النص المفهرس
صفحات 41-43
النفس قدموه من خير أو شرٍ، فلا يجزى المحسن والكل يريد اتقاء ذلك اليوم الذي تطلب فيه السلامة (٣). ومعنى توفية الجزاء بالكسب، إلا بالإحسان، ولا المسيء إلا بالذي أسلف من الإساءة، لا يعاقب محسنٌ، ولا يبخس جزاء إحسانه، ولا يثاب مسيءٌ إلا ثواب عمله (١). توفى قال محمد بن إسحاق: « مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾: قال: ثم يجزى بكسبه غير مظلومٍ ولا معتدّى عليه))(٤). والنفس الأولى: بمعنى الذات والشخص وتعد هذه الآية من آخر ما نزل من القران الكريم دليل واضح على المسئولية الكاملة للأعمال التي تقوم بها کل نفس خیرًا کانت أو شرًا. كقوله: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]. والنفس الثانية: ما به الشخص شخصٌ، فالاختلاف بينهما بالاعتبار كقوله: ﴿وَتَنْسَوْنَ أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة : ٤٤]. والمعنى: یأتي كل أحدٍ يدافع عن ذاته، أي: يدافع بأقواله ليدفع تبعات أعماله. وضمیرا ﴿وَهُمْ لَايُظْلَمُونَ ﴾: عائدان إلى على جمعٍ من النفوس (٢). رابعًا: التوفية بجزاء الأعمال: قال تعالى: ﴿وَأَثَّقُواْ يَوْمًا تُرَجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَلَّ كُلُّ نَفْسِ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٥١)﴾ [البقرة: ٢٨١]. قوله: ﴿وَأَثَّقُواْ يَوْمًا﴾ تذييل للأحكام السابقة؛ لأنه صالح للترهيب من ارتكاب ما نهي عنه والترغيب في فعل ما أمر به؛ لأن في ترك المنهيات السلامة من الآثام، وفي فعل المطلوبات الاستكثار من الثواب، (١) انظر: المصدر السابق ٣٨١/١٤. (٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٠٣/١٤. نفس ١١٠ وقال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَهُمْ لِيَّوْرٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ ﴾ [آل عمران: ٢٥]. ٢٥ لَا يُظْلَمُونَ كل نفسٍ بحسب المعنى؛ لأن كل نفسٍ يدل وأمته على جهة التوقيف والتعجب، أي هذا خطابٌ للنبي صلى الله عليه وسلم فكيف يكون حالهم أو كيف يصنعون إذا حشروا يوم القيامة وتركوا كل الزخارف التي ادعوها في الدنیا، وجوزوا بما اكتسبوه من كفرهم واجترائهم وقبيح أعمالهم، واللام في قوله (( ليوم)) بمعنى (( في))، أو بمعنى الحساب يومٍ، ثَمَّ قال: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ فلا ينقص من ثواب حسناتهم، ولا یزاد على عقاب سيئاتهم (٥). (٣) انظر: المصدر السابق ٣ /٩٧. (٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم ٨٠٥/٣، تفسير القرآن، ابن المنذر ٤٧٤/٢. (٥) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٤/ ٥١، فتح القدير، الشوكاني ٣٧٧/١. اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ١٢١/٥. www. modoee.com ٣٥٩ حرفالنون وعن هدف الاستفهام، قال أبو السعود: ذلك من خلال العديد من الآيات الآتية، منها: ((﴿ فَكَيْفَ﴾ ردٌ لقولهم المذکور وإبطال لما غرهم باستعظام ما سيدهمهم وتهويل ما سیحیق بهم من الأهوال، أي: فکیف یکون حالهم ﴿إِذَا جَمَعْنَهُمْ لِيَوْمٍ﴾ أي: لجزاء يوم ﴿لا ريبَ فِيهِ﴾ أي: في وقوعه ووقوع ما فيه؟!))(١). وفى الآية الكريمة بعض القضايا البلاغية منها في قوله تعالى: ﴿وَوُقِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ﴾ إسناد التوفية إلى ما كسبت وعدم ذكر الجزاء، فيه إشارة إلى عدل الله اللطيف الخبير، وهو مساواة الجزاء للعمل، و کان المثاب یوفی عمله، لا جزاء عمله، وذلك لشدة المساواة بينهما، وأكد سبحانه وتعالى معنى العدالة بقوله: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ أي: سیجزون بأعمالهم، وسينالون ما يستحقون، وكل ما ينالهم بسبب ما فعلوا هو العدل عينه، فإذا ألقوا في السعير فليس في ذلك ظلم بل هو العدل (٢). خامسًا: مصيرها: مصير النفس وأين ستذهب بعد الموت، جاء ذكره كثيرًا في القرآن الكريم، وذلك حتی یعرف الإنسان أین یکون مصيره إن هو آمن والتزم بشرع الله تعالی، أو عصاه واتبع هواه، فإما إلى الجنة وإما إلى النار، ويتضح (١) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٢١/٢. (٢) انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ١١٦٦/٣. قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسِ ذَابِقَةُ المَوْثِّ وَإِنَّمَا تُوَنَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةٌ فَمَن زُحْرِجَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازُ وَمَا [آل الْحَيَوَةُ الدُّنْيَّا إِلَّا مَتَعُ الْغُرُورِ عمران: ١٨٥]. المقصود من هذه الآية تأكيد تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم والمبالغة في إزالة الحزن من قلبه، وذلك من وجهين: أحدهما: أن عاقبة كل الناس الموت، وهذه الغموم والأحزان تذهب وتزول، وبالتالي لن يلتفت العاقل إليها. والثاني: أن بعد هذه الدار دارٌ یتمیز فيها المحسن عن المسيء، وتأخذ كل نفسٍ ما يليق بها من الجزاء؛ ولذلك فكل واحد من هذين الوجهين يعمل على إزالة الحزن والغم عن قلوب العقلاء المؤمنين (٣). معنى الآية: ومصير ومرجع جميع خلقه إليه تعالى؛ لأنه قد حتم الموت على جميعهم، فأوفي كل نفسٍ منهم جزاء عمله يوم القيامة، يعني: توفون أجور أعمالكم يوم القيامة إن خيرًا فخيرٌ، وإن شرا فشرٌ؛ لأن توفية الأجور وتكميلها يكون ذلك الیوم، فمن نحي عن النار وأبعد منها فقد نجا وظفر بحاجته، أي: أدخل الجنة، ولا غاية (٣) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٩/ ٤٥١. ٣٦٠ جوية القرآن الكريمِ النفس للفوز وراء النجاة من سخط الله والعذاب التكوير. السرمد، ونیل رضوان الله والنعيم المخلد، وما لذات الدنيا وشهواتها، وما فيها من زينتها وزخارفها إلا متعةً يمتعكموها الغرور والخداع المضمحل، فأنتم تتلذذون بما متعکم الغرور من دنیاکم، فلا ترکنوا إلى الدنيا فتسكنوا إليها، فإنما أنتم منها في غرورٍ تمتعون، ثم أنتم عنها بعد قليل راحلون (١). وقال تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسُ مَّا أَحْضَرَتْ [التكوير: ١٤]. صيغة الماضي في الآية الواردة أن (إذا) مستعملةٌ في معنى الاستقبال تنبيهًا على تحقق وقوع الشرط، وجواب الشرط هو قوله: ﴿عَلِمَتْ نَفْسُُّ مَّا أَحْضَرَتْ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ ن﴾ [الانفطار: ٥]. جملة: ﴿عَلِمَتْ نَفْسُ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ جوابٌ لما في إذا من معنى الشرط، وهذا العلم كنايةٌ عن الحساب على ما قدمت النفوس وأخرت. وإثبات العلم للناس بما قدموا وأخروا عند حصول تلك الشروط لعدم الاعتداد بعلمهم بذلك الذي كان في الحياة الدنيا، فنزل منزلة عدم العلم، كما في قوله: ﴿عَلِمَتْ نَفْسُُّ مَّ أَحْضَرَتْ﴾ في سورة ٢٨٨/٦، (١) انظر: جامع البيان، الطبري الكشاف، الزمخشري ٤٤٩/١. ٣١/ ٧٠، (٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٤٠/٣٠. والعلم يتحقق بإدراك ما لم يكن معلومًا من قبل، ويتذكر ما نسي لطول المدة عليه، وهذا وعيدٌ بالحساب على جميع أعمال المشركين، ووعدٌ للمتقين، ومختلطٌ لمن عملوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا (٣). موضوعات ذات صلة: الإنسان، الروح، العقل، القلب (٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٧٠/٣٠-١٧٢. www. modoee.com ٣٦١