النص المفهرس

صفحات 21-28

النعمر
من المال والسلطان في الإساءة لبني اسرائيل
حيث جعلهم عبيدًا وخدمًا، يصرفهم في
أعماله ومشاقٌّ رعيته، ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِىّ
إِسْرَّهِ يلَ (٣) قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِيْنَا
مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ ﴿ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِى فَعَلْتَ
وَأَنْتَ مِنَ الْكَفِرِينَ ﴿ قَالَ فَعَلْنُهَا إِذَا وَأَنَاْ
مِنَ الشَّآلِّينَ ، فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ
لِ رَبِّ حُكْمًا وَحَعَلَنِ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (١) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ
تَمْنُّهَا عَلَىَّ أَنْ عَبَّدَتَّ بَنِيّ إِسْرَّهِيلَ﴾ [الشعراء: ١٧ -
٢٢].
ثمرات شكر النعمة
أولًا: ثمرات شكر النعمة في الدنيا:
١. المزيد.
الشكر والمزيد مقترنان لا ينقطع المزيد
من الله حتى ينقطع الشكر من العبد.
قال تعالى: ﴿ وَإِذْ تَذَنَ رَبُّكُمْ لَيِن
شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَيِن كَفَّرْتُمْ إِنَّ
عَذَابِ لَشَدِيدٌ ﴾ [إبراهيم: ٧].
أي: ((من اشتغل بشکر نعم الله زاده الله
من نعمه، والشكر عبارةٌ عن الاعتراف بنعمة
المنعم مع تعظيمه وتوطين النفس على هذه
الطريقة»(١).
وفي معنى الشكر قال الراغب
الأصفهاني رحمه الله: ((الشكر: تصور
النعمة وإظهارها .. والشكر ثلاثة أضرب:
شكر القلب وهو تصور النعمة، وشكر
اللسان وهو الثناء على المنعم، وشكر
سائر الجوارح وهو مكافأة النعمة بقدر
استحقاقها.
قال تعالى: ﴿أَعْمَلُواْءَالَ دَاوُودَ شُكْرَاً وَقَلِيلٌ
مِنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣].
وذكر ﴿أَعْمَلُواْ﴾ ولم يقل: اشكروا؛
لينبه على التزام الأنواع الثلاثة من الشكر
بالقلب واللسان وسائر الجوارح))(٢).
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ١٩/ ٦٦.
(٢) المفردات ص٢٦٥.
www. modoee.com
٢٧٧

حرف النون
وقال ابن القيم رحمه الله: ((ومعاني يأت التركيب: لأعذبنكم))(٢).
الشكر ثلاثة أشياء: معرفة النعمة، ثم قبول
النعمة، ثم الثناء بها. أما معرفتها: فهو
إحضارها في الذهن، ومشاهدتها وتمییزها.
فمعرفتها: تحصيلها ذهنًا، كما حصلت له
خارجًا؛ إذ كثيرٌ من الناس تحسن إليه وهو
لا یدري، فلا یصح من هذا الشکر، ثم قبول
النعمة. قبولها: هو تلقيها من المنعم بإظهار
الفقر والفاقة إليها، وأن وصولها إليه بغير
استحقاقٍ منه، ولا بذل ٹمن، بل یری نفسه
فيها كالطفيلي، فإن هذا شاهدٌ بقبولها حقيقةً،
ثم الثناء بها. والثناء على المنعم، المتعلقٌ
بالنعمة نوعان: عامٌّ، وخاصٌّ. فالعام: وصفه
بالجود والكرم، والبر والإحسان، وسعة
العطاء، ونحو ذلك. والخاص: التحدث
بنعمته، والإخبار بوصولها إليه من جهته.
كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾
[الضحى: ١١]))(١).
ووعد الله بالمزيد حقيقة تطمئن إليها
قلوب المؤمنين؛ لأنها وعد من الله صادق،
فلابد أن يتحقق على أية حال.
((إن شكر النعمة دليل على استقامة
المقاييس فى النفس البشرية، فالخير يشكر؛
لأن الشكر هو جزاؤه الطبيعي في الفطرة
المستقيمة، هذه واحدة، والأخرى أن
النفس التي تشكر الله على نعمته، تراقبه
في التصرف بهذه النعمة بلا بطر، ويلا
استعلاء على الخلق، وبلا استخدام للنعمة
في الأذى والشر والدنس والفساد. وهذه
وتلك مما يزكي النفس، ويدفعها للعمل
الصالح، وللتصرف الصالح في النعمة بما
ينميها ويبارك فيها ويرضي الناس عنها وعن
صاحبها، فیکونون له عونًا ويصلح روابط
المجتمع، فتنمو فيه الثروات في أمان، إلى
آخر الأسباب الطبيعية الظاهرة لنا في الحياة،
وإن كان وعد الله بذاته يكفي لاطمئنان
المؤمن، أدرك الأسباب أو لم یدرکھا، فهو
حق واقع؛ لأنه وعد الله))(٣).
وقال أبو حیان رحمه الله: «لم يبين في
الآية محلّ الزيادة، فاحتمل أن يكون في
الدنیا أو في الآخرة، أو فيهما، وجاء الترکیب
٢. تمام النعمة.
على ما عهد في القرآن من أنه إذا ذكر الخير
قال الراغب رحمه الله: «وإتمام نعمته هو
أن نعم الله تعالی ضربان: أحدهما موهوب،
أُسند إلیه تعالی. وإذ ذکر العذاب بعده عدل
عن نسبته إليه فقال: ﴿لَأَزِيدَتَّكُمْ﴾، فنسب
الزيادة إليه، وقال: ﴿إِنَّ عَذَابِ لَشَدِيدٌ﴾، ولم والآخر مكتسب، فالموهوب: كجودة
(١) مدارج السالكين، ابن القيم ٢٣٨/٢.
(٢) البحر المحيط ٦/ ٤١١.
(٣) في ظلال القرآن ٢٠٨٩/٤.
٢٧٨
ضـ
جَوُوحَرَ النَّفِيَّ
لِلْعَرَآن الكَرِيمِ

النعمر
الحفظ والفهم وصحة البدن والجاه، و کل
ذلك لا يستحق بحصوله الحمد، ولا بفواته
الذم، والمكتسب كالعلم والعمل الصالح
المتوصل بهما إلى الثواب وهو الإيمان، وبه
يستحق المدح والذم))(١).
وقال ابن عاشور رحمه الله: ((إتمام المتممات لهذا الأصل، لا تعد كثرة، ولا
النعمة: هو خلوصها مما يخالطها من
الحرج، والتعب))(٢).
قرن سبحانه النعمة بالتمام في مواضع
من کتابه، مع اختلاف الإتمام حسب سیاق
الآيات كما يلي:
الخروج من ظلمات الجاهلية إلى نور
الإيمان، قال تعالى: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ
لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى﴾
[المائدة: ٣].
اختيار أكمل الشرائع لكم: قال
سبحانه: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِ عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ
تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٠].
ببیان شرائع الدین ومنه التيمم، قال
سبحانه: ﴿وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ
نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
[المائدة: ٦].
بخلق ما تحتاجون إليه، قال تعالى:
﴿كَذَلِكَ يُنِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ
تُسْلِمُونَ﴾ [النحل: ٨١].
(١) تفسير الراغب الأصفهاني ٣٤٣/١.
(٢) التحرير والتنوير ١٠٧/٦.
بإظهار دينك ونصرك على أعدائك،
قال: ﴿وَيُتِمَّ نِعْمَتَّهُ, عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَطًا
مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: ٢].
وأصل النعمة: ((الهداية لدينه بإرسال
رسوله، وإنزال كتابه، ثم بعد ذلك النعم
تحصر، منذ بعث الله رسوله إلى أن قرب
رحيله من الدنيا، وقد أعطاه الله من الأحوال
والنعم، وأعطى أمته، ما أتم به نعمته عليه
وعليهم)» (٣).
وأعلى هذه النعم وأجلها الثبات على
الإيمان والموت عليه، ثم دخول جنات
النعيم.
قال سيد قطب رحمه الله: ((ويقف
المؤمن أمام إتمام نعمة الله على المؤمنين،
بإكمال هذا الدين وهي النعمة التامة الضخمة
الهائلة، النعمة التي تمثل مولد الإنسان في
الحقيقة، كما تمثل نشأته واكتماله. فالإنسان
لا وجود له قبل أن يعرف إلهه كما يعرفه
هذا الدين له، وقبل أن يعرف الوجود الذي
يعيش فيه كما يعرفه له هذا الدين، وقبل أن
يعرف نفسه ودوره في هذا الوجود وكرامته
على ربه، كما يعرف ذلك كله من دينه الذي
رضیه له ربه»(٤).
ومن النعم المتممة لنعمة الدين شعيرة
(٣) تيسير الكريم الرحمن ص ٧٣.
(٤) في ظلال القرآن ٨٤٣/٢.
www. modoee.com
٢٧٩

حرفالنون
التيمم.
قال تعالى: ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ
لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦].
أي: « لعلكم تشكرون نعمه عليكم فيما
شرعه لكم من التوسعة، والرأفة والرحمة،
والتسهيل، والسماحة))(١).
قال الشيخ رشيد رضا رحمه الله:
((﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيَّكُمْ﴾ بالجمع بين
طهارة الأرواح وتزكيتها، وطهارة الأجساد
وصحتها، فإنما الإنسان روحٌ وجسدٌ، لا
تكمل إنسانيته إلا بكمالهما معًا، فالصلاة
تطهر الروح، وتزكي النفس؛ لأنها تنهى عن
الفحشاء والمنكر، وتربي في المصلي ملكة
مراقبة الله تعالى وخشيته لدى الإساءة،
وحبه والرجاء فيه عند الإحسان، وتذكره
دائمًا بكماله المطلق، فتوجه همته دائمًا إلى
طلب الكمال. والطهارة التي جعلها الله
تعالى شرطًا للدخول في الصلاة ومقدمةً
لها، تطهر البدن وتنشطه؛ فيسهل بذلك
العمل على العامل من عبادةٍ وغير عبادةٍ،
فما أعظم نعمة الله تعالى على الناس بهذا
الدين القويم، وما أجدر من هداه الله إليه
بدوام الشكر له عليه!»(٢).
(١) تفسير القرآن العظيم ٣/ ٦٠.
(٢) تفسير المنار، محمد رشيد رضا ٢١٤/٦.
ثانيًا: ثمرات شكر النعمة في الآخرة:
١. الجزاء العظيم والثواب الكبير.
أعد الله سبحانه للشاكرين لنعمه جزاء
عظيمًا، وثوابًا كبيرًا في الآخرة، فعندما
يقوم الإنسان بحقوق النعمة من الإقرار
والاعتراف بالنعمة، ومن شكر المنعم جل
شأنه فإنه يضع نفسه حينذاك في المكان
الذي يرضى فيه عنه ربه ومولاه، وينتظر فيه
حسن الجزاء والمكافأة، وقد ورد في القرآن
الكريم آيتان متتاليتان أن الله سبحانه يجزي
الشاکرین علی شکرهم.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن
قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ نَنْظُرُونَ () وَمَا
مُحَمَّدَّ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُّ أَفَإِيْن
مَّاتَ أَوْ قُتِلَ أَنْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَبِّكُمْ وَمَن يَنْقَلِبْ
عَى عَقِبَيْهِ فَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِى اللَّهُ
الشَّكِرِينَ ﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسِ أَن تَمُوتَ
إِلَّا بِإِذْنِ اَللَّهِ كِنَبًا مُؤَجَّلَاً وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ
الدُّنْيَا نُؤْتِهِ، مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ اْلْآَخِرَةِ نُؤْتِهِ.
مِنْهَا وَسَنَجْرِى الشَّكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٣ -
١٤٥].
والحديث في هاتين الآيتين عن شكر
نعمة الله في الدين والهداية، وذلك باتباع
شرع الله تبارك وتعالى، وإيثار الآخرة على
الدنيا. والملاحظ أن الله سبحانه لم يذكر
ما هو جزاؤه في الآخرة، ويغني عن ذلك
وعد الله بالجزاء، فإنه جزاء وعد به أكرم
٢٨٠
الْقُرآن الكَرِيْمِ

النعمر
الأكرمين، وأرحم الراحمين.
والآية الثانية وإن نزلت فى الجهاد، لكن
حكمها عام في جميع الأعمال الحسنة،
حيث قيل: إن الوعد بالجزاء الحسن المراد
به المجاهدون من الشهداء وغيرهم، وقیل:
جنس الشاکرین، وهم داخلون فيه دخولًا
أوليًّا، وتصدير الجملة بالسين، وإبهام
الجزاء للتأكيد، وللدلالة على فخامة الجزاء
وعظمه (١).
وهذا الذي تضمنته الآيتان الكريمتان
من الوعد الحسن للشاكرين بما يستحقون
من الثواب، وإن كان المراد بهما الطائعين
لله من المهاجرين والأنصار كما قال ابن
عباس رضي الله عنهما، إلا أن المراد كل
الشاکرین، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص
السبب(٢).
٢. رفع العذاب والنجاة.
قال تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ
إِن شَكَرْتُمْ وَءَامَنتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا
عَلِيمًا ﴾ [النساء: ١٤٧].
لا يعذب شاكرًا ولا مؤمنًا)»(٣).
قال سيد قطب رحمه الله: ((نعم!
﴿مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ
(١) انظر: المقتطف من عيون التفاسير،
المنصوري ٣٧٦/١.
(٢) انظر: الوجيز، الواحدي ص٢٣٥.
(٣) جامع البيان، الطبري ٧/ ٦٢٤.
وَءَامَنتُمْ﴾؟ إن عذابه لجزاء على الجحود
والكفران وتهديد لعله يقود إلى الشكر
والإيمان، إنها ليست شهوة التعذيب، ولا
رغبة التنكيل ولا التذاذ الآلام، ولا إظهار
البطش والسلطان، تعالى الله عن ذلك كله
علوًّا كبيرًا، فمتى اتقيتم بالشكر والإيمان
فهنالك الغفران والرضوان»(٤).
((فالحكيم يضع الأشياء مواضعها،
فيجازي على الإحسان بالإحسان، وعلى
الإساءة بالإساءة، فإذا أقلع المسيء عن
الإساءة أبطل الله جزاءه بالسوء، إذ لا ينتفع
بعذابٍ ولا بثوابٍ، ولكنها المسببات تجري
على الأسباب. وإذا كان المؤمنون قد ثبتوا
على إيمانهم وشكرهم، وتجنبوا موالاة
المنافقين والكافرين، فالله لا يعذبهم؛ إذ لا
موجب لعذابهم)»(٥).
٣. رضا الله سبحانه وتعالى.
قال تعالى: ﴿وَإِن تَشْكُرُواْ يَرَّضَّهُ لَكُمْ
[الزمر: ٧].
قال ابن عباسٍ رضي الله عنهما:
قال قتادة رحمه الله: ((إن الله جل ثناؤه ((يضاعف لكم، وكأنه يريد ثواب الشكر،
وقيل: يقبله منكم)) (٦).
((وإنما رضي لهم سبحانه الشكر؛ لأنه
سبب سعادتهم في الدنيا والآخرة)»(٧).
(٤) في ظلال القرآن ٧٨٦/٢.
(٥) التحرير والتنوير ٢٤٥/٥.
(٦) البحر المحيط، أبو حيان ١٨٧/٩.
(٧) فتح القدير، الشوكاني ٤ /٥١٨.
www. modoee.com
٢٨١

حرفالنون
والمعنى: وإن تشكروا الله على نعمه
وتؤمنوا به؛ لأن الشكر يقتضي الإيمان،
فإن الله يرضى لكم ذلك السبيل ويثيبكم
عليه؛ لأنه سبب لفوزكم بسعادة الدارين، لا
لانتفاعه تعالی به، فهو غني عن الشكر.
وإن الجنة بكل ما فيها من نعيم لتتضاءل
وتتوارى في هالات ذلك الرضوان الکریم،
فما أروع الشكر الذي يوصل إلى رضوان
الله. وقد روى مسلم بسنده في باب إحلال
الرضوان على أهل الجنة، عن أبي سعيد
الخدري، أن النبي صلى الله عليه وسلم
قال: (إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة
فيقولون: لبيك ربنا وسعديك والخير في
يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما
لنا لا نرضى؟ يا رب وقد أعطيتنا ما لم تعط
أحدًا من خلقك، فيقول: ألا أعطيكم أفضل
من ذلك؟ فيقولون: يا رب وأي شيء أفضل
من ذلك؟ فيقول: أحل علیکم رضواني، فلا
أسخط عليكم بعده أبدًا)(١).
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة، باب
إحلال الرضوان على أهل الجنة فلا يسخط
عليهم أبدًا، رقم ٢٨٢٩.
عواقب كفران النعمة
لكفران النعم عواقب، نتناولها بالبيان
فيما يأتي:
أولًا: المحن والزوال، التعاسة
والشقاء:
إذا جحد المرء نعم ربه تبارك وتعالى،
فإن الله يسلب منه هذه النعمة، وتحل
مكانها النقمة، وليس بالضرورة أن تسلب
النعمة، بل قد یزاد له فيها استدراجًا له حتى
يزداد إثمًا؛ وذلك لحكمة يريدها الله سبحانه
وتعالى.
وقد ذكر تعالى بعض الأمم الذين جحدوا
نعمته فسلب منهم تلك النعمة، فقوم سبأ لما
أعرضوا عن الشكر وجحدوا النعمة، أبدلهم
الله مكانها شرًّا ونقمة.
قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَلٍ فِي مَسْكَنِهِمْ
ءَايَّةٌ جَنَّتَانِ عَنِ يَِّينِ وَشِمَالٌّ كُلُواْ مِن رِزْقِ
رَيْكُمْ وَأَشْكُرُواْ لَهُ، بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبُّ غَفُورٌ
١٥
فَأَعْرَضُواْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَهُم
بِحَنَّيْهِمْ جَنََّيْنِ ذَوَاتَىْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَىْءٍ
مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ ﴿ ذَلِكَ جَزَيْنَهُم بِمَا كَفَرُواً
وَهَلْ تُجْزِئٌ إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سبأ: ١٥ - ١٧].
وسبأ قبيلة معروفة في أداني اليمن،
ومسكنهم بلدة يقال لها ((مأرب)). والآية هنا
تبين: «ما أدَرَّ الله عليهم من النعم، وصرف
عنهم من النقم، الذي يقتضي ذلك منهم أن
٢٨٢
القرآن الكريم

النصر
یعبدوا الله ویشکروہ، ثم فسر الآية بقوله:
﴿جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينِ وَشِمَالٍ﴾ وكان لهم واد
عظیم، تأتیه سیول کثيرة، وكانوا بنوا سدًا
محکمًا، یکون مجمعًا للماء، فكانت السيول
تأتيه، فيجتمع هناك ماء عظيم، فيفرقونه
على بساتينهم، التي عن يمين ذلك الوادي
وشماله، وتغل لهم تلك الجنتان العظيمتان
من الثمار ما يكفيهم، ويحصل لهم به الغبطة
والسرور، فأمرهم الله بشكر نعمه التي أُدَرَّها
عليهم من وجوه كثيرة:
منها: هاتان الجنتان اللتان غالب أقواتهم
منهما.
ومنها: أن الله جعل بلدهم بلدة طيبة؛
لحسن هوائها، وقلة وخمها، وحصول
الرزق الرغد فيها.
ومنها: أن الله تعالى وعدهم - إن
شكروه- أن يغفر لهم ويرحمهم؛ ولهذا
قال: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبُّ غَفُورٌ﴾.
تجارتهم ومكاسبهم إلى الأرض المباركة،
- الظاهر أنها: (قرى صنعاء قاله غير واحد
من السلف، وقيل: إنها الشام) - هيأ لهم
من الأسباب ما به يتيسر وصولهم إليها،
بغاية السهولة، من الأمن، وعدم الخوف،
وتواصل القری بينهم وبينها، بحيث لا يكون
عليهم مشقة، بحمل الزاد والمزاد))(١).
(١) تيسير الكريم الرحمن ص ٦٧٧.
فانظر کیف أبدلهم الله بالجنات والثمار
ذلك الثمر البشع المر، وذلك النبات الذي
لا فائدة منه ولا خير، وغيره من النبات الذي
لا ثمر له. فهذا الجزاء من الواضح تمامًا أنه
مترتب على كفر النعمة، والإعراض عن
المنعم.
وكذلك فلقد ضرب القرآن لنا مثلًا تلك
القرية التي كانت نعم الله تغمرها من كل
مكان، وتحيط بها من كل اتجاه، ولكنها
كفرت بتلك النعمة، وجحدت شكر موليها،
فهل تبقى تلك النعم متصلةً بها، وهي على
تلك الحال؟! القرآن یجیب عن ذلك.
قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةٌ
كَانَتْ ءَامِنَةٌ مُّطْمَيِنَّةً بَأْتِيهَا رِزْقُهَا
رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اَللَّهِ
فَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا
كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢].
عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما، يعني:
ومنها: أن الله لما علم احتياجهم في مكة(٢).
وهذه القرية وإن كان المقصود بها
مكة حيث كفر أهلها بنعمة الله، وقد كانوا
آمنين مطمئنين يعيشون فكفروا به وجحدوا
رسالته، «إلا أن الآية عامة لكل قوم أنعم الله
عليهم، فأبطرتهم النعمة ففعلوا ما فعلوا،
فبدل الله نعمتهم بالنقمة، وإيثار جمع القلة
)) أنعم « للإيذان بأن كفران النعم القليلة
(٢) جامع البيان، الطبري ٣٨٣/١٤.
www. modoee.com
٢٨٣

حرفالنون
أوجب العذاب، فكيف بكفران وجحود طعمه وریحه الخبيث المنتن، وعذابًا موجعًا
النعم الكبيرة؟)) (١).
«ويجسم التعبير الجوع والخوف فيجعله
لباسًا، ويجعلهم يذوقون هذا اللباس
ذوقًا؛ لأن الذوق أعمق أثرًا في الحس من
مساس اللباس للجلد. وتتداخل في التعبير
استجابات الحواس فتضاعف مس الجوع
والخوف لهم ولذعه وتأثيره وتغلغله في
النفوس؛ لعلهم يشفقون من تلك العاقبة
التي تنتظرهم لتأخذهم وهم ظالمون)»(٢).
ثانيًا: العذاب المهين:
قال تعالى: ﴿وَذَرْنِ وَالْتُكَذِّبِينَ أُوْلِ النَّعْمَةِ
وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا ( ١) إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَحِيمًا
وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا (٢ يَوْمَ تَرْجُفُ اَلْأَرْضُ
وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَتِيبًا مَّهِيلًا﴾ [المزمل: ١١
- ١٤].
أي: «اتركني وإياهم، فسأنتقم منهم، وإن
أمهلتهم فلا أهملهم، هؤلاء أصحاب النعمة
والغنى، الذين طغوا حين وسَّعَ الله عليهم
من رزقه، وأمدهم من فضله، ثم توعدهم
بما عنده من العقاب، فقال: إن عندنا عذابًا
شديدًا، جعلناه تتکیلا للذي لا يزال مستمرًا
على الذنوب، و نارًا حامية ﴿وَطَعَامًا ذَا
وذلك لمرارته وبشاعته، وكراهة
غَصَّة
(١) انظر: المقتطف من عيون التفاسير،
المنصوري ٠١٦٣/٣
(٢) في ظلال القرآن ٢١٩٩/٤.
مقطعًا، وذلك ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ ﴾
من الهول العظيم، ﴿وَكَانَتِ الْجَالُ﴾ الراسيات
الصم الصلاب ﴿كِيبًا مَّهِيلًا﴾ أي: بمنزلة
الرمل المنهال المنتثر، ثم إنها تبس بعد
ذلك، فتكون كالهباء المنثور»(٣).
موضوعات ذات صلة:
الإنفاق، الشكر، الحمد، العطاء
(٣) تيسير الكريم الرحمن ص ٨٩٣.
٢٨٤
عَرُ النَّفـ
القرآن الكريم