النص المفهرس

صفحات 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
النِّ
عناصر الموضوع
مفهوم النكاح
٣٦٤
النكاح في الاستعمال القرآني
٣٦٥
الألفاظ ذات الصلة
٣٦٦
٣٦٨
الترغيب في النكاح
٣٨٦
صور من النكاح المحظور
٤٠٨
صور النكاح المرغب فيه
٤٢٢
خصوصيات النبي في النكاح
المُجَلَّد الثَّالِثِ وَالثَّلاثُونْ
جـ
٧

حرف النون
مفهوم النكاح
أولًا: المعنى اللغوي:
النون والكاف والحاء أصل واحد، وهو البضاع، نكح ينكح، يقال نكحت: تزوجت،
وأنکحت غيري(١).
النكاح -بالكسر -: الوطء في الأصل، وقيل: هو العقد له، وهو التزويج؛ لأنه سببٌ
للوطء المباح، واستعماله في الوطء والعقد مما وقع فيه الخلاف، قالوا: لم يرد النكاح في
القرآن إلا بمعنى العقد؛ لأنه في الوطء صريحٌ في الجماع، وفي العقد كنايةٌ عنه(٢).
نکحتها ونکحت مي، أي: تزوجت، وهي ناکځ في بني فلان، أي: هي ذات زوج منهم،
ومعنى نكحها وأنكحها أي: زوجها، ورجلٌ نكحةٌ: كثير النكاح، والنكح والنكح لغتان،
وهي كلمة كانت العرب تتزوج بها، والاسم النكح والنكح(٣).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
تعددت تعريفات العلماء للنكاح وهي على النحو التالي:
((عقد يرد على تمليك منفعة البضع قصدًا)) (٤).
وقيل: ((إيلاج ذكر في فرج؛ ليصير بذلك كالشيء الواحد))(٥).
وقيل: عقد يتضمن إباحة وطء بلفظ إنكاح أو تزويج أو ترجمة (٦).
وقيل: عقد ينشئ بين الرجل والمرأة حقوقًا شرعية تقوم على المودة والرحمة والمعروف
والإحسان (٧).
ولعل التعريف الأخير تضمن إبرام عقد النكاح، وحدد طرفي العقد وبين الثمرة المرجوة
والغاية، وهي المودة والرحمة والمعروف والإحسان والسكن بين المتعاقدين، فهو بذلك
أكثر وضوحًا وشمولًا.
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٤٧٥/٥، مجمل اللغة، ابن فارس ٨٨٤/١.
(٢) انظر: تاج العروس، الزبيدي ١٩٥/٧.
(٣) انظر: الصحاح، الجوهري ٤١٣/١، لسان العرب، ابن منظور ٦٢٦/٢.
(٤) التعريفات، الجرجاني ص٢٤٦.
(٥) التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص٣٢٠.
(٦) مغني المحتاج، الشربيني ١٢٣/٣.
(٧) من قضايا الأسرة في التشريع الإسلامي، محمد دسوقي ص ١٥.
٣٦٤
جَوَاسود
القرآن الكريم

النكاح
النكاح في الاستعمال القرآني
وردت مادة (نكح) في القرآن الكريم (٢٣) مرة (١).
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
٢
﴿وَلَا تَنْكِحُواْ مَانَكَحَ ءَابَاؤُكُم مِّنَ الْنِسَآءِ إِلَّ مَا
قَدْ سَلَفَ ﴾ [النساء: ٢٢]
الفعل المضارع
١٣
﴿الَِّ لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُفْرِكَةً وَالزِّيَةُ لَا يَنْكِمُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ
مُشْرِكٌ﴾ [النور: ٣]
فعل الأمر
٣
[النساء: ٣]
المصدر
٥
[البقرة: ٢٣٥]
وجاء النكاح في القرآن على ستة أوجه (٢):
الأول: العقد: ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنَ﴾ [البقرة: ٢٢١]. يعني:
لا تتزوجوهن.
الثاني: الجماع: ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا فِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَّوْجًّا غَيّرَهُ﴾
[البقرة: ٢٣٠]. يعني: حتى تجامع زوجًا غيره، ويجامعها زوجًا غيره.
الثالث: الحلم: ومنه قوله: ﴿وَأَبْلُواْالْيَنَ حَتَّى إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ﴾ [النساء: ٦]. يعني الحلم.
الرابع: العقد والوطء: ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُواْ مَانَكَحَ ءَابَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ
إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢].
الخامس: المهر: ومنه قوله تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ اَلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن
* [النور: ٣٣].
فضلهِ
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبدالباقي ص ٧١٨.
(٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني ص ٤٣٦، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي ص ٥٩١- ٥٩٢.
www. modoee.com
٣٦٥
﴿فَكِحُوْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَآَ مَثْنَى وَثُلَثَ وَرُبَعَ﴾
﴿وَلَا تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ أَلنَّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ اُلْكِتَبُ أَجَلَهُ﴾

حرفالنون
الألفاظ ذات الصلة
١
الزواج:
الزواج لغةً:
(زوج) الزاء والواو والجيم أصلٌ يدل على مقارنة شيءٍ لشيءٍ، من ذلك الزوج زوج
المرأة، والمرأة زوج بعلها، وهو الفصيح، ويقال: لفلانٍ زوجان من الحمام، يعني: ذكرًا
وأنثى (١).
الزواج اصطلاحًا:
هو عقد يقصد به حل استمتاع كل من الزوجين بالآخر وائتناسه به طلبًا للنسل على الوجه
المشروع، أو هو عقد يرد على ملك المتعة قصدًا(٢)، أو هو: عقد يفيد حل استمتاع كل من
العاقدين بالآخر على الوجه المشروع(٣).
الصلة بين النكاح والزواج:
النكاح: اشتراك بين الرجل والمرأة في الوطء والجماع والمودة والمحبة، الزواج:
اشتراك بين الرجل والمرأة قائم على المحبة والتعاون والرحمة، والظاهر أنهما مترادفتان
في المعنى.
الوطء:
٢
الوطء لغةً:
الواو والطاء والهمزة، كلمة تدل على تمهيد شيء وتسهيله، والوطاء: ما توطأت به من
فراش (٤). والوطء: كناية عن الجماع، وطئ امرأته: إذا جامعها ووطئ الرجل امرأته، يطأ
فيهما، وسقطت الواو من يطأ، كما سقطت من يسع؛ لتعديهما (٥).
الوطء اصطلاحًا:
هو جماع بين الرجل والمرأة بهدف المتعة، والانجاب؛ لتكثير النسل.
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، ٣٥/٣.
(٢) انظر: كنز الدقائق، النسفي ١٧٤/٢ مع شرحه النهر الفائق.
(٣) انظر: الأحوال الشخصية، أبو زهرة، ص١٧.
(٤) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٦/ ١٢٢.
(٥) انظر: الصحاح، الجوهري ٨١/١، شمس العلوم، نشوان الحميرى ٧٠٢٩/١١.
٣٦٦
جَوْسُور
القرآن الكريم

النكاح
الصلة بين النكاح والوطء:
النكاح: أعم في معناه ودلالته وآثاره، أما الوطء: فهو يختص بالجماع الحاصل بين
الرجل والمرأة.
٣ العقد:
العقد لغةً:
العین والقاف والدال أصل واحد یدل على شد وشدة وثوق، وإليه ترجع فروع الباب
كلها، والجمع أعقاد وعقود، وعقدة النكاح وكل شيء: وجوبه وإبرامه(١).
والعقدة -بالضم -: موضع العقد، وهو ما عقد عليه، والعقد - بالكسر -: القلادة(٢).
العقد اصطلاحًا:
((هو اسم لما يعقد من نكاح ويمين))(٣).
وقيل: ((هو ربط أجزاء التصرف بالإيجاب والقبول شرعًا)) (٤).
الصلة بين النكاح والعقد:
النكاح: أخص في معناه من العقد؛ لأنه يراد به الجمع بين الرجل والمرأة بكل ثمراتها،
أما العقد: فهو في معناه أعم، فقد يراد به البيع والعهد والنكاح والحبل وغيرها.
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٤ /٨٦.
(٢) انظر: الصحاح، الجوهري ٢/ ٥١٠.
(٣) التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص٢٤٤، المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٥٧٧.
(٤) التعريفات، الجرجاني ص ١٥٣.
www. modoee.com
٣٦٧

حرفالنون
الترغيب في النكاح
رغب القرآن الكريم في النكاح، وحض
عليه، وأخبر أنه آية من آيات الله تعالى، وأنه
من سنن المرسلين، وسوف نتناول ذلك
بالبيان فيما يأتي:
أولًا: أنه من سنن المرسلين:
الزواج آية من آيات الله، وسنة من سنن
المرسلين، فقد كان لهم أزواج وذرية، كما
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ
وَحَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَجًا وَذُرِّيَّةٌ﴾ [الرعد: ٣٨].
أي: کما أرسلناك یا محمد رسولًا بشریًا،
کذلك قد بعثنا المرسلین قبلك بشرًا، يأكلون
الطعام، ويمشون في الأسواق، ويأتون
الزوجات، ويولد لهم، وجعلنا لهم أزواجًا
وذرية (١).
أي: جعلناهم بشرًا يقضون ما أحل
الله من شهوات الدنيا، وجعلنا لهم النساء
والبنین، وما جعلناهم ملائكة، لا يأكلون،
ولا يشربون، ولا ينكحون، وذكر هذا في
سياق الامتنان.
وکان هذا کمالًا في حقهم، ولم یکن
ذلك قادحًا في صحة رسالتهم، ولا تلك
العلاقات كانت شاغلة لهم؛ لأن من اشتغل
بالله فکثرة العیال، وتراکم الأشغال، لا تؤثر
في حاله، ولا يضره ذلك.
فنجد أن الله تعالى جعل الميل إلى
النساء فطري في طبع الذكور؛ لأن في الأنس
بھن انتعاش للروح، وتناوله محمودٌ إذا وقع
على الوجه المبرأ من الإيقاع في فساد، كما
في تناول الطعام والشراب (٢).
وفي هذه الآية ردّ على من عاب على
الرسول صلى الله عليه وسلم كثرة النساء،
وقال: لو كان مرسلًا حقًا لكان مشتغلا
بالزهد، وترك الدنيا والنساء، ولشغلته النبوة
عن تزوج النساء، والتماس الولد، فرد الله
مقالتهم، وبين أن محمدًا صلى الله عليه
وسلم ليس ببدع في ذلك، بل هو كمن تقدم
من الرسل (٣). جعل الله لهم أزواجًا وذرية،
فقد كان لأكثر الرسل أزواج، ولأكثرهم
ذرية، وقد كان لسليمان بن داود عليه السلام
مائة امرأة كما جاء في البخاري (٤). ومثل
نوح وإبراهيم ولوط وموسى وسليمان وغير
هؤلاء عليهم السلام (٥).
وأصحاب الشبهة هؤلاء إما أن يكونوا
هم اليهود أو المشركين(٦).
والصحيح أن القائلين هم المشركون؛ إذ
(٢) انظر: التحرير والتنوير ٢٩/ ٤٠٧.
(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٣٢٧/٩.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد
والسير، باب من طلب الولد للجهاد، رقم
٢٨١٩.
(٥) انظر: التحرير والتنوير ١٦٢/١٣.
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٦٨/٤. (٦) المصدر السابق ٢٥٤/١.
٣٦٨
القرآن الكريمِ

النكاح
هذهالسورةمکیة، ولم یکن لليهودحدیث مع أباه زکریا علیه السلام بأنه لا يكون له نسل؛
لیعلم أن الله أجاب دعوته، فوهب له یحیی
علیه السلام کرامة له، ثم قدر أنه لا یکون له
نسل(٣).
أهل مكة، ولا کان منهم في مکة أحد، على
أنه لا يلزم أن يكون هذا نازلًا على سبب.
وقد تزوج رسول الله صلی الله عليه وسلم
والتحقيق - كما قال الشنقيطي - أن معنى
قوله: ﴿وَحمُورًا﴾ أنه الذي حصر نفسه عن
النساء، مع القدرة على إتيانهن؛ تبتلًا منه،
وانقطاعًا لعبادة الله، وكان ذلك جائزًا في
شرعه، وأما سنة النبي صلى الله عليه وسلم
فهي التزويج، وعدم التبتل (٤).
خديجة ثم سودة رضي الله عنهما في مكة،
فاحتمل أن المشركين قالوا قالة إنكار تعلقًا
بأوهن أسباب الطعن في النبوءة، وهذه شبهة
لا تعرض إلا للسذج، أو لأصحاب التمويه،
وقد يموه بها المبشرون من النصارى على
ضعفاء الإيمان، فيفضلون عيسى عليه
وما قيل: من أن يحيى عليه السلام قد
تزوج ولم يجامع، وإنما فعل ذلك؛ لنيل
الفضل، وإقامة السنة، ولغض البصر (٥).
فالظاهر أن هذا لا يصح.
السلام علی محمد صلى الله عليه وسلم بأن
عيسى لم يتزوج النساء وهذا لا يروج على
العقلاء؛ لأن تلك بعض الحظوظ المباحة
التي لا تقتضي تفضيلاً، وإنما التفاضل في
كل عمل بمقادير الكمالات الداخلة في
ذلك العمل، ولا يدري أحد الحكمة التي
لأجلها لم يتزوج عيسى عليه السلام؛ فلعله
لعارض آخر أمره الله به لأجله، وقد كان
يحيى عليه السلام حصورًا، فلعل عيسى
عليه السلام قد كان مثله(١).
وقوله في الآية: ﴿وَذُرِّيَّةً﴾ امتنان
بالأولاد والذرية، وقد ترجم البخاري:
(((باب طلب الولد) (٢) فطلب الولد مطلوب
لما يرجوه الإنسان من نفعه في حياته وبعد
مماته، قال صلى الله عليه وسلم: (إذا مات
أحدكم انقطع عمله إلا من ثلاث) وذكر
منها: (أو ولد صالح يدعو له)»(٧).
وأيضًا قد قيل: إن عيسى عليه السلام
سینکح إذا نزل الأرض، ویولد له (٢).
وأما وصف الله تعالى يحيى عليه السلام
بقوله: ﴿وَحَصُورًا﴾ [آل عمران: ٣٩].
فليس مقصودًا منه أنه فضيلة، ولكنه أعلم
(١) التحرير والتنوير ٢٥٤/١.
(٢) البحر المديد، ابن عجيبة ٣٦/٣.
(٣) التحرير والتنوير ٢٢٥/١.
(٤) أضواء البيان ٧/ ٥٠.
(٥) البحر المديد ٣٦/٣.
(٦) انظر: صحيح البخاري، كتاب النكاح، باب
طلب الولد ٢٠٠/٥.
(٧) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الوصية،
باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته،
رقم ٤٣١٠.
www. modoee.com
٣٦٩

حرفالنون
والمقصود أن هذه الآية تدل على أن والسواك، والنكاح) (٥).
النكاح سنة قديمة منذ خلق الله آدم، وبقيت
في بنيه من الرسل والأنبياء، ومن دونهم،
وتدل على الترغيب في النكاح، والحض
علیه، وتنھی عن التبتل، وهو ترك النكاح،
وقد جاءت السنة بمعناها، قال صلى الله
عليه وسلم: (تزوجوا، فإني مكاثر بكم
الأمم)(١).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (یا
معشر الشباب من استطاع منكم الباءة
فليتزوج)(٢).
وقال: (وأتزوج النساء، فمن رغب عن
سنتي فليس مني)(٣).
وفي الحديث: (أربع من سنن المرسلين:
الحياء (٤) -ويروى الختان- والتعطر،
(١) أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب النكاح، باب
ما جاء في فضل النكاح، رقم ١٨٤٦.
وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم
٦٨٠٧.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح،
باب قول النبي صلى الله عليه وسلم : (من
استطاع منكم الباءة فليتزوج)، رقم ٤٧٧٨،
ومسلم في صحيحه، كتاب النكاح، باب
استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه، رقم
٣٤٦٤.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح،
باب الترغيب في النكاح، رقم ٥٠٦٣،
ومسلم في صحيحه، كتاب النكاح، باب
استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه، رقم
١٤٠١.
(٤) في رواية: الحناء بالحاء المهملة والنون
المشددة وهذه الرواية غير صحيحة ولعلها
وقوله: (من سنن المرسلين) أي: فعلًا
وقولًا، يعني: التي فعلوها وحثوا عليها،
وفيه تغليب؛ لأن بعضهم كعيسى ما ظهر
منه الفعل في بعض الخصال وهو النكاح.
قال المناوي: المراد أن الأربع من سنن
غالب الرسل، فنوح لم يختتن، وعيسى لم
(٦)
يتزوج
ومما يدل على أهمية النكاح، وأنه من
سنن الأنبياء ما ورد في سورة القصص من
قصة موسى عليه السلام أنه بقي ثمان سنين
أو عشر يعمل لأجل أن يحصل مهر النكاح.
قال تعالى: ﴿قَالَ إِنَّ أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ
إِحْدَى أَبْنَقَنَّ هَنتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَبِ ثَمَنِىَ حِجَجْ
فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكٌ وَمَآ أُرِيدُ
أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَّ سَتَجِدُفِىَ إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ
الصَّلِحِينَ﴾ [القصص: ٢٧].
ومما يدل على أهميته أيضًا أن الله
تصحيف، لأنه يحرم على الرجال خضاب
اليد والرجل تشبهًا بالنساء، وأما خضاب
الشعر به فلم يكن قبل نبينا عليه الصلاة
والسلام، فلا يصح إسناده إلى المرسلين.
انتهى ما في المرقاة.
(٥) أخرجه أحمد في مسنده، ٥٥٤/٣٨، رقم
٢٣٥٨١، والترمذي في سننه، أبواب النكاح،
باب ما جاء في فضل التزويج، رقم ١٠٨٠.
وحسنه الألباني في تعليقه مشكاة المصابيح،
١٢٢/١، رقم ٣٨٢.
(٦) التيسير بشرح الجامع الصغير، المناوي
٢٧٥/١.
٣٧٠
صَوَسوبر
القرآن الكريمِ

النكاح
تعالی مدح أولیاءه بسؤال ذلك في الدعاء،
فقال تعالى: ﴿وَاُلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَاهَبْ لَنَا
مِنْ أَزْوَجِنَا وَذُرِّيَِّنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَأَجْعَلْنَا
لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤].
وما كان النكاح من سنن المرسلين
إلا لمنفعته وآثاره سواء في الدنيا، أو في
الآخرة، فله منافع دينية ومنافع دنيوية، ففيه
تحصيلٌ لأفضل وخير متاع الدنيا ألا وهي
المرأة الصالحة، وفيه إكمال لشطر الدین،
وهو سبب لعون الله عز وجل وتوفيقه،
وسبب لزيادة عدد الأمة، وله أثر صحي
وبدني ونفسي.
ومن فوائده تحصين النفس وحمايتها
من الوقوع في الفاحشة، وبه يتيسر للرجل
والمرأة أنواع من العبادة والقرب لا
تتيسر بغيره، من حسن العشرة، والصحبة
بالمعروف، وقضاء حق العيال، والرحمة
بهم، والانشغال بمصالحهم، كل ذلك قربة
إلى الله عز وجل يحصل عليها المتزوج،
ولا يحصل عليها الأيم.
والزواج مع أنه عبادة وقربة فإنه تحصل
فيه راحة النفس ولذتها، وقضاء رغبتها، بل
إن اللقاء بين الزوجين وتحصيل الشهوة أمر
يثابان ويؤجران عليه، وفي الزواج أيضًا إتباع
السنة، وابتغاء الولد الصالح، والمعونة على
الطاعة، والمحافظة
عن المعصية، إضافة إلى ما يثمره الزواج
من ترابط الأسرة، وتوطيد أواصر المحبة.
وفيه إشباع دافع الأمومة والأبوة لكلٍ من
الزوجين، والشعور بالنوع، فالزواج يحقق
إشباعًا اجتماعيًا يورث توازنًا في الشخصية،
فالإنسان لا يستطيع أن يعيش في عزلة عن
الآخرین.
والزواج يلائم الفطرة الإنسانية ويوافقها،
وينسجم معها، ويحفظ المجتمع من
الشرور، وتحلل الأخلاق، وانتشار الرذائل،
وفيه بقاء النوع الإنساني على وجه سليم،
وتدريب الذات على تحمل المسئولية،
والقيام بشئون الطرف الآخر، وشئون
الأولاد والرحم، كل هذه وغيرها من ثمار
النكاح؛ ولهذا كان من سنن الأنبياء، رغبوا
فیه، وحثوا علیه.
ثانيًا: الأمر بالنكاح:
أمر الله تعالى في القرآن الكريم بالنكاح
في عدة آيات، فقال تعالى: ﴿فَانَكِحُوامَاطَابَ
لَكُمْ مِنَ النِّسَلَ مَثْنَى وَثُلَثَ وَرُبَعَّ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نَعْدِلُواْ
فَوَجِدَةٌ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ ذَلِكَ أَدْفَ أَلَّ تَحُولُوا﴾
[النساء: ٣].
وقال: ﴿وَأَنكِحُوْ اْأَيْمَى مِنْكُمْ وَالصَِّحِينَ
مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَا بِكُمْ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ
مِن فَضْلِهُ وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٢].
وظاهر الأمر في قوله: ﴿فَأَنْكِحُواْ﴾
الوجوب على كل من قدر عليه؛ لخبر
www. modoee.com
٣٧١

حرفالنون
الصحيحين عن ابن مسعود: (يا معشر
الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج)(١).
وعورض ظاهر الأمر بقوله تعالى:
﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء:
٢٥].
فالصواب: أنه ليس بواجب. حتى
على التسليم بالوجوب، فالوجوب بحالة
الخوف، فلا يلزم منه الوجوب على
الإطلاق (٢).
ولأن الله تعالى قال: ﴿فَنَكِحُواْمَا طَابَ لَّكُم
مِّنَ النِّسَلِ﴾ ثم قال: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيَّمَنْكُمْ﴾
فخیر سبحانه وتعالى بين النكاح والتسري؛
ولو كان النكاح واجبًا لما خير بينه وبين
التسري؛ لأنه لا يصح عند الأصوليين
التخيير بين واجب وغيره؛ لأنه يؤدي إلى
إبطال حقیقة الواجب، وأن تارکه لا یکون
آئمًا، وأما قوله صلى الله عليه وسلم: (فمن
رغب عن سنتي فليس مني)(٣).
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح،
باب قول النبي صلى الله عليه وسلم : (من
استطاع منكم الباءة فليتزوج) رقم ٤٧٧٨،
ومسلم في صحيحه، كتاب النكاح، باب
استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه، رقم
٣٤٦٤.
(٢) غرائب القرآن، النيسابوري ٣٤٥/٢.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح،
باب الترغيب في النكاح، رقم ٥٠٦٣،
ومسلم في صحيحه، كتاب النكاح، باب
استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه، رقم
١٤٠١.
فمعناه: من رغب عنها إعراضًا عنها، غير
معتقد لها على ما هي (٤).
والذي يبدو أن الزواج يختلف حكمه
باختلاف الأحوال، فمن كان-مثلاً- قادرًا
على الزواج، ويخشى إذا ترك الزواج أن يقع
في الفاحشة، فإن الزواج بالنسبة له يكون
واجبًا، بخلاف من أمن الوقوع في الفاحشة،
فإن الزواج بالنسبة له یکون مستحبًا.
فالأمر بالنكاح يختلف من شخص إلى
شخص، ومن نازلة إلى أخرى، ففي نازلة:
یتصور وجوبه، وفي نازلة قد یکون مندوبًا،
وغير ذلك، حسبما هو مذكور في كتب
الفقه.
ويختلف الحكم في ذلك أيضًا باختلاف
حال المؤمن من خوف العنت، ومن عدم
صبره، ومن قوته على الصبر، وزوال خشية
العنت عنه، فإذا خاف الهلاك في الدين
أو الدنيا أو فيهما، فالنكاح حتم، وإن لم
يخش شيئًا وكانت الحال مطلقة، فالنكاح
مستحب.
إلا أنه يبقى أن المبادرة بالزواج أمر
مطلوب شرعًا لمن استطاع، ويتأكد هذا
الأمر في حق الشباب؛ لقول-في الحديث
السابق -: (يا معشر الشباب من استطاع
منكم الباءة فليتزوج)(٥).
(٤) انظر: شرح صحيح مسلم، النووي ٩/ ١٧٣.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح،
باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من
٣٧٢
جوسين
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

النكاح
وعلى من عجز أن يستعفف، وأن يصون
نفسه من الوقوع في الفاحشة، وأن يراقب
الله -جل جلاله-، ويكبح نفسه الأمارة
بالسوء ويمنعها من الطموح إلى كل شهوة،
فلا یکون أسيرًا لشهوات نفسه ولذاتها، بل
ينتظر الفرج إلى أن يرزقه الله جل جلاله.
وقوله في الآية: ﴿مَاطَابَ﴾ يعني: من
النساء؛ وقرئ: (مَنْ طَابَ) على ذكر من
يعقل (١)، و﴿مَا﴾ هنا موصولة، وحكى
البعض أن ﴿مَا﴾ في هذه الآية ظرفية، أي:
ما دمتم تستحسنون النكاح، وفي هذا المنزع
ضعف (٢).
وقال: ﴿مَا﴾ ولم يقل: مَن؛ لأنه لم
يرد تعيين من يعقل، وإنما أراد الجنس
الذي هو الطيب من جهة التحليل، فكأنه
قال: (فانكحوا الطيب)(٣). مثلما تقول: ما
عندك؟ فيقال: رجل أو امرأة، تريد ما ذلك
الشيء الذي عندك، أو ما تلك الحقيقة؟
ولأن الإناث من العقلاء تنزل منزلة غير
العقلاء، ومنه قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ
أَيْمَنْكُمْ﴾ [النساء: ٣].
استطاع منكم الباءة فليتزوج)، رقم ٤٧٧٨،
ومسلم في صحيحه، كتاب النكاح، باب
استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه، رقم
٣٤٦٤.
(١) هذه قراءة ابن أبي عبلة، انظر: المحرر الوجيز
٢/ ٧٠.
(٢) المحرر الوجيز ٧١/٢.
(٣) المصدر السابق.
ولأن (ما) و(من) یتعاقبان.
قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَنَهَا﴾ [الشمس:
٥].
وقال: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلّ دَآَّةٍ مِّن مَّاءٍ فَمِنْهُمْ مَّن
يَمْشِى عَلَى بَطْنِهِ، وَمِنْهُمُ مَّن يَمْشِ عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن
يَمْشِى عَى أَرْبَعْ يَخْلُقُ اَللَّهُ مَا يَشَآءُ إِنَّ اللَّهُ عَلَى كُلِّ
شَىْءٍقَدِيرٌ﴾ [النور: ٤٥](٤).
وقد يكون مرجع (ما) إلى النكاح نفسه
لا إلى النساء، ومعناه: فانكحوا نكاحًا طيبًا،
وقد يكون معنى قوله: ﴿قانكِحُوامَاطَابَ ﴾
الفعل دون أعيان النساء وأشخاصهن،
فلذلك قيل: ﴿مَا﴾ ولم يقل: مَن، كما
يقال: ((خذ من رقيقي مَا أردت)) إذا عنيت:
خذ منهم إرادتك، ولو أردت: خذ الذي
تريد منهم، لقلت: خذ من رقيقي من أردت
منهم(٥). أو أنه جاء بـ ﴿مَا﴾؛ لأنه نحا بها
منحی الصفة، وهو الطیب بلا تعیین ذات،
ولو قال: (من) لتبادر إلى إرادة نسوة طيبات
معروفات بينهم (٦).
ومعنى: ﴿مَاطَابَ لَكُمْ﴾ أي: ما حل لكم
من النساء؛ لأن فیهن من يحرم نكاحها، وما
حرمه الله فليس بطیب، واعترض عليه بأن
قوله: ﴿فَأَنكِحُواْ﴾ أمر إباحة، فيئول المعنى
إلى قوله: أبحت لكم نكاح من هي مباحة
لكم، وهذا كلام مكرر، إلا إذا قلنا: إن الآية
(٤) انظر: غرائب القرآن، النيسابوري ٣٤٥/٢.
(٥) انظر: جامع البيان، الطبري ٧/ ٥٤٢.
(٦) التحرير والتنوير ٨٨٦/١.
www. modoee.com
٣٧٣

حرفالنون
مجملة؛ لأن أسباب الحل والإباحة غير فعليكم به، ثم قال: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنْكُمَّ
مذكورة في هذه الآية.
وعلى كلٍ فيدخل في الطيب: ما أباحه
الشرع، وهو ما بقي بعد ما أخرجته آية:
المحرمات من النساء، ويدخل في الطيب ما
تستلذه الحواس، وما تستلذه النفوس، أو ما
طاب حلًا وخلقًا وخلقًا.
وقال بعض المحققين:
﴿مَاطَابَ
معناه: ما لا تحرج منه؛ لأنه في مقابل
المتحرج منه من اليتامى، ولا يخلو عن
حسن، وكيفما كان فالتعبير عن الأجنبيات
بهذا العنوان فيه من المبالغة في الاستمالة
إليهن، والترغيب فيهن ما لا يخفى، والسر
في ذلك الاعتناء بصرف المخاطبين عن
نكاح اليتامى عند خوف عدم العدل؛ رعاية
ليتمهن، وجبرًا لانكسارهن؛ ولهذا الاعتناء
أوثر الأمر بنكاح الأجنبيات على النهي عن
نكاحهن، مع أنه المقصود بالذات، وذلك
لما فيه من مزيد اللطف في استنزالهم، فإن
النفس مجبولة على الحرص على ما منعت
منه (١).
ومثنى وثلاث ورباع، أي: فانكحوا
الطيبات لكم معدودات هذا العدد، ثنتين
ثنتين، وثلاثًا ثلاثًا، وأربعًا أربعًا ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ
أَلَّا نَعْدِلُواْ﴾ بين هذه الأعداد ﴿فَوَجِدَةً﴾
فالأمر كله يدور مع العدل، فأينما وجدتموه
(١) انظر: روح المعاني، الألوسي ٤١١/٣.
فسوى في السهولة بين الحرة الواحدة وبين
ما شاء من الإماء؛ لأنهن أقل تبعة، وأخف
مؤنة من الحرائر، لا على المرء أکثر منهن أو
أقل، عدل بينهن في القسم أم لم يعدل، عزل
عنهن أم لم يعزل(٢).
ثالثًا: امتنان الله على خلقه به:
النكاح نعمة من الله امتن بها على عباده؛
إذ يحصل به مصالح دينية ودنيوية، فردية
واجتماعية، مما يجعله من الأمور المطلوبة
شرعًا، ومما يدل على ذلك قوله تعالى:
وَمِنْ ءَايَيِّهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَجًا
لِتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا وَحَعَلَ بَيْنَكُمْ قَوَدَّةٌ وَرَحْمَةٌ
إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَنَفَّكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢١].
﴿وَلَهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ
وقال:
أَزْوَجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَجِكُمْ بَنِينَ
وَحَفَدَةٌ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَتِ أَفَلْبَطِلِ يُؤْمِنُونَ
وَيِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ [النحل: ٧٢].
وقال: ﴿بَأَيُّهَا النَّاسُ أَتَّقُواْ رَّكُمُ الَّذِى خَلَفَّكُمْ
مِّن نَّفْسٍ وَحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا
كَثِيرًا وَنِسَآءُ ﴾ [النساء: ١].
وقال: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْمِّن نَّفْسِ وَحِدَةٍ
وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ إلى غير
ذلك من الآيات التي تلفت النظر إلى هذه
النعمة.
(٢) انظر: غرائب القرآن، النيسابوري ٣٤٦/٢.
جَوَسُولَةُ النَّقتي
القرآن الكريمِ
٣٧٤

النكاح
فقوله: ﴿وَمِنْ ءَايَيْهِ﴾ أي: من نعمه
تبارك وتعالى التي تستحق الشكر، وتستحق
المحافظة عليها ﴿أَنْ خَلَقَ لَكُمْ﴾ خلقنا من
ذكر وأنثى، فخلق الذكر للأنثى؛ لأنها لا
تستقر حیاتها من دونه، وخلق الأنثی للذکر
لأنه لا يستقر عیشه بدونها.
فهي آية ونعمة اختص بها الإنسان؛ إذ
ألهمه الله جعل قرین له، وجبله على نظام
محبة وغیرة، لا یسمحان له بإهمال زوجه،
كما تهمل العجماوات إناثها، وتنصرف
إناثها عن ذكورها، وجعل البنين للإنسان
نعمة، وجعل كونهم من زوجة نعمة
أخرى؛ لأن بها تحقق كونهم أبناءه بالنسبة
للذكر، ودوام اتصالهم به بالنسب، ووجود
المشارك له في القيام بتدبير أمرهم في حالة
ضعفهم(١).
والخطاب بضمير الجماعة المخاطبين
في قوله: (جعل لكم) موجه إلى الناس
کلهم، وغلب ضمير التذكير (٢).
وفي النكاح نعمة أخرى؛ إذ جعل قرين
الإنسان متكونًا من نوعه، فقال:
مِنْ
أَنْفُسِكُمْ﴾ ولو لم يجعل له ذلك لاضطر
الإنسان إلى طلب التأنس بنوع آخر، فلم
يحصل التأنس بذلك للزوجين، وهذه الحالة
وإن كانت موجودة في أغلب أنواع الحيوان،
(١) نظر: التحرير والتنوير ٢١٨/١٤.
(٢) المصدر السابق.
فهي نعمة یدر کها الإنسان، ولا يدركها غيره
من الأنواع، وليس من قوام ماهية النعمة أن
ينفرد بها المنعم علیه(٣).
ومعنى: ﴿مِّنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: جعل هذه
الزوجة من نوعكم ومن جنسكم من بني
آدم، فجميع الأزواج من نوع الناس، وأما
قول تأبط شرًا (٤):
وتزوجت في الشبيبة غولا
بغزال وصدقتي زق خمر
فمن تكاذبيهم، وكذلك ما يزعمه
المشعوذون من التزوج بالجنيات، وما
يزعمه أهل الخرافات والروايات من وجود
بنات في البحر، وأنها قد يتزوج بعض الإنس
ببعضها (٥).
ويدل على أن ﴿مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ أي: من
جنسكم قوله تعالى: ﴿لَتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا﴾
[الروم: ٢١].
لأن الجنسين المختلفين لا يسكن
أحدهما إلى الآخر، أي: لا يثبت نفسه معه،
ولا یمیل قلبه إلیه(٦).
وذلك لما بين الاثنين من جنس واحد
من الإلف والسكون، وما بين الجنسين
(٣) المصدر السابق.
(٤) البيت منسوبة للبهراني في شرح نهج البلاغة
٤١٦/١٩. وأثبتنا ما كتبه صاحب الأصل،
قال الجاحظ: أصدقها الخمر لطيب ريحها،
والغزال، لأنه من مراكب الجن.
(٥) التحرير والتنوير ٢١/ ٧٢.
(٦) اللباب في علوم الكتاب ٣٩٦/١٥.
www. modoee.com
٣٧٥

حرف النون
المختلفين من التنافر(١). ولو تصورنا أن الله شيء أحب إلى أحدهما من الآخر، من غير
تراحم بينهما، وهذا لا يحصل إلا للزوجين،
تعالی جعل الزوجین من غیر جنس واحد،
فلن یشعرا بالسرور واللذة أبدًا، ولكن الله
تبارك وتعالى خلقهما من جنس واحد، يميل
أحدهما إلى الآخر، ویأنس به، فسبحان الله
العليم الحكيم.
فالمودة وحدها آصرة عظيمة، وهي آصرة
الصداقة والأخوة وتفاريعهما، والرحمة
وحدها آصرة منها الأبوة والبنوة، فما ظنكم
باصرة جمعت الأمرين! وكانت بجعل الله
تعالى، وما هو بجعل الله فهو في أقصى
درجات الإتقان(٣).
ومعنى: ﴿لْتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا﴾ أي: لتميلوا
للأزواج، وتألفوهن، فإن الجنس إلى
والمودة والرحمة من أجمل المشاعر
التي خلقها الله، فإذا وجد ذلك كله مع
الشعور بالحل والهداية إلى الفطرة، ومرضاة
الله سبحانه وتعالى كملت هذه المتعة، ولم
ينقصها شيء، وقد ساعد على ذلك بالطبع
الجنس أسكن، والسكون هنا مستعار
للتأنس، وفرح النفس؛ لأن في ذلك زوال
اضطراب الوحشة والكمد بالسكون الذي
هو زوال اضطراب الجسم، كما قالوا:
اطمأن إلی کذا، وانقطع إلی کذا، وضمن
﴿لَتَسْكُنُواْ﴾ معنى: (لتميلوا) فعدي بحرف الأصل الأول للخلق وغريزة الميل التي
خلقها الله في كل من الذكر والأنثى للآخر.
(إلی) وإن کان حقه أن يعلق بـ(عند) ونحوها
من الظروف (٢).
فلا ألفة أعظم مما بين الزوجين؛ ولهذا
والسكن إلى المرأة يشمل سكن النفس ذكر تعالى أن الساحر ربما توصل بكيده
إلى التفرقة بين المرء وزوجه، فقال:
وسکن الجسم، وهذه إحدى الحكم الإلهية
من وراء الزواج.
﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ، بَيْنَ
اَلْمَرْءٍ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة: ١٠٢].
وجعل الله بين الزوجين المودة
والرحمة، فقال: ﴿وَحَعَلَ بَيْنَكُمْ مَّوَدَّةُ
وَرَحْمَةٌ﴾ [الروم: ٢١].
أي: جعل بين الزوجين المودة والرحمة،
فهما يتوادان ويتراحمان من غير سابقة معرفة،
ولا قرابة، ولا سبب يوجب التعاطف، وما
فلشدة ارتباط هذه العلاقة بين الزوجين
فلا يستطيع أحد التفريق بينهما، إلا أن يكون
هذا التفريق باستعمال مفسدات لعقل أحد
الزوجين حتى يبغض زوجه، وإما بإلقاء
الحيل والتمويهات والنميمة حتى يفرق
بينهما؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ
(١) مدارك التنزيل، النسفي ٢ /٦٩٥.
(٢) التحرير والتنوير ٧٢/٢١.
(٣) انظر: المصدر السابق ٦٤٤/١.
٣٧٦
مَشَارَةُ الْتَفْسَيْ
جوسين
الْقُرآن الكَرِيمِ

النكاح
مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ، بَيْنَ اَلْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ﴾
[البقرة: ١٠٢].
ولعل في قوله: ﴿قَوَدَّةٌ وَرَحْمَةٌ﴾ إشارة
٠٠٠٤٤٥
إلى أن الزواج الناجح لا بد أن تسوده المودة
والرحمة؛ ولهذا يجب المحافظة على هذه
المودة حتى في حالة الغضب والصعوبات؛
لتستمر الحياة هادئة وسعيدة، فالمودة هي
الأساس في بداية العلاقة الزوجية، فلا زواج
ناجح من دون الحب بين الطرفين، ولعل
الزوجة هي الأقدر في إظهار هذا الجانب
وتفعيله مع الزوج.
ثم قال: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ﴾ [الروم: ٢١].
الذي ذکر من ﴿لآيَاتٍ ﴾ جمع، مع أنها-
في الحقيقة - آية واحدة، إلا أنها تنطوي على
عدة آيات، منها: أن جعل للإنسان ناموس
التناسل، وأن جعل تناسله بالتزاوج، ولم
يجعله کتناسل النبات من نفسه، وأن جعل
أزواج الإنسان من صنفه، ولم يجعلها من
صنف آخر؛ لأن التآنس لا يحصل بصنف
مخالف، وأن جعل في ذلك التزاوج أنسًا
بین الزوجین، ولم یجعله تزاوجًا عنيفًا، أو
مهلگا کتزاوج الضفادع، وأن جعل بين كل
زوجين مودة ومحبة، فالزوجان یکونان
من قبل التزاوج متجاهلين، فيصبحان
بعد التزاوج متحابين، وأن جعل بينهما
رحمة، فهما قبل التزاوج لا عاطفة بينهما،
فيصبحان بعد التزاوج متحابين، وأن جعل
بينهما رحمة، فهما قبل التزاوج لا عاطفة
بينهما، فيصبحان بعده متراحمين كرحمة
الأبوة والأمومة؛ ولأجل ما ينطوي عليه هذا
الدليل، ويتبعه من النعم والدلائل جعلت
هذه الآية آيات عدة، في قوله: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ
لَيَتٍ﴾
وجعلت الآيات لقوم يتفكرون؛ فقال:
﴿لَّقَوْمٍ يَنَفَكَّرُونَ﴾؛ لأن التفكر والنظر في
تلك الدلائل هو الذي يجلي کنهها، ویزید
الناظر بصارة بمنافع أخرى في ضمنها.
ويتفكرون أي: في عظمة الله وقدرته،
فهو متعلق بـ﴿لَآَيَتِ﴾ والذين يتفكرون:
المؤمنون، وأهل الرأي من المشركين الذين
يؤمنون بعد نزول هذه الآية (١).
هكذا يصور القرآن العلاقة الزوجية
تصويرًا رفافًا شفيفًا، يشع منه التعاطف،
وترف فیه الظلال، ویشیع فیه الندى، ويفوح
منه العبير: ﴿لْتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا وَحَعَلَ بَيْنَكُمْ
قَّوَدَّةٌ وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١].
وقال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسُ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسُُّ
لَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧].
فهي صلة النفس بالنفس، وهي صلة
السكن والقرار، وهي صلة المودة والرحمة،
وهي صلة الستر والتجمل.
إن الإنسان لیحس في الألفاظ ذاتها حنوًا
ورفقًا، ويستروح من خلالها نداوة وظلًا،
(١) التحرير والتنوير ٧٢/٢١.
www. modoee.com
٣٧٧

حرفالنون
وإنها لتعبير كامل عن حقيقة الصلة التي
يفترضها الإسلام لذلك الرباط الإنساني
الرفيق الوثيق؛ ذلك في الوقت الذي يلحظ
فيه أغراض ذلك الرباط كلها، بما فيها امتداد
الحياة بالنسل، فيمنح هذه الأغراض كلها
طابع النظافة والبراءة، ويعترف بطهارتها
وجديتها، وينسق بين اتجاهاتها ومقتضياتها؛
حَرْتُ
ؤُكـ
ذلك حين يقول:
[البقرة: ٢٢٣].
فيلحظ كذلك معنى الإخصاب
والإكثار (١)
وأخبر الله تعالى أيضًا في الآية الأخرى
عن منته العظيمة على عباده، حيث جعل
لهم من أزواجهم أولادًا تقر بهم أعينهم
ويخدمونهم، ويقضون حوائجهم، وينتفعون
بهم من وجوه كثيرة، فقال: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ
لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ
أَزْوَجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةٌ ﴾ [النحل: ٧٢].
والحفدة في كلام العرب: جمع حافد،
كما أن الكذبة: جمع كاذب، والفسقة: جمع
فاسق، والحافد في كلامهم؛ هو المتخفف
في الخدمة والعمل، والحفد: خفة العمل،
يقال: مر البعير يحفد حفدانًا: إذا مريسرع في
سيره، ومنه قولهم: (إليك نسعى ونحفد)(٢)
(١) في ظلال القرآن ٣٥٩٥/٦.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه، ٢/ ٦١، من
دعاء عمر.
وصححه الألباني في إرواء الغليل ٢/ ١٧٠.
أي: نسرع إلى العمل بطاعتك، يقال منه:
حفد له يحفد حفدًا وحفودًا وحفدانًا(٣).
ومنه قول الراعي (٤):
كلفت مجهولها نوقًا يمانيةً
إذا الحداة على أكسائها حفدوا
وعلى هذا فالمراد بالحفدة الأولاد، أو
هم الأصهار أختان الرجل على بناته، ومنه
قول الشاعر(٥):
ولو أن نفسي طاوعتني لأصبحت
لها حفٌ مما یعد کثیر
ولكنها نفس علي أبية
عیوفٌ لأصهار اللئام قذور
وقد يكون المراد بهم أولاد الأولاد،
أو بنو امرأة الرجل من غيره، أو يكون
المراد بهم: الأعوان، أو: الخدم، ومنه قول
جميل(٦):
حفد الولائد حولهم وأسلمت
بأكفهن أزمة الأجمال
وذهب بعض العلماء في تفسير قوله
تعالى: ﴿بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ إلى أن البنين
الصغار، والحفدة الكبار (٧).
وإذا كان معنى الحفدة ما ذكرنا من أنهم
(٣) جامع البيان، الطبري ٢٥٨/١٧.
(٤) ديوان الراعي النميري ١/ ٥٢.
(٥) انظر: أخبار أبي القاسم الزجاجي ٣/١، نثر
الدر ٣٠/٣.
(٦) انظر: أمالي المرزوقي ١/ ٦٥، الجليس
الصالح والآنيس الناصح ٣٧١/١.
(٧) النكت والعيون، الماوردي ٢٠٢/٣.
٣٧٨
مَوَسُولَةُ الْبَّسيد
جوسين
القرآن الكريم

النكاح
المسرعون في خدمة الرجل، المتخففون أن يخدم جده؛ لضعف الجد بسبب الكبر،
فأنعم الله على الإنسان بحفظ سلسلة نسبه
فیها.
بسبب ضبط الحلقة الأولى منها، وهي
کون أبنائه من زوجه، ثم کون أبناء أبنائه من
أزواجهم، فانضبطت سلسلة الأنساب بهذا
النظام المحكم البديع.
وكان الله تعالى أخبرنا أن مما أنعم
به علينا أن جعل لنا حفدة تحفد لنا، وكان
أولادنا وأزواجنا الذين يصلحون للخدمة
منا ومن غيرنا وأختاننا الذين هم أزواج بناتنا
من أزواجنا، وخدمنا من مماليكنا إذا كانوا
یحفدوننا، فیستحقون اسم حفدة، ولم یکن
الله تعالى دل بظاهر تنزيله، ولا على لسان
رسوله صلی الله عليه وسلم؛ ولا بحجة عقل
على أنه عنى بذلك نوعًا من الحفدة دون نوع
منهم، و کان قد أنعم بکل ذلك علینا، لم یکن
لنا أن نوجه ذلك إلى خاص من الحفدة دون
عام، إلا ما اجتمعت الأمة عليه أنه غير داخل
فيهم. فکل الأقوال التي ذكرنا لها وجه في
الصحة، ومخرج في التأويل(١).
وهي أقوال متقاربة؛ لأن اللفظ يحتمل
الكل بحسب المعنى المشترك.
وبالجملة فإن الحفدة هم غیر البنین؛ لأن
الله سبحانه وتعالى قال: ﴿بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾
فجعل بينهما مغايرة (٢)
٠
قال الرازي: والأولى دخول الكل فيه؛
لأن اللفظ محتمل للكل بحسب المعنى
المشترك (٣).
وأطلق الحافد على ابن الابن؛ لأنه یکثر
(١) جامع البيان، الطبري ٢٥٨/١٧.
(٢) لباب التأويل، الخازن ٨٩/٣.
(٣) مفاتيح الغيب، ٢٤٥/٢٠.
وغير الإنسان من الحيوان لا يشعر
بحفدته أصلًا، ولا يشعر بالبنوة إلا أنثى
الحيوان مدة قليلة قريبة من الإرضاع،
والحفدة للإنسان زيادة في مسرة العائلة.
قال تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَآءِ
إِسْحَقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] (٤).
ثم قال تعالى في الآية الثالثة: ﴿يَأَيُّهَا
النَّاسُ أَتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُم مِّنِ نَّفْسٍ وَهِدَةِ﴾
[النساء: ١].
يعني: آدم، وفي ذلك نعمة عليكم؛
﴿وَخَلَقَ
لأنه أقرب إلى التعاطف بینکم،
مِنْهازوجها﴾ يعني: حواء. وقوله:
أي: من آدم، فالنفس الواحدة: هي آدم،
والزوج: حواء، فإن حواء أخرجت من آدم،
من ضلعه، کما يقتضيه ظاهر قوله:
من جنسها،
وقال بعضهم: معنى:
واللفظ يتناول المعنيين، أو يكون لحمها
وجواهرها من ضلعه، ونفسها من جنس
نفسه.
فإن قيل: إنه تعالى قادر على خلق حواء
(٤) التحرير والتنوير ٢١٨/١٤.
www. modoee.com
٣٧٩

حرف النون
من التراب، فأي فائدة في خلقها من ضلع بهذا التكوين العجيب.
من أضلاع آدم؟ والجواب: أن الأمر لو كان
كذلك لكان الناس مخلوقين من نفسین
لا من نفس واحدة، وهو خلاف النص،
وخلاف ما روي عن النبي صلى الله عليه
وسلم: (أن المرأة خلقت من ضلع أعوج،
فإن ذهبت تقيمها كسرتها)(١)(٢).
تبعيضية،
و(من) في قوله:
ومعنى التبعيض أن حواء خلقت من جزء من
آدم، قيل: من بقية الطينة التي خلق منها آدم،
وقيل: فصلت قطعة من ضلعه، وهو ظاهر
قوله في الحديث: (خلقت من ضلع). ومن
قال: إن المعنى: وخلق زوجها من نوعها
لم يأت بطائل؛ لأن ذلك لا يختص بنوع
الإنسان، فإن أنثی کل نوع هي من نوعه(٣).
وقد شمل قوله: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَازَوْجَهَا ﴾ العبرة
بهذا الخلق العجيب الذي أصله واحد،
ويخرج هو مختلف الشكل والخصائص،
والمنة على الذكران بخلق النساء لهم،
والمنة على النساء بخلق الرجال لهن، ثم من
على النوع بنعمة النسل في قوله: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا
إِجَالًا كَثِيرًا ونساءً ﴾ مع ما في ذلك من الاعتبار
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأنبياء،
باب خلق آدم، ١٣٣/٤، رقم ٣٣٣١، ومسلم
في صحيحه، كتاب الرضاع، باب الوصية
بالنساء، رقم ٣٧١٩.
(٢) غرائب القرآن، النيسابوري ٢/ ٣٤٠.
(٣) التحرير والتنوير ٤ /٢١٥.
ومعنى: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا﴾ البث: النشر
والتفريق للأشياء الكثيرة، أي: نشر
وأظهر، رجالًا كثيرًا ونساء، كقوله تعالى:
﴿كَالْفَرَاشِ اَلْمَبْثُوثِ﴾ [القارعة: ٤].
أي: المنتشر، يعني: خلق منهما يعني من
آدم وحواء، ونشر منهما رجالًا کثیرًا ونساء،
وذكر هذا كله لبيان القدرة؛ وإظهار المنة.
وحصره ذريتها إلى نوعين الرجال
والنساء في قوله: ﴿رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءُ﴾
مقتضٍ أن الخنثى ليس بنوع مستقل، وأنه
وإن فرضناه مشكل في الظاهر فله حقيقة
ترده إلى أحد هذين النوعين (٤). ووصف
الرجال وهو جمع بـ(کثیر) وهو مفرد؛ لأن
كثير يستوي فيه المفرد والجمع، كما في
قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِنِ مِّن نَّبِيٍ قَتَلَ مَعَهُرِبُِّّونَ
كَثِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٤٦].
واستغنى عن وصف النساء بكثير لدلالة
وصف الرجل به ما يقتضيه فعل البث من
الكثرة(٥).
وقد تعرف الله تعالى في هذه الآية إلى
العقلاء على كمال القدرة بما ألاح من
براهين الربوبية، ودلالات الحكمة حيث
خلق جميع هذا الخلق من نسل شخص
واحد، على اختلاف هيئتهم، وتفاوت
(٤) المحرر الوجيز، ابن عطية ٤/٢.
(٥) التحرير والتنوير ٤ /٢١٧.
٣٨٠
◌َةُ النَّسِية
جوببيو
لِلْقُرآن الكَرِيمِ

النكاح
صورهم، وتباين أخلاقهم، وإن اثنين
منهم لا يتشابهان، فلكل وجه في الصورة
والخلق، والهمة والحالة، فسبحان من لا
حد لمقدوراته، ولا غاية لمعلوماته(١).
وخلق أشخاص غیر محصورة من إنسان
واحد مع تغاير أشكالهم، وتباين أمزجتهم،
واختلاف أخلاقھم دلیل ظاهر، وبرهان باهر
على وجود مدبر مختار وحکیم قدیر .. ، فإذا
عرفوا ذلك تركوا المفاخرة، وأظهروا ما لا يناسب أن يأخذ شيئًا مما آتاها، سواء
كان المهر أو غير المهر.
التواضع، وحسن الخلق (٢).
رابعًا: وصفه بالميثاق الغليظ:
وصف الله عقد النكاح بالميثاق الغليظ
في سياق النهي عن الرجوع في شيء مما
أعطى الأزواج زوجاتهم، ولو كان المعطى
قنطارًا، وبين أن أخذه بهتانًا وإثمًا مبينًا،
وبين أن السبب المانع من أخذ شيء منه
هو أنه أفضى إليها بالجماع، فقال: ﴿وَإِنْ
أَرَدَّثُمُ أَسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَّوْچ
وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَهُنَّ قِنَطَارًا فَلَا تَأْخُذُواْ مِنْهُ
شَيْئًاً أَتَأْخُذُونَهُ، بُهْتَننَّا وَإِنْمَا قُّبِينًا
وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ، وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى
بَعْضٍ وَأَخَذْتَ مِنكُم مِيثَقًّا غَلِيظًا﴾
[النساء: ٢٠-٢١].
والمعنى: فمتى ﴿أَرَدَقُّمُ أَسْتِبْدَالَ زَوْچ
مَّكَانَ زَوْج﴾ أي: تطليق زوجة وتزوج
(١) لطائف الإشارات، القشيري ٣١٢/١.
(٢) غرائب القرآن، النيسابوري ٣٣٩/٢.
أخرى، أي: فلا جناح علیکم في ذلك ولا
حرج. ولكن إذا ﴿وَءَاتَّيْتُمْ إِحْدَثُهُنَّ﴾ أي:
المفارقة، أو التي تزوجها ﴿قِنَطَارًا ﴾ أو
أقل أو أكثر، أي: من الذهب أو الفضة، مهرًا
وصداقًا، والمقصود: مالًا كثيرًا، فلا تأخذوا
منه شيئًا. والنهي بعده يدل على عموم ما
آتاها، سواء كان مهرًا، أو غيره(٣). والسبب
أنه قد صار بينهما من الاختلاط والامتزاج
فلا يمتنع أن يكون أول الخطاب
عمومًا في جمیع ما تضمنه الاسم، ویکون
المعطوف عليه بحكم خاص فيه، ولا
یوجب ذلك خصوص اللفظ الأول. قال أبو
بکر الرازي (الجصاص): ويحتج به -أي
بهذه الآية - فيمن أسلف امرأته نفقتها لمدة،
ثم ماتت قبل المدة أنه لا يرجع في ميراثها
بشيء مما أعطاها لعموم اللفظ؛ لأنه جائز
أن یرید أن يتزوج بأخری بعد موتها مستبدلاً
بها مكان الأولى، فظاهر اللفظ قد تناول هذه
الحالة (٤).
وفي الآية دليل على جواز الإصداق
بالمال الكثير؛ لأن القنطار: المال الكثير
الذي هو أقصى ما يتصور من مهور؛ ولأن
الله تعالى لا يمثل إلا بمباح ... ، وقال قوم:
(٣) البحر المحيط ٤ / ٧٧.
(٤) أحكام القرآن، الجصاص ٤٨/٣.
www. modoee.com
٣٨١

حرف النون
لا تعطى الآية جواز المغالاة فى المهور؛ لأن
التمثيل بالقنطار إنما هو على جهة المبالغة المال من المرأة عند الطلاق مظنة بأنها أتت
کأنه قال: وآتيتم هذا القدر العظيم الذي لا
يؤتيه أحد.
فالآية الكريمة وإن كانت تفيد جواز
الإصداق بالمال الجزيل إلا أن الأفضل عدم
المغالاة في ذلك، مع مراعاة أحوال الناس
من حيث الغنى والفقر وغيرهما(١).
وقد ينهى عن كثرة الصداق إذا تضمن
مفسدة دينية، وعدم مصلحة تقاوم.
وضمير ﴿إِحْدَئهُنَّ﴾ راجع إلى النساء،
وهي المرأة التي يراد طلاقها (٢).
ثم قال: ﴿أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَننَّا وَإِثْمًا
مُپینًا﴾ بل أدوه أي: مباهتین وآثمین، أو
بالبهتان والإثم الظاهر، والبهتان: الكذب
الذي يبهت المكذوب عليه، فالبهتان
کالشكران والغفران مصدر بهته کمنعه، إذا
قال عليه ما لم يفعل (٣).
والاستفهام في ﴿أَتَأْخُذُونَهُ﴾ إنكاري،
وانتصب ﴿بُهْتَنًا﴾ على الحال من الفاعل
في (تأخذونه) بتأويله باسم الفاعل، أي:
مباهتين، وإنما جعل هذا الأخذ بهتانًا؛ لأنهم
كان من عادتهم إذا كرهوا المرأة، وأرادوا
طلاقها رموها بسوء المعاشرة، واختلفوا
عليها ما ليس فيها؛ لكي تخشى سوء السمعة،
(١) الوسيط، سيد طنطاوي ٢ / ٩٠٠.
(٢) التحرير والتنوير ٩١٩/١.
(٣) المصدر السابق.
فتبذل للزوج مالا فداء ليطلقها. فصار أخذ
ما لا يرضي الزوج، فقد يصد ذلك الراغبين
في التزوج عن خطبتها.
وأما وصفه الإثم بكونه ﴿مُینًا﴾ لأنه
قد صار معلومًا للمخاطبين من قوله: ﴿فَلاَ
تَأْخُذُواْ مِنَّهُ شَيْئًا﴾ أو من آية البقرة: ﴿وَلَا
يَحِلُ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُواْ مِمََّ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّ
أَنْ يَخَافَآ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اَللّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا
حُدُودَ اللَّهِ﴾ أو مما تقرر عندهم من أن حكم
الشريعة في الأموال أن لا تحل إلا عن طيب
نفس(٤).
ثم استعظم ذلك فقال: ﴿وَكَيْفَ
تَأْخُذُونَهُ﴾ استفهام تعجبي بعد الإنكار،
أي: ليس من المروءة أن تطمعوا في أخذ
عوض عن الفراق بعد معاشرة امتزاج،
وعهد متین(٥).
فالمقصود أنه علل النهي من الأخذ
بعلتين:
الأولى: الإفضاء وخلوص كل زوج
لنفس صاحبه، حتى صارا كأنهما نفس
واحدة.
والثانية: الميثاق الغليظ الذي أخذ على
الرجال بأن يعاملوا النساء معاملة كريمة.
﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ, وَقَدْ أَفْضَى
فقوله:
(٤) المصدر السابق.
(٥) انظر: المصدر السابق.
٣٨٢
جوي
القرآن الكريمِ