاءت الآية بلفظ: ﴿خَيْرٌ مِّن مُشْرِكَةٍ﴾ مع أن المشركة لا خير (١) البحر المحيط ٤١٩/٢. (٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن ص٩٩. (٣) التحرير والتنوير ١/ ٦٢٠. الأول: أنه قد يرد اسم التفضيل بين شيئين، ويراد به التفضيل المطلق، أي: مجرد الوصف -وإن لم يكن في جانب المفضل عليه شيء منه-، كما قال تعالى: ﴿أَصْحَبُ الْجَنَّةِ يَوْمَيِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤]. الثاني: أن المشركة قد يكون فيها خير حسي من جمال ونحوه؛ ولذلك قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَتگُمْ ﴾ فبین سبحانه وتعالى أن ما قد يعتقده ناکح المشرکة من خیر فیها، فإن نکاح المؤمنة خير منه(٤). والمقصود أن من لم يستطع تزوج حرة مؤمنة فليتزوج أمة مؤمنة خير له من أن يتزوج حرة مشركة، فالأمة هنا هي المملوكة، والمشركة الحرة بقرينة المقابلة بقوله: ﴿وَلَأَمَّةٌ مُّؤْمِنَةٌ﴾ فالكلام وارد مورد التناهي في تفضيل أقل أفراد هذا الصنف على أتم أفراد الصنف الآخر، فإذا كانت الأمة المؤمنة خيرًا من كل مشركة، فالحرة المؤمنة خير من المشركة بدلالة فحوى الخطاب التي يقتضيها السياق؛ ولظهور أنه لا معنى لتفضيل الأمة المؤمنة على الأمة المشركة، فإنه حاصلٌ بدلالة فحوى الخطاب لا يشك فيه المخاطبون المؤمنون؛ ولقوله: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ فإن الإعجاب بالحرائر دون الإماء. (٤) تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين ٥٩/٥. www. modoee.com ٤٠٧ حرفالنون صور النكاح المرغب فيه رغب القرآن الكريم في صور من النكاح نوضحها فيما يأتي: أولًا: نكاح العفيفات المؤمنات: حث الإسلام على الزواج من الحرة المؤمنة في حالة الطول، أي: القدرة على نكاح الحرة. قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَن يَنْكِحَ الْمُحْصَنَتِ الْمُؤْمِنَتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَنْكُمْ مِن فَنَيَتِكُمُ الْمُؤْمِنَتِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَنِكُمْ بَعْضُكُم مِّنْ بَعْضٍِ فَأَنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَءَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَتٍ غَيْرَ مُسَفِحَتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتٍ أَخْدَانِ ﴾ [النساء: ٢٥]. وذلك أن الحرة تحصنها الحرية؛ وتعلمها كيف تحفظ عرضها، وكيف تصون حرمة زوجها، فهن محصنات هنا لا بمعنی متزوجات؛ ولكن بمعنى حرائر، محصنات بالحرية وما تسبغه على الضمير من كرامة، وما توفره للحياة من ضمانات. فالحرة ذات أسرة وبيت وسمعة ولها من يكفيها، وهي تخشى العار، وفي نفسها أنفة وفي ضميرها عزة، فهي تأبى السفاح والانحدار، ولا شيء من هذا كله لغير الحرة(١). (١) انظر: في ظلال القرآن ٢/ ٩١. وحذر من التزوج من الإيماء، وفي التحذير من نكاح الإيماء وجوهٌ، منها: # أن الولد يتبع الأم في الحرية والرق، فيصير الولد رقيقًا، وقد قيل: أي: حر تزوج بأمةٍ فقد رق نصفه، يعني: يصير ولده رقيقًا؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصْيِرُواْ خَيْرٌلَّكُمْ﴾ أي: عن نكاح الإماء. أن الأمة تكون قد تعودت الخروج والبروز والمخالطة للرجال، وصارت في غاية الوقاحة، وربما تعودت الفجور. أن حق المولى عليهم أعظم من حق الزوج، ولا تخلص للزوج كخلوص الحرة، وربما احتاج الزوج إليها جدًا، ولا يجد إليها سبيلا لحبس السيد لها. أن المولى قد يبيعها من إنسان آخر، فعلى قول من يقول بيع الأمة يوجب طلاقها تصير مطلقة شاء الزوج أم أبى، وعلى قول من لا يرى ذلك فقد يسافر المولى بها وبولدها، وذلك من أعظم المضار. أن مهرها ملك لمولاها، فلا تقدر على ٥ هبته لزوجها، ولا إبرائه بخلاف الحرة، فلهذه الوجوه لم يؤذن في نكاح الأمة إلا على سبيل الرخصة (٢). ومن ثم فهي (٢) اللباب في علوم الكتاب ١٢٩/٥. وَضوي مَوَسُولَةُ النَّفي القرآن الكريمِ ٤٠٨ النكاح لیست محصنة، وحتى إذا تزوجت فإن رواسب من عهد الرق تبقى في نفسها، فلا يكون لها الصون والعفة والعزة التي للحرة، فضلًا على أنه ليس لها شرف عائلي تخشى تلويثه، مضافًا إلى هذا كله أن نسلها من زوجها كان المجتمع ينظر إليهم نظرة أدنى من أولاد الحرائر، فتعلق بهم هجنة الرق في صورة من الصور، وكل هذه الاعتبارات كانت قائمة في المجتمع الذي تشرع له هذه الآية. فلهذه الاعتبارات كلها آثر الإسلام للمسلمين الأحرار ألا يتزوجوا من غير الحرائر، إذا هم استطاعوا الزواج من الحرائر، وجعل الزواج من غير الحرة رخصة في حالة عدم الطول، مع المشقة في الانتظار (١). فقال الله تعالى في هذه الآية: ﴿وَمَنْلَّمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ ﴿وَمَن﴾ هنا شرطية، وهو الظاهر، ويجوز أن تكون موصولة (٢). والطول: الغنى والسعة، ويطلق على العلو، مصدر طال طولًا، وهو مفعول ﴿يَسْتَطِعْ﴾ أو مصدر له؛ لتقارب معناهما، و ﴿أَنيَنطِحَ﴾ بدل منه على الأول، أو مفعول به على الثاني، أي: لأن ينكح (٣). (١) في ظلال القرآن ٢/ ٩١. (٢) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ١٢٧/٥. (٣) البحر المديد ٤١٤/١. والطول يستلزم المقدرة على المناولة؛ فلذلك يقولون: تطاول لكذا أي: تمطى ليأخذه، ثم قالوا: تطاول بمعنى: تكلف المقدرة (وأين الثريا من يد المتطاول) فجعلوا لطال الحقيقي مصدرًا (بضم الطاء) وجعلوا لطال المجازي مصدرًا (بفتح الطاء) وهو مما فرقت فيه العرب بين المعنيين المشتركين (٤). فدل قوله: ﴿وَمَنْ لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ على أن الحرائر كانت مهورهن أعلى من مهور الإماء، فيأخذ منه من طرف خفي مشروعية مهر المثل، فللحرائر سنة في الصداق، وللإماء سنة في الصداق، أي: قدر معين، وهذا القدر ليس بثابت، بل هو یختلف من مکان إلی مکان، ومن زمان إلی زمان. ودلت الآية على أنه لا يجوز للحر نكاح الأمة إلا بشرطين؛ وهما: * ألا يجد مھر حرة، ولا ثمن أمة. وأن يخاف العنت(٥). ٥ ومع هذا فالصبر عن نكاحهن أفضل لما فیه من تعریض الأولاد للرق، ولما فيه من الدناءة والعيب، وهذا إذا أمكن الصبر، فإن لم يمكن الصبر عن المحرم إلا بنكاحهن وجب ذلك؛ ولهذا قال: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُواْ خَيْرٌ (٤) التحرير والتنوير ٩٢٩/١. (٥) اللباب في علوم الكتاب ١٢٨/٥. www. modoee.com ٤٠٩ حرف النون وقوله: ﴿اَلْمُحْصَنَتِ الْمُؤْمِنَتِ﴾ المراد بالمحصنات: الحرائر، بدليل مقابلتهن بالمملوكات، فإن حريتهن أحصنتهن عن ذل الرق والابتذال وغيرهما من صفات القصور والنقصان (١). وقد وصف المحصنات هنا بالمؤمنات جريًا على الغالب، ومعظم علماء الإسلام على أن هذا الوصف خرج للغالب، ولعل الذي حملهم على ذلك أن استطاعة نكاح الحرائر الكتابيات طول إذا لم تكن إباحة نكاحهن مشروطة بالعجز عن الحرائر المسلمات، وكان نكاح الإماء المسلمات مشروطًا بالعجز عن الحرائر المسلمات، فحصل من ذلك أن يكون مشروطًا بالعجز عن الكتابيات أيضًا بقاعدة المساواة. وعلة ذلك أن نكاح الأمة يعرض الأولاد للرق، فلذلك ألغوا الوصف هنا، وأعملوه في قوله: ﴿مِّنْ فَنَيَتِكُمُ الْمُؤْمِنَتِ﴾ وشذ البعض فاعتبروا رخصة نكاح الأمة المسلمة مشروطة بالعجز عن الحرة المسلمة، ولو مع القدرة على نكاح الكتابية، وكأن فائدة ذكر وصف المؤمنات هنا أن الشارع لم يكترث عند التشريع بذكر غير الغالب المعتبر عنده، فصار المؤمنات هنا كاللقب في نحو: (لا (١) روح البيان، حقي ٤٤١/٢. يلدغ المؤمن من جحر مرتين)(٢)(٣). والمعنى: ومن لم يجد طول حرة أي: ما يتزوج به الحرة المسلمة ﴿فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَنْكُمْ﴾ فلينكح امرأة، أو أمة من النوع الذي ملكته أيمانكم ﴿مِّنفَنَيَتِكُمُ اٌلْمُؤْمِنَتِ﴾ حال من الضمير المقدر في ملكت الراجع إلى (ما) أي: من إمائكم المسلمات (٤). وظاهر هذه الآية الكريمة أن الأمة لا يجوز نكاحها ولو عند الضرورة إلا إذا كانت ◌ُ الْمُؤْمِنَتِ ـتكـ مؤمنة، بدليل قوله: فمفهوم مخالفته أن غير المؤمنات من الإماء لا يجوز نكاحهن على كل حال، وهذا المفهوم یفهم من مفهوم آية أخرى، وهي قوله تعالى: ﴿وَأَلْمُحْصَنَتُ مِنَ الْمُؤْمِنَتِ وَالْخُصَنَكُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ﴾ [المائدة: ٥]. فإن المراد بالمحصنات فيها: الحرائر على أحد الأقوال، ويفهم منه أن الإماء الكوافر لا يحل نكاحهن، ولو كن کتابیات(٥). (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين، رقم ٥٧٨٢، ومسلم في صحيحه، كتاب الزهد والرقائق، باب لا يلدغ المؤمن من جحر مرتین، رقم ٧٦٩٠. (٣) التحرير والتنوير ٩٢٩/١. (٤) روح البيان، حقي ٤٤١/٢. (٥) أضواء البيان ٣٥/٥. ٤١٠ القرآن الكريمِ النكاح والذي يظهر من جهة الدليل -والله تعالى أعلم- جواز وطء الأمة بملك اليمين، وإن كانت عابدة وثن، أو مجوسية؛ لأن أکثر السبايا في عصره صلی الله عليه وسلم كفار العرب وهم عبدة أوثان، ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حرم وطأهن بالملك لکفرهن، ولو کان حرامًا لبینه(١). قال ابن القيم في (زاد المعاد) ما نصه: ((ودل هذا القضاء النبوي على جواز وطء الإماء الوثنیات بملك الیمین، فإن سبايا أوطاس لم يكن كتابيات، ولم يشترط رسول الله صلى الله عليه وسلم في وطئهن إسلامهن، ولم يجعل المانع منه إلا الاستبراء فقط، وتأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع، مع أنھم حديثو عهد بالإسلام، ويخفى عليهم حكم هذه المسألة وحصول الإسلام من جميع السبايا، وكن عدة آلاف بحيث لم يتخلف منهن عن الإسلام جارية واحدة، مما يعلم أنه في غاية البعد، فإنهن لم يكرهن على الإسلام، ولم يكن لهن من البصيرة والرغبة والمحبة في الإسلام ما يقتضي مبادرتهن إليه جميعًا، فمقتضى السنة، وعمل الصحابة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعده جواز وطء المملوكات على أي دين كن، وهذا مذهب طاووس وغيره، وقواه صاحب (المغني) فيه (١) المصدر السابق. ورجح أدلته)»(٢). وفي قوله: ﴿وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَنِكُمْ﴾ تأنيس بنكاح الإماء، وإزالة الاستنكاف منه، أي: أعلم بتفاضل ما بينكم، وبين أرقائكم في الإيمان، فربما كان إيمان الأمة أرجح من إيمان الحرة، وإيمان المرأة من إيمان الرجل، فلا ينبغي للمؤمن أن يطلب الفضل والرجحان إلا باعتبار الإيمان والإسلام، لا بالأحساب والأنساب. ولهذا قال: ﴿بَعْضُكُم مِّنْ بَعْضٍ﴾ أي: أنتم وأرقاؤكم متناسبون، نسبكم من آدم، ودینکم الإسلام، كما قيل(٣): الناس من جهة التمثال أكفاء أبوهمُ آدم والأم حواء فبينكم وبين أرقائكم المؤاخاة الإيمانية، والجنسية الدينية، لا يفضل حر عبدًا إلا برجحان في الإیمان، وقدم في الدین (٤). والخطاب في ﴿بِإِيمَانِكُمْ﴾ للمؤمنين ذكورهم وإناثهم، حرهم ورقهم، وانتظم الإيمان في هذا الخطاب، ولم يفردن بذلك، فلم يأت -والله أعلم -: ﴿يإِيمَتِهِنَّ﴾؛ لئلا يخرج غيرهن عن هذا الخطاب. والمقصود: عموم الخطاب؛ إذ كلهم محكوم عليه (٢) زاد المعاد ١١٨/٥. (٣) البيت في خريدة القصر وجريدة العصر ٣٤/٣ غير منسوبة لقائل. (٤) روح البيان، حقي ٤٤١/٢. www. modoee.com ٤١١ حرفالنون بذلك(١). والإضافة في قوله: ﴿أَنْمنُگُم ﴾ و قوله: ﴿مِنْ فَنَيَتِكُمُ﴾؛ للتقريب، وإزالة ما بقي في نفوس العرب من احتقار العبيد والإماء، والترفع عن نكاحهم وإنكاحهم، وكذلك وصف المؤمنات، وإن كنا نراه للتقييد، فهو لا يخلو مع ذلك من فائدة التقریب؛ إذ الكفاءة تعتمد الدين أولًا(٢). المملوکات. وذكر بعد الأمر بنکاحهن بیان كيفية ذلك، فقال: ﴿بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ وشرط الإذن لئلا يكون سرًا وزنًا؛ ولأن نكاحهن دون ذلك اعتداء على حقوق أهل الإماء. ومعنى: ﴿أَهْلِهِنَّ﴾ أي: سيدهن واحدًا أو متعددًا. وفي اشتراط إذن الموالي دون مباشرتهم للعقد إشعار بجواز مباشرتهن له. والأهل هنا بمعنى: السادة المالكین، وهو إطلاق شائع على سادة العبيد في النصوص الشرعية، وهو من مصطلحات القرآن تلطفًا بالعبيد، كما وقع النهي أن يقال: أطعم ربك، وضئ ربك، اسق ربك، بل يقال: سيدي مولاي، ولا: یقال عبدي أمتي، وليقل: فتاي وفتاتي وغلامي(٣)، ووقع في حديث بريرة: (١) البحر المحيط ٤ / ٩٦. (٢) انظر: التحرير والتنوير ٩٣٠/١. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العتق، باب كراهية التطاول على الرقيق، رقم ٢٤١٤، ومسلم في صحيحه، كتاب البر (فذهبت إلى أهلها)(٤) وأبوا إلا أن يكون الولاء لهم. والآية دليل على ولاية السيد لأمته، وأنه إذا نكحت الأمة بدون إذن السيد فالنكاح مفسوخ، ولو أجازه سيدها، واختلف في العبد: فقيل: هو كالأمة، وقيل: إذا أجازه السيد جاز، ويحتج بها لاشتراط أصل الولاية في المرأة احتجاجًا ضعيفًا، والضمير في قوله: ﴿فَأَنكِحُوهُنَّ﴾ أي: واحتج بها على عكس ذلك؛ إذ سمى الله ذلك إذنًا، ولم يسمه عقدًا، وهو احتجاج ضعيف؛ لأن الإذن يطلق على العقد، لا سيما بعد أن دخلت عليه باء السببية المتعلقة بـ(انكحوهن)(٥). فدل على أن السيد هو ولي أمته لا تزوج إلا بإذنه، وكذلك هو ولي عبده، ليس لعبده أن يتزوج إلا بإذنه، كما جاء في الحديث: (أيما عبد تزوج بغير إذن مواليه فهو عاهر)(٦) أي: زاڼٍ. والصلة والأدب، باب حكم إطلاق لفظة العبد والأمة والمولى والسيد، رقم ٦٠١٤. (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العتق، باب استعانة المكاتب وسؤاله الناس، رقم ٢٤٢٤، ومسلم في صحيحه، كتاب العتق، باب إنما الولاء لمن أعتق، رقم ٣٨٥٢. (٥) التحرير والتنوير ١ / ٩٣٠. (٦) أخرجه ابن ماجه في سننه، کتاب النكاح، باب تزويج العبد بغير إذن سيده، ١ / ٦٠٣، رقم ١٩٦٠. وحسنه الألباني في صحيح الجامع، ٥٣٠/١، رقم ٢٧٣٤. ٤١٢ جَوَُّور القرآن الكريمِ النكاح وقوله تعالى: ﴿وَءَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ الاسمين الكريمين (الغفور والرحيم) لكون بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: ولو كن إماء، فإنه كما هذه الأحكام رحمةً بالعباد، وكرمًا وإحسانًا يجب المهر للحرة فكذلك يجب للأمة. وإضافة الأجور إليهن دليل على أن الأمة أحق بمهرها من سيدها؛ ولذلك قال مالك في كتاب الرهون من المدونة: إن على سیدها أن يجهزها بمهرها(١). وليعلم أنه لا يجوز نكاح الإماء إلا إذا كن ﴿مُحْصَنَتٍ﴾ أي: عفيفات عن الزنا ﴿غَيّرَ مُسَفِحَتٍ﴾ أي: زانيات علانية ﴿وَلَا مُتَّخِذَاتٍ أَخْدَانٍ﴾ أي: أخلاء في السر. بهذه الشروط التي ذكرت في الآية. وقوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ أي: خاف الزنا، وهو في الأصل انكسار العظم بعد الجبر، فاستعير لكل مشقة وضرر أعظم من موافقة الاسم بأفحش القبائح، وإنما سمى الزنا به؛ لأنه سبب المشقة بالحد في الدنيا، والعقوبة في العقبى. ثم ختم الآية بقوله: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي: إذا استطعتم الصبر مع المشقة إلى أن يتيسر له نكاح الحرة؛ فذلك خير؛ لئلا يوقع أبناءه في ذل العبودية المكروهة للشارع لولا الضرورة؛ ولئلا يوقع نفسه في مذلة تصرف الناس في زوجه (٢). وختم هذه الآية بقوله: ﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ بهذین (١) المدونة ٤٠٢/٥. (٢) التحرير والتنوير ٩٣١/١. إليهم، فلم يضيق عليهم، بل وسع غاية السعة. ولعل في ذكر المغفرة بعد ذكر الحد إشارة إلى أن الحدود كفارات، يغفر الله بها ذنوب عباده، كما ورد بذلك الحديث: (ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب في الدنيا فهو کفارة له)(٣). ثانيًا: إنكاح الأيامى والصالحين: أمر الله تعالى بتزويج الأيامى وَأَنْكِحُواْ والصالحين من العبيد، فقال: الْأَمَى مِنْكُمْ وَالصَِّحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَلِمَّا بِكُمْ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ اللّهُ مِن فَضْلِهُ وَاللَّهُ وَسِعُ ﴾ [النور: ٣٢]. والمعنى: زوجوا من لا زوج له من الأحرار والحرائر، أي: من الرجال والنساء، والمراد بذلك مديد المساعدة بكل الوسائل حتی یتسنى لهم ذلك، کإمدادهم بالمال، وتسهيل الوسائل التي بها يتم ذلك الزواج والمصاهرة. والخطاب في قوله: ﴿وَأَنْكِحُواْ الْأَبَى﴾ لكل من تصور أن ينكح في نازلة ما، فهم المأمورون بتزويج من لا زوج له. فهو (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب علامة الإيمان حب الأنصار، رقم ١٨، ومسلم في الحدود، باب الحدود كفارات لأهلها، رقم ١٧٠٩. www. modoee.com ٤١٣ حرفالنون خطاب للأولياء أن ينكحوا أيامهم من في الدين أو الدنيا، كان إنكاحهم واجبًا، وإن لم يكونوا كذلك فمندوب(٥). فيكون الأمر بالنكاح ندب لقوم، وإباحة لآخرين، بحسب قرائن المرء، والنكاح في الجملة والأغلب مندوب إلیه. أكفائهن، إذا دعون إليه؛ لأنه خطاب خرج مخرج الأمر الحتم؛ فلذلك یوجه إلى الولي دون الزوج. وقد يكون خطاب للأزواج أن يتزوجوا الأيامى عند الحاجة (١). وقرئ: ﴿من عبیدکم﴾ والجمهور على ﴿عِبَادِكُمُ﴾ والمعنى واحد، إلا أن قرينة الترفيع بالنكاح یؤيد قراءة الجمهور. والأيم: يقال للرجل وللمرأة(٢). قال الشاعر(٣): فإن تنکحي أنكح وإن تتأيمي وإن کنت أفتی منکم أتأیم ومعنى الأيامى: أي: الذين لا أزواج لهم من الرجال والنساء، واحدهم أیم، فأیامی مقلوب أيايم، واتفق أهل اللغة على أن الأيم في الأصل هي: المرأة التي لا زوج لھا، بکرا کانت أو ثییًا، حکی ذلك أبو عمرو والكسائي وغيرهما. تقول العرب: تأيمت (٤) المرأة إذا أقامت لا تتزوج وصيغة الأمر في قوله تعالى: ﴿وَأَنكِحُواْ اٌلْأَيَمَى﴾ مجملة، فتحتمل الوجوب والندب، بحسب ما يعرض من حال المأمور بإنكاحهم: فإن كانوا مظنة الوقوع في مضار (١) النكت والعيون، الماوردي ٤ / ٩٨. (٢) المحرر الوجيز، ابن عطية ٤/ ١٨٠. (٣) البيت في الجليس الصالح والأنيس الناصح ٤١٨/١ غير منسوب لقائل. (٤) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٣٩/١٢. جوبيه الْقُرآن الكَرِيمِ ومن القرائن التي صرفت الأمر من الوجوب إلى الندب أنه لم يخل عصر من الأعصار من وجود الأیامی، ولم ینکر ذلك، ولا أمر الأولياء بالنكاح(٢). بل قد وجد أيامى على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم لم يزوجوا، ولو كان الأمر للوجوب لزوجھم. ويدل على عدم وجوبه أيضًا أمور: أحدها: أنه لو كان ذلك واجبًا لورد النقل بفعله من النبي صلی الله عليه وسلم، ومن السلف مستفيضًا شائعًا؛ لعموم الحاجة إليه، فلما وجدنا عصر النبي صلى الله عليه وسلم، وسائر الأعصار بعده، قد كان في الناس أیامی من الرجال والنساء، فلم ینکروا عدم تزویجهن، ثبت أنه ما أريد به الإيجاب. وثانيها: الإجماع على أن الأيم الثيب لو أبت التزوج لم يكن للولي إجبارها عليه. وثالثها: اتفاق الكل على أنه لا يجبر على تزويج عبده وأمته، وهو معطوف على الأيامى، فدل على أنه غير واجب في (٥) التحرير والتنوير ٢١٧/١٨. (٦) البحر المحيط ٣٧/٨. ٤١٤ النكاح الجمیع، بل ندب في الجميع. فإذا وجد في المجتمع الإسلامي- ورابعها: أن اسم الأيامى ينتظم فيه بعد ذلك- أيامى فقراء وفقيرات، تعجز الرجال والنساء، وهو في الرجال ما أريد به مواردهم الخاصة عن الزواج فعلى الجماعة أن تزوجهم، وكذلك العبيد والإماء، غير الأولياء دون غيرهم، كذلك في النساء. أن هؤلاء يلتزم أولياؤهم بأمرهم ما داموا قادرين، ولا يجوز أن يقوم الفقر عائقًا عن التزويج متى كانوا صالحين للزواج، راغبين فیه، رجالا ونساء، فالرزق بيد الله، وقد تكفل الله بإغنائهم، إن هم اختاروا طريق العفة النظيف: ﴿إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢]. وقد قيل: یکون تزويج الأیامی واجبًا إذا التمست المرأة الأيم من الولي التزويج (١). ومنهم من قال: أن الأمر للوجوب، لا بمعنی أن يجبر الإمام الأيامى على الزواج، ولكن بمعنى أنه يتعين إعانة الراغبين منهم في الزواج، وتمكينهم من الإحصان، بوصفه وسيلة من وسائل الوقاية العملية، وتطهير المجتمع الإسلامي من الفاحشة، وهو واجب، ووسيلة الواجب واجبة. وينبغي أن نضع في حسابنا -مع هذا۔ أن الإسلام بوصفه نظامًا متكاملًا يعالج الأوضاع الاقتصادية علاجًا أساسيًا، فيجعل الأفراد الأسوياء قادرين على الكسب، وتحصيل الرزق، وعدم الحاجة إلى مساعدة بيت المال، ولكنه في الأحوال الاستثنائية يلزم بيت المال ببعض الإعانات، فالأصل في النظام الاقتصادي الإسلامي أن يستغني كل فرد بدخله، وهو یجعل تيسير العمل وكفاية الأجر حقًا على الدولة واجبًا للأفراد، أما الإعانة من بيت المال فهي حالة استثنائية لا يقوم عليها النظام الاقتصادي في الإسلام. (١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٣٦٨/٢٣. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاثة حق على الله عونهم) ومنهم: (والناكح الذي يريد العفاف)(٢). وفي انتظار قيام الجماعة بتزويج الأيامى يأمرهم بالاستعفاف حتى يغنيهم الله بالزواج: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ اَلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَامًا حَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٣]. وفي هذه الآية قال: ﴿وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٢]. أي: لا يضيق على من يبتغي العفة وهو يعلم نيته وصلاحه. (٢) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب فضل الجهاد، باب ما جاء في المجاهد والناكح والمكتاب، ١٨٤/٤، رقم ١٦٥٥. قال الترمذي: حديث حسن. وحسنه الألباني في صحيح الجامع، ١/ ٥٨٥، رقم ٣٠٥٠. www. modoee.com ٤١٥ حرفالنون هكذا يواجه الإسلام المشكلة مواجهة عملية، فيهيئ لكل فرد صالح للزواج أن یتزوج، ولو كان عاجزًا من ناحية المال؛ لأن المال هو العقبة الكود غالبًا في طريق الإحصان (١). واستدل بالأمر في قوله: ﴿وَأَنكِحُواْ الْأَيَمَى﴾ على اعتبار الولي؛ لأن الخطاب له، وعدم استقلال المرأة بالنكاح. واستدل بعموم الآية من آباح نكاح الإماء بلا شرط، ونكاح العبد الحرة، واستدل بها من قال: بإجبار السيد على نكاح عبده وأمته(٢). ﴿وَالصَِّحِينَ مِنْ عِبَادِكُمُ ومعنى: وَإِمَآَبِكُمْ﴾ أي: والقادرين والقادرات على النكاح والقيام بحقوق الزوجية من الصحة والمال، ونحو ذلك. وفي هذه الآية رد على من قال: إن القاضي يفرق بين الزوجين إذا كان الزوج فقيرًا، لا يقدر على النفقة؛ لأن الله قال: ﴿حَقَّى يُغْنِيَهُمُ﴾ ولم يقل: يفرق بينهما، وهذا انتزاع ضعيف؛ لأن هذه الآية ليست حكمًا فيمن عجز عن النفقة، وإنما هي وعد بالإغناء، كما وعد به مع التفرق في قوله: ﴿ وَإِنْ يَنَفَرَّقَا يُغْنِ اَللَّهُ كُلَّ مِّن سَعَتِهِ،﴾ [النساء: ١٣٠]. موعود بها(٣). وجملة: إن يكونوا فقراء ... إلخ استئناف بياني؛ لأن عموم الأيامى والعبيد والإماء في صيغة الأمر يثير سؤال الأولياء، والموالي أن يكون الراغب في تزوج المرأة الأيم فقيرًا فھل یرده الولي؟ وأن یکون سید العبد فقيرًا لا يجد ما ینفقه على زوجه، و کذلك سيد الأمة يخطبها رجل فقير حر أو عبد، فجاء هذا لبيان إرادة العموم في الأحوال. وهو كذلك وعد من الله للمتزوج من هؤلاء إن كان فقيرًا أن يغنيه الله، وإغناؤه تيسير الغنى إليه إن كان حرًا، وتوسعة المال على مولاه إن كان عبدًا، فلا عذر للولي، ولا للمولى أن يرد خطبته في هذه الأحوال (٤). وفي هذا ترغيب في الزواج بالفقير والفقيرة، وألا يكون عدم وجدان المال حائلًا عن إتمامه؛ ولهذا فقال: ﴿إِنيُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ أي: لا تنظروا إلى فقر من یخطب إلیکم، أو فقر من تريدون زواجها، ففي فضل الله ما يغنيهم والمال غاد ورائح. ﴿وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ﴾ أي: والله ذو سعة وغنى، فلا انتهاء لفضله، ولا حد لقدرته(٥). ونفحات رحمة الله مأمولة في كل حال (١) في ظلال القرآن ٢٥١٥/٤. (٢) محاسن التأويل، القاسمي ٣٨١/٧. (٣) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٤/ ١٨٠. (٤) التحرير والتنوير ٢١٧/١٨. (٥) تفسير المراغي ١٠٣/١٨. ٤١٦ جوية القرآن الكريم النكاح ثالثًا: نكاح المهاجرات في سبيل الله: بالامتحان؛ ولا يعلم بالامتحان إلا ظاهر إيمانهن أما الباطن فالله يعلمه؛ فالحكم عليهن معتبرًا بالظاهر. ومعنى: ﴿مُهَچِرَةٍ﴾ أي: من الكفار. أباح الله تعالى للمؤمنين نكاح المؤمنات المهاجرات بعد فراقهن لأزواجهن المشركين، وبعد استبرائهم لأرحامهن، ودفع مهورهن كاملة غير منقوصة، فقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَتُ مُهَجِرَتٍ فَأَمْتَّحِنُوهُنَّ اللّهُ أَعْلَمُ بِسَنِنٌّ فَإِنْ عَلِمْتُهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَ هُنَّ حِلٌّ لَّمْ وَلَا هُمْ يَحِلُونَ لٌَّ وَمَاتُهُمْ مَّا أَنْفَقُواْ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ إِذَاْ ءَانَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ اَلْكَوَاِ وَسْتَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْتَلُواْ مَّ أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ [الممتحنة: اللَّهِ يَحْكُمْ بَيْنَكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ١٠]. والسبب في نزوله هذه الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم هادن قريشًا عام الحديبة، فقالت قريش: على أن ترد علينا من جاءك منا، ونرد عليك من جاءنا منك، فوافق النبي صلی الله عليه وسلم على هذا الشرط؛ لأنه لا حاجة له بمن اختار الكفر على الإيمان، ورجع إلى الكفار(١). والآية بينت أن العهد الذي أعطى كان في الرجال دون النساء، ومن ثم لم يردهن حین جئن مؤمنات. يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ يقول الحق جل جلاله: ءَامَنُواْ إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَتُ﴾ سماهن مؤمنات لنطقهن بكلمة الشهادة؛ أو لظهور إيمانهن (١) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٥٢٠/٥. ونص على امتحان المؤمنات المهاجرات فقال: ﴿فَأَمْتَحِنُوهُنَّ﴾ وهو أمر بمعنى: الوجوب، أو بمعنى: الندب، والمعنى: فاختبروهن بما يغلب على ظنكم موافقة قلوبهن للسانهن، وكان صلى الله علیه وسلم يستحلفهن: ما خرجن من بغض زوج، ولا رغبة من أرض إلى أرض، ولا التماس دنيا، ولا عشقًا لرجل، بل حبًا لله ورسوله(٢). ن وقيل: كان امتحانهن بالبيعة الآتية: لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ﴾ [الممتحنة: ١٢]. ومفهومه أن الرجال المهاجرين لا يمتحنون، وفعلًا لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يمتحن من هاجر إليه، والسبب في امتحانهن دون الرجال هو ما أشارت إليه هذه الآية في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَةٍ﴾ كأن الهجرة وحدها لا تكفي في حقهن بخلاف الرجال، فقد شهد الله لهم بصدق إيمانهم بالهجرة في قوله: ﴿لِلْفُقَرَآءِ اٌلْمُهَجِنَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَدِهِمْ وَأَمْوَ لِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَ رِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ؟ (٢) البحر المديد ٣٠٥/٦. www. modoee.com ٤١٧ حرفالنون أُوْلَيْكَ هُمُ الصَّدِقُونَ﴾ [الحشر: ٨]. وذلك أن الرجل إذا خرج مهاجرًا يعلم أن عليه تبعة الجهاد والنصرة، فلا يهاجر إلا وهو صادق الإیمان فلا يحتاج إلى امتحان، ولا يرد عليه مهاجر أم قيس؛ لأنه أمر جانبي، ولا يمنع من المهمة الأساسية للهجرة المنوه عنه في أول هذه السورة: ﴿إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَدًا فِ سَبِيلِىِ﴾ [الممتحنة: ١]. بخلاف النساء، فليس علیھن جهاد، ولا يلزمهن بالهجرة أية تبعية، فأي سبب یواجههن في حیاتهن سواء كان بسبب الزوج أو غيره فإنهن يخرجن باسم الهجرة، فكان ذلك موجبًا للتوثق من هجرتهن بامتحانهن؛ ليعلم إيمانهن، ويرشح لهذا المعنى قوله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنِهِنَّ﴾ وفي حق الرجال قال: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّدِقُونَ﴾. وكذلك من جانب آخر وهو أن هجرة المؤمنات يتعلق عليها حق مع طرف آخر وهو الزوج فيفسخ نكاحها منه، ويعوض هو عما أنفق عليها، وإسقاط حقه في النكاح، وإيجاب حقه في العوض قضايا حقوقية، تتطلب إثباتًا بخلاف هجرة الرجال (١). وقال بعد الأمر بامتحانهن: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ پاپمنهِنَّ﴾ أي: الله أعلم بصدقهن في دعوى الإيمان؛ لأنه تعالى المطلع على قلوبهن، والجملة اعتراضية لبيان أن هذا الامتحان بالنسبة للمؤمنين، وإلا فالله عالمٌ بالسرائر لا تخفى عليه خافية؛ ولهذا قال: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَتٍ﴾ أي: فإن تحققتم من إيمانهن بعد امتحانهن فلا تردوهن إلى أزواجهن الكفار. فإن قيل: كيف سمى الظن علمًا في قوله: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ﴾؟ نقول: إنه من باب أن الظن الغالب وما يفضي إليه الاجتهاد والقياس جارٍ مجرى العلم، وصاحبه غير داخل في قوله: ﴿وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمُ﴾ [الإسراء: ٣٦](٢). فإن قال قائل: كيف التوفيق بين قوله: ﴿ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَتٍ﴾ وبين قوله: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِيمَنِهِنَ﴾؟ والجواب عنه: أن معنى قوله: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾، أي: إيمان الإقرار والامتحان، كأنهن أقررن بالإيمان، وحلفن عند الامتحان، وكأنه يشير في قوله: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنِنَ﴾ إلى أن: العلم الذي يمكنكم تحصيله هو الظن الغالب بالحلف وظهور الأمارات، فهذا ظن غالب، وإنما سماه علمًا؛ إيذانًا بأنه كالعلم في وجوب العمل به (٣). فإذا تحقق إيمانهن فلا يجوز ردهن إلى الكفار؛ ولهذا قال: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُتَّارِ﴾ أي: فلا تردوهن إلى أزواجهن المشركين. (١) انظر: تتمة أضواء البيان، عطية محمد سالم ١٣٨/٨. (٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٥٢٣/٢٩. (٣) انظر: تفسير السمعاني ٤١٨/٥ بتصرف. ٤١٨ جوسين الْقُرآن الكَرِيمِ النكاح وموقع قوله: ﴿لَ هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَ هُمْ يَحِلُونَ لَّ﴾ موقع البيان والتفصيل للنهي في قوله: ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُتَّارِ﴾؛ تحقيقًا لوجوب التفرقة بين المرأة المؤمنة وزوجها الكافر بخروجها مسلمة. والتكرير في قوله: ﴿لَ هُنَّ حِلٌّ لَّمْ وَلَا هُمْ يَحِلُونَ لَهُنَّ﴾ للتأكيد والمبالغة في الحرمة، وقطع العلاقة بين المؤمنة والمشرك(١). فردهن إلى الكفار مفسدة كبيرة راعاها الشارع، وراعى أيضًا الوفاء بالشرط، بأن يعطوا الكفار أزواجهن ما أنفقوا عليهن من المهر وتوابعه عوضًا عنهن. وإذا كان المخاطب بذلك النهي جميع المؤمنين، كما هو مقتضى قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَمَنُواْ إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَتُ﴾ ... إلى آخره، تعين أن يقوم بتنفيذه من إليه تنفيذ أمور المسلمین العامة في کل مکان وكل زمان، وهم ولاة الأمور من أمراء وقضاة؛ إذ لا یمکن أن یقوم المسلمون بما خوطبوا به من مثل هذه الأمور العامة إلا على هذا الوجه، ولكن على كل فرد من المسلمين التزام العمل به في خاصة نفسه، والتزام الامتثال لما يقرره ولاة الأمور (٢). وقد اختلف: هل كان النهي في شأن المهاجرات؛ إذ جعل لهن مخرجًا وتأييدًا المؤمنات المهاجرات أن يرجعوهن إلى (١) صفوة التفاسير ٣٤٤/٣. (٢) التحرير والتنوير ١٥٦/٢٨. الكفار نسخًا لما تضمنته شرط الصلح الذي بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين المشركين، أو كان الصلح غير مصرح فيه بإرجاع النساء؛ لأن الصيغة صيغة جمع المذکر فاعتبر مجملًا، وكان النهي الذي في هذه الآية بيانًا لذلك المجمل. وقد قيل: إن الصلح صرح فيه بأن من جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم من غير إذن ولیه من رجل أو امرأة یرد إلی ولیه، فإذا صح ذلك کان صریحًا، وكانت الآية ناسخة لما فعله النبي صلى الله عليه وسلم. والذي في سيرة ابن إسحاق من رواية ابن هشام خليٌّ من هذا التصريح؛ ولذلك كان لفظ الصلح محتملًا لإرادة الرجال؛ لأن الضمائر التي اشتمل عليها ضمائر تذكير، فيكون الشرط في الرجال لا في النساء، فكانت هذه الآية تشريعًا للمسلمين فيما يفعلونه إذا جاءهم المؤمنات مهاجرات، وإيذانًا للمشركين بأن شرطهم غير نص، وشأن شروط الصلح الصراحة لعظم أمر المصالحات والحقوق المترتبة عليها. وقد أذهل الله المشركين عن الاحتياط في شرطهم؛ ليكون ذلك رحمة بالنساء الرسول صلى الله عليه وسلم، كما في الآية التي بعدها لقصد أن يشترك من يمكنه الاطلاع من المؤمنين على صدق إيمان www. modoee.com ٤١٩ حرف النون المؤمنات المهاجرات، تعاونًا على إظهار من المهر والنفقة؛ ولهذا قال: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ إِذَاْ ءَانَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أي: الحق؛ ولأن ما فيها من التکلیف يرجع کثیر منه إلى أحوال المؤمنين مع نسائهم (١). ولا إثم عليكم، ولا حرج في نكاح هؤلاء المؤمنات المهاجرات، بشرط أن تتعهدوا بالمهور، وتلتزموا بأدائها، وإنما جاز هذا لأن الإسلام حال بينهن وبين أزواجهن الكفار، فکان من المصلحة أن یکون لهن عائل من المؤمنين يكفل أمر أرزاقهن (٤). وأمر الله تعالى إذا أمسكت المرأة المسلمة أن يرد على زوجها ما أنفق، وذلك من الوفاء بالعهد؛ لأنه لما منع من أهله بحرمة الإسلام أمر برد المال حتى لا يقع عليهم خسران من الوجهين: الزوجة والمال(٢). فقال: ﴿وَءَاتُوهُم مَّا أَنْفَقُواْ﴾ أي: وأعطوا أزواجهن مثل ما دفعوا إلیھن من المهور. والمراد بما أنفقوا ما أعطوه من المهور، والعدول عن إطلاق اسم المهور والأجور على ما دفعه المشركون لنسائهم اللائي أسلمن من لطائف القرآن؛ لأن أولئك النساء أصبحن غير زوجات، فألغي إطلاق اسم المهور علی ما یدفع لهم. وقد سمى الله بعد ذلك ما يعطيه المسلمون لهن أجورًا، بقوله تعالى: وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَاْ ءَانْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ والمكلف بإرجاع مهور الأزواج المشركين إليهم هم ولاة أمور المسلمين، مما بين أيديهم من أموال المسلمين العامة(٣). ولا جناح حينئذٍ على المسلمين أن (٢) اللباب في علوم الكتاب ٢٣٩/١٥. (٣) التحرير والتنوير ١٥٨/٢٨. ونص على دفع المهر لهن - مع أنه أمر معلوم- لکی لا یتوهم متوهم أن رد المھر إلى الزوج الكافر يغنى عن دفع مهر جديد لهن إذا تزوجن بعد ذلك بأزواج مسلمين؛ إذ المهر المردود للكفار لا يقوم مقام المهر الذي يجب على المسلم إذا ما تزوج بامرأة مسلمة فارقت زوجها الكافر. والمراد بالإيتاء: ما يشمل الدفع العاجل، والتزام الدفع في المستقبل. ويدل بمفهومه أن النكاح بدون الأجور فيه جناح، وقد جاء النص بهذا المفهوم في قوله تعالى: ﴿وَأَمَةَ مُؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَِّّ إِنْ أَرَادَ النَّبِىُّأَنْ يَسْتَنْكِحَا خَالِصَةٌ لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]. فهبة المرأة نفسها بدون صداق خاص ينكحوهن، ولو كان لهن أزواج في دار به صلى الله عليه وسلم، فقوله تعالى: ﴿خَالِصَةٌ لَّكَ مِن دُونِ اٌلْمُؤْمِنِينَ﴾ لا الشرك، ولكن بشرط أن يؤتوهن أجورهن يحله لغيره صلى الله عليه وسلم، وقوله: (١) انظر: المصدر السابق ١٥٥/٢٨ بتصرف. (٤) تفسير المراغي ٧٣/٢٨. جَوَسُو ◌َرَ النَّفِيَّة القرآن الكريمِ ٤٢٠ النكاح وَإِذَآءَانَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ ظاهر في أن النكاح لا الخزاعية، وطلق طلحة بن عبيد الله إحدى زوجاته وكانت مشركة (٢). يصح إلا بإتيان الأجور. وقد جاء ما يدل على صحة العقد بدون إتيان الصداق كما في قوله تعالى: ﴿لَّاجُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةٌ وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ الآية. [البقرة: ٢٣٦]. وقد ذكر الفقهاء حكم المفوضة أنه إن دخل بها فلها صداق المثل، ويدل لإطلاق الأجور على الصداق قوله تعالى في نكاح الإماء لمن لم يستطع طولًا للحرائر: ﴿فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَنْكُم مِّن فَيَتِّكُمُ اَلْمُؤْمِنَتِ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَنْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٥]. وفي نكاح أهل الكتاب: ﴿وَاَلْمُحْصَنَتُ مِنَ الْمُؤْمِنَتِ وَالْخُصَنَكُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [المائدة: ٥]. الآية(١). ونهى الله المسلمين عن إبقاء النساء الكوافر في عصمتهم، وهن النساء اللائي لم يخرجن مع أزواجهن لكفرهن، فقال: ﴿وَلَا تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الْكَوَافِ﴾ فلما نزلت هذه الآية طلق المسلمون من كان لهم من أزواج بمكة. فطلق عمر بن الخطاب رضي الله عنه امرأتين له بقيتا بمكة مشركتين، وهما: قريبة بنت أبي أمية، وأم كلثوم بنت عمرو (١) أضواء البيان ١٠١/٨. ثم قال: ﴿وَسْئَلُواْمَآ أَنْفَقْتُمْ﴾ أيها المؤمنون حين ترجع زوجاتكم مرتدات إلى الكفار، فإذا كان الكفار يأخذون من المسلمين نفقة من أسلمت من نسائهم استحق المسلمون أن يأخذوا مقابلة ما ذهب من نسائهم إلى الكفار، وهذا إنصاف بين الفريقين، والأمر للإباحة. وفي هذا دليل على أن خروج البضع من الزوج متقوم، فإذا أفسد مفسد نكاح امرأة رجل برضاع أو غيره کان علیه ضمان المهر، وقوله: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ آلهِ﴾ أي: ذلكم الحكم الذي ذكره الله وبينه لكم يحكم به بينكم ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ فيعلم تعالى ما يصلح لكم من الأحكام، ويشرع لكم ما تقتضيه الحكمة(٣). (٢) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ٣٤٠/١٤. (٣) تيسير الكريم الرحمن ص ٨٥٧. www. modoee.com ٤٢١ حرف النون خصوصيات النبي في النكاح أخبر القرآن الكريم عما يتعلق بالنبي صلى الله عليه وسلم من خصوصيات في النكاح نوضحها فيما يلي: أولًا: نكاح الواهبة نفسها: أخبر الله تعالى أنه أحل لنبيه صلى الله عليه وسلم المرأة المؤمنة إذا وهبت نفسها له أن يتزوجها بغير مهر إن شاء ذلك، فقال: ﴿وَأَمْرَةَ مُؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسِهَا لِلنَّبِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِىُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةٌ لَّكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَّ قَدْ عَلِيْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِيّ أَزْوَجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ لِكَيْلًا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٠]. ونصبت: ﴿وَأَمَةً﴾ بفعل يفسره ما قبله، أو عطف على ما سبق، والمعنى: أعلمناك حل امرأة مؤمنة تهب لك نفسها، ولا تطلب مهرًا(١). أو أحللنا لك امرأة. والوصف بالمؤمنة قيد معتبر، فإن وهبت امرأة يهودية أو نصرانية أو مشر کة نفسها، فإنه لا يحل للنبي صلی الله عليه وسلم أن يتزوجها. ومعنى: ﴿وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِّ﴾ أنها ملكته نفسها بدون مهر تمليكًا شبيهًا بملك اليمين؛ ولهذا عطفت على ﴿مَا مَلَكَتْ يَسِنُكَ﴾ (١) أنوار التنزيل، البيضاوي ٣٨٠/١. وهذا من خصائصه صلی الله عليه وسلم، فليس لغیر النبي صلى الله عليه وسلم أن يستبيح وطء امرأة بلفظ الهبة من غير ولي ولا مهر ولا شاهد. والمقصود بالإحلال في الآية الكريمة: الإذن العام، والتوسعة عليه صلى الله عليه وسلم في الزواج من هذه الأصناف، والإباحة له في أن يختار منهن من تقتضي الحكمة الزواج منها، واختصاصه صلى الله عليه وسلم بأمور كثيرة تتعلق بالنكاح، لا تحل لأحد سواه، وهذا منها (٢). وفي قوله: ﴿إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِّ﴾ إظهار في مقام الإضمار؛ لأن مقتضى الظاهر أن يقال: إن وهبت نفسها لك، والغرض من هذا إظهار ما في لفظ: ﴿النَّبِّ﴾ من تزكية فعل المرأة التي تهب نفسها بأنها راغبة لكرامة النبوة(٣). وقد ورد أن النسوة اللاتي وهبن أنفسهن للنبي صلى الله عليه وسلم أربع، هن: ميمونة بنت الحارث، وزينب بنت خزيمة الأنصارية الملقبة أم المساكين، وأم شريك بنت جابر الأسدية أو العامرية، وخولة بنت حكيم بنت الأوقص السلمية، فأما الأوليان فتزوجهما النبي صلی الله عليه وسلم، وهما (٢) انظر: الوسيط، سيد طنطاوي ٣٤٦/١ بتصرف. (٣) التحرير والتنوير ٣٧٨/١. ٤٢٢ القرآن الكريم