النص المفهرس
صفحات 21-34
النفاق يبول من الخوف (ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا) فقال له: كذبت، لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرك، قال: فأتى رسول الله صلی الله عليه وسلم، فأخبره، فدعاه فقال: (ما قلت ؟) فقال: كذب علي یا رسول الله، ما قلت شيئًا، ما خرج هذا من فمي قط، قال الله في ذلك: ﴿يَخْلِفُونَ بِاللَّهِمَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةً أُلْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلَمِهِمْ وَهَقُّواْ بِمَا لَوَ يَنَالُواْ وَمَا نَقَمُوا إِلَّ أَنْ أَغْنَنَّهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُ مِن فَضْلِهِ، فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْاْ يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِيِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِّ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا تَصِيرٍ ﴾ [التوبة: ٧٤](١). ٧٤ وفي ظلال هذه الآية الكريمة يقول سيد قطب رحمه الله: وجد هؤلاء المنافقون في الكرب المزلزل، والشدة الآخذة بالخناق فرصة للكشف عن خبيئة نفوسهم وهم آمنون من أن يلومهم أحد؛ وفرصة للتوهين والتخذيل وبث الشك والريبة في وعد الله ووعد رسوله، وهم مطمئنون أن يأخذهم أحد بما يقولون. فالواقع بظاهره يصدقهم في التوهين والتشكيك. وهم مع هذا (١) جامع البيان ٢٠/ ٢٢٣. وأخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الخمس، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أحلت لكم الغنائم)، رقم ٢٩٥٢، ونصه: (إذا هلك کسری فلا کسری بعده وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله). منطقیون مع أنفسهم ومشاعرهم؛ فالهول قد أزاح عنهم ذلك الستار الرقيق من التجمل، وروع نفوسهم ترويعًا لا يثبت له إيمانهم المهلهل. فجهروا بحقيقة ما يشعرون غير مبقين ولا متجملين! ومثل هؤلاء المنافقين والمرجفين قائمون في كل جماعة؛ وموقفهم في الشدة هو موقف إخوانهم هؤلاء. فهم نموذج مکرر في الأجيال والجماعات على مدار الزمان (٢). ثانيًا: إيذاء المؤمنين والاستهزاء بهم: قال الله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَاُلَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَّرَضُّ غَزَّ هَؤُلَاءِ دِينُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾﴾ [الأنفال: ٤٩]. أما المنافقون فهم قوم من الأوس والخزرج. وأما الذين في قلوبهم مرض فهم قوم من قريش أسلموا وما قوي إسلامهم في قلوبهم ولم يهاجروا .. ثم إن قريشًا لما خرجوا لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أولئك: نخرج مع قومنا فإن كان محمد في كثرة خرجنا إليه وإن كان في قلة أقمنا في قومنا قال محمد بن إسحق ثم قتل هؤلاء جميعًا مع المشرکین یوم بدر. وقوله: ﴿غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾(٣). قال ابن عباس: معناه أنه خرج بثلاثمائة (٢) في ظلال القرآن ٦/ ٥٦. (٣) مفاتيح الغيب، الرازي ١٥/ ١٤١. www. modoee.com ٣٠٥ حرف النون وثلاثة عشر يقاتلون ألف رجل وما ذاك أبو عقيل بنصف صاع وجاء إنسان بأكثر منه فقال المنافقون: إن الله لغنى عن صدقة إلا أنهم اعتمدوا على دينهم. وقيل: المراد إن هؤلاء يسعون في قتل أنفسهم رجاء أن يجعلوا أحياء بعد الموت ويثابون على هذا القتل. هذا وما فعل هذا الآخر إلا رثاء فنزلت ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُعَلّوْعِينَ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ فِ الصَّدَقَتِ وَأَلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلََّّ جُهْدَهْ﴾الآية (٣). ومن يسلم أمره إلى الله ويثق بفضله ويعول على إحسان الله فإن الله حافظه وناصره؛ لأنه عزيز لا يغلبه شيء حكيم يوصل العذاب إلى أعدائه والرحمة والثواب إلى أوليائه(١). ومن صور إيذائهم للمؤمنين: الانتقاص منهم والسخرية بهم، كما أخبر الله عنهم بقوله: ﴿اَلَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِ الصَّدَقَتِ وَأَلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [التوبة: ٧٩]. قال ابن كثير رحمه الله: (وهذه أيضًا من صفات المنافقين، ألا يسلم أحد من عیبهم ولمزهم في جميع الأحوال، حتى ولا المتصدقون یسلمون منهم، إن جاء أحد منهم بمال جزيل قالوا هذا مراء !! وإن جاء بشيء يسير قالوا: إن الله لغني عن صدقة هذا) (٢). كما جاء في البخاري عن أبي مسعود قال: (لما أمرنا بالصدقة كنا نتحامل فجاء (١) المصدر السابق. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٨٤/٤. ثالثًا: خذلان المؤمنين: قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَبَّكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبَإِذْنِ اَللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْ قَيِلُواْ فِي سَبِيلِالَّهِأَوِ أَدْ فَعُواْ قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالَا لَّأَتَّبَعْنَكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَيِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَنِّ يَقُولُونَ يَأَفْوَهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُونَ الَّذِينَ قَالُواْ لِإِخْوَنِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُواْ قُلْ فَأَدْرَهُواْ عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ (٣٦٨) ﴾ [آل عمران: ١٦٦ - ١٦٨]. صَدِقِينَ وهذا دأب المنافقين في كل زمان ومكان وموقف: خذلان المؤمنين والتخلي عنهم في المحن والشدائد. وهذه الآيات الكريمة السابقة في شأن غزوة أحد حيث خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد في ألف رجل من أصحابه وحتى إذا كانوا بالشوط بين أحد والمدينة، انخذل عنهم عبد الله بن أبى ابن سلول بثلث الناس وقال: أطاعهم، أي: رسول الله صلى الله عليه (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، تفسير سورة براءة، ٤ / ١٧١٤، رقم ٤٣٩١. ٣٠٦ مَوَسُوبَةُ النَّفي الْقُرآن الكَرِيْمِ النفاق وسلم فخرج وعصاني. والله ما ندري علام نقتل أنفسنا ها هنا أيها الناس؟ فرجع بمن اتبعه من الناس من قومه أهل النفاق والريب، فاتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام - أخو بني سلمة - یقول لهم: یا قوم أذكركم الله أن تخذلوا نبيكم وقومكم وقاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا فقالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناکم، ولكننا لا نری أن یکون قتالا. فلما استعصوا عليه، وأبوا إلا الانصراف عن المؤمنين قال لهم: أبعدكم الله يا أعداء الله فسيغني الله رسوله عنكم، ثم مضى مع رسول الله صلی الله علیه وسلم(١). هذا هو موقف المنافقين فى غزوة أحد، وهو موقف يدل على فساد قلوبهم، وخبث نفوسهم، وجبنهم عن لقاء الأعداء. هذا وقد أصدر سبحانه حكمه العادل على أولئك المنافقين فقال: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَيٍِ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَنِّ يَقُولُونَ بِأَفْوَهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُونَ أي: هم يوم أن قالوا هذا القول الباطل قد بينوا حالهم، وهتكوا أستارهم وكشفوا عن نفاقهم لمن كان يظن أنهم مؤمنون، لأنهم قبل أن يقولوا: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَّأَتَّبَعْنَكُمْ﴾ كانوا يتظاهرون بالإيمان، وما ظهرت منهم أمارة تؤذن بكفرهم، فلما انخذلوا عن عسكر (١) انظر: تاريخ الأمم والرسل والملوك، الطبري ٦٠/٢. المؤمنين وقالوا ما قالوا تباعدوا بذلك عن الإيمان المظنون بهم واقتربوا من الكفر. أو المعنى: هم لأهل الكفر أقرب نصرة منهم لأهل الإيمان؛ لأن تقليلهم سواد المسلمين بالانخذال فيه تقوية للمشركين (٢). رابعًا: النهي عن الإنفاق على المؤمنين: قال تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنَفَضُواْ وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَا [المنافقون: ٧]. يفقهُونَ ( ٧) جاء في صحيح البخاري عن زيد بن أرقم قال: (کنت في غزاة فسمعت عبد الله بن أبي يقول: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتی ینفضوا من حوله، ولئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. فذكرت ذلك لعمي أو لعمر، فذكره للنبي صلى الله عليه وسلم فدعاني فحدثته فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عبد الله بن أبي وأصحابه فحلفوا ما قالوا. فكذبني رسول الله صلى الله عليه وسلم وصدقه؛ فأصابني همّ لم يصبني مثله قط، فجلست في البيت، فقال لي عمي: ما أردت إلی أن کذبك رسول الله صلى الله عليه وسلم ومقتك؟ فأنزل الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ كَ الْمُنَفِقُونَ﴾ [المنافقون: ١]. (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٧٨/٧. www. modoee.com ٣٠٧ حرفالنون فبعث إليَّ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: في غاية البعد من الإيمان. وأن هناك فرقا (إن الله قد صدقك يا زيد) (١). وهكذا يفضح الله تعالى خطة المنافقين الدنيئة، كما تحكيها هذه الآية لينفض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه تحت وطأة الضيق والجوع ! وهي خطة الشيوعيين في حرمان المتدينين في بلادهم من بطاقات التموين، ليموتوا جوعًا أو يكفروا بالله، ويتركوا الصلاة ! وهي خطة غيرهم ممن يحاربون الدعوة إلى الله بالحصار والتجويع ومحاولة سد أسباب العمل والارتزاق. خامسًا: الإعراض عن التحاكم لله ورسوله: قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوّا أَن يَكْفُرُواْ بِهِ، وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَلا بَعِيدًا (٢) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَآ أَنزَلَ اللَّهُ وَ إِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا ﴾ [النساء: ٦٠ - ٦١]. وهنا يبين الله تعالى أن هذه صفة المنافقين، وأن من فعل ذلك أو طلبه فإنه (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، تفسير سورة المنافقين، ١٨٥٩/٤، رقم ٤٦١٧. واضحا وبونا شاسعا بين موقف المؤمنين وموقف المنافقين عند تحاكمهم إلى شرع رب العالمين، فموقف أهل الإيمان السمع والطاعة والإذعان، وموقف أهل النفاق الإعراض والنشوز والعصيان، ويتخذون من الأيمان الكاذبة الفاجرة وسيلة لخداع المؤمنین. (( إن المقتضى الفطري البديهي للإيمان، أن یتحاكم الإنسان إلى ما آمن به، وإلی من آمن به. فإذا زعم أنه آمن بالله وما أنزل، وبالرسول وما أنزل إليه. ثم دعي إلى هذا الذي آمن به ليتحاكم إلى أمره وشرعه ومنهجه؛ كانت التلبية الكاملة هي البديهية الفطرية. فأما حين يصد ويأبى فهو يخالف البديهية الفطرية، ويكشف عن النفاق، وينبئ عن كذب الزعم الذي زعمه من الإيمان!»(٢). ـادسًا: التحالف مع الأعداء ضد المسلمين: قال تعالى: ﴿﴿ أَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لِإِخْوَيِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ لَبِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيَكُ أَحَدًا أَبَدًّا وَإِنِ قُوْتِلْتُمْ لَنَنَصُرَنَّكُمْ وَاَللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ﴾ [الحشر: ١١]. (٢) في ظلال القرآن ٢/ ١٦٧ بتصرف يسير. ٣٠٨ القرآن الكريمِ النفاق مع کل عدو للإسلام والمسلمين، وذلك منذ نشأتهم حتى آخر الزمان، لا یکفون عن ذلك ولا ينتهون. ووصل تآمرهم - في عصر النبي صلى الله عليه وسلم - إلي حد الاتصال بأعداء المسلمين من المشركين واليهود، والتآمر على المسلمين، وقد فضح القرآن ذلك. يقول تعالي عن اتصالهم بالمشركين وقت الحرب: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللَّهِ قَالُواْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَلِفِينَ نَصِيبٌ قَالُواْ أَلَمَ نَسْتَحْرِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعَّكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَّ فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةُ وَلَنْ يَجْعَلَ اَللَّهُ لِلْكَلِفِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [النساء: ١٤١]. ١٤١ سَبِيلًا وعن تحالفهم مع اليهود يقول تعالي: فَتَرَى الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضُ يُسَرِعُونَ فِهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَوَ أَن تُصِيبَنَا دَابِرَةُ فَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِىَ بِاَلْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَآ أَسَرُواْ فِىّ أَنْفُسِهِمْ نَدِمِينَ ﴾ [المائدة: ٥٢]. ويقول سبحانه عن تحالفهم مع يهود بني النضير: ﴿﴿ أَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لِإِخْوَرِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَيِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيَكُمُ أَحَدًّا أَبَدًّا وَإِنِ قُوْتِلْتُمْ لَنَنَصُرَتَّكُمْ وَللَّهُ يَشْهَدُ إِنَهُمْ لَكَذِبُونَ ﴾[الحشر: ١١]. قال الطبري في وقعة جلاء بني النضير: المنافقون دائما يمدون أيديهم بالتحالف (( ... فأرسل إليهم عبدالله بن أبي يقول لا تخرجوا فإن معي من العرب وممن انضوى إلي من قومي ألفین فأقيموا فهم يدخلون معكم وقريظة تدخل معكم فبلغ كعب بن أسد صاحب عهد بنى قريظة فقال: لا ينقض العهد رجل من بني قريظة وأنا حي، فقال سلام بن مشکم لحيي بن أخطب: حيي أقبل هذا الذي قال محمد فإنما شرفنا على قومنا بأموالنا قبل أن تقبل ما هو شر منه. قال: وما هو شر منه. قال: أخذ الأموال وسبي الذرية وقتل المقاتلة فأبى حيي فأرسل جدي بن أخطب إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم إنا لا نريم دارنا فاصنع ما بدا لك قال فکېر رسول الله صلی الله عليه وسلم و کبر المسلمون معه وقال حاریت یهود)» (١). وهذا الدور الخبيث الذي لعبه المنافقون في عصر النبوة، هو نفس الدور الذي يلعبه المنافقون اليوم، فحيث وجدت الخيانة ففتش عن المنافقین، وحيث وجدت الهزيمة فتش عن المنافقين، وحيث وجدت الدعوة إلى خذلان المجاهدين، أو المستضعفين فتش عن المنافقين. نسأل الله تعالى أن يحبط كيدهم، ويكشف سترهم، ويحفظنا والمسلمين أجمعين من شرهم. (١) في ظلال القرآن ١٦٧/٢ بتصرف يسير. وروى ابن أبي حاتم عن السدي نحو ذلك مختصرا يراجع الدر المنثور للسيوطي ٣٨٦/١٤ ومعالم التنزيل، البغوي ٥١/٥. www. modoee.com ٣٠٩ حرف النون طريقة التعامل مع المنافقين حدد القرآن الكريم في عدد من آياته الكريمة طرقا واضحة للتعامل مع طائفة المنافقين، وهذه الطرق التي أرشد إليها القرآن الكريم هي - بلا شك - أنجع الطرق وأقواها، وأقربها وصولا إلى الهدف المنشود، وهو حصار طائفة المنافقين، وتحجيم خطرهم، وكسر شوكتهم. والمتدبر في كتاب الله تعالى يجد أن أهم هذه الطرق ما يأتي: أولًا: النهي عن طاعتهم وموالاتهم: قال الله تعالى: ﴿وَلَا نُطِعِ اَلْكَفِرِينَ وَالْمُنَفِقِينَ وَدَعْ أَذَئُهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِّ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ﴾ [الأحزاب: ٤٨]. وقال جل شأنه: ﴿يَتَيُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكَّخِذُواْ بِطَانَةٌ مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُواْ مَا عَنْتُمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَا لَكُمُ الْآَيَتِّ إِن كُنْتُمْ تَّعْقِلُونَ (٧)﴾ [آل عمران: ١١٨]. وهنا ينهى تعالى عباده المؤمنين أن يتخذوا بطانة من المنافقين من أهل الكتاب وغيرهم، يظهرونهم على سرائرهم أو يولونهم بعض الأعمال الخاصة بأهل الإسلام، وذلك أنهم هم الأعداء الذين امتلأت قلوبهم من العداوة والبغضاء فظهرت على أفواههم: ﴿وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ مما يسمع منهم، فلهذا: ﴿لَا يَأَ لُونَكُمْ خَبَالًا﴾ أي: لا يقصرون في حصول الضرر عليكم والمشقة، وعمل الأسباب التي فيها ضرركم ومساعدة الأعداء عليكم. قال الله للمؤمنين: ﴿قَدْ بَيَّنَا لَكُمُ الْآَيَتِ﴾ أي: التي فيها مصالحكم الدينية والدنيوية: لعلكم تعقلون فتعرفونها وتفرقون بين الصديق والعدو، فليس كل أحد يجعل بطانة، وإنما العاقل من إذا ابتلي بمخالطة العدو أن تكون مخالطة في ظاهره ولا يطلعه من باطنه على شيء ولو تملق له وأقسم أنه من أوليائه(١). كما جاء النهي عن موالاة المنافقين في فَمَا لَكُمْ فِىِ الْمُنَفِقِينَ قول الله جل شأنه: فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُواْ أَتْرِيدُونَ أَنْ تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَن يُضْلِلِ اَللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ. سَبِيلًا (٨) وَدُواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاءٌ فَلَا نَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاءُ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِ سَبِيلِ اللَّهِّ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَأَقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدُ ثُمُوهُمٌّ وَلَا نَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا [النساء: ٨٨ - ٨٩]. ٨٩ وذلك أن قومًا كانوا بمكة قد تكلموا بالإسلام، وكانوا يظاهرون المشركين فخرجوا من مكة يطلبون حاجة لهم، فقالوا: إن لقينا أصحاب محمد عليه السلام فليس علينا منهم بأس، وأن المؤمنين لما أخبروا (١) تيسير الكريم الرحمن ص ١٤٤ بتصرف یسیر جدا. ٣١٠ جَوَسُوع القرآن الكريم النفاق أنهم قد خرجوا من مكة قالت فئة من المؤمنين: اركبوا إلى الخبثاء فاقتلوهم، فإنهم يظاهرون عليكم عدوكم، وقالت فئة أخرى من المؤمنين: سبحان الله أو كما قالوا تقتلون قومًا قد تكلموا بمثل ما تكلمتم به من أجل أنهم لم يهاجروا، ويتركوا ديارهم، تستحل دماؤهم وأموالهم لذلك، فكانوا كذلك فئتين ... فنزلت الآية تقرر نفاقهم وكفرهم وأن الله تعالى أركسهم أي: ردهم إلى أحكام أهل الشرك في إباحة دمائهم وسبي ذراريهم (١). ثانيًا: الحذر منهم: قال الله تعالى في المنافقين: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمَّ وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِمْ كَنَهُمْ خُشُبٌ تُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُ الْعَدُوُّ فَأَحْذَرْهُمْ فَتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ [المنافقون: ٤]. وقد أفاضت نصوص الوحي - كتابًا وسنة - في تحذير المؤمنين من النفاق وأهله، بعد إسهاب طويل في كشف خباياهم وفضح نواياهم وهتك أسرارهم وطواياهم، حتى إن آيات الكتاب قد صرحت بذكر النفاق والمنافقين في نحو سبع وثلاثين آية، وفصلت وفرعت في الكلام عنهم في أضعاف ذلك من الآيات موزعة على إحدى (١) تفسير ابن أبي حاتم ١٠٢٣/٣. عشرة سورة، هذا فى الحديث عن المنافقين باسمهم ووصفهم الصريح (النفاق). يضاف إلى هذا حديث آخر مطول عمن وصفوا في القرآن بـ ﴿الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ وهم الرديف والمدد، والمخزون الطويل الأمد لمعلومي المنافقين؛ فقد ذكر القرآن مرضى القلوب في اثنتي عشرة آية ضمن اثنتي عشرة سورة، و کل آية ذکر فيها ذلك تتعلق بها آیات آخر. والمتأمل في حديث القرآن عن مرضى القلوب يمكنه أن يستنتج أن هؤلاء لديهم الاستعداد لأن يكونوا منافقين معلومي النفاق بما لديهم من أمراض الشهوة أو الشبهة؛ فهم قوم ضعاف الإيمان إلى أدنى حد، حتى إن أحوالهم تكاد تتقلب أو تنقلب إلى معسكر النفاق الصريح، لفرط قنوطهم وقلة یقینهم، ولشدة تعلقهم بالدنيا وحرصهم على الجاه، أو لمزيد شحهم الخالع وجبنهم الهالع الذي يجعلهم كلما خيروا بين الانتصار للدين والقيم أو الانتصار للناس أو النفس ما ترددوا في الانحياز إلى ما يخدم مصالحهم العجلى فقط؛ ولذلك قرن الله مرض القلوب بالمنافقين في أكثر مواضع القرآن. يقول الفخر الرازي: أعلم الله تعالى رسوله بعداوتهم فقال: ﴿هُّالْعَدُوٌّ فَأَحْذَرْهُمْ أن تأمنهم على السر ولا تلتفت إلى ظاهرهم www. modoee.com ٣١١ حرف النون فإنهم الكاملون في العداوة بالنسبة إلى فِي الْكِتَبِ أَنْ إِذَا سَمِعْنُمْ ءَايَتِ اَللَّهِ يُكْفَرُّ ◌ِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَ نَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهَ إِنَّكُمْ إِذَا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ اَلْمُنَفِقِينَ وَاَلْكَفِرِينَ فِ جَهَنَّمَ جَمِيعًا (٥)﴾ [النساء: ١٤٠]. غیرهم(١). وقال ابن عاشور رحمه الله في تفسير تلك الآية: والتعريف في ﴿الْعَدُوُّ﴾ تعريف الجنس الدال على معين، لكمال حقيقة العدو فيهم، لأن أعدى الأعادي: العدو المتظاهر بالموالاة وهو مداح، وتحت ضلوعه الداء الدوي، وعلى هذا المعنى (٢) رتب عليه الأمر بالحذر منهم ٠ ولم يجاف ابن عاشور الحقيقة عندما أرجع وصف القرآن للمنافقين بـ ﴿لْعَدُوُّ﴾ إلى « کمال حقیقة العدو فیهم »، و کیف لا تكمل حقيقة العداء في هؤلاء وهم كما قال ابن الجوزي رحمه الله: (( عيون الأعداء على المسلمين)) (٣). لا بل إن هؤلاء ليسوا فقط عيون الأعداء بل قلوبهم وألسنتهم، كما ذكر الإمام الطبري في تفسير ﴿هُ الْعَدُوُّ﴾ حيث قال: ((هم العدو يا محمد فاحذرهم؛ فإن ألسنتهم إذا لقوکم معکم وقلوبهم علیکم مع أعدائکم، فهم أعین لأعدائکم علیکم» (٤). ثالثًا: النهي عن مجالستهم: قال الله جل شأنه: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ (١) مفاتيح الغيب، الرازي ٩/ ٤٤٧. (٢) التحرير والتنوير ٢٤١/٢٨. (٣) زاد المسير، ابن الجوزي ٢٨٦/٨. (٤) جامع البيان، الطبري ٣٩٦/٢٣. والمعنى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ﴾: یا معشر المسلمين بمكة ﴿فِي الْكِتَبِ أَنَّ إِذَا سَمِعْنُمْ ءَايَتِ اللَّهِ﴾: يعني: القرآن ﴿يُكْفَرُبِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا نَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِىِ حديثٍ غيره»﴾ أي: يأخذوا في حديث غير الاستهزاء بمحمد وأصحابه والقرآن. وذلك إن المنافقين كانوا يجلسون إلى أحبار اليهود فيستهزئون بالقرآن ويكذبون به ويحرفونه عن مواضعه فنهى الله تعالى المسلمين عن مجالستهم ومخالطتهم، والذي نزل في الكتاب قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي ءَئِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [الأنعام: ٦٨](٥). وقد كان بعض المسلمين في المدينة يجلسون في مجالس كبار المنافقين - ذوي النفوذ - وكان ما يزال لهم ذلك النفوذ. وجاء المنهج القرآني ينبه في النفوس تلك الحقيقة .. حقيقة أن غشيان هذه المجالس والسكوت على ما يجري فيها، هو أولى مراحل الهزيمة. وأراد أن يجنبهم إياها .. ولكن الملابسات في ذلك الحين لم تكن تسمح بأن يأمرهم أمرًا بمقاطعة مجالس (٥) الكشف والبيان ٤٠٣/٣. ٣١٢ جوببيو القرآن الكريمِ النفاق القوم إطلاقًا. فبدأ يأمرهم بمقاطعتها حين يجيب دعوة الله، وينقاد لحكمه، فإن هذا، يجاهد ويغلظ عليه (٢). يسمعون آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها .. وإلا فهو النفاق .. وهو المصير المفزع، مصير المنافقين والكافرين: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى الْكِتَبِ أَنَّ إِذَا سَمِعْنُمْ ءَايَتِ اَللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْنَهْزَأُ بِهَا فَلَ نَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِةَ إِنَّكُمْ إِذَا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ اَلْمُنَفِقِينَ وَاَلْكَفِینَ فِی جَهَنَّمَ جميعًا (١٤٠) [النساء: ١٤٠]. والذي تحيل إليه الآية هنا مما سبق تنزيله في الكتاب، هو قوله تعالى في سورة الأنعام وهي مكية: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيْ ءَايَِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْهِ، وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا نَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ اَلَّلِينَ ﴾ [الأنعام: ٦٨](١). رابعًا: جهادهم والغلظة عليهم: قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ جَهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَفِقِينَ وَأَغْلُظْ عَلَيْهِمَّ وَمَأْوَنُهُمْ جَهَنٌَّ ٧٣ ﴾ [التوبة: ٧٣]. وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( وهنا يأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بجهاد الكفار والمنافقين، والإغلاظ عليهم في ذلك، وهذا شامل لجهادهم بإقامة الحجة عليهم، ودعوتهم بالموعظة الحسنة، وإبطال ما هم عليه من أنواع الضلال، وجهادهم بالسلاح والقتال، لمن أبى أن (١) في ظلال القرآن ٢٦٤/٢. ونحن عندما نقرأ السيرة النبوية. نجد أنه صلی الله عليه وسلم بعد هجرته إلى المدينة، ظل فترة طويلة يلاين المنافقين، ويغض الطرف عن رذائلهم، ويصفح عن مسيئهم .. إلا أن هذه المعاملة الحسنة لهم زادتهم رجسا إلى رجسهم .. لذا جاءت هذه السورة - وهى من أواخر ما نزل من القرآن - لتقول للنبي صلى الله عليه وسلم: لقد آن الأوان لإحلال الشدة والحزم، محل اللين والرفق، فإن للشدة مواضعها وللين مواضعه .. قال الإمام ابن کثیر: أمر الله رسوله صلی الله عليه وسلم بجهاد الكفار والمنافقين، کما أمره أن یخفض جناحه لمن اتبعه من المؤمنين .. وقد ورد عن أمير المؤمنين على بن أبى طالب أنه قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربعة أسياف. سيف للمشركين ﴿فَإِذَا أَنسَلَخَ الْأَشْهُرُ لُلْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ اَلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾[التوبة:٥]. وسيف للكفار أهل الكتاب ﴿قَئِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَلَا بِأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحِمُونَ مَا حَزَّمَاللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ﴾ [التوبة: ٢٩]. (٢) تيسير الكريم الرحمن ص ٨٧٤. www. modoee.com ٣١٣ حرف النون ﴿جَهِدِ الْكُفَّارَ وسيف للمنافقين وَالْمُنَفِقِينَ ﴾ [التوبة: ٧٣]. وسيف للبغاة ﴿فَقَئِلُواْ الَّتِى تَبْغِى حَتَّى تَفِىَّ إِلَى أَمْرِ اللّهِ ﴾ [الحجرات: ٩]. وهذا يقتضى أنهم يجاهدون بالسيوف إذا أظهروا النفاق، وهو اختيار ابن جرير(١). وقال ابن مسعود في قوله: ﴿جهدٍ الْكُفَّارَ وَالْمُنَفِقِينَ﴾ قال: بيده، فإن لم يستطع فلیکفهر في وجهه - أي: فليلق المنافق بوجه عابس لا طلاقة فيه ولا انبساط. وقال ابن عباس: أمره الله تعالى بجهاد المنافقين باللسان وأذهب الرفق عنهم. وقد يقال: إنه لا منافاة بين هذه الأقوال، لأنه تارة يؤاخذهم بهذا، وتارة بهذا على حسب الأحوال(٢). (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٧٨/٤. (٢) التفسير الوسيط، سيد طنطاوي ٤/ ٢٠٠٠. خطر النفاق والمنافقين على الأمة حذر القرآن الكريم من النفاق وصفات المنافقين في آیات کثیرة، فكان الحديث عن النفاق والمنافقين في القرآن في سبع عشرة سورة مدنية من ثلاثين سورة، واستغرق ذلك قرابة ثلاثمائة وأربعين آية، وبشتى الصيغ والأساليب، وفي كل مواقفهم الصغيرة والكبيرة، وفي كل أحوالهم الظاهرة والباطنة. حتى قال ابن القيم رحمه الله: (کاد القرآن أن يكون كله في شأنهم) (٣). وقد تولى الله تعالى حماية المسلمين من هذا العدو الخفي المخادع؛ فأنزل في كتابه الكريم بيانًا شاملًا لأحوالهم وأوصافهم، وكشف أقوالهم وأفعالهم، وفضح مؤامراتهم، واستخرج مكنونات صدورهم التي تغلي بها نفوسهم. وخطر المنافقين على الأمة في القديم والحدیث کبیر، وفتنتهم شديدة؛ فما تمكن الكفار من بلدان المسلمين سواءً من الناحية العسكرية أو الفكرية إلا عن طريقهم. وخطر المنافقين ينطلق من الداخل بين صفوف المسلمين، بينما يجيء خطر الكفار الظاهرين من الخارج، وخطر الخارج لا يستفحل دائمًا إلا بمساندة من الداخل. وبلية الإسلام بالمنافقين شديدة جدًا؛ (٣) مدارج السالكين، ١/ ٣٤٧. ٣١٤ فَضْو لِلْقُرْآن الكَرِيمِ النفاق لأنهم منسوبون إليه، وهم أعداؤه في الحقيقة، يخرجون عداوته في كل قالب يظن الجاهل أنه علم وصلاح، وهو غاية الجهل والإفساد. فلله كم من معقل للإسلام قد هدموه، وکم من حصن له قد اقتلعوا أساسه وخربوه، و کم من علم له قد طمسوه، وكم ضربوا بمعاول الشبه في أصول غراسه ليقلعوها، فلا يزال الإسلام وأهله منهم في محنة وبلية، ولا يزال يطرقه من شبههم سرية بعد سرية، يزعمون أنهم بذلك مصلحون ﴿أَلََّ إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لَّا يَشْعُونَ ﴾ [البقرة: ١٢](١). ١٢ وتصرفات المنافقين تدور مع مصالحهم فإذا لقوا المؤمنين أظهروا الإيمان والموالاة غرورًا منهم للمؤمنين، ومصانعة، وتقية، وطمعًا فيما عندهم من خير ومغانم .. وإذا لقوا سادتهم وكبراءهم قالوا: نحن معكم على ما أنتم عليه من الشرك، والكفر كما قال سبحانه عنهم: ﴿وَإِذَا لَقُواْالَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوا ءَامَنَّا وَ إِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا غَْنُ مُسْتَهْزِءُونَ ﴾ [البقرة: ١٤]. والمنافقون لفساد قلوبهم أشد الناس إعراضًا عن دين الله كما أخبر الله عنهم بقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَآ أَنزَلَ اللَّهُ وَ إِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَفِقِينَ يَصُدُّونَ عنكَصُدُودًا ٦١﴾ [النساء: ٦١]. وأعداء الأمة كثر، ولكن حصر العداوة في المنافقين يراد به إثبات الأولوية والأحقية للمنافقين في هذا الوصف، ولا يراد منه أنه لا عدو لکم سواهم، بل علی معنی أنهم أحق أن يكونوا لكم عدوًا من الكفار المجاهرين بكفرهم، فإن الحرب مع هؤلاء ساعة أو أيامًا ثم تنقضي ويعقبها النصر أو الظفر، أما هؤلاء فهم معكم في الديار والمنازل صباحًا ومساءً، يدلون العدو على العورات، ویتربصون بالمؤمنین الدوائر، ولا یمکن بل تصعب مناجزتهم(٢). ومثل هذا اللفظ يقتضي الحصر، والمراد: إثبات الأولوية والأحقية لهم في هذا الوصف، لا على معنى أنه لا عدو لكم سواهم، بل على معنى أنهم أحق بأن يكونوا لكم عدوًا من الكفار المجاهرين، فإن الحرب مع أولئك ساعة أو أيامًا، ثم ينقضي ويعقبه النصر والظفر، وهؤلاء معهم في الديار والمنازل، صباحًا ومساءً، يدلون العدو على عوراتهم، ويتربصون بهم الدوائر، ولا يمكنهم مناجزتهم. وإنما كانت هذه الطبقة في الدرك الأسفل من النار لغلظ كفرهم، فإنهم خالطوا المسلمين وعاشروهم، ووصل إليهم من معرفة الإيمان ما لم يصل إلى المنابذين بالعداوة، فإذا كفروا مع هذه المعرفة والعلم (٢) الغارة على العالم الإسلامي ص ١٢٦. (١) المصدر السابق. www. modoee.com ٣١٥ حرفالنون کانوا أغلظ کفرًا، وأخبث قلوبًا، وأشد عداوة لله ولرسوله وللمؤمنين من البعداء عنهم. قال تعالى عن المنافقين: ﴿ذَلِكَ بِأَنَهُمْ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ فَطْبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ [المنافقون: ٣]. والسر في أن عداوة المنافقين أشد وأخطر من عداوة الكافرين: أن عداوة المنافقين شاملة لا تقتصر على جانب دون جانب، فهي تبدأ من الكلمة همزًا ولمزًا وسخرية وغمزًا، وتنتهي إلى الخيانة العظمى بالقتال في صف الكفار وتحت راياتهم والتآمر معهم على المسلمين وكشف أسرارهم. وأن جهاد الكفار قد يكون عينيًا أو يكون كفائيًا، وقد يسقط بالأعذار أو الإعذار، أما جهاد المنافقين فهو غير قابل للسقوط إذا وجدت مسوغاته، فهو واجب على كل مكلف بحسبه، ففي الحديث عن ابن مسعود-رضي الله عنه-عن النبي صلى الله علیه وسلم قال: (ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواریون وأصحاب يأخذون بسننه ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل) (١). لهذا فإن جهاد المنافقين المأمور به في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ جَهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَفِقِينَ وَأَغْلُظْ عَلَيْهِمَّ وَمَأْوَنُهُمْ جَهَنٌَّ وَيْسَ الْمَصِيرُ ﴾ [التوبة: ٧٣]. يبدأ بالقلب حتی ینتهي إلى السيف. وفي هذا المنعطف الخطير من تاريخ الأمة الإسلامية وفي هذا الوقت العصيب الذي تداعت عليها الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها .. يدرك المتأمل في واقع المسلمين أن أعظم معوق لإحراز النصر لأمة الإسلام هم المنافقون. والملاحظ لأحوال المنافقين يدرك كيف يتزلفون لأهل الكفر، ينفذون مخططاتهم ويقومون بما يعجز الأعداء عن القيام به بل ويكفونهم في كثير من الأحيان مئونة الاقتتال، يستجلبون عطفهم ورضاهم ويطلبون منهم العون لقتل ذويهم وبني قومهم، ويوالون ويعادون عليهم ويحبون ويكرهون لأجلهم، ولا نبالغ إذا قلنا: أنهم في سبيل جلب رضاهم يساهمون بشكل فعال في تخریب بلادهم وتدمیر اقتصادهم وإهلاك حرثهم ونسلهم، ناهيك عن دورهم في حجب نور الله وإقامة دينه. والتمكين في مقابل ذلك لأعداء الإسلام(٢). باب بيان كون النهى عن المنكر من الإيمان وأن الإيمان يزيد وينقص وأن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر واجبان، ١/ ٥٠. (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، (٢) انظر: الغارة على العالم الإسلامي ص ١٢٥. ٣١٦ وَضوي القرآن الكريم النفاق وعيد الله عز وجل للمنافقين جاء وعيد الله تعالى للمنافقين في مواضع عديدة من كتاب الله، وبصور متنوعة ومعبرة. من ذلك قول الله جل شأنه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَفِقِينَ وَالْمُنَفِقَتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَلِينَ فِيهَاْ هِىَ حَسْبُهُمَّ وَلَعَنَهُمُ اللّهُ وَلَهُمْ ﴾ [التوبة: ٦٨]. ٦٨ عَذَابٌ مُقِيمٌ وقوله تعالى: ﴿بَشْرِ الْمُنَفِقِينَ بِأَنَّ لَمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٧)﴾ [النساء: ١٣٨]. وهنا يأمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يخبر المنافقين بلفظ البشارة؛ لأن المخبر به يسوء وجوههم وهو العذاب الأليم، وقد يكون في الدنيا بالذل والمهانة والقتل، وأما في الآخرة فهو أسوأ العذاب وأشده، وهو لازم لهم لخبث نفوسهم وظلمة أرواحهم (١). والغالب في استعمال البشارة أن تكون في الإخبار بما يسر، فهي إذا مأخوذة من انبساط بشرة الوجه، كما أن السرور مأخوذ من انبساط أساريره، وعلى هذا يقولون: إن استعمالها فيما يسوء - كما هنا - يكون من باب التهكم، وقيل: إن البشارة تستعمل فيما يسر وفيما يسوء استعمالا حقيقيا؛ لأن أصلها الإخبار بما يظهر أثره في بشرة (١) أيسر التفاسير ٥٥٨/١. الوجه في الانبساط والتمدد، أو الانقباض والتغضن، والأليم: الشديد الألم (٢). وقد قضى الله أن مصير الكافرين والمنافقين إلى جهنم: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَفِقِينَ وَالْكَفِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا ). [النساء: ١٤٠]. لكن المنافقين لعظيم ضررهم في أسفل ـا قال سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُفِقِينَ فِى الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا ١٤٥) [النساء: ١٤٥]. وهنا يخبر جل شأنه، عن مآل المنافقين، أنهم في أسفل الدركات من العذاب، وأشر الحالات من العقاب. فهم تحت سائر الكفار، لأنهم شاركوهم بالكفر بالله، ومعاداة رسله. وزادوا عليهم المكر والخديعة، والتمكن من كثير من أنواع العداوة للمؤمنين، على وجه لا يشعر به ولا يحس. ورتبوا على ذلك جريان أحكام الإسلام علیهم، واستحقاق ما لا يستحقونه. فبذلك ونحوه، استحقوا أشد العذاب. ولیس لهم منقذ من عذابه، ولا ناصر يدفع عنهم بعض عقابه. وهذا عام لكل منافق (٣). ومعنى الدرك الأسفل: أي: البطن ﴿اَلْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ أي: لأن ذلك أخفى ما في النار وأستره وأخبثه كما أن كفرهم (٢) تفسير المنار ٣٧٦/٥. (٣) فيض الرحمن تفسير جواهر القرآن ١١٦/٢. www. modoee.com ٣١٧ حرفالنون أخفى الكفر وأخبثه وأستره. وسميت طبقات النار دركات؛ لأنها متداركة متتابعة إلى أسفل كما إن الدرج متراقية إلى فوق(١). إنه مصير يتفق مع ثقلة الأرض التي تلصقهم بالتراب، فلا ينطلقون ولا يرتفعون، ثقلة المطامع والرغائب، والحرص والحذر، والضعف والخور! الثقلة التي تهبط بهم إلى موالاة الكافرين ومداراة المؤمنين، والوقوف في الحياة ذلك الموقف المهين: ﴿مُّذَبَذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى مَؤُلاءِ﴾ [النساء: ١٤٣]. فهم كانوا في الحياة الدنيا يزاولون تهيئة أنفسهم وإعدادها لذلك المصير المهين في ﴿الدَّرْكِ اَلْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ بلا أعوان هنالك ولا أنصار وهم كانوا يوالون الكفار في الدنيا، فأنى ينصرهم الكفار؟ (٢). نسأل الله العظيم أن يرزقنا الصدق والإخلاص، وأن يجنبنا الشرك والنفاق، وأن يختم لنا بالخير. وبالله التوفيق. موضوعات ذات صلة: الأمانة، الخيانة، الرياء، الشرك، الكذب (١) السراج المنير ١/ ٢٧٢. (٢) في ظلال القرآن ٢٦٩/٢. ٣١٨ جَوَسُوع القرآن الكريمِ