النص المفهرس

صفحات 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
النَّفَاقْ
عناصر الموضوع
مفهوم النفاق
٢٨٦
النفاق في الاستعمال القرآني
٢٨٧
الألفاظ ذات الصلة
٢٨٨
٢٩١
أنواع النفاق
٢٩٥
صفات المنافقين
٣٠٤
مظاهر النفاق
٣١٠
طريقة التعامل مع المنافقين
٣١٤
خطر النفاق والمنافقين على الأمة
٣١٧
وعيد الله عز وجل للمنافقين
المُجَلَّد الثَّالِثِ وَالثَّلاثُونْ

حرفالنون
مفهوم النفاق
أولًا: المعنى اللغوي:
اختلف علماء اللغة في أصل النفاق، فقيل: إن ذلك نسبة إلى النفق وهو السرب في
الأرض؛ لأن المنافق يستر كفره ويغيبه، فتشبه بالذي يدخل النفق يستتر فيه. وقيل: سمي به
من نافقاء اليربوع، فإن اليربوع له جحر يقال له: النافقاء، وآخر يقال له: القاصعاء، فإذا طلب
من القاصعاء قصع فخرج من النافقاء. كذا المنافق يخرج من الإيمان من غير الوجه الذي
يدخل فيه (١).
يقول ابن منظور رحمه الله: النفاق بالكسر فعل المنافق والنفاق الدخول في الإسلام
من وجه والخروج عنه من آخر مشتق من نافقاء اليربوع. وقد نافق منافقةً ونفاقًا، وهو اسم
إسلامي لم تعرفه العرب بالمعنى المخصوص به، وهو الذي يستر كفره ويظهر إيمانه وإن
كان أصله في اللغة معروفًا يقال: نافق ينافق منافقة ونفاقًا وهو مأخوذ من النافقاء لا من النفق
وهو السرب الذي يستتر فيه لستره كفره (٢).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
النفاق في الاصطلاح الشرعي: هو إظهار القول باللسان أو الفعل بخلاف ما في القلب
من القول والاعتقاد(٣).
يقول الجرجاني رحمه الله في تعريف النفاق: هو إظهار الإيمان باللسان وكتمان الكفر
بالقلب (٤).
إذن فالمنافق في الشرع هو الذي یظهر غیر ما یبطن. فإن کان الذي يخفیه التكذيب بأصول
الإيمان فهو المنافق الخالص، وإن كان الذي يخفيه غير الكفر بالله وكتابه ورسوله، وإنما هو
شيء من المعصية لله، فهو الذي فيه شعبة أو أكثر من شعب النفاق.
(١) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص٥٠٢، النهاية في غريب الحديث، ابن الأثير ٩٨/٥،
القاموس المحيط، الفيروزآبادي ٢٨٦/٣.
(٢) لسان العرب ٣٥٧/١٠.
(٣) انظر عارضة الأحوذي ١٠/ ٩٧.
(٤) التعريفات، الجرجاني ص ٣١١.
٢٨٦
البيـ
جَوْسُور
القرآن الكريم

النفاق
النفاق في الاستعمال القرآني
وردت مادة (نفق) في القرآن الكريم (١١١) موضعًا، يخص موضوع البحث منها (٣٧)
موضعًا (١).
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
٢
﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ﴾ [آل عمران: ١٦٧]
المصدر
٣
فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِ قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ٧٧]
اسم الفاعل
٣٢
يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَالْمُنَفِقَتُ ﴾ [الحديد: ١٣]
وجاءت كلمة النفاق في القرآن بمعناها اللغوي، وهو: إظهار الإيمان وإخفاء الكفر(٢).
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص٧١٦-٧١٧.
(٢) انظر: الوجوه والنظائر، مقاتل بن سليمان، ص ١٧٧، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي، ص٣٠٨،
الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص٢٢٧-٢٢٩.
www. modoee.com
٢٨٧

حرفالنون
الألفاظ ذات الصلة
الكفر:
١
الكفر لغة:
الستر والتغطية، يقال لمن غطى درعه بثوب: قد كفر درعه، والمكفر: الرجل المتغطي
بسلاحه، وهو ضد الإيمان، لأنه تغطية للحق(١).
الكفر اصطلاحًا:
((الجحود بالوحدانية أو النبوة، أو الشريعة، أو بثلاثتها))(٢).
الصلة بين الكفر والنفاق:
والكفر توأم النفاق، والكفر إذا ذكر مفردا في وعيد الآخرة دخل فيه المنافقون كقوله
تعالى ﴿﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ ءَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالْكِنَبِ الَّذِى نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ، وَالْكِتَبِ
الَّذِىّ أَنْزَّلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرُ بِاللَّهِ وَمَلَكَتِهِ، وَكُنُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَاَلْيَّوْمِ الْآَخِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلا بَعِيدًا
[النساء: ١٣٦].
وأمثال هذه النصوص كثير في القرآن.
ثم قد يقترن ((الكفر بالنفاق)) في مواضع، مثل قوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِ الْكِنَبِ
أَنَّ إِذَا سَمِعْنُمْ ءَايَتِ اَللَّهِ يُكْفَرُبِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا نَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِمِنْ إِنَّكُمْ إِذَا
مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَفِقِينَ وَاَلْكَفِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا ()﴾
﴾ [النساء: ١٤٠].
والإيمان والنفاق ضدان لا يجتمعان، وليس بينهما نطاقٌ مشترك، بل يختلفان كل
الاختلاف من حيث الأصل والطبيعة والأثر، فإن زادت مادة الإيمان في القلب قل معها
أثر النفاق، كالكوب الفارغ يصب فيه الماء، فكلما زادت نسبته خرج الهواء الذي كان
يملأ الكوب، حتى يمتلئ تمامًا. كذلك العلاقة بين الإيمان والنفاق، يتزود الإنسان بالعمل
الصالح الذي يزكي نفسه، ويطهر روحه، فتخبو جمرة النفاق حتى تنطفئ وتتلاشى.
الرياء:
٢
الرياء لغةً:
يقال: فلانٌ (مراءٍ)، وقومٌ (مراؤون)، والاسم (الرياء) يقال: فعل ذلك رياءً وسمعةً،
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ١٩١/٥.
(٢) المفردات، الراغب الأصفهاني ص٤٧٩، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ٧٩١/٢.
٢٨٨
جوبي
الْقُرآن الكَرِيمِ

النفاق
إظهار غير ما في الباطن (١).
الرياء اصطلاحًا:
العمل لرؤية الناس والسمعة لأجل سماعهم (٢).
وقيل الرياء: أن يعمل المرء العمل ظاهره أنه لله؛ ولكنه في الباطن يريد به مدح الناس له.
الصلة بين الرياء والنفاق:
أن النفاق إظهار الإيمان مع إبطان الكفر. والرياء إظهار الطاعة مع إبطان المعصية (٣).
والرياء مدخل من مداخل الشرك، كما جاء في الحديث القدسي: (قال الله تبارك وتعالى
أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه) (٤).
قال النووي: ((ومعناه أنا غني عن المشاركة وغيرها، فمن عمل شيئًا لي ولغيري لم أقبله،
بل أتركه لذلك الغير. والمراد: أن عمل المرائي باطل لا ثواب فيه، ويأثم به))(٥).
الإيمان:
٣
الإيمان لغة:
الإيمان في اللغة يراد به معنيان، يظهر معناهما بحسب السياق وهما: الأمن وضده
الخوف، والتصديق وضده التكذيب، والمعنيان متداخلان (٦).
ويرى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى معنًى لغويًّا آخر للإيمان؛ وهو أن يكون الإيمان
بمعنى الإقرار؛ لا مجرد التصديق، والإقرار ضمن قول القلب الذي هو التصديق، وعمل القلب
الذي هو الانقياد (٧).
الإيمان اصطلاحًا:
((التصديق الجازم، والاعتراف التام بجميع ما أخبر الله ورسوله عنه في القرآن والسنة،
(١) انظر: مختار الصحاح، الرازي ص ١١٥، لسان العرب، ابن منظور ٣٥٩/١٠.
(٢) انظر: تيسير العزيز الحميد، سليمان بن عبدالله ص ٤٥٢.
(٣) لباب التأويل، الخازن ٣٩/٣.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزهد والرقائق، باب من أشرك فى عمله غير الله. عن أبي هريرة
رضي الله عنه، رقم ٢٩٨٥.
(٥) شرح صحيح مسلم، النووي ٣٧٠/٩.
(٦) انظر: الصحاح، الجوهري ٢٠٧١/٥، القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص ١٥١٨، لسان العرب،
ابن منظور ٢١/١٣، المفردات، الأصفهاني ص ٩٠.
(٧) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٧/ ٢٩١، الإيمان، حقيقته، خوارمه، نواقضه، عند أهل السنة
والجماعة، عبد الله بن عبد الحميد ص١٩- ٢١.
www. modoee.com
٢٨٩

حرفالنون
وأمر بالإيمان به؛ والانقياد له ظاهرًا وباطنًا))(١).
فهو قول وعمل واعتقاد يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية (٢)؛ ((ويشمل عقائد الإيمان،
وأخلاقه، وأعماله))(٣).
الصلة بين الإيمان والنفاق:
لوجود صلة قوية بين الكفر والنفاق والإيمان، من حيث التقارب والتضاد، ذكر الله تعالى
في صدر سورة البقرة وصفا مفصلا للمؤمنين والكفار والمنافقين. فذكر في المؤمنين أربع
آيات. وفي الكفار آيتين. وفي المنافقين ثلاث عشرة آية. ولذلك أسبابه، فالمؤمن ظاهر
الإيمان في نفسه وعمله، مخلص لله ورسوله لا يشك في أمره، والكافر قد جاهر بالعداء
معلنا الحرب باليد واللسان من دون مواربة، أما المنافق فهو الذي يشكل أمره على الناس
حين يظهر خلاف ما يبطن فتكاد صفاته تعمى على الناظر. فبين الإيمان والنفاق علاقة تضاد.
(١) التوضيح والبيان لشجرة الإيمان، السعدي ص٤١.
(٢) انظر: العقيدة الواسطية، ابن تيمية ص١٦١.
(٣) التوضيح والبيان لشجرة الإيمان، السعدي ص٤١.
٢٩٠
جوببيو
القرآن الكريم

النفاق
أنواع النفاق
تتنوع شعب ودروب النفاق، وتكثر
مسالك المنافقين، وتتعدد أحوالهم الخبيثة.
ومع التحقيق والتدبر ندرك أن ذلك كله
يرجع إلى نوعين أساسين، هما: النفاق
العقدي، والنفاق العملي. وفيما يأتي
نتناولهما بالتفصيل والبيان.
أولًا: النفاق العقدي:
وهو النفاق الأکبر، وهو أن يظهر الإنسان
الإيمان بالله وملائكته و کتبه ورسله واليوم
الآخر، ویبطن ما یناقض ذلك كله أو بعضه،
وهذا هو النفاق الذي كان على عهد رسول
الله صلى الله عليه وسلم، ونزل القرآن بذم
أهله وفضح کفرهم(١).
والمنافق: يظهر خلاف ما يبطنه، فظاهره
مسلم، تجري عليه أحكام الإسلام الظاهرة
في الدنيا، ويعامل معاملة المسلمين؛ لأننا
لم نؤمر بالشق عما في القلوب، وهذا في
الأصل خارج عن نطاق وقدرة ابن آدم. لأن
الإيمان الظاهر الذي تجري عليه الأحكام
في الدنيا لا يستلزم الإيمان الباطن الذي
يكون صاحبه من المؤمنين حقًا(٢).
ومن الآيات في نفي الإيمان عنهم وبيان
(١) جامع العلوم والحكم ص٤٠٣.
(٢) أشار لذلك الشوكاني في فتح القدير ٦٥/١
تفسير الآية التاسعة من سورة البقرة.
وانظر: الإيمان الأوسط، ابن تيمية ص١٦٦.
مصيرهم في الآخرة قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ
مَنْ يَقُولُ ءَامَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ
﴾ [البقرة: ٨].
وقوله عز وجل ﴿بَشْرِ الْمُنَفِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ
عَذَابًا أَلِيمًا ()﴾ [النساء: ١٣٨].
وقوله سبحانه ﴿إِنَّ الْمَُفِقِينَ فِىِ الدَّرْكِ
الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا
١٤٥)
[النساء: ١٤٥].
وقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَفِقِينَ
وَالْمُنَفِقَتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَلِينَ فِيَهَا
هِىَ حَسْبُهُمَّ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ
٤﴾ [التوبة: ٦٨].
٦٨
﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ جَهِدٍ
وقوله تعالى:
الْكُفَّارَ وَالْمُنَفِقِينَ وَأَغْلُطْ عَلَيْهِمُّ وَمَأْوَنُهُمْ
جَهَنَّةٌ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴿ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ
مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ
إِسْلَِهِمْ وَهَقُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ وَمَا نَقَمُواْ إِلَّ أَنْ
أَغْنَمُهُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُ، مِن فَضْلِهِ، فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ
خَيْرًا لَهُمْ وَإِن يَتَوَلَوْا يُعَذِّبُهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا
فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَّ وَمَا لَهْ فِي الْأَرْضِ مِن وَلِيٍ
وَلَا تَصِيرٍ ﴾ [التوبة: ٧٣ - ٧٤].
فهذه الآيات الكريمة تؤكد على كفر
المنافقين، كما تبين مصيرهم المحتوم في
الآخرة، وهو: الدرك الأسفل من النار،
لأنهم زادوا على كفرهم، الكذب والمراوغة
والخداع للمؤمنين، ولذلك فصل القرآن
الحديث حولهم وحول صفاتهم لكي لا يقع
www. modoee.com
٢٩١

حرف النون
المؤمنون في حبائلهم وخداعهم.
والنفاق إذا أطلق ذكره في القرآن فإن
المراد به النفاق الأكبر المنافي للإيمان؛
بخلاف الكفر فإنه يأتي - أحيانًا - بمعنى
الكفر الأصغر، وكذلك الظلم والفسق
والشرك، أما في السنة النبوية فقد ورد النفاق
الأصغر(١).
ثانيًا: النفاق العملي:
وهو النفاق الأصغر، واختلاف السر
والعلانية في الواجبات، وذلك بعمل شيء
من أعمال المنافقين؛ مع بقاء أصل الإيمان
في القلب وصاحبه لا يخرج من الملة، ولا
ينفي عنه مطلق الإيمان، ولا مسمى الإسلام،
وهو معرض للعذاب کسائر المعاصي، دون
الخلود في النار، وصاحبه ممن تناله شفاعة
الشافعین بإذن الله.
وهذا النوع من النفاق مقدمة وطريق
للنفاق الأکبر؛ لمن سلكه وکان ديدنه.
وأمثلة ذلك: الكذب في الحديث، وإخلاف
الوعد، وخيانة الأمانة، والفجور في
الخصومة، والغدر بالعهود، وكالرياء الذي
لا يكون في أصل العمل، وإظهار المودة
للغير والقيام له بالخدمة مع إضمار عكسه
(١) انظر: الإيمان حقيقته، خوارمه، نواقضه
عند أهل السنة والجماعة ١٤١/١، إعداد
عبدالله بن عبد الحميد الأثري، مراجعة
وتقديم فضيلة الشيخ الدكتور عبد الرحمن
بن صالح المحمود.
في النفس (٢).
وقد ثبت في الصحيحين من حديث
عبد الله بن عمرو وأبي هريرة وغيرهما من
الصحابة رضي الله عنهم، عن النبي صلى
الله عليه وسلم قال: (آية المنافق ثلاث: إذا
حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن
خان) (٣).
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أربع
من کن فیه کان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه
خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى
يدعها: إذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب،
وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر) (٤).
وقوله صلى الله عليه وسلم: (كان منافقًا
خالصًا) معناه شديد الشبه بالمنافقين بسبب
هذه الخصال، قال بعض العلماء هذا فيمن
کانت هذه الخصال غالبة علیه، فأما من یندر
ذلك منه فلیس داخلا فیه، فهذا هو المختار
(٢) انظر: الجواهر المضية، محمد بن عبد
الوهاب، ص ١٣، الوجيز في عقيدة السلف
الصالح، عبدالله بن عبدالحميد ص١٠٣.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب علامة المنافق، رقم ٣٣، ومسلم في
صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان خصالّ
المنافق، ٧٨/١، رقم ٥٩.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان
باب علامة المنافق، رقم ٣٤، ومسلم في
صحيحه كتاب الإيمان، باب بيان خصالّ
المنافق، ٧٨/١، رقم ٥٨.
٢٩٢
القرآن الكريم

النفاق
في معنى الحديث(١).
ولما تقرر عند الصحابة رضي الله عنهم
أن النفاق هو اختلاف السر والعلانية خشي
بعضهم على نفسه أن يكون إذا تغير عليه
حضور قلبه ورقته وخشوعه عند سماع
الذكر برجوعه إلى الدنيا والاشتغال بالأهل
والأولاد والأموال أن يكون ذلك منه نفاقًا،
كما في صحيح مسلم عن حنظلة الأسدي
أنه مر بأبي بكر وهو يبكي، فقال: (ما لك ؟
قال: نافق حنظلة يا أبا بكر، نكون عند رسول
الله صلى الله عليه وسلم يذكرنا بالجنة
والنار كأنا رأي عين، فإذا رجعنا، عافسنا
الأزواج والضيعة فنسينا كثيرًا، قال أبو بكر:
فالله إنا لكذلك، فانطلقنا إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم، فقال: مالك يا حنظلة
؟ قال: نافق حنظلة يا رسول الله، وذكر له
مثل ما قال لأبي بكر، فقال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: لو تدومون على الحال التي
تقومون بها من عندي، لصافحتكم الملائكة
في مجالسكم وفي طرقكم ولكن يا حنظلة
ساعة وساعة (٢).
ومما ورد في هذا المعنى - أي خوف
الصحابة من النفاق - ما قاله ابن أبي مليكة:
أدركت ثلاثین من أصحاب النبي صلى الله
(١) شرح صحيح مسلم، النووي ٤٧/٢.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب التوبة، باب
فضل دوام الذكر والفكر في أمور الأرض،
رقم ٢٧٥٠.
عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه.
ولا يلزم من خوفهم من ذلك وقوعه منھم،
بل ذلك على سبيل المبالغة منهم في الورع
والتقوى رضي الله عنهم(٣).
وخلاصة القول في النفاق الأصغر: أنه
نوع من الاختلاف بين السريرة والعلانية مما
هو دون الكفر، وذلك کالرياء الذي لا يكون
في أصل العمل وكإظهار مودة الغير والقيام
بخدمته مع إضمار بغضه والإساءة إليه،
كالخصال الواردة في حديث شعب النفاق
ونحو ذلك؛ فعلى المسلم الحذر من الوقوع
في شيء من ذلك.
وقد حذر الله تعالى عباده المؤمنين من
الوقوع في بعض السلوكيات الداخلة في
أفعال المنافقين، مثل مخالفة القول للفعل؛
فقال جل شأنه ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ
تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ) كَبُرَ مَقْنَا عِندَ
اَللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾ [الصف:
٢ - ٣].
أي: لم تقولون الخير وتحثون علیه،
وربما تمدحتم به وأنتم لا تفعلونه ؟ وتنهون
عن الشر وربما نزهتم أنفسكم عنه، وأنتم
متلوثون به ومتصفون به. فهل تليق بالمؤمنين
هذه الحالة الذميمة ؟ أم من أکبر المقت عند
الله أن يقول العبد ما لا يفعل؟ (٤)
(٣) فتح الباري، ابن حجر ١/ ١١١.
(٤) تيسير الكريم الرحمن ص ٨٥٨.
www. modoee.com
٢٩٣

حرفالنون
بن سلام رضي الله عنه قال: (قعدنا نفرًا من
أصحاب رسول الله صلی الله عليه وسلم
فتذاكرنا، فقلنا: لو نعلم أي الأعمال أحب
إلى الله لعملنا؛ فأنزل الله تعالى: ﴿سَبَّحَ
لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِ الْأَرْضِّ وَهُوَ الْعَزِيزُ
اٌلْحَكِيُ ل ◌َأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَالَا
تَفْعَلُونَ ﴾ [الصف ١- ٢].
قال عبد الله بن سلام: فقرأها علينا
رسول الله قال أبو سلمة: فقرأها علينا ابن
سلام، قال يحيى: فقرأها علينا أبو سلمة،
قال ابن كثير: فقرأها علينا الأوزاعي، قال
عبد الله: فقرأها علينا ابن كثير)(١).
وقال المفسرون: إن المؤمنين قالوا: لو
علمنا أحب الأعمال إلى الله لعلمناہ ولبذلنا
فيها أموالنا وأنفسنا فأنزل الله عز وجل:
﴿إِنَّاللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَتِلُونَ فِى سَبِيلِهِ،
صَفَّا﴾ [الصف: ٤].
وأنزل
﴿هَلْ أَوْلُكُمْ عَلَّ ◌ِزَقِ﴾
الله:
[الصف: ١٠] الآية. ((فابتلوا بذلك يوم أحد،
فولوا مدبرين، وكرهوا الموت وأحبوا
الحياة؛ فأنزل الله تعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَالَا
تَفْعَلُونَ﴾
وقيل: لما أخبر الله تعالی رسوله صلى
(١) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب تفسير
القرآن، باب ومن سورة الصف، ٤١٢/٥،
رقم ٣٣٠٩.
وصححه الألباني.
قيل: إن سبب نزولها ما روي عن عبد الله الله عليه وسلم بثواب أهل بدر قالت
الصحابة: لئن لقينا قتالًا لنفرغن فیه وسعنا،
ففروا يوم أحد، فعيرهم الله بهذه الآية.
وقيل: نزلت في شأن القتال، كان الرجل
يقول: قاتلت ولم يقاتل وأطعمت ولم يطعم
وضربت ولم يضرب. فنزلت هذه الآية. (٢)
وهناك فروق بين النفاق الأكبر والنفاق
الأصغر منها:
١. أن النفاق الأكبر يخرج من الملة،
والنفاق الأصغر لا يخرج من الملة.
٢. أن النفاق الأكبر اختلاف السر والعلانية
في الاعتقاد، والنفاق الأصغر اختلاف
السر والعلانية في الأعمال دون
الاعتقاد.
٣. أن النفاق الأكبر لا يصدر من مؤمن،
وأما النفاق الأصغر فقد يصدر من
المؤمن.
فالنفاق الأصغر هو المانع والمعوق
للعمل الصالح الذي ينبغي على المسلم
تجنبه ليقبل على الخيرات وفعل الصالحات
وهو كما سبق النفاق العملي، فصاحبه
يتصف ببعض صفات أهل النفاق الأكبر.
(٢) لباب التأويل، الخازن ٨٣/٧.
٢٩٤
مُؤْسُو ◌َرُ النَّفْسِيْ
جوسين
الْقُرآن الكَرِيمِ

النفاق
صفات المنافقين
التعرف على صفات المنافقين أمر
في غاية الأهمية وذلك حتى ينكشف هذا
الصنف الخبيث من البشر، وحتى يحذر
المؤمنون من أحوالهم ومكرهم.
يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله: (نبه
الله سبحانه وتعالى على صفات المنافقين؛
لئلا يغتر بظاهر أمرهم المؤمنون، فيقع بذلك
فساد عريض من عدم الاحتراز منهم، ومن
اعتقاد إيمانهم وهم كفار في نفس الأمر،
وهذا من المحذورات الكبار أن يظن بأهل
الفجور خيرًا) (١).
وللمنافقين صفات كثيرة يمكن تقسيمها
إلى صفات اعتقادية وصفات سلوكية على
ما يأتي:
أولًا: صفات اعتقادية:
١. الكفر بالله.
قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَايِنُوا كَمَّاً
ءَامَنَ النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَآ ءَامَنَ الشُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ
[البقرة :
هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَّا يَعْلَمُونَ ).
١٣].
يقول الله تعالى: وإذا قيل للمنافقين:
﴿،امِنُوا گمَآ ءَامَنَ النَّاسُ﴾ أي: کإيمان الناس
بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد
الموت والجنة والنار وغير ذلك، مما أخبر
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ٤٧.
المؤمنين به وعنه، وأطيعوا الله ورسوله في
امتثال الأوامر وترك الزواجر ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ كُمَا
ءَامَنَ الُّنَهَآءُ﴾ يعنون -لعنهم الله-أصحاب
رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقولون:
أنصير نحن وهؤلاء بمنزلة واحدة وعلى
طريقة واحدة وهم سفهاء !!
وقد تولى الله سبحانه، جوابهم في
هذه المواطن كلها، فقال: ﴿أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ
الشُّفَهَدَةُ﴾ فأكد وحصر السفاهة فيهم.
﴿وَلَكِنْ لَّا يَعْلَمُونَ﴾ يعني: ومن تمام
جهلهم أنهم لا يعلمون بحالهم في الضلالة
والجهل، وذلك أردى لهم وأبلغ في العمى،
والبعد عن الهدى(٢).
٢. مرض القلب.
قال جل شأنه: ﴿فِ قُلُوبِهِم ◌َرَضٌّ فَزَادَهُمُ
اللَّهُ مَرَضَّاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيُّطْ بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ
﴾ [البقرة: ١٠].
أي: في قلوبهم شك ونفاق. وأصل
المرض الضعف. وسمي الشك في الدين
مرضا لأنه يضعف الدين كالمرض يضعف
البدن. ﴿فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضًّا﴾ لأن الآيات
كانت تنزل تترى، آية بعد آية، كلما كفروا
بآية ازدادوا كفرا ونفاقا (٣).
٣. الظن السيئ بالله.
كما أخبر الله عنهم بقوله: ﴿وَيُعَذِّبَ
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٨١/١.
(٣) معالم التنزيل، البغوي ١ / ٦٦.
www. modoee.com
٢٩٥

حرفالنون
الْمُنَفِقِينَ وَالْمُنَفِقَتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَتِ
اُلَّائِينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءُ عَلَيْهِمْ دَايِرَةُ السَّوْءُ
وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمٌ
وَسَأَتْ مَصِيرًا ﴾ [الفتح: ٦].
فهم دائما یتهمون الله في حكمه، ويظنون
بالرسول وأصحابه أن يقتلوا ويذهبوا
بالكلية؛ وقد جعل الله صفة المنافقين
والمنافقات والمشركين والمشركات هي
ظن السوء بالله. فالقلب المؤمن حسن
الظن بربه، يتوقع منه الخير دائمًا. يتوقع
منه الخير في السراء والضراء. ويؤمن بأن
الله يريد به الخير في الحالين. وسر ذلك أن
قلبه موصول بالله. وفيض الخير من الله لا
ینقطع أبدًا. فمتى اتصل القلب به لمس هذه
الحقيقة الأصيلة، وأحسها إحساس مباشرة
وتذوق.
فأما المنافقون والمشركون فهم مقطوعو
الصلة بالله. ومن ثم لا يحسون تلك
الحقيقة ولا يجدونها، فيسوء ظنهم بالله؛
وتتعلق قلوبهم بظواهر الأمور، ويبنون عليها
أحكامهم. ويتوقعون الشر والسوء لأنفسهم
وللمؤمنين، كلما كانت ظواهر الأمور توحي
بهذا؛ على غير ثقة بقدر الله وقدرته، وتدبيره
الخفي اللطيف (١).
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٦/ ٤٧٣.
ثانيًا: صفات سلوكية:
١. العداوة والحسد للمؤمنين.
كما قال سبحانه: ﴿إِن تُصِبْكَ
حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمٌّ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ
يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّواْ
وَهُمْ فَرِحُونَ ﴾ [التوبة: ٥٠]
وهذا نوع آخر من كيد المنافقين ومن
خبث بواطنهم، والمعنى: إن تصبك في
بعض الغزوات حسنة سواء كان ظفرًا،
أو كان غنيمة، أو كان انقيادًا لبعض ملوك
الأطراف، يسؤهم ذلك، وإن تصبك مصيبة
من نكبة وشدة ومصيبة ومكروه يفرحوا
به، ويقولوا: قد أخذنا أمرنا الذي نحن
مشهورون به، وهو الحذر والتيقظ والعمل
بالحزم(٢).
٢. الفساد في الأرض.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْلَا نُفْسِدُوا فِى
الْأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ) أَلَّ إِنَّهُمْ
هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْتُونَ ()﴾
[البقرة :
١١ - ١٢].
ومعنى الآيتين الكريمتين:
﴿لَا نُفْسِدُواْ فِي الْأَرْضِ﴾ بالنفاق وموالاة
الكفرة، وتفريق الناس عن الإيمان بمحمد
صلى الله عليه وسلم والقرآن، فإنكم إذا
فعلتم ذلك فسد ما في الأرض بهلاك
الأبدان وخراب الديار.
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٣١/١.
٢٩٦
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ

النفاق
ولما نهاهم الله عن الفساد الذي هو
دأبهم أجابوا بهذه الدعوى العريضة، ونقلوا
أنفسهم من الاتصاف بما هي عليه حقيقة
وهو الفساد إلى الاتصاف بما هو ضد لذلك
وهو الصلاح، ولم يقفوا عند هذا الكذب
البحت والزور المحض حتى جعلوا صفة
الصلاح مختصة بهم خالصة لهم، فرد الله
عليهم ذلك أبلغ رد ... وردهم إلى صفة
الفساد التي هم متصفون بها في الحقيقة
ردا مؤكدا مبالغا فيه بزيادة على ما تضمنته
دعواهم الكاذبة (١).
٣. البهتان والكذب.
كما أخبر الله عنهم بقوله: ﴿وَيَحْلِفُونَ
بِاَللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ
يَفْرَقُونَ ﴾ [التوبة: ٥٦]
أي: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاَللَّهِ ﴾ لكم أيها
المؤمنون هؤلاء المنافقون كذبا وباطلا
﴿إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ﴾ في الدين والملة
﴿وَمَا هُم مِّنگؤ﴾ أي: ليسوا من أهل دینکم
وملتكم، بل هم أهل شك ونفاق ﴿وَلَكِنَّهُمْ
قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ يقول: ولكنهم قوم
يخافونكم، فهم خوفا منكم يقولون بألسنتهم
إنهم منكم؛ ليأمنوا فيكم فلا يقتلوا(٢).
٤. الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف
والبخل بالمال.
(١) فتح القدير، الشوكاني ٦٧/١.
(٢) تفسير المنار ٤١٩/١٠.
كما أخبر الله عنهم بقوله ﴿اَلْمُنَفِقُونَ
وَالْمُنَفِقَتُ بَعْضُهُم مِّنْ بَعْضِ يَأْمُرُونَ
بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ
وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمّ إِنَّ
الْمُنَفِقِينَ هُمُ الْفَسِقُونَ ﴾
[التوبة: ٦٧].
أي: هم على دين واحد. وقيل: أمرهم
واحد بالاجتماع على النفاق، ﴿يَأْمُرُونَ
والمعصية،
بالشرك
بِالْمُنكَرِ﴾
﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ اَلْمَعْرُوفِ﴾ أي عن
الإيمان والطاعة، ﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾
أي: يمسكونها عن الصدقة والإنفاق في
سبيل الله ولا يبسطونها بخير، ﴿نَسُواْ اللّهُ
فَنَسِيهُمْ﴾ تركوا طاعة الله، فترکهم الله من
توفيقه وهدايته في الدنيا، ومن رحمته في
الآخرة، وترکهم في عذابه(٣).
٥. الكسل في العبادات.
كما أخبر الله عنهم بقوله: ﴿إِنَّ
الْمُنَفِقِينَ يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَدِعُهُمْ وَإِذَا
قَامُواْ إِلَى الصَّلَوَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآءُونَ النَّاسَ وَلَا
يَدْكُرُونَ اللَّهَ إِلََّ قَلِيلًا (١٦)﴾ [النساء: ١٤٢].
وهذه صفة المنافقين في أشرف الأعمال
وأفضلها وخيرها، وهي الصلاة إذا قاموا
إليها قاموا وهم كسالى عنها؛ لأنهم لا نية
لهم فیھا، ولا إيمان لهم بها ولا خشية، ولا
يعقلون معناها.
(٣) معالم التنزيل، البغوي ٤ / ٧١.
www. modoee.com
٢٩٧

حرف النون
فقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلَوةِ
قَامُوا گُسالی﴾ هذه صفة ظواهرهم، کما قال:
﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَوَةَ إِلَّ وَهُمْ كُسَالَى﴾
[التوبة: ٥٤].
ثم ذكر تعالى صفة بواطنهم الفاسدة،
فقال: ﴿يُرَآءُونَ النَّاسَ﴾ أي: لا إخلاص
لهم ولا معاملة مع الله بل إنما يشهدون
الناس تقية من الناس ومصانعة لهم؛ ولهذا
يتخلفون كثيرا عن الصلاة التي لا يرون
غالبًا فيها كصلاة العشاء وقت العتمة،
وصلاة الصبح في وقت الغلس، كما ثبت
في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال: (أثقل الصلاة على المنافقين
صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما
فيهما لأتوهما ولو حبوا، ولقد هممت أن آمر
بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلا فيصلي بالناس،
ثم انطلق معي برجال، معهم حزم من حطب
إلی قوم لا یشهدون الصلاة، فأحرق عليهم
بيوتهم بالنار)(١).
ولذلك ورد عن ابن عباس رضي الله عنه
قال: يكره أن يقوم الرجل إلى الصلاة وهو
کسلان، ولکن یقوم إليها طلق الوجه، عظيم
الرغبة، شدید الفرح، فإنه یناجي الله تعالى.
وإن الله أمامه يغفر له ويجيبه إذا دعاه، ثم
يتلو ابن عباس هذه الآية: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَىَ
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجماعة
والإمامة، باب وجوب صلاة الجماعة،
٢٣١/١.
(٢)
الصَّلَوْةِ قَامُواْ كُسَالَى﴾
٠
٦. الحذر من انكشاف ما هم عليه.
قال تعالى: ﴿ يَحْذَرُ الْمُنَفِقُونَ أَنْ
تُنَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ نُنَّتُهُم بِمَا فِى قُلُوبِهِمْ قُلِ
أُسْتَهْزِءٌوَ إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ )﴾
[التوبة: ٦٤].
وهنا يخبر جل شأنه أن المنافقين
يحذرون أن ينزل الله سورة تفضحهم وتبين
ما تنطوي عليه ضمائرهم من الخبث، فهم
يقولون القول بينهم، ثم يقولون: عسى الله
ألا يفشي علينا سرنا هذا. وقال سبحانه
في هذه الآية: ﴿قُلِ أُسْتَهْزِهُوَ إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ
مَّا تَحْذَرُونَ﴾ أي: إن الله سينزل على
رسوله ما یفضحکم به ویبین له أمر کم(٣).
٧. الطمع والجشع.
كما أخبر الله عنهم بقوله: ﴿ وَمِنْهُم
مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَتِ فَإِنْ أُعَعُواْ مِنْهَا رَضُواْ
وَإِن لَّمْ يُعْطَّوْاْ مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَعُونَ ﴾
[التوبة: ٥٨].
وهنا يصف الله قوماً من المنافقين بانهم
عابوا النبي صلى الله عليه وسلم في تفريق
الصدقات، وزعموا أنهم فقراء ليعطيهم.
قال أبو سعيد الخدري: (بينا رسول الله
صلى الله عليه وسلم يقسم مالا إذ جاءه
حرقوص بن زهير أصل الخوارج، ويقال له
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٣٨/٢.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٧١/٤،
أضواء البيان ١٠/ ٦٣.
٢٩٨
جوسين
القرآن الكريم

النفاق
ذو الخويصرة التميمي، فقال: اعدل یا رسول
الله. فقال: (ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل)
فنزلت الآية .. وعندها قال عمر بن الخطاب
رضي الله عنه: دعني یا رسول الله أقتل هذا
المنافق. فقال: (معاذ الله أن يتحدث الناس
أني أقتل أصحابي إن هذا وأصحابه يقرؤون
القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون منه كما
يمرق السهم من الرمية)(١).
٨. الاهتمام بالمظهر و فساد المخبر.
* وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ
كما قال الله عنهم
تُعْجِبُّكَ أَجْسَامُهُمَّ وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِمْ كَنَهُمْ
◌ُشُبُ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ
فَأَحْذَرْهُمْ قَتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴾ [المنافقون:
٤].
والمعنى: وإذا رأيت هؤلاء المنافقين
تعجبك صورهم، وإذا تكلموا تعجبك
أقوالهم لأنهم ذوو صور متناسقة، وذوو لسن
وفصاحة، ولکنھم في الحقيقة أشباح بلا
أرواح، وقلوبهم فارغة من الإيمان فكأنهم
خشب جوفاء قد نخر السوس داخلها، وهم
في غاية الهلع والجزع، يحسبون كل صوت
يقع أن البلاء قد جاءهم، وأن أمرهم قد
(١) الجامع لأحكام القرآن ١٦٦/٨.
والحديث أخرجه البخاري في صحيحه،
كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم،
باب من ترك قتال الخوارج للتألف ولئلا ينفر
الناس عنه، ١٢٩٦/٣، رقم ٦٥٣٤، ومسلم
في صحيحه، كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج
وصفاتهم، ٢/ ٧٤٠، رقم ١٠٦٣.
افتضح، وأنهم هالكون لا محالة.
وهؤلاء هم الأعداء الحقيقيون للإسلام
والمسلمين فلا تأمنهم على سر، لأن
قلوبهم متحرقة حسدًا وبغضًا، لعنهم الله
وطردهم من رحمته، فما أقبح حالهم، وما
أشد غفلتهم، فكيف يصرفون عن الحق إلى
الباطل، وعن الإيمان إلى الكفر؟(٢).
٩. التستر ببعض الأعمال المشروعة
للإضرار بالمؤمنين.
كما أخبر الله عنهم بقوله: ﴿وَالَّذِينَ
أَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَغْرِبِقًا بَيْنَ
اَلْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ.
مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدِّنَا إِلَّا الْحُسْنَىِّ وَاللَّهُ يَشْهَدُ
إِنَّهُمْ تَكَذِبُونَ (١٧)﴾ [التوبة: ١٠٧].
وقد نزلت هذه الآية في جماعة من
المنافقين بنوا مسجدًا يضارون به مسجد
قباء ضرارًا يعني: مضارة للمؤمنين
﴿وَكُفْرًا﴾ بالله ورسوله ﴿وَتَفْرِبِقَا بَيْنَ
الْمُؤْمِنِينَ﴾ لأنهم كانوا جميعا يصلون في
مسجد قباء فبنوا مسجد الضرار ليصلي فيه
بعضهم فيؤدي ذلك إلى الاختلاف وافتراق
الكلمة ﴿وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللّهَ وَرَسُولَهُ مِن
قَبْلُ﴾ أي: انتظارًا وإعدادًا لمن حارب الله
ورسوله. يقال: أرصدت له إذا أعددت له،
وهو أبو عامر الفاسق أرسل إلى المنافقين أن
استعدوا بما استطعتم من قوة ومن سلاح،
(٢) أيسر التفاسير، أسعد حومد ص ٥٠٧٠.
www. modoee.com
٢٩٩

حرف النون
وابنوالي مسجدًا فإني ذاهب إلى قيصر ملك المنافقين الذين يتخذون أهل الكفر بي
الروم فآت بجند من الروم، فأخرج محمدًا والإلحاد في ديني ﴿أَوْلِيَآءَ ﴾ يعني: أنصارًا
وأصحابه من المدينة، فبنوا مسجد الضرار
إلى جنب مسجد قباء، فذلك قوله تعالى:
﴿وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اَللّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ﴾
وهو أبو عامر الفاسق ليصلي فيه إذا رجع
من الشام(١).
١٠. اللدد في الخصومة.
قال جل شأنه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ
قَوْلُهُ فِىِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِى
٢٠٤ ﴾ [البقرة: ٢٠٤].
قَلْبِهِ قَلَ هُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ لَ
والمقصود: أن هناك أناسا منافقين
تعجب المرء حلاوة ألسنتهم، ويتظاهرون
بالورع وطيب السريرة، ويشهدون الله
على صدق طويتهم وقلوبهم، وقلوبهم في
الحقيقة هي أمر من الصبر، فهم يقولون
حسنا ويفعلون سيئا، وهم شديدو الجدل،
لا يعجزهم أن يغشوا الناس بما يظهر عليهم
من الميل إلى الإصلاح (٢).
١١. موالاة الكافرين.
قال تعالى: ﴿بَشْرِ الْمُنَفِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا
أَلِيمًا ) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَفِرِينَ أَوْلِيَاءُ مِن
دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ
لِلَّهِ جَمِيعًا )﴾ [النساء: ١٣٨ - ١٣٩].
وهنا يقول الله لنبيه: يا محمد، بشر
(١) معالم التنزيل، البغوي ٤٣٣/٣.
(٢) أيسر التفاسير، أسعد حومد ص ٢١١ بتصرف
یسیر جدا.
وأخلاء ﴿مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، يعني: من
غير المؤمنين ﴿أَيَبْنَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ﴾
يقول: أيطلبون عندهم المنعة والقوة،
باتخاذهم إياهم أولياء من دون أهل الإيمان
بي؟ ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ يقول: فإن الذين
اتخذوهم من الكافرين أولياء ابتغاء العزة
عندهم، هم الأذلاء الأقلاء، فهلا اتخذوا
الأولياء من المؤمنين، فيلتمسوا العزة
والمنعة والنصرة من عند الله الذي له العزة
والمنعة، الذي يعز من يشاء ويذل من يشاء،
فیعزهم ويمنعهم؟(٣).
١٢. التربص بالمؤمنين.
كما أخبر الله عنهم بقوله: ﴿الَّذِينَ
يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللَّهِ قَالُوا
أَلَمْ تَكُنْ مَعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَفِرِينَ نَصِيبٌ
قَالُواْ أَلَمَّ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعَّكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَّ
فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةُ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ
[النساء:
لِلْكَفِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سبيلا )﴾
١٤١].
وهنا يخبر الله تعالى عن المنافقين أنهم
يتربصون بالمؤمنين دوائر السوء، بمعنى
ينتظرون زوال دولتهم، وظهور الكفر
عليهم، وذهاب ملتهم ﴿فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ
اللَّهِ﴾ أي: نصر وتأييد وظفر وغنيمة ﴿قَالُوا
(٣) جامع البيان، الطبري ٣١٩/٩ بتصرف يسير.
٣٠٠
جَوَبُور
القرآن الكريم

النفاق
أَلَمْ تگُن مَعَكُمْ﴾ أي: یتوددون إلی المؤمنین
بهذه المقالة ﴿وَإِن كَانَ لِلْكَئِفِرِينَ نَصِيبٌ ﴾
أي: إدالة على المؤمنین في بعض الأحيان،
كما وقع يوم أحد، فإن الرسل تبتلى ثم يكون
لها العاقبة ﴿قَالُواْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعَّكُم
مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ أي: ساعدناكم في الباطن،
وما ألوناهم خبالا وتخذيلا حتى انتصرتم
عليهم. وهذا أيضًا تودد منهم إليهم، فإنهم
كانوا يصانعون هؤلاء وهؤلاء؛ ليحظوا
عندهم ويأمنوا كيدهم، وما ذاك إلا لضعف
إیمانهم، وقلة إيقانهم.
قال الله تعالى: ﴿فَللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ
يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾ أي: بما يعلمه منكم -أيها
المنافقون-من البواطن الرديئة، فلا تغتروا
بجريان الأحكام الشرعية عليكم ظاهرًا
في الحياة الدنيا، لما له تعالى في ذلك من
الحكمة، فيوم القيامة لا تنفعكم ظواهركم،
بل هو يوم تبلى فيه السرائر ويحصل ما في
الصدور (١).
١٣. المخادعة.
قال تعالى: ﴿يُحَدِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُونَ
[البقرة: ٩].
والمراد من مخادعتهم لله أنهم صنعوا
معه صنع المخادعین وإن کان العالم الذي لا
يخفى عليه شيء لا يخدع وصيغة فاعل تفید
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٣٦/٢.
الاشتراك في أصل الفعل فكونهم يخادعون
الله والذين آمنوا یفید أن الله سبحانه والذین
آمنوا يخادعونهم.
والمراد بالمخادعة من الله: أنه لما
أجرى عليهم أحكام الإسلام مع أنهم
ليسوا منه في شيء فكأنه خادعهم بذلك
كما خادعوه بإظهار الإسلام وإبطان الكفر،
مشاکلة لما وقع منهم بما وقع منه والمراد
بمخادعة المؤمنين لهم: هو أنهم أجروا
عليهم ما أمرهم الله به من أحكام الإسلام
ظاهراً وإن كانوا يعلمون فساد بواطنهم كما
أن المنافقين خادعوهم بإظهار الإسلام
وإبطان الكفر.
والمراد بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّ
﴾ الإشعار بأنهم لما خادعوا من لا
أَنْفُسَهُ
يخدع كانوا مخادعين لأنفسهم، لأن الخداع
إنما يكون مع من لا يعرف البواطن، وأما من
عرف البواطن فمن دخل معه في الخداع
فإنما يخدع نفسه وما یشعر بذلك(٢).
١٤. الإفساد بين المؤمنين.
قال تعالى عن مجموعة من المنافقين
أرادوا الخروج مع النبي في غزوة تبوك:
﴿لَوْ خَرَجُواْ فِيَكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا
وَلَأَوْضَعُواْ خِلَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيَكُمْ
سَمَّعُونَ لَمُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ
٤٧
[التوبة: ٤٧].
(٢) فتح القدير ٦٥/١.
www. modoee.com
٣٠١

حرفالنون
والقلوب الحائرة تبث الخور والضعف
في الصفوف، والنفوس الخائنة خطر على
الجيوش؛ ولو خرج أولئك المنافقون
ما زادوا المسلمين قوة بخروجهم بل
لزادوهم اضطرابًا وفوضى. ولأسرعوا بينهم
بالوقيعة والفتنة والتفرقة والتخذيل. وفي
المسلمين من يسمع لهم في ذلك الحين.
ولكن الله الذي يرعى دعوته ويكلأ رجالها
المخلصين، كفى المؤمنين الفتنة، فترك
المنافقين المتخاذلين قاعدين(١).
١٥. الحلف الكاذب.
قال الله تعالى عنهم: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ
إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُوُ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌّ
يَقْرَقُونَ ﴾ التوبة: ٥٦].
والمعنى: يتظاهر هؤلاء المنافقون
بأنهم منکم، ليأمنوا بأسكم، ويحلفون بالله
كذبا أنهم منكم في الدين والملة، وهم
في الحقيقة ليسوا من أهل دینکم، بل هم
أهل شك ونفاق، وإنهم إنما يفعلون ذلك،
ويحلفون لكم، خوفا منكم وفرقا، فهم خوفًا
منكم يقولون بألسنتهم: ((إنا منكم))، ليأمنوا
فيكم فلا يقتلوا (٢).
١٦. الغدر وعدم الوفاء بالعهود مع الله.
كما أخبر الله تعالى عنهم: ﴿٥
مَّنْ عَهَدَ اللَّهَ لَيْنْ ءَاتَنْنَا مِن فَضْلِهِ، لَنَصَّدَّقَنَّ
مِنْهُم
(١) في ظلال القرآن ٣٥/٤.
(٢) جامع البيان، الطبري ٢٩٧/١٤، أيسر
التفاسير، أسعد حومد ص ١٢٩٢.
وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّلِحِينَ ﴿ فَلَمَآ ءَاتَنهُم مِّن
فَضْلِهِ، بَخْلُواْ بِهِ، وَتَوَلَّواْ وَهُم ◌ُعْرِضُونَ
٧٦
فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِى قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَّاً
أَخْلَفُواْاللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ
(٣٧)﴾ [التوبة: ٧٥ - ٧٧].
وهذا صنف من المنافقين قد عاهد
الله تعالى لئن أغناهم من فضله وأصبحوا
ذوي ثروة ومال كثير ليصدقن منه ولينفقنه
في طريق البر والخير، فلما أعطاهم الله ما
سألوا وكثر مالهم شحوا به وبخلوا، وتولوا
عما تعهدوا به وما كانوا عليه من تقوى
وصلاح، وهم معرضون. فأورثهم هذا
البخل وخلف الوعد والكذب ﴿نِفَاقًا فِى
قُلُوبِهِمْ﴾ لا يفارقهم حتى يلقوا ربهم(٣).
١٧. الفرح بالتخلف عن الجهاد.
قال الله تعالى: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ
بِمَقْعَدِهِمْ خِلَفَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُواْ أَن يُجَهِدُوا
بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُواْ لَا نَنَفِرُواْ فِى
اُلْحَرَّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرَّأَ لَّوْ كَانُواْ يَفْقَهُونَ
(٥)﴾ [التوبة: ٨١].
والسياق هنا في الحديث عن المنافقين،
فقال تعالى مخبرًا عنهم: ﴿فَرِحَ
الْمُخَلَّفُونَ﴾ أي: سر المتخلفون
﴿بِمَقْعَدِهِمْ خِلَفَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ أي:
بقعودهم بعد رسول الله صلى الله عليه
وسلم في المدينة ﴿وَكَرِهُواْ أَنْ يُجَهِدُواْ
(٣) أيسر التفاسير ٢/ ٤٠١ بتصرف يسير.
٣٠٢
جوب
القرآن الكريمِ

النفاق
بِأَمْوَهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ في سبيله، وكرههم هذا للخطر من ورائهم .. وهي دعوة خبيثة
تأتي النفوس من الثغرة الضعيفة فيها، ثغرة
الخوف على النساء والذراري.
للجهاد هو ثمرة نفاقهم وكفرهم وقولهم:
﴿لَا ◌َنْفِرُواْ فِي الْحَرِّ﴾ لأن غزوة تبوك كانت في
شدة الحر، قالوا هذا لبعضهم بعضًا وهنا أمر
الله تعالى رسوله أن يرد عليهم قولهم هذا
فقال: ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّحَرًّاً﴾ فلماذا لا
يتقونها بالخروج في سبيل الله كما يتقون
الحر بعدم الخروج.
وقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ أي:
لما تخلفوا عن الجهاد لأن نار جهنم أشد
حرًا، ولكنهم لا يفقهون. وقوله تعالى:
فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلًا﴾ أي: في هذه الحياة الدنيا
بما يحصل لهم من المسرات ﴿وَلْيَبَّكُوا
کیًا﴾ أي يوم القيامة لما ینالهم من الحرمان
جَزَاءُ بِمَا كَانُواْ
والعذاب، وذلك كان
يَكْسِبُونَ﴾ من الشر والفساد (١).
١٨. التخذيل والتثبيط والإرجاف.
كما أخبر الله تعالى عنهم: ﴿وَإِذْقَالَتِ
◌َائِفَةٌ مِنْهُمْ يَتَأَهْلَ يَغْرِبَ لَا هُقَامَ لَكُمْ فَرْجِعُواْ
وَيَسْتَعْذِنُ فَرِقٌ مِنْهُمُ النَّبِىِّ يَقُولُونَ إِنَّ بُوتَنَا
عَوْرَةٌ وَمَا هِىَ بِعَوْرَةٌ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا )﴾
[الأحزاب: ١٣].
فهم يحرضون أهل المدينة على ترك
الصفوف، والعودة إلى بيوتهم، بحجة أن
إقامتهم أمام الخندق مرابطين هكذا، لا
موضع لها ولا محل، وبيوتهم معرضة
(١) المصدر السابق ٤٠٥/٢.
والسياق هنا يرسم صورة نفسية لهؤلاء
المنافقين والذين في قلوبهم مرض. صورة
نفسية داخلية لوهن العقيدة، وخور القلب،
والاستعداد للانسلاخ من الصف غير مبقين
على شيء، ولا متجملين لشيء(٢).
١٩. عدم الانتفاع بالقرآن.
قال جل شأنه: ﴿وَإِذَا مَآ أُنْزِلَتْ سُورَةٌ
فَمِنْهُم مَن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَنَاْ فَأَمَّا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَنَّا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ
١) وَأَمَّا الّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ
١٢٤
رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَفِرُونَ
﴾ [التوبة: ١٢٤ - ١٢٥].
(١٢٥)
أن ما يهدي
وهذا من جملة شقائهم
القلوب یکون سببا لضلالهم ودمارهم، كما
أن سيئ المزاج لو غذي بما غذي به لا یزیده
إلا خبالًا ونقصًا (٣).
٢٠. الاستخفاء من الناس.
قال الله تعالى عنهم:
ـخْفُونَ
يَسْتَّخْـ
مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَّ مَعَهُمْ
إِذْ يُبَيْتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِّ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا
(١)﴾ [النساء: ١٠٨].
يَعْمَلُونَ مُحِیطًا
وهنا يبين الله أحوال هؤلاء الخائنين،
(٢) في ظلال القرآن ٦/ ٥٧ بتصرف.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٣٩/٤.
www. modoee.com
٣٠٣

حرفالنون
وينعي عليهم أفعالهم، فقال الله تعالى إن
من شأن هؤلاء الخائنين أنهم يستترون من
الناس عند اجتراح السيئات والآثام، إما
حياء، وإما خوفا من العقاب، ولا يستخفون
من الله، ولا يستترون منه بترك ارتكابها،
لضعف إيمانهم، لأن الإيمان يمنع من
الإصرار، ومن تكرار الذنب، فمن يعلم أن
الله يراه في حالك الظلمة، لا بد له من أن
يترك الذنب حياء من الله. ويقول تعالى: إنه
مشاهدهم حين يتفقون ليلًا على ما لا يرضي
الله من القول تبرئة لأنفسهم، ورميا لغيرهم
بجريمتهم، والله حافظ لأعمالهم (محيطا)
لا يعزب عن عمله مثقال ذرة في السماء
ولا في الأرض، فلا سبيل إلى نجاتهم من
عقابه(١).
وهكذا تتضح صفات المنافقين في
كتاب الله تعالى وهي صفات لا تخطئها
عين المؤمن ولا بصيرته.
مظاهر النفاق
أبرز القرآن الكريم مظاهر النفاق في عدد
من آياته الكريمة، حتى يجلي للمؤمنين حال
المنافقين، ویهتك سترهم. ولیحدد - کذلك
- المعالم الأساسية لهذه الظاهرة الخبيثة،
حتى لا تتوه بين دروب المجتمع المسلم.
والمتدبر في كتاب الله تعالى يجد أن أهم
هذه المظاهر ما يأتي:
أولًا: التكذيب والتشكيك:
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ
وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم ◌َّرَضُ مَّا وَعَدَنَا ◌َللَّهُ وَرَسُولُ: إِلَّا
غُرُورًا ﴾ [الأحزاب: ١٢].
ذكر الطبري رحمه الله في تفسير هذه
الآية الكريمة عن قتادة قال: ذلك أناس من
المنافقين، قد كان محمد يعدنا فتح فارس
والروم، وقد حصرنا هاهنا، حتى ما يستطيع
أحدنا أن يبرز لحاجته، ما وعدنا الله ورسوله
إلا غرورًا.
كما ذكر الطبري رواية أخرى في هذا
السياق عن ابن زيد، قال: (قال رجل يوم
الأحزاب لرجل من صحابة النبي صلى الله
عليه وسلم: يا فلان أرأيت إذ يقول رسول
الله: (إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، وإذا
هلك كسرى فلا كسرى بعده، والذي نفسي
بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله) فأين
هذا من هذا، وأحدنا لا يستطيع أن يخرج
(١) أيسر التفاسير، أسعد حومد ص ٦٠١.
جَوَسُولَةُ النَّتِيَّة
لِلْقُرآن الكَرِيمِ
٣٠٤