النص المفهرس

صفحات 21-40

النصر
الذكر وحسن ثواب الآخرة بنيل رضوان الله
وقربه، والنعيم بدار كرامته)»(١).
وفي الآية حتٌّ للمسلمين على الاقتداء
بالمجاهدين من الأمم السابقة وفعل فعلهم.
وأثنى الله عز وجل على نبيه صلى
الله عليه وسلم وأصحابه بالتجائهم إليه
وقت الکرب يوم بدر في قوله تعالى: ﴿إذْ
تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِ
مُمِدُكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَتِكَةِ مُرْدِفِينَ ) وَمَا
جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَيْنَّ بِ، قُلُوبُكُمْ وَمَا
النَّصْرُ إِلَّ مِنْ عِندِ اللَّهَ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
[الأنفال: ٩ - ١٠].
روى مسلم بسنده عن عمر بن الخطاب
رضي الله عنه قال: (لما كان يوم بدرٍ
نظر رسول الله صلی الله عليه وسلم إلى
المشرکین وهم ألفٌ، وأصحابه ثلاث مائةٍ
وتسعة عشر رجلًا، فاستقبل نبي الله صلى
الله عليه وسلم القبلة، ثم مد یدیه، فجعل
يهتف بربه: (اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم
آت ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة
من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض) فما زال
يهتف بربه، مادًّا يديه مستقبل القبلة، حتى
سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكرٍ فأخذ
رداءه، فألقاه علی منکبیه، ثم التزمه من ورائه،
وقال: يا نبي الله، كفاك مناشدتك ربك، فإنه
سینجز لك ما وعدك، فأنزل الله عز وجل:
(١) تفسير المنار ١٤٢/٤ بتصرف يسير.
﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ
أَنِّ مُمِدُكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَتَبِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾
[الأنفال: ٩]. فأمده الله بالملائكة)(٢).
وأخبر عز وجل عن نوح عليه السلام
أنه لما کذبه قومه وآذوه دعا ربه أن ينتصر
لدينه منهم فقال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ
نُوُجِ فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا وَقَالُواْ مَجْنُونٌ وَأَزْدُجِرَ لْ فَدَعَا
رَبَُّمْ أَنِى مَغْلُوبٌ فَأَنْتَصِرْ ، فَفَنَحْنَا أَبْوَبَ السَّمَآِ
بِمَلُوْ مُنْهَمٍِ (١) وَفَجَرْنَا ◌ْ تَجْرِى فَالْفَقَى الْمَآءُ
عَلَ أَمْرٍ قَّدْ قُدِرَ ا وَحَلْنَهُ عَلَى ذَاتِ أَلَّوَجٍ وَدُسُرٍ
١٣ تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا جَزَآءُ لِّمَن كَانَ كُفِرَ وَلَقَد
تَرَكْتَهَآ ءَايَّةٌ فَهَلْ مِن مُّذَّكِرِ ، فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى
وَنُذُرِ﴾ [القمر: ٩ - ١٦]
إلا أنه يجب التنبيه على أن اللجوء إلى
الله يكون مع بذل ما في الطاقة والوسع؛ لأن
الله لا ينزل نصره إلا على من يستحقونه،
فهو الحکیم الذي يضع الأمور حسب ما
تقتضيه الحكمة، ((فالذين يسلكون السبيل
إلى الله ليس عليهم إلا أن يؤدوا واجبهم
كاملًا، بكل ما في طاقتهم من جهد ثم يَدَعوا
الأمور لله في طمأنينة وثقة. وعندما يغلبون
عليهم أن يلجؤوا إلى الناصر المعين، وأن
يجأروا إليه كما جأر عبده الصالح نوح:
﴿فَدَهَا رَبَّهُ، أَنِ مَغْلُوبٌ فَأَنْتَصِرْ﴾ .. ثم ينتظروا
فرج الله القريب، وانتظار الفرج من الله
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجهاد
والسير، باب الإمداد بالملائكة، رقم ١٧٦٣.
www. modoee.com
١٩١

حرف النون
عبادة، فهم على هذا الانتظار مأجورون))(١). وأهدافها، فهي معركة لله؛ لتقرير ألوهيته
سادسًا: ذكر الله:
أمر الله عز وجل عباده المؤمنين عند
ملاقاة عدوه وعدوهم بكثرة ذكره؛ لأنهم إن
فعلوا ذلك تحقق لهم النصر.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا
لَقِيتُمْ فِئَةً فَأَثْبُتُواْ وَأَذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥].
عن قتادة رحمه الله قال: ((افترض الله
ذكره عند أشغل ما تكونون عند الضراب
بالسيوف»(٢).
((وذكر الله المأمور به هنا: هو ذكره
باللسان؛ لأنه يتضمن ذكر القلب وزيادة، فإنه
إذا ذكر بلسانه فقد ذكر بقلبه وبلسانه، وسمع
الذكر بسمعه، وذكر من يليه بذلك الذكر،
ففيه فوائد زائدة على ذكر القلب المجرد،
وقرينة إرادة ذكر اللسان ظاهر وصفه
بـ﴿كَثِيرًا﴾؛ لأن الذكر بالقلب يوصف
بالقوة، والمقصود تذكر أنه الناصر))(٣).
وذكر الله عند لقاء العدو يؤدي وظائف
شتی:
((إنه الاتصال بالقوة التي لا تغلب، والثقة
بالله الذي ينصر أولياءه، وهو في الوقت
ذاته استحضار حقيقة المعركة وبواعثها
(١) في ظلال القرآن ٤/ ١٨٩٣.
(٢) جامع البيان، الطبري ١١/ ٢١٣.
(٣) التحرير والتنوير ١/ ١٢٢.
في الأرض، وطرد الطواغيت المغتصبة
لهذه الألوهية، وإذن فهي معركة؛ لتكون
كلمة الله هي العليا لا للسيطرة، ولا للمغنم،
ولا للاستعلاء الشخصي أو القومي، كما أنه
توكيد لهذا الواجب -واجب ذكر الله- في
أحرج الساعات وأشد المواقف))(٤).
وفي الآية دليل على أن المسلم ينبغي له
الإكثار من ذكر الله على كل حال، ألا ترى
أنه أمر به في أصعب الأوقات وأشدها وهو
وقت التحام القتال.
سابعًا: الثبات:
قرن سبحانه وتعالى بين الثبات والنصر
في مواضع من كتابه، وهذا يدل على أنه
سبب من أسباب النصر، ففي سياق الحديث
عن قصة طالوت وجالوت، أثنى سبحانه
وتعالى على دعاء أهل الإيمان الذين سألوه
أن یثبت أقدامهم؛ حتى لا يفروا من مواقع
القتال ويتحقق لهم الانتصار، فقال تعالى:
﴿وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ، قَالُواْ
رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَبْتْ أَقْدَامَنَا
وَأَنصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ﴾ [البقرة:
٢٥٠].
وأخبر سبحانه وتعالى عما استنصرت
به الأنبياء وأممهم على قومهم من سؤالهم
(٤) في ظلال القرآن ١٥٢٨/٣.
١٩٢
القرآن الكريم

النصر
ربهم، أن يثبت أقدامهم، وأن ينصرهم على فَتَّبِتُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [الأنفال: ١٢].
أعدائهم.
قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّ أَنْ قَالُواْ
رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِىّ أَمْرِنَا وَثَبِّتْ
أَقْدَامَنَا وَأَنصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ اَلْكَفِرِينَ﴾ [آل
عمران: ١٤٧].
أي: ((اجعلنا ممن يثبت لحرب عدوك
وقتالهم، ولا تجعلنا ممن ينهزم فيفر منهم،
ولا يثبت قدمه في مكان واحد لحربهم»(١).
وفي سياق الحديث عن غزوة بدر
ذكر سبحانه وتعالى نعمته على المؤمنين
المجاهدين من إنزال الماء؛ ليثبت به الأرض
وتتماسك به الرمال، حتى لا تزل الأقدام في
مواقع القتال.
قال تعالى: ﴿ إِذْ يُغَشِيَكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً
مِنْهُ وَيَُّزِّلُ عَلَيْكُمْ مِّنَ السَّمَاءِ مَآءَ لِيُطَهِّرَكُمْ
بِهِ، وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَنِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى
قُلُوبِكُمْ وَيُنَبِّتَ بِهِ اْأَقْدَامَ ﴾ [الأنفال: ١١].
عن مجاهد: ﴿مَآءُ لُِّطَهِّركُم په،﴾ أنزله
عليهم قبل النعاس، طبق المطر الغبار، ولبد
به الأرض، وطابت به أنفسهم، وثبتت به
الأقدام(٢).
وأخبر سبحانه وتعالى أنه أمر ملائكته
بتثبيت المؤمنين المجاهدين في بدر، فقال
تعالى: ﴿إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى الْمَلَبِكَةِ أَنِ مَعَكُمْ
(١) جامع البيان، الطبري ٦/ ١٢١.
(٢) المصدر السابق ١١ / ٦٦.
قيل في تفسيرها: ((قووا قلوبهم
وبشروهم بالنصر، وقيل: احضروا معهم
القتال، والقولان حق فإنهم حضروا معهم
القتال وثبتوا قلوبهم»(٣).
فالثبات («هو بدء الطريق إلى النصر.
فأثبت الفریقین أغلبهما، وما يدري الذين
آمنوا أن عدوهم یعاني أشد مما يعانون، وأنه
یآڵم کما یألمون، ولکنه لا یرجو من الله ما
يرجون، فلا مدد له من رجاء في الله يثبت
أقدامه وقلبه! وأنهم لو ثبتوا لحظة أخرى
فسينخذل عدوهم وينهار، وما الذي يزلزل
أقدام الذين آمنوا وهم واثقون من إحدى
الحسنيين: الشهادة أو النصر؟ بينما عدوهم
لا يريد إلا الحياة الدنيا، وهو حريص على
هذه الحياة التي لا أمل له وراءها ولا حياة له
بعدها، ولا حياة له سواها؟!)) (٤)
.
وأخبر سبحانه وتعالى أن من نصر دينه
ونصر رسوله صلى الله عليه وسلم، يثبته
على النصر وتكاليفه.
قال تعالى: ﴿يََّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن نَنصُرُواْ
اللَّهَ يَنَصُرُّكُمْ وَيُنَِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧].
ومن تكاليف النصر: ((عدم الزهو به
والبطر، وفي عدم التراخي بعده والتهاون.
وكثير من النفوس يثبت على المحنة
(٣) مدارج السالكين، ابن القيم ١/ ٤٦.
(٤) في ظلال القرآن ١٥٢٨/٣.
www. modoee.com
١٩٣

حرف النون
والبلاء، ولكن القليل هو الذي يثبت على
النصر والنعماء، وصلاح القلوب، وثباتها
على الحق بعد النصر منزلة أخرى وراء
النصر))(١).
ثامنًا: الأخذ بالحذر:
أمر سبحانه وتعالى عباده المؤمنين
بأن يأخذوا حذرهم؛ لاتقاء خدع الأعداء
المتربصين بهم.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ خُذُواْ
حِذْرَكُمْ فَأَنِفِرُواْ ثُّبَاتٍ أَوِ أَنِفِرُواْ جَمِيعًا﴾
[النساء: ٧١].
أي: ((خذوا جُتَّتكم وأسلحتكم التي
تتقون بها من عدوكم لغزوهم وحربهم))(٢).
وقرن سبحانه وتعالى بين الحذر
والسلاح؛ ليبين أن الحذر يكون بالعدة
التي تناسب حالة العدو، وتمكن المؤمنين
من اتقاء خدعهم وصد هجمتهم وإفشال
رغبتهم في القضاء عليهم.
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِهِمْ فَأَقَمْتَ
لَهُمُ الصَّلَوةَ فَلْنَهُمْ طَآئِفَةٌ مِنْهُم مَّعَكَ
وَلْيَأْخُذُّوَاْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ
مِن وَرَآبِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآَيِفَةٌ أُخْرَى
لَمْ يُصَلُواْ فَلْيُصَلُواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ
وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ
عَنْ أَسْلِحَتْكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِلُونَ عَلَيْكُمْ مَّيْلَةٌ
(١) المصدر السابق ٣٢٨٩/٦.
(٢) جامع البيان، الطبري ٢١٧/٧.
وَجِدَةٌ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ
أَذَى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَنْ تَضَعُوّأْ
أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنَّ اللّهَ أَعَدَّ
لِلْكَفِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ١٠٢].
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهُ أَعَدَّ لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا
مُّهِينًا﴾ أي: بما هداكم إليه من أسباب
النصر، كإعداد كل ما يستطاع من القوة
وأخذ الحذر، والظاهر أن العذاب ذا الإهانة
هو عذاب الغلب وانتصار المسلمين عليهم،
إذا قاموا بما أمرهم الله سبحانه وتعالى به
من الأسباب النفسية والعملية.
ويؤيده قوله سبحانه وتعالى: ﴿قَتِلُوهُمْ
يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَصُرَّكُمْ
عَلَيْهِمْ
[التوبة: ١٤](٣).
والمتأمل في الآية يلحظ أنها جمعت في
النظم بين إقامة الصلاة وهي الزاد الروحي،
وبين السلاح وهو من العدة المادية؛
ليعلم المسلمون أن الاشتغال بأمور الدين
-والصلاة عموده- لا يباعد بينهم وبين
مصالح دنياهم وأعظمها الجهاد الذي هو
ذروة سنام الإسلام، وليريهم أن صلاح
الدين والدنيا صنوان.
((وأول ما يلفت النظر هو الحرص على
الصلاة في ساحة المعركة! ولكن هذا
طبيعي بل بديهي في الاعتبار الإيماني، إن
هذه الصلاة سلاح من أسلحة المعركة، بل
(٣) تفسير المنار ٣٠٦/٥.
١٩٤
القرآن الكريمِ

النصر
إنها السلاح! فلابد من تنظيم استخدام هذا بين التحذير والتطمين، وهذا التوازن بين
استثارة حاسة الحذر وسكب فيض الثقة هو
السلاح بما يتناسب مع طبيعة المعركة وجو
المعركة!
طابع هذا المنهج في تربية النفس المؤمنة
والصف المسلم، في مواجهة العدو الماكر
العنيد اللئيم)»(١).
ولقد كان أولئك الرجال -الذين تربوا
بالقرآن وفق المنهج الرباني - يلقون عدوهم
بهذا السلاح -الذي يتفوقون فيه- قبل أي
سلاح، لقد كانوا متفوقين في إيمانهم بإله
واحد يعرفونه حق المعرفة، ويشعرون
أنه معهم في المعركة، متفوقين كذلك في
إیمانهم بهدف يقاتلون من أجله، ويشعرون
أنه أرفع الأهداف جميعا، متفوقين أيضًا في
تصورهم للكون والحياة ولغاية وجودهم
الإنساني، تفوقهم في تنظيمهم الاجتماعي
الناشئ من تفوق منهجهم الرباني ... وكانت
الصلاة رمزًا لهذا كله، وتذكيرًا بهذا كله،
ومن ثم كانت سلاحًا في المعركة، بل كانت
هي السلاح!
والأمر الثاني الذي يلفت النظر في هذا
النصّ هو هذه التعبئة الروحية الكاملة تجاه
العدو، وهذا الحذر الذي يوصى المؤمنون
به تجاه عدوهم الذي يتربص بهم لحظة
غفلة واحدة عن أسلحتهم وأمتعتهم؛ ليميل
علیهم میلة واحدة!
ومع هذا التحذير والتخويف التطمين
والتثبيت؛ إذ يخبرهم أنهم إنما يواجهون
قومًا كتب الله عليهم الهوان: ﴿إِنَّ اللَّهَ
أَعَدَّ لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ .. وهذا التقابل
وفي الآيات تعليم للمسلمين للأخذ
بالأسباب، أي: إن أخذتم حذر کم أمنتم من
عدوكم بعد توكلكم على ربكم.
تاسعًا: إعداد القوة المادية:
أمر سبحانه وتعالى المؤمنين في سياق
الحدیث عن النصر بضرورة إعداد کل ما
في الاستطاعة من قوة ولو بلغت القوة من
التطور ما بلغت.
قال تعالى: ﴿وَأَعِدُواْ لَهُم مَّا أَسْتَطَعْتُم
◌ِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِ،
عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا
نَعْلَمُونَهُمُ اُللّهُ يَعْلَمُهُمُّ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَىْءٍ فِي
سَبِيلِ الَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا نُظْلَمُونَ
[الأنفال: ٦٠].
إلى قوله: ﴿وَإِن يُرِيدُواْ أَنْ يَخْدَهُوَكَ
فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهَ هُوَ الَّذِىِّ أَيَّكَ بِنَصْرِهِهِ
وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: أعدوا لهم ما أطقتم أن
تعدوه لهم من الآلات التي تكون قوة لكم
عليهم من السلاح والخيل(٢).
«فدخل في ذلك أنواع الصناعات التي
(١) في ظلال القرآن ٧٤٨/٢.
(٢) جامع البيان، الطبري ٢٤٤/١١.
www. modoee.com
١٩٥

حرف النون
تعمل فيها أصناف الأسلحة والآلات من
المدافع والرشاشات والبنادق، والطيارات
الجوية، والمراكب البرية والبحرية،
والحصون والقلاع والخنادق، وآلات
الدفاع، والرأي والسياسة التي بها يتقدم
المسلمون ویندفع عنهم به شُّ أعدائهم،
وتعلم الرمي، والشجاعة والتدبير))(١).
وفي الآية دليل على ضرورة قيام أولى
الأمر الذين هم وكلاء الأمة على مصالحها
بإعداد جيوش المسلمين بكل أنواع
الأسلحة التي تناسب كل عصر وتدخل في
طاقتها، وتكون مرهبة للعدو، فالحق لا بد له
من قوة تحمیه.
ومن إعداد القوة المادية: عدد المقاتلين
الصابرين، فإن للعدد تأثيرًا في النفوس
للإقدام أو الإحجام.
يَأَيُّهَا النَّبِىُّ حَرِّضِ
قال تعالى:
اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِّ إِن يَكُن مِّنْكُمْ عِشْرُونَ
صَلِرُونَ يَغْلِبُواْ مِاْتَنَيْنَّ وَإِن يَكُنْ مِّنكُم
مِّأْئَةٌ يَغْلُِوْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ
قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ ( الْتَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ
وَعَلِمَ أَنَ فِيكُمْ ضَعْفَاً فَإِن يَكُنْ مِنكُم مِّئَةٌ
صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِتَنَيِّنَّ وَإِن يَكُن مِّنَكُمْ أَلْفُ
يَغْلِيُوْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اَللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّيِينَ﴾
[الأنفال: ٦٥ - ٦٦].
عن ابن عباسٍ رضي الله عنه: قال:
(١) تيسير الكريم الرحمن ص٣٢٤.
جَوَُّور
القرآن الكريم
((كان فرض على المؤمنين أن يقاتل الرجل
منهم عشرة من المشرکین، قوله: ﴿إِن یکُن
مِّنْكُمْ عِشْرُونَ صَيِرُونَ يَغْلِبُواْ مِاْتَنَيْنَّ وَإِن يَكُنْ
مِنكُم مِائَةٌ يَغْلِيُوَاْ أَلْفًا﴾ فشق ذلك
عليهم، فأنزل الله التخفيف، فجعل على
الرجل أن يقاتل الرجلين»(٢).
فالإسلام دين واقعي لا يغفل عما
في العوامل المادية من قوة، وهو يقرر
ما للإيمان من قوة، فالله أخبر المؤمنين
أن عشرين صابرين يغلبون مائتين من
الكافرين، وهذا قبل التخفيف، ولم يقل
سبحانه وتعالى أن العشرين من المؤمنين
الصابرين يغلبون ألفين؛ لأن المؤمنين
الصابرين وإن كان لإيمانهم قوة إلا أن هذه
القوة الإيمانية لها حد محدود في غلبة قوة
الكفر والكافرين(٣).
وقال تعالى: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِی
مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ
وَلَتَنَزَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَّ
إِنَّهُ, عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ، وَ إِذْيُرِيكُمُوهُمْ
إِذْ أَلْتَّقَيْتُمْ فِيَ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِىّ
أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِىَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًاً وَإِلَى
اٌللَّهِ تُرْجَعُ اُلْأُمُورُ ﴾ [الأنفال: ٤٣ - ٤٤].
عن عبد الله بن مسعود، قال: ((لقد قللوا
في أعيننا يوم بدرٍ حتى قلت لرجلٍ إلى
(٢) جامع البيان، الطبري ١١/ ٢٦٧.
(٣) السنن الإلهية في الأمم والجماعات والأفراد،
عبد الکریم زيدان، ص ٥٦.
١٩٦

النصر
جنبي: تراهم سبعين؟ قال: أراهم مائةً، قال: يؤخر الله النصر لحكم يعلمها، قد تتبين
فأسرنا رجلًا منهم، فقلنا: کم کنتم؟ قال:
ألفًا))(١).
للمجاهدین، وقد لا تتبين، وقد ذكر سيد
قطب رحمه الله بعض ما فتح الله علیه من
أسباب بطء النصر فقال: قد يبطؤ النصر؛
حتى تبذل الأمة المؤمنة آخر ما في طوقها
من قوة، وآخر ما تملكه من رصيد، فلا
تستبقي عزیزًا ولا غاليًا، لا تبذله هينًا رخيصًا
في سبيل الله.
فكل من الطائفتين ترى الأخرى قليلة،
لتقدم كل منهما على الأخرى؛ ﴿لَقْضِىَ اَللَّهُ
أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًاً﴾ ((ولقد كان في هذا
التدبير الإلهي ما أغرى الفريقين بخوض
المعركة، والمؤمنون یرون أعداءهم قليلًا؛
لأنهم يرونهم بعين الحقيقة!، والمشركون
پرونهم قليلًا، وهم يرونهم بعين الظاهر،
ومن وراء الحقيقتين اللتين رأى كل فريق
منهما صاحبه بها تحققت غاية التدبير
الإلهي، ووقع الأمر الذي جرى به قضاؤه
﴿وَإِلَى اَللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾، فهو أمر من
الأمور التي مرجعها لله وحده، يصرفها
بسلطانه، ويوقعها بإرادته)) (٢).
فعلى أولي الأمر مراعاة عدد المقاتلين
الصابرين عند مواجهة الأعداء وحساب
ذلك بدقة.
وبالرغم من ضرورة إعداد القوة المادية
من آلات ومقاتلین إلا أنها لا تکفل وحدها
النصر إلا بعد توفر الأسباب المعنوية التي
هي العدة الحقيقية للنصر.
وبعد الانتهاء من أسباب النصر.
أقول قد تتوفر أسباب النصر السابقة لكن
(١) جامع البيان، الطبري ٢٥١/٥.
(٢) في ظلال القرآن ١٥٢٧/٣.
وقد يبطؤ النصر؛ حتى تجرب الأمة
المؤمنة آخر قواها، فتدرك أن هذه القوى
وحدها بدون سند من الله لا تكفل النصر.
وقد يبطؤ النصر؛ لأن الأمة المؤمنة لم
تتجرد بعد في كفاحها وبذلها وتضحياتها
لله ولدعوته.
كما قد يبطؤ النصر؛ لأن في الشر الذي
تكافحه الأمة المؤمنة بقية من خير، یرید
الله أن يجرد الشر منها ليتمحض خالصًا،
ویذهب وحده مالگًا.
وقد يبطؤ النصر؛ لأن الباطل الذي
تحاربه الأمة المؤمنة لم ينكشف زيفه
للناس تمامًا، فیشاء الله أن یبقی الباطل حتى
یتکشف عاريًا للناس، ويذهب غير مأسوف
عليه من ذي بقية!
وقد يبطؤ النصر؛ لأن البيئة لا تصلح بعد
لاستقبال الحق والخير والعدل الذي تمثله
الأمة المؤمنة (٣)
(٣) انظر: المصدر السابق ٤ /٢٤٢٧.
www. modoee.com
١٩٧

حرفالنون
عوائق النصر
ذکر الله سبحانه وتعالى في كتابه عوائق
النصر؛ لتعليم المؤمنين التخلص والتطهر
منها قبل مقابلتهم لعدوهم؛ حتى يكون
النصر حليفهم، ومن هذه العوائق:
أولًا: التنازع والاختلاف:
نهى الله سبحانه وتعالى المؤمنين
عن التنازع، مبينًا أنه سبب الفشل وذهاب
النصر، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَشَزَعُواْ فَتَغْشَلُواْ
وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦].
عن مجاهد رحمه الله قوله تعالى:
﴿ونَذْهَبَرِيُگُ﴾ قال: نصركم(١).
وبين سبحانه وتعالى أن نتيجة الفشل
والتنازع هو ذهاب النصر والغنيمة، كما
حدث للمسلمين في غزوة أحد، فإن النصر
كان حليفهم لما التزموا أمر الرسول الكريم،
ولما تنازعوا فيما بينهم وتركوا أمر الرسول
أصابتهم الهزيمة، وذهب عنهم ما كانوا
يحبون من النصر والغنيمة.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ
وَعْدَهُ: إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهٌِ حَتَّى إِذَا
فَشِلْتُمْ وَتَنَزَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم
مِنْ بَعْدِ مَآ أَرَنَكُمْ مَّا تُحِبُّونَّ مِنكُم مَّن
يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآَخِرَةَ﴾
[آل عمران: ١٥٢].
(١) جامع البيان، الطبري ٢١٥/١١.
جَوْسُورُ
القرآن الكريم
عن البراء رضي الله عنه قال: (لقينا
المشركين يومئذٍ، وأجلس النبي صلى الله
عليه وسلم جيشًا من الرماة، وأمَّر عليهم
عبد الله، وقال: (لا تبرحوا، إن رأيتمونا
ظهرنا عليهم فلا تبرحوا، وإن رأيتموهم
ظهروا علينا فلا تعينونا) فلما لقينا هربوا،
حتى رأيت النساء يشتددن في الجبل، رفعن
عن سوقهن، قد بدت خلاخلهن، فأخذوا
يقولون: الغنيمة الغنيمة، فقال عبد الله: عهد
إلي النبي صلى الله عليه وسلم أن لا تبرحوا،
فأبوا، فلما أبوا صرف وجوههم، فأصيب
سبعون قتيلًا، وأشرف أبو سفيان، فقال:
أفي القوم محمدٌ؟ فقال: (لا تجيبوه) فقال:
أفي القوم ابن أبي قحافة؟ قال: (لا تجيبوه)
فقال: أفي القوم ابن الخطاب؟ فقال: إن
هؤلاء قتلوا، فلو كانوا أحياءً لأجابوا، فلم
يملك عمر نفسه، فقال: كذبت يا عدو الله،
أبقی الله علیك ما یخزیك، قال أبو سفيان:
أعل هبل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
(أجيبوه) قالوا: ما نقول؟ قال: (قولوا: الله
أعلى وأجل)، قال أبو سفيان: لنا العزى ولا
عزی لکم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
(أجيبوه) قالوا: ما نقول؟ قال: (قولوا الله
مولانا، ولا مولی لکم) قال أبو سفيان: يومٌ
بيوم بدرٍ، والحرب سجالٌ)(٢).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
المغازي، باب غزوة أحد، رقم ٤٠٤٣.
١٩٨

النصر
((والنهي عن التنازع يقتضي الأمر
بتحصيل أسباب ذلك: بالتفاهم، والتشاور،
ومراجعة بعضهم بعضًا، حتى يصدروا عن
رأي واحد، فإن تنازعوا في شيء رجعوا إلى
أمرائهم لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ
وَإِلَىَ أُوْلِ الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣].
وقوله: ﴿فَإِن تَنَزَعْنُمْ فِ شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اَللَّهِ
وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩].
والنهي عن التنازع أعم من الأمر بالطاعة
لولاة الأمور؛ لأنهم إذا نهوا عن التنازع
بينهم فالتنازع مع ولي الأمر أولى بالنهي.
ثم حذرهم أمرین معلومًا سوء مغبتهما وهما
الفشل وذهاب الريح.
مراد به حقيقة الفشل في خصوص القتال
ومدافعة العدو، ويصح أن يكون تمثيلا
لحال المتقاعس عن القتال بحال من خارت
قوته وفشلت أعضاؤه، في انعدام إقدامه
على العمل. وإنما كان التنازع مفضيا إلى
الفشل؛ لأنه يثير التغاضب ويزيل التعاون
بین القوم، ویحدث فیهم أن يتربص بعضهم
ببعضٍ الدوائرَ، فيحدث في نفوسهم
الاشتغال باتقاء بعضهم بعضًا، وتوقع عدم
إلقاء النصير عند مآزق القتال، فيصرف
الأمة عن التوجه إلى شغل واحد فيما فيه
نفع جميعهم، ويصرف الجيش عن الإقدام
على أعدائهم فیتمکن منهم العدو، کما قال:
﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَزَعْتُمْ فِ اُلْأَمْرِ
وَعَصَيْتُم﴾ [آل عمران: ١٥٢](١).
وما يتنازع الناس إلا حين تتعدد جهات
القيادة والتوجيه، وإلا حين يكون الهوى
المطاع هو الذي يوجه الآراء والأفكار، فإذا
استسلم الناس لله ورسوله انتفى السبب
الأول الرئيسي للنزاع بينهم، مهما اختلفت
وجهات النظر في المسألة المعروضة، فليس
الذي يثير النزاع هو اختلاف وجهات النظر،
إنما هو الهوى الذي يجعل كل صاحب
وجهة يصر عليها مهما تبين له وجه الحق
فيها!(٢).
((إن التنازع واختلاف الرأي حول أمر
والفشل: انحطاط القوة، وهو هنا من الأمور قد يكون مطلوبا إذا صحبته
نية حسنة، وكان الغرض منه إظهار الحق
بالبرهان والحجة، وهو حينئذ أقرب إلى
التشاور منه إلى الجدال والخصام.
إن اختلاف الأفهام واشتجار الآراء لیس
بمستغرب في الحياة ولكن شريطة ألا يؤدي
ذلك للتقاطع والشقاق، ولو تجردت النيات
للبحث عن الحقيقة، وأقبل روادها وهم
بعداء عن طلب الغلب والسمعة والرئاسة
والثراء لصفيت المنازعات التي ملأت
التاريخ بالأكدار والمآسي، إن الناس إذا
لم يجمعهم الحق شَعَبَهُمُ الباطل، وإذا لم
(١) التحرير والتنوير ١٢٣/٩.
(٢) في ظلال القرآن ١٥٢٩/٣.
www. modoee.com
١٩٩

حرفالنون
يستهوهم نعيم الآخرة تخاصموا على متاع عليه وسلم وأصحابه حتى انحط بهم الوادي
في عماية الصبح، فلما انحط الناس ثارت
الدنيا، ولهذا كان التنازع والتطاحن المر من
خصائص الجاهلية المظلمة ودیدن من لا
إيمان لهم»(١).
في وجوههم الخيل فشدت عليهم، وانكفاً
الناس منهزمين لا يقبل أحدٌ على أحدٍ،
وانحاز رسول الله صلى الله عليه وسلم
فالنزاع جند یقوي به المتنازعون عدوهم
عليهم، فإنهم في اجتماعهم كالحزمة من
السهام لا يستطيع أحد كسرها، فإذا فرقها
وصار كل منهم وحده كسرها كلها(٢).
ذات اليمين يقول: (أيها الناس هلموا إلي أنا
رسول الله، أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد
الله)، فلا شيء ور کبت الإبل بعضها بعضًا،
فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم
ثانيًا: الإعجاب بالكثرة:
أمر الناس قال: (يا عباس اصرخ يا معشر
الأنصار يا أصحاب السمرة) فأجابوه: لبيك
هزم المؤمنون يوم حنين بقول أحدهم:
((لن نغلب اليوم من قلةٍ))، وبإعجاب
كثرتهم لمن أعجبته منهم، كما قال تعالى:
﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِى مَوَاطِنَ كَثِيرَةٌ
وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَنْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَ
تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ
اْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدِّينَ﴾
[التوبة: ٢٥].
لبيك، فجعل الرجل يذهب ليعطف بعيره فلا
يقدر على ذلك فيقذف درعه في عنقه ويأخذ
سیفه وقوسه ثم يؤم الصوت، حتى اجتمع
إلی رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم
مائةٌ، فاستعرض الناس فاقتتلوا، وكانت
الدعوة أول ما كانت بالأنصار، ثم جعلت
آخرًا بالخزرج و کانوا صبراء عند الحرب،
وأشرف رسول الله صلى الله عليه وسلم
في ركابه، فنظر إلى مجتلد القوم فقال: (الآن
حمي الوطیس) قال: فوالله ما راجعه الناس
إلا والأسارى عند رسول الله ملقون، فقتل
الله منهم من قتل وانهزم منهم ما انهزم، وأفاء
الله على رسوله أموالهم وأبناءهم)(٣).
وفي ذكر هذه الغزوة وما حدث فيها: قال
محمد بن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن
قتادة عن عبد الرحمن بن جابٍ عن أبيه جابر
بن عبد الله قال: (خرج مالك بن عوفٍ بمن
معه إلى حنينٍ فسبق رسول الله صلى الله
عليه وسلم إليه، فأعدوا وتهيّؤوا في مضايق
الوادي وأحنائه، وأقبل رسول الله صلى الله
وروى البخاري بسنده عن البراء بن
عازپ رضي الله عنهما أن رجلا قال له:
(١) خلق المسلم، محمد الغزالي ص ١٩٠،
بتصرف واختصار.
(٢) الفروسية، ابن القيم ٥٠٦/١.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤/ ١١٢.
٢٠٠
جوبير
القرآن الكريمِ

النصر
(يا أبا عمارة أفررتم عن رسول الله صلى الصلاة والسلام، وحصول الهزيمة عند إيثار
الحظوظ العاجلة على الامتثال)» (٣).
الله عليه وسلم يوم حنينٍ؟ فقال: لكن
رسول الله صلی الله علیه وسلم لم يفر، إن
هوازن کانوا قومًا رماةً، فلما لقیناهم وحملنا
عليهم انهزموا، فأقبل الناس على الغنائم،
فاستقبلونا بالسهام فانهزم الناس، فلقد
رأيت رسول الله صلی الله عليه وسلم وأبو
سفيان بن الحارث آخذ بلجام بغلته البيضاء
وهو يقول: (أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد به؛ ليتعلم المؤمنون أن النصر من عند الله.
المطلب)(١).
قال ابن كثير رحمه الله: «وهذا في غاية
ما یکون من الشجاعة التامة، إنه في مثل هذا
اليوم في حومة الوغى، وقد انكشف عنه
جیشه، وهو مع هذا على بغلة وليست سريعة
الجري ولا تصلح لفر ولا لكر ولا لهرب،
وهو مع هذا أيضًا يركضها إلى وجوههم
وينوه باسمه؛ ليعرفه من لم يعرفه صلوات
الله وسلامه علیہ دائما إلى يوم الدين، وما
هذا كله إلا ثقة بالله وتوكلا عليه، وعلمًا منه
بأنه سينصره ويتم ما أرسله به، ويظهر دينه
على سائر الأديان))(٢).
(وتخصيص يوم حنين بالذكر من بين
أيام الحروب؛ لما فيه من العبرة بحصول
النصر عند امتثال أمر الله ورسوله عليه
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد
والسير، باب من قاد دابة غيره في الحرب،
رقم ٢٧٠٩.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١١٣/٤.
ففي هذه الغزوة اجتمع فيها للمسلمين
لأول مرة جيش عدته اثنا عشر ألفًا فأعجبتهم
کثرتهم، وغفلوا بها عن سبب النصر الأول،
فهزموا في أول المعركة، ثم نصرهم الله عز
وجل بتأييده، ثم بالقلة المؤمنة التي ثبتت مع
رسول الله صلى الله عليه وسلم والتصقت
ثالثًا: المعاصي والذنوب:
بين سبحانه وتعالى السبب الخفي
لامتناع النصر في غزوة أحد، وهو استزلال
الشيطان للمؤمنین ببعض ذنوبهم.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنْكُمْ يَوْمَ
اٌلْتَقَ الْجَمْعَانِ إِنَّمَا أُسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَنُ
يِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ﴾ [آل عمران: ١٥٥].
أي: ببعض ذنوبهم السالفة (٤).
فهؤلاء الذين هزموا وفروا «قد ضعفوا
وتولوا بسبب معصية ارتكبوها، فظلت
نفوسهم مزعزعة بسببها، فدخل عليهم
الشيطان من ذلك المنفذ واستزلهم فزلوا
وسقطوا، وفي هذا تصوير لحالة النفس
البشرية حيث ترتكب الخطيئة فتفقد
ثقتها في قوتها، ويضعف ارتباطها بالله،
ويختل توازنها وتماسكها، وتصبح عرضة
(٣) التحرير والتنوير ٥٨/١٠.
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٤٦/٢.
www. modoee.com
٢٠١

حرف النون
للوساوس والهواجس))(١).
وأخبر سبحانه وتعالى أن ما يحصل من
مصيبة انتصار العدو وغيرها إنما هو بسبب
الذنوب.
قال تعالى: ﴿وَمَّا أَصَبَكُم مِّن
قُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَنْ
كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠].
وقال تعالى: ﴿أَوَلَمَّ أَصَبَتَّكُمْ مُصِيبَةٌ
قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَتَّهَا قُلْتُمْ أَنَّ هَذَّا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ
أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل
عمران: ١٦٥].
وقال: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُواْ وَيَعْفُ عَن العدو (٢).
[الشورى: ٣٤].
كَثِيرِ
ولما علم المؤمنون آثار الذنوب في منع
النصر لجؤوا إلى الله بالاستغفار؛ ليغفر
لهم ذنوبهم قبل لقاء عدوهم، الاستغفار
الذي يردهم إلى الله، ویقوي صلتهم به،
قال تعالى مثنيًا على الربنيين في استعدادهم
لملاقاة عدوهم: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّآ أَنْ
قَالُواْ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا وَثَبِّتْ
أَقْدَامَنَا وَأَنصُرْنَا عَلَىَ الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ﴾ [آل
عمران: ١٤٧].
رابعًا: أهل النفاق:
قال تعالى مبيناً حكمة تثبيط المنافقين
لَوْ
عن الخروج للقتال مع المؤمنين:
خَرَجُواْ فِيَكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَ وْضَعُواْ
خِلَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيَكُمْ سَمَّعُونَ
لَمْ﴾ [التوبة: ٤٧].
قال ابن عباس رضي الله عنهما:
﴿مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾: عجزًا و جبنًا،
يعني: يجبنونهم عن لقاء العدو بتهويل
أمرهم وتعظيمهم في صدورهم، ثم قال:
﴿وَلَ وَضَعُواْ خِلَلَكُمْ﴾ أي: أسرعوا في
الدخول بينكم للتفريق والإفساد، قال ابن
عباس: يريد ضعفوا شجاعتكم، يعني:
بالتفريق بينهم؛ لتفريق الكلمة، فيجبنون عن
((فالقلوب الحائرة تبث الخور والضعف
في الصفوف، والنفوس الخائنة خطر على
الجيوش، ولو خرج أولئك المنافقون ما
زادوا المسلمين قوة بخروجهم بل لزادوهم
اضطرابًا وفوضى، ولأسرعوا بينهم بالوقيعة
والفتنة والتفرقة والتخذيل، وفي المسلمين
من يسمع لهم في ذلك الحين))(٣).
وقد بَيَّنَ الله عز وجل عدواتهم بقوله:
﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَأَحْذَرْهُمْ قَتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَّكُونَ﴾
[المنافقون: ٤].
((ومثل هذا اللفظ يقتضى الحصر، أي:
لا عدو إلا هم، ولكن لم يرد هاهنا حصر
العداوة فيهم، وأنهم لا عدو للمسلمين
(٢) التفسير القيم، ابن القيم ١ / ١٧٦.
(٣) في ظلال القرآن ١٦٦٣/٣.
٢٠٢
(١) في ظلال القرآن ١/ ٤٩٧.
جَوَبُور
الْقُرآن الكَرِيمِ

النصر
سواهم، بل هذا من إثبات الأولوية والأحقية فسأل عنها، فقيل له هؤلاء حلفاء ابن أبي
من اليهود، فقال: (لا حاجة لنا فيهم، إنا لا
نستعين بكافر على مشرك) ونعما فعل، فهم
قوم مرنوا على الخيانة والنفاق فلا يؤمن
جانبهم.
لهم في هذا الوصف، وأنه لا يتوهم
بانتسابهم إلى المسلمين ظاهرًا وموالاتهم
لھم ومخالطتهم إياهم أنهم ليسوا بأعدائهم،
بل هم أحق بالعدواة ممن باينهم في الدار،
ونصب لهم العداوة وجاهرهم بها، فإن ضرر
هؤلاء المخالطين لهم المعاشرين لهم-وهم
في الباطن على خلاف دينهم- أشد عليهم
من ضرر من جاهرهم بالعداوة وألزم وأدوم؛
لأن الحرب مع أولئك ساعة أو أيامًا ثم
ينقضي ويعقبه النصر والظفر، وهؤلاء معهم
في الديار والمنازل صباحًا ومساءً، يدلون
العدو على عوراتهم ويتربصون بهم الدوائر
ولا یمکنهم مناجزتهم، فهم أحق بالعداوة
من المباين المجاهر، فلهذا قيل: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ
فَأَحْذَرْهُمْ﴾، لا على معنى أنه لا عدو لكم
سواهم، بل على معنى أنهم أحق بأن يكونوا
لكم عدوًّا من الكفار المجاهرين(١).
موقف أهل النفاق في أحد:
لما أذن مؤذن رسول الله بالخروج
لأحد، خرج في ألف من أصحابه، واستعمل
على المدينة عبد الله بن أم مكتوم، ثم عقد
الألوية، فأعطى لواء المهاجرين لمصعب
بن عمير، ولواء الخزرج للحباب بن المنذر،
ولواء الأوس لأسيد بن حضير، وسار
الجيش، وفي الطريق بصر النبي بكتيبة كبيرة
(١) طريق الهجرتين وباب السعادتين ١/ ٤٠٢.
فلما وصلوا إلى الشوط (٢) انخزل عبد
الله بن أبي بثلاثمائة من أصحابه، وقال:
«أطاعهم وعصاني، علام نقتل أنفسنا ههنا
أيها الناس؟))، فرجع من اتبعه من قومه
من أهل النفاق والشك، فتبعهم عبد الله
بن عمرو بن حرام والد جابر فقال: یا قوم،
أذكركم الله ألا تخذلوا قومكم ونبيكم
عندما حضر من عدوهم، فقالوا: لو نعلم
أنكم تقاتلون ما أسلمناكم، ولكنا لا نرى
أنه يكون قتال، فلما استعصوا عليه، قال:
أبعدكم الله أعداء الله، فسيغني الله عنكم
نبیه.
وفي هؤلاء المنخزلين نزل قول الله
تعالى: ﴿وَمَآ أَصَلَبَّكُمْ يَوْمَ الْتَّقَى الْجَمْعَانِ فِيَإِذْنٍ
اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ { وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ
وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْ قَيِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ آَدْ فَعُواْ قَالُواْ
لَوَّ نَعْلَمُ قِتَالًا لَّأَتَّبَعْنَكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَيدٍ
أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَنْ يَقُولُونَ بِأَفْوَهِهِم مَّا لَيْسَ
فِيِ قُلُوبِهِمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُونَ﴾ [آل عمران:
١٦٦ - ١٦٧].
ولما رجع ابن أبي وأصحابه همت بنو
(٢) الشوط: مكان بين المدينة وأحد.
www. modoee.com
٢٠٣

حرف النون
سلمة وينو حارثة أن ترجعا، ولكن الله بها الخمر، وتعزف علينا فيها القيان (٤)،
وتسمع العرب»(٥).
ثبتهما وعصمهما، وفى ذلك نزل قوله
سبحانه: ﴿إِذْ هَمَّت ◌َآَيِفَتَانِ مِنكُمْ أَنْ
تَفْسَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَأْ وَعَلَ اللّهِ فَلْيَتَوَّكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾
[آل عمران: ١٢٢](١).
فأهل النفاق منخذلون في أنفسهم
ومخذلون لغيرهم.
خامسًا: البطر والرياء:
نهى سبحانه وتعالى عباده المؤمنين
عن التشبه بالمشركين في البطر والرياء في
خروجهم للقتال، وفي استخدام نعمة القوة
التي أعطاها الله لهم في غير ما أرادها.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن
دِيَرِهِم بَطَرًّا وَرِينَآءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن
سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيٌَّ﴾ [الأنفال:
٤٧].
أي: لا یکونن أمركم رياء ولا سمعة ولا
التماس ما عند الناس، وأخلصوا لله النية
والحسبة في نصر دينكم، ومؤازرة نبيكم(٢).
وقد كان من أعظم أنواع البطر والرياء ما
قاله أبو جهل ومن معه حين قال: ((لا نرجع
حتى نأتي بدرًا فننحر بها الجزور (٣)، وتسقى
ولما رأى رسول الله هذا الخروج من
قريش قال: (اللهم هذه قريشٌ قد جاءت
بخیلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك،
اللهم إني أسألك ما وعدتني) (٦).
وقد جيء في الآيات في نهيهم عن البطر
والرياء ((بطريقة النهي عن التشبه بالمشركين؛
إدماجًا للتشنيع بالمشركين وأحوالهم،
وتكريها للمسلمين في تلك الأحوال؛ لأن
الأحوال الذميمة تتضح مذمتها، وتنكشف
مزيد الانكشاف إذا كانت من أحوال قوم
مذمومين عند آخرين، وذلك أبلغ في النهي،
وأكشف لقبح المنهي عنه»(٧).
إن خروج المؤمنين للجهاد في سبيل
الله هو خروج (التقرير ألوهيته سبحانه
في حياة البشر، وتقرير عبودية العباد لله
وحده، وخروج لتحطيم الطواغيت التي
تغتصب حق الله في تعبید العباد له وحده،
والتي تزاول الألوهية في الأرض بمزاولتها
للحاكمية بغير إذن الله وشرعه، وخروج
لإعلان تحرير الإنسان في الأرض من كل
عبودية لغير الله، تستذل إنسانية الإنسان
(١) السيرة النبوية في ضوء الكتاب والسنة
١٩٠/٢.
(٢) جامع البيان، الطبري ٢١٨/١١.
(٣) الجزور: البعير ذكرًا كان أو أنثى.
انظر: النهاية في غريب الأثر: ١/ ٢٦٦.
جَوْسُور
القرآن الكريم
(٤) القيان: الإماء والعبيد.
انظر: النهاية في غريب الأثر: ٤ /١٣٥.
(٥) السيرة النبوية، ابن هشام ٦٧٤/١.
(٦) دلائل النبوة، البيهقي ٣/ ١٠١.
(٧) التحرير والتنوير ٩/ ١٢٥.
٢٠٤

النصر
و کرامته.
خروج لحماية حرمات الناس وكراماتهم
وحرياتهم، لا للاستعلاء على الناس
واستعبادهم والتبطر بنعمة القوة باستخدامها
هذا الاستخدام المنکر، وتخرج متجردة من
حظ نفسها في المعركة جملة، فلا یکون لها
من النصر والغلب إلا تحقيق طاعة الله في
تلبية أمره بالجهاد، وفي إقامة منهجه في
الحياة، وفي إعلاء كلمته في الأرض، وفي
التماس فضله بعد ذلك ورضاه))(١).
وفي الآيات: تعليم للمؤمنين في كل
جيل ألا يستعملوا ما آتاهم الله من قوة في
البطر والرياء، ولكن يستعملوها فيما أراده
الله منهم من نصرة الحق وإبطال الباطل،
وحماية الناس جميعًا من استبداد المستبدين
وفساد المفسدين وطغيان الطاغين.
وقد ابتليت الأمة بحكام استخدموا القوة
التي أنعم الله بها عليها في الاعتداء على
الشعوب وقتلهم، لا لشيء إلا أنهم طالبوا
بحقوقهم الضائعة وحريتهم المسلوبة من
الاستبداد والطغيان. فنسأل الله أن يطهر
الأرض من هؤلاء وأمثالهم.
سادسًا: الاستعجال:
أمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله
علیه وسلم بأن يصبر على تكذيب قومه كما
(١) في ظلال القرآن ١٥٢٩/٣.
صبر أولو العزم من الرسل على ما لاقوه من
أقوامهم، وألا يستعجل النصر على مكذبيه
وحلول العقوبة أو الهلاك بهم.
قال تعالى: ﴿فَأَصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ الْعَزْمِ
مِنَ الرُّسُلِ وَلَا نَسْتَعْجِلِ لَهُمْ كَانَهُمْ يَوْمَ يَرَوِّنَ مَا
يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُواْ إِلَّا سَاعَةً مِّن ◌َّهَارٍ بَلَغْ فَهَلْ
يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَسِقُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٥].
«لا تعجل بمسألتك ربك ذلك لهم، فإن
ذلك نازل بهم لا محالة)»(٢).
من هداية الآية: أن الاستعجال ينافي
العزم.
وأخبر سبحانه وتعالى المؤمنين
المستعجلين النصر منه على مخالفيهم بسنته
في النصر.
قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ
الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِّكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ
مَّسَّهُمُ الْبَأْسَآءُ وَالضَّهُ وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ
وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ, مَتَى نَصْرُ اللَّهُ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ
قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤].
قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ
ءَامَنُواْ مَعَهُ، مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ أي: ((يستفتحون
على أعدائهم ويدعون بقرب الفرج
والمخرج عند ضيق الحال والشدة))(٣).
ومن هداية الآية: أن النصر يتنزل على
المؤمنين بقدر ما يتحملون من الشدة،
(٢) جامع البيان، الطبري ١٧٨/٢١.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ٤٢٧.
www. modoee.com
٢٠٥

حرف النون
وفيها: بشارة من الله تعالى للمسلمين بقرب يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه، ولكنكم
تستعجلون)(٢).
النصر.
وأخبر سبحانه وتعالى أن سنته فيمن
سبق من الرسل أن النصر ما كان يأتيهم
عاجلا لحكمة يعلمها.
قال تعالى: ﴿حَقَّ إِذَا أُسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ
وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَآءَ هُمْ نَصْرُنَا فَنُجِىَ
مَن تَشَّهُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِنَ﴾
[يوسف: ١١٠].
أي: لما أيست الرسل أن يستجيب لهم
قومهم، وظن قومهم أن الرسل قد كذبوهم،
جاءهم النصر على ذلك(١).
ولما ذهب الصحابة إلى النبي صلى
الله علیه وسلم یشکون إلیه من تأخر النصر
ذکرهم بسنة الله في الأمم السابقة، فقد روى
البخاري بسنده عن خباب بن الأرت قال:
(شکونا إلى رسول الله صلی الله عليه وسلم
وهو متوسدٌ بردً له في ظل الكعبة، قلنا له: ألا
تستنصر لنا، ألا تدعو الله لنا! فقال صلى الله
عليه وسلم: (كان الرجل فيمن قبلكم يحفر
له في الأرض فیجعل فیه، فیجاء بالمنشار
فيوضع على رأسه فيشق باثنتين وما يصده
ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما
دون لحمه من عظم أو عصبٍ وما يصده
ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر حتى
يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا
(١) جامع البيان، الطبري ٣٨٣/١٣.
((والمعنى: لا تستعجلوا فإن من كان
قبلكم قاسوا ما ذكرنا فصبروا، وأخبرهم
الشارع بذلك؛ ليقوى صبرهم على
الأذى»(٣).
فتلك سنة الله في النصر: ((لابد من
الشدائد، ولابد من الکروب، حتى لا تبقى
بقية من جهد ولا بقية من طاقة، ثم يجيء
النصر بعد اليأس من كل أسبابه الظاهرة
التي يتعلق بها الناس، يجيء النصر من عند
الله، فينجو الذين يستحقون النجاة، ينجون
من الهلاك الذي يأخذ المكذبين، وينجون
من البطش والعسف الذي يسلطه عليهم
المتجبرون، ويحل بأس الله بالمجرمين،
مدمرًا ماحقًا لا يقفون له، ولا يصده عنهم
ولي ولا نصیر.
ذلك کي لا یکون النصر رخيصا فتكون
الدعوات هزلا، فلو كان النصر رخيصًا لقام
في كل يوم دعي بدعوة لا تكلفه شيئًا أو
تكلفه القليل، ودعوات الحق لا يجوز أن
تکون عبثًا ولا لعبًا)» (٤).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المناقب،
باب علامات النبوة في الإسلام، رقم ٣٦١٢.
(٣) عمدة القاري ١٤٥/١٦.
(٤) في ظلال القرآن ٢٠٣٦/٤.
٢٠٦
جَوَسُولَةُ النَّفتي
القرآن الكريم

النصر
المعبودات من دون الله والنصر
أخبر سبحانه وتعالى أنه لما حل العذاب
على الأمم السابقة لم تستطع الآلهة التي
عبدوها من دون الله منعه عنهم في وقت هم
أحوج ما يكون إلى نصرتهم.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكُنَا مَا حَوْلَكُمْ
مِّنَ الْقُرَى وَصَرَّقْنَا الْأَيَتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
2
فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ أَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا
ءَإِمَةٌ بَ ضَلُّواْ عَنْهُمَّ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُواْ
يَفْتَرُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٨].
﴿ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى﴾
يعني: أهل مكة، وقد أهلك الله الأمم
المكذبة بالرسل مما حولها كعاد، وكانوا
بالأحقاف بحضرموت عند اليمن، وثمود
وكانت منازلهم بينهم وبين الشام، وكذلك
سبأ وهم أهل اليمن، ومدين وكانت في
طريقهم وممرهم إلى غزة، وكذلك بحيرة
قوم لوط كانوا يمرون بها أيضًا.
وقوله عز وجل: ﴿وَصَرَّفْنَا الْآَيَتِ﴾ أي:
ـهم يرجعون
بيناها وأوضحناها
وقوله: ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ أَّخَذُواْ مِن
دُونِ اللَّهِ قُرْ بَانًا ءَاِهَةٌ﴾ [الأحقاف: ٢٨]. أي:
فهلا نصروهم عند احتیاجهم إليهم.
﴿بَلَ ضَلُواْ عَنْهُمْ﴾ أي: بل ذهبوا عنهم
أحوج ما كانوا إليهم ﴿وَذَلِكَ إِنْكُهُمْ﴾ أي:
كذبهم ﴿وَمَا كَانُوْيَفْتَرُونَ﴾ أي: وافتراؤهم
في اتخاذهم إياهم آلهة، وقد خابوا وخسروا
في عبادتهم لها واعتمادهم عليها(١).
ولما أنزل عذابه على قوم عاد؛ ليذيقهم
عذاب الإهانة في الدنيا لم يمنع عذابه عنهم
ما عبدوا من دون الله، وسوف يحل عليهم
عذاب الآخرة، ولن تستطيع المعبودات من
دون الله منعه عنهم.
قال تعالى: ﴿فَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا
فِيّ أَيَّامٍ شَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْىِ فِ الحَيَوَةِ
الدُّنْيَّ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَخْرَىْ وَهُمْ لَا يُصَرُونَ ﴾
[فصلت: ١٦].
والمعنى: ((أن عادًا لا ينصرهم من الله
يوم القيامة إذا عذبهم ناصر، فينقذهم منه، أو
ينتصر لهم)) (٢).
وأخبر سبحانه وتعالى أن المعبودات من
دون الله لا تستطيع منع العذاب عن نفسها
يوم القيامة، وكذلك منعه عن عابديها وهم
في العذاب محضرون.
قال تعالى: ﴿هَلْ يَنْصُرُونَّكُمْغَاوِينَ وَقِلَ
لَهُمْأَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٢ مِن دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُ
: فَكْبْكِبُواْ فِيَهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ﴾
١٣
أَوْ يَنْصِرُونَ
[الشعراء: ٩١ - ٩٤].
أي: ليست الآلهة التي عبدتموها من
دون الله من تلك الأصنام والأنداد تغني
عنكم اليوم شيئًا، ولا تدفع عن أنفسها،
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٦٦/٧.
(٢) جامع البيان، الطبري ٤٠٢/٢٠.
www. modoee.com
٢٠٧

حرفالنون
فإنكم وإياها اليوم حصب جهنم أنتم لها تلك الأصنام والأوثان، فهم جند محضرون
واردون(١).
وأخبر سبحانه وتعالى أن المعبودات من
دون الله وعابديها في العذاب يتبرأ بعضهم
من بعض.
قال تعالى: ﴿وَأَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ ءَالِهَةٌ
لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ ﴿ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ
وَهُمْ لَُمْ جُنٌْ تُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٧٤ - ٧٥].
وأوثانًا، أو شجرًا أو نجومًا، أو ملائكة أو
چِنَّا والوثنية ما تزال حتى اليوم في بعض
بقاع الأرض، ولکن الذین لا یعبدون هذه
الآلهة لم يخلصوا للتوحيد، وقد يتمثل
شركهم اليوم في الإيمان بقوى زائفة غير
قوة الله، وفي اعتمادهم على أسناد أخرى
غير الله، والشرك ألوان، تختلف باختلاف
الزمان والمكان.
ولقد كانوا يتخذون تلك الآلهة ابتغاء نيل
النصر، بينما كانوا هم القائمون بحماية تلك
الآلهة من أن يعتدي عليها معتدٍ أو يصيبها
بسوء، فكانوا هم جنودها وحماتها المعدين
لنصرتها ﴿وَهُمْ لَمْ جُنٌّ تُحْضَرُونَ﴾ وكان هذا
غاية في سخف التصور والتفكير، غير أن
غالبية الناس اليوم لم ترتق عن هذا السخف
إلا من حيث الشكل، فالذين يؤلهون الطغاة
والجبارين اليوم، لا يبعدون كثيرا عن عباد
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ١٣٥.
للطغاة، وهم الذين يدفعون عنهم ويحمون
طغيانهم، ثم هم في الوقت ذاته يخرون
للطغيان راكعين!))(٢).
إن الإنسان في حياته المليئة بالابتلاءات
يحتاج إلى من يدفع عنه البلاء، وإن وقع
يحتاج من يفرغ عليه الصبر، والحق
بذلك هو القوي العزيز سبحانه وتعالى،
((في الماضي كانت الآلهة أصنامًا والمعبودات من دون الله لا تستطيع أن تدفع
عن نفسها العذاب و لا عن عابدیھا، فكيف
يعبد الضعيف الضعيف؟ ألا ما أسخف فَهْمَ
هذه العقول!
(٢) في ظلال القرآن ٢٩٧٦/٥.
٢٠٨
الْقُرْآن الكَرِيمِ

النصر
مبشرات النصر
بَشَّرَ الله في كتابه عباده المؤمنين
المخلصين بجملة من البشارات والتي منها:
أولًا: الوعد الإلهي بالنصر:
وعد الله سبحانه وتعالى المؤمنين بما
وعد به المرسلين من النصر، فقال: ﴿إِنَّا
لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا
وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَدُ﴾ [غافر: ٥١].
قال ابن جرير رحمه الله (يقول القائل:
وما معنى: ﴿إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ
ءَامَنُواْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَدُ﴾
[غافر: ٥١].
وقد علمنا أن منهم من قتله أعداؤه،
ومثلوا به، كشعياء ويحيى بن زكريا
وأشباههما، ومنهم من هم بقتله قومه، فكان
أحسن أحواله أن يخلص منهم حتى فارقهم
ناجيًا بنفسه، كإبراهيم عليه السلام الذي
هاجر إلى الشام من أرضه مفارقًا لقومه،
وعيسى عليه السلام الذي رفع إلى السماء؛
إذ أراد قومه قتله، فأين النصرة التي أخبرنا أنه
ينصره رسله والمؤمنين به في الحياة الدنيا،
وهؤلاء أنبياؤه قد نالهم من قومهم ما قد
علمت، وما نصروا على من نالهم بما نالهم
به؟
قيل: إن لقوله: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا
وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى الْحَيَاةِ الدُّنيا﴾ وجهين
كلاهما صحيح معناه، أحدهما- أن يكون
معناه: ﴿إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ
فِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ إما بإعلائهم على من
كذبنا وإظفارهم بهم، حتى يقهروهم غلبة،
ويذلوهم بالظفر ذلة، من ذلك ما فعله الله
بداود وسليمان عليهما السلام فأعطاهما
من الملك والسلطان ما قهرا به كل كافر،
وکالذي فعل بمحمد صلی الله عليه وسلم
بإظهاره على من كذبه من قومه، وإما
بانتقامنا ممن حادهم وشاقهم بإهلاكهم
وإنجاء الرسل ممن كذبهم وعاداهم.
کالذي فعل تعالى ذكره بنوح عليه السلام
وقومه، من تغريق قومه وإنجائه منهم،
وكالذي فعل بموسى عليه السلام وفرعون
وقومه؛ إذ أهلكهم غرقًا، ونجى موسى
عليه السلام ومن آمن به من بني إسرائيل
وغيرهم، ونحو ذلك، أو بانتقامنا في الحياة
الدنيا من مكذبيهم بعد وفاة رسولنا من بعد
مهلكهم كالذي فعلنا من نصرتنا شعياء (١)
بعد مهلكه، بتسليطنا على قتله من سلطنا
حتى انتصرنا بهم من قتلته، وكفعلنا بقتلة
يحيى عليه السلام، من تسليطنا بختنصر
علیهم حتى انتصرنا به وبجنده من قتلته له،
وكانتصارنا لعيسى عليه السلام من مريدي
قتله بالروم حتی أهلكناهم بهم.
والوجه الآخر: أن يكون هذا الكلام
(١) نبي من أنبياء بني إسرائيل.
www. modoee.com
٢٠٩

حرفالنون
على وجه الخبر عن الجميع من الرسل كذلك يقصرون معنى النصر على صور
والمؤمنين، والمعنى به خاص من الرسل معينة معهودة لهم، قريبة الرؤية لأعينهم،
والمؤمنین، فیکون تأویل الکلام حينئذ: إنا
لننصر رسولنا محمدًا صلی الله عليه وسلم
والذين آمنوا به في الحياة الدنيا، ويوم يقوم
الأشهاد (١).
وهذه سنة الله في خلقه: أنه ينصر عباده
المؤمنين في الدنيا، ويقر أعينهم ممن
آذاهم، روى البخاري بسنده عن أبي هريرة
رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلی
الله عليه وسلم: (إن الله قال: من عادى لي
وليًّا فقد آذنته بالحرب) (٢).
والنصر في الآخرة بالحكم لهم
ولأتباعهم بالثواب، ولمن حاربهم بشدة
العقاب(٣).
وقال سيد قطب رحمه الله: ((وانتصار
قضية الاعتقاد هو انتصار أصحابها، فليس
لأصحاب هذه القضية وجود ذاتي خارج
وجودها، وأول ما يطلبه منهم الإيمان أن
يفنوا فيها ويختفوا هم وییرزوھا(٤)! والناس
(١) جامع البيان، الطبري ٣٤٥/٢٠.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق،
باب إن حقا على الله أن لا يرفع شيئا من الدنيا
إلا وضعه، رقم ٦١٣٧.
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٧٣٩.
(٤) كما فعل غلام الأخدود، نال الشهادة، فكانت
سببًا في إيمان قومه، وكما حدث من مؤمن آل
يس حيث قتله قومه وتمنى لهم الهداية لما
رأى نعيم الجنة.
ولکن صور النصر شتی، وقد پتلبس بعضها
بصور الهزيمة عند النظرة القصيرة، إبراهيم
عليه السلام وهو يلقى في النار فلا يرجع
عن عقيدته ولا عن الدعوة إليها، أكان في
موقف نصر أم في موقف هزيمة؟! ما من
شك - في منطق العقيدة- أنه كان في قمة
النصر وهو يلقى في النار، كما أنه انتصر
مرة أخرى وهو ينجو من النار، هذه صورة
وتلك صورة، وهما في الظاهر بعيد من
بعید، فأما في الحقيقة فهما قریب من قریب!
وكم من شهيد ما كان يملك أن ينصر عقيدته
ودعوته ولو عاش ألف عام، كما نصرها
باستشهاده، وما كان يملك أن يودع القلوب
من المعاني الكبيرة، ويحفز الألوف إلى
الأعمال الكبيرة، بخطبة مثل خطبته الأخيرة
التي یکتبها بدمه، فتبقى حافزًا محرگًا للأبناء
والأحفاد، وربما کانت حافزًا محرگًا لخطی
التاريخ كله مدى أجيال)»(٥).
وقد أخبر سبحانه وتعالى أن النصر قد
سبقت به كلمة الله، وكلمات الله لا يمكن
أن يبدلها مبدل، فنصر الرسل حتم لا بد منه.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَنْنَا لِعِبَادِنَا
الْمُرْسَلِينَ { إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (٣٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا
◌َهُمُ الْغَلِبُونَ ﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣].
(٥) في ظلال القرآن ٣٠٨٧/٥.
مَوَسُو ◌َرَا
القرآن الكريم
٢١٠