النص المفهرس

صفحات 21-39

النسيان
فيها الناسین إنما وردت في سياق الحديث
عن الكفار والمنافقين، ولم ترد في سياق
وصف المؤمنین، مما يدل على أن المؤمن
لا ينبغي له أن يتصف بصفات الكفار
والمنافقين.
ومن النسيان المؤاخذ عليه:
١. نسيان الله تعالى.
نسیان المخلوق لخالقه من أقبح صور
النسیان وأشنعھا، حیث إنه يعد نسیانًا للمنعم
وجحدًا للنعمة وتنكرًا من العبد لربه ومولاه
الذي خلقه في أحسن تقويم، فالذي ینسی
الله يهيم في هذه الحياة بلا رابطة تشده إلى
أفق أعلى، وبلا هدف يردعه عن السائمة
التي ترعى، وفي هذا نسيان لإنسانيته.
وفي ذلك يقول سبحانه: ﴿اَلْمُنتَفِقُونَ
وَالْمُنَفِقَتُ بَعْضُهُم مِّنْ بَعْضِ يَأْمُرُونَ
بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ
وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمُّ إِنَّ
الْمُنَفِقِينَ هُمُ الْفَسِقُونَ
٦٧
[التوبة: ٦٧].
فنسيان الله تعالى من صفات المنافقين
الذين هم على خلاف صفات المؤمنين،
فالمؤمن دائم الذکر لله والمنافق ینسی ذکر
الله سبحانه(١).
قال القرطبي في تفسير هذا النسيان:
((والنسيان الترك هنا، أي تركوا ما أمرهم الله
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٦٨/٢.
به فتر کهم في الشك، وقيل: إنهم تركوا أمره
حتى صار كالمنسي فصيرهم بمنزلة المنسي
من ثوابه، وقال قتادة: نسيهم، أي: من الخير،
فأما من الشر فلم ينسهم» (٢).
فالمنافقون الذين هذه صفتهم من
طينة واحدة وطبيعة واحدة، المنافقون في
كل زمان وفي كل مكان تختلف أفعالهم
وأقوالهم، ولكنها ترجع إلى طبع واحد،
وتنبع من معين واحد، سوء الطوية ولؤم
السريرة، والضعف عن المواجهة والجبن
عن المصارحة؛ لأنهم لا يجرؤون على
الجهر إلا حين يأمنون، إنهم نسوا الله
فلا يحسبون إلا حساب الناس وحساب
المصلحة، ولا يخشون إلا الأقوياء من
الناس يذلونهم ويدارونهم (٣).
ونظرًا لشناعة هذه الصفة وقبحها
يحذر الله المؤمنين من أن يقعوا فيما وقع
فيه المنافقون فيخاطبهم سبحانه قائلًا:
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنَّقُواْ اللّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسُ
مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍّ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيْرٌ بِمَا
تَعْمَلُونَ (٨) وَلَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ نَسُواْ اللَّهَ فَأَنَسَنُهُمْ
أَنْفُسَهُمْ أُوْلَِّكَ هُمُ الْفَسِقُونَ ﴾
[الحشر: ١٨-١٩].
فقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُواْ
اللَّهَ﴾ أي: تركوا أمره أو ما قدروه حق قدره
(٢) الجامع لأحكام القرآن ١٨٥/٨.
(٣) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ١٦٧٣/٣.
www. modoee.com
٩٥

حرفالنون
أو لم يخافوه، أو جميع ذلك(١).
ويقول ابن عاشور في تفسير هذه الآية:
«بعد أن أمر المؤمنين بتقوى الله وإعداد
العدة للآخرة أعقبه بهذا النهي؛ تحذيرًا
عن الإعراض عن الدين والتغافل عن
التقوى، وذلك يفضي إلى الفسوق، وجيء
في النهي بنهيهم عن حالة قوم تحققت
فيهم هذه الصلة؛ ليكون النهي عن إضاعة
التقوى مصورًا في صورة محسوسة، هي
صورة قوم تحققت فيهم تلك الصلة، وهم
الذين أعرضوا عن التقوى، وهذا الإعراض
مراتب قد تنتهي إلى الكفر الذي تلبس به
اليهود، وإلى النفاق الذي تلبس به فريق
ممن أظهروا الإسلام في أول سني الهجرة،
وظاهر الموصول أنه لطائفة معهودة فيحتمل
أن يراد بالذين نسوا الله المنافقين؛ لأنهم
کانوا مشرکین ولم يهتدوا للتوحید بهدی
الإسلام فعبر عن النفاق بنسيان الله؛ لأنه
جهل بصفات الله من التوحيد والكمال؛
لذلك عبر عنهم بالفاسقين في قوله: ﴿نَسُواْ
اَللَّهَ فَأَنْسَنُهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَكَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾
[الحشر: ١٩].
فتكون هذه الآية ناظرةإلى تلك، ويحتمل
أن يكون المراد بهم اليهود؛ لأنهم كفروا
بمحمد صلى الله عليه وسلم، وأضاعوا
دينهم، ولم يقبلوا رسالة عيسى، فالمعنى
(١) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٢٠٦/٥.
جَوَبُور
القرآن الكريمِ
نسوا دين الله وميثاقه الذي واثقهم به ...
وقد أطلق نسيانهم على الترك والإعراض،
فالكلام بتقدیر عن عمد، أي: فنسوا دلائل
توحيد الله ودلائل صفاته، ودلائل صدق
رسوله وفهم کتابه، فالکلام بتقدیر: حذف
مضاف أو مضافين)) (٢).
فمن خلال استعراض أقوال المفسرين
نجد أن معنى نسيان الله تعالى، هو ترك
أوامره، ونسيان ذكره، وأصحاب هذه الصفة
لا یحسبون حسابًا لله بل یحسبون حساب
الناس وحساب المصلحة، ولا يخشون إلا
الأقوياء من الناس، یذلون لهم ويدارونهم،
فنسیهم الله، فلا وزن لهم ولا اعتبار.
والله تبارك وتعالى نسيهم من رحمته،
فلا یوفقهم لخیر، ولا يدخلهم الجنة، بل
يتركهم في الدرك الأسفل من النار خالدين
فيها مخلدین.
٢. نسيان آيات الله.
فآيات الله تعالى ظاهرة للأعين البصيرة،
واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار، لا
تزيد صاحب الفطرة السليمة والعقل المجرد
إلا يقينًا بالله تبارك وتعالى، واذعانًا لأوامره
جل جلاله.
وجاء في القرآن العظيم آيات كثيرة منها
الكونية، ومنها التشريعية، فمن القبح نسيان
آيات الله سبحانه وتعالى، وقد ذكر الله
(٢) التحرير والتنوير ٢٨/ ١١٢.
٩٦

النسيان
تعالى هذا النوع من النسيان في كتابه العزيز وتحشر أعمى، والنسيان في الموضعين
مستعمل كناية أو استعارة في الحرمان من
فقال تعالى: ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَنَتْكَ ءَايَتُنَا فَنَسِيْنَهَا
وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ نُنسَى ﴾ [طه: ١٢٦].
حظوظ الرحمة)) (٤).
أي: أتتك آياتنا واضحة مستنيرة فلم
تنظر إليها بعين المعتبر ولم تتبصر، وتركتها
وعميت عنها، فكذلك اليوم نتركك على
عماك ولا نزيل غطاءه عن عينيك(١).
يقول الخازن: «يعني: كما أُتتك آياتنا
فنسیتها فطردتها وأعرضت عنها کذلك اليوم
تنسى يعني: تترك في النار، وقيل: نسوا من
الخير والرحمة ولم ينسوا من العذاب» (٢).
فالله تعالى علل ذلك العمى بأن المكلف
نسي آيات الله ودلائل وجوده في هذه الحياة
الدنيا، فلو كان العمى الحاصل في الآخرة
بین ذلك النسیان لم یکن للمكلف بسبب
ذلك ضرر، کما أنه ما کان له في الدنيا بسبب
ذلك ضرر، فالمراد من حشره أعمی أنه لا
يهتدي يوم القيامة إلی طریق ینال منه خيرًا،
بل یبقی واقفًا متحیرًا کالأعمى الذي لا
يهتدي إلى شيء، وقد أنزل الله به هذا العمى
جزاء علی تر که اتباع الهوى والإعراض عنه،
فمقابل نسيانه لآيات الله في الدنيا ينسى في
الآخرة ويعمى ولا يهتدي إلى خير (٣).
ویقول ابن عاشور: «كذلك أتتك آياتنا
فنسيتها وعميت عنها فكذلك اليوم تنسى
(١) انظر: الكشاف، الزمخشري ٩٣/٣.
(٢) لباب التأويل ٢١٧/٣.
(٣) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١٣٢/٢٢.
من الملاحظ أن المفسرين اتفقوا على
أن نسیان آیات الله بمعنی الإعراض عنھا،
وعدم اتباع الهدى الذي يترتب عليه نسيان
صاحبه من الخير والرحمة وعدم هدايته
إلى طرق الخير وأبوابه، بالإضافة إلى أنه
لا ينسى من عقاب الآخرة فيحشر أعمى
ويكون له من عذاب الله ما يستحق يوم
القيامة.
٣. نسیان ذکر الله.
نسيان ذكر الله يؤدي إلى فتح أبواب
الشر على مصراعيها على الإنسان الذي
نسي، حيث تلتبس عليه مفاهيم الحق
والباطل ليجد نفسه متلبسًا بالمنكر، وعندما
يواجه لحظة الحسم بنزول عذاب الله عليه
في الدنيا أو عندما یسلم الروح إلى بارئها
يقف عاجزًا عن تبرير نسيانه.
قال تعالى: ﴿فَكَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِرُواْ بِهِ،
فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَبَ كُلِّ شَىْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ
بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُم ◌ُّبْلِسُونَ ()
[الأنعام: ٤٤].
فالله سبحانه طلب من عباده أن يكثروا
الَّذِينَ
من ذكره، حيث قال تعالى:
ءَامَنُواْ أَذَّكُرُواْ اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ) وَسَبِّحُوهُ بَّكْرَةً
(٤) التحرير والتنوير ٣٣٣/١٦.
www. modoee.com
٩٧

حرف النون
﴾ [الأحزاب: ٤١- ٤٢].
وَأَصِيلًا
وعبادة الذكر من العبادات التي يحبها
ربنا جل في علاه، وقد ذم الله الذين نسوا
قَالُواْ
الذكر ووصفهم بالفساد حيث يقول:
سُبْحَتَكَ مَا كَانَ يَطْبَغِى لَّا أَنْ تَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ
مِنْ أَوْلِيَاءُ وَلَكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَءَابَآءَ هُمْ حَتَّى نَسُواْ
الذِّكْرَ وَكَانُواْ قَوْمًا بُورًا )﴾ [الفرقان: ١٨].
حيث جعل نسيانهم الذكر غاية للتمتیع؛
للإيماء إلى أن ذلك التمتيع أفضى إلى
الكفران، والنسيان مستعمل في الإعراض
عن عمد على وجه الاستعارة؛ لأنه إعراض
يشبه النسيان في كونه عن غير تأمل ولا
بصيرة(١).
ويقول سيد قطب: ((فهذا المتاع الطويل
الموروث على غير معرفة بواهب النعمة،
ولا توجه، ولا شكر، قد ألهاهم وأنساهم
ذكر المنعم، فانتهت قلوبهم إلى الجدب
والبوار كالأرض البور لا حياة فيها ولا زرع
ولا ثمار، والبوار الهلاك ولكن اللفظ يوحي
كذلك بالجدب والخواء، جذب القلوب
وخواء الحياة)) (٢).
ومن الآيات التي ذمت نسيان ذكر الله
تعالى قوله تعالى: ﴿فَأََّذْتُهُوُ سِخْرِيًّا حَتَّى
أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِى وَّكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ (
[المؤمنون: ١١٠].
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور
٣٤٠/١٨.
(٢) في ظلال القرآن ٥/ ٢٥٥٥.
أي: اتخذتموهم هزؤًا وتشاغلتم بهم
ساخرين حتى أنسوكم بتشاغلكم بهم على
تلك الصفة ذكري، فتركتم أن تذكروني
فتخافوني في أوليائي (٣).
قال مقاتل: ((إن رؤساء قريش مثل أبي
جهل وعتبة وأبي بن خلف كانوا يستهزئون
بأصحاب رسول الله ويضحكون بالفقراء
منهم مثل: بلال وخباب وعمار وصهيب،
والمعنى اتخذتموهم هزؤًا حتى أنسوكم
بتشاغلکم بهم ذکري» (٤).
ومن الآيات التي ذكرت هذا النوع
من النسيان أيضًا قوله تعالى: ﴿أَسْتَحْوَذَ
عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَنُهُمْ ذِكْرِ اللّهِ أُوْلَكَ حِزْبُ
الشَّيْطِنِّ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَنِ هُمُ الَِّْرُون١َ
[المجادلة: ١٩].
(( أي: استحوذ على قلوبهم الشيطان
حتی أنساهم أن یذکروا الله و کذلك يصنع
بمن استحوذ عليه)) (٥)
قال القرطبي: قوله تعالى: ﴿اُسْتَحْوَذَ
عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ (( أي: غلب واستعلى، أي:
بوسوسته في الدنيا، وقيل: قوي عليهم أو
أحاط بهم أو جمعهم وضمهم.
يقال: أحوذ الشيء، أي: جمعه وضم
بعضه إلى بعض، وإذا جمعهم فقد غلبهم
وقوي عليهم وأحاط بهم فأنساهم ذكر
(٣) انظر: الكشاف، الزمخشري ٢٠٠/٣.
(٤) مفاتيح الغيب، الرازي ١٢٦/٢٣.
(٥) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٢٨/٤.
٩٨
جَوَنُوالَهُ النَّفِيَّ
القرآن الكريم

النسيان
الله)»(١).
فمن خلال ما تقدم يتبين أن السبب في العذاب المبين جياعًا عطاشًا بغير طعام
الرئيس وراء نسيان ذكر الله تعالى هو
الانهماك في المعاصي، واتباع خطوات
الشيطان، مما يهيئ الأجواء للشيطان لأن
يستحوذ على العصاة، ويستخدمهم لتنفيذ
غواياته ويشغلهم بمعصية الله وإيذاء عباده
من ذكره سبحانه.
إن الإنابة إلى الله تعالى بذكره واستغفاره
كفيلة بأن تمحو عن المؤمن كل سيئة.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَدِشَةً
أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَأَسْتَغْفَرُواْ
لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّ اللَّهُ وَلَمْ
يُصِرُ واْ عَ مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ [آل
عمران: ١٣٥].
وفي الآية تسلية لمن فعل الفواحش أو
صدر منه تقصير بحق الله تعالی علیه بأن
يسارع إلى ذكره واستغفاره؛ لیجب عنه ما
سبق من إثم أو تقصير.
٤. نسيان لقاء الله.
نسيان لقاء الخالق جل جلاله نوع من
النسيان، كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ
أَتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهُوَّا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ
اَلْحَيَوَةُ الدُّنْيَا فَأَلْيَوْمَ نَنسَهُمْ كَمَا
نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُواْ بِعَايَئِنَا
يُجَحَدُونَ {ال
: [الأعراف: ٥١].
(١) الجامع لأحكام القرآن ١٧/ ٢٩١.
بمعنى أن الله تعالى يتركهم يوم القيامة
ولا شراب كما تركوا العمل للقاء يومهم
هذا، ورفضوا الاستعداد له بإتعاب أبدانهم
في طاعة الله (٢).
قال ابن عباس رضي الله عنهما: نسيهم
من الخير ولم ينسهم من الشر، وقيل: معناه
نعاملهم معاملة من نسي فتتركهم في النار
كما تركوا العمل وأعرضوا عن الإيمان
إعراض الناسي، سمي الله تعالى جزاء
نسيانهم بالنسيان على المجاز؛ لأن الله لا
ينسى، فيكون المراد من هذا النسيان أن الله
تعالى لا يجيب دعاءهم، ولا يرحم ضعفهم
وزلتهم، بل يتركهم في النار كما تركوا
(٣)
.
الإيمان والعمل
((والنسيان في الموضعين مستعمل
مجازًا في الإهمال والترك؛ لأنه من لوازم
النسيان فإنهم لم يكونوا في الدنيا ناسين لقاء
يوم القيامة، فقد کانوا یذکرونه ويتحدثون
عنه حديث من لا يصدق بوقوعه وتعليق
الظرف بفعل ننساهم؛ لإظهار أن حرمانهم
من الرحمه كان في أشد أوقات احتياجهم
إليها، فكان لذكر اليوم أثر في إثارة تحسرهم
وندامتهم وذلك عذاب نفساني ودل معنى
كاف التشبيه في قوله: ﴿كَمَا نَسُواْ﴾
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٠٢/٨.
(٣) انظر: لباب التأويل، الخازن ٢٠٥/٢.
www. modoee.com
٩٩

حرف النون
على أن حرمانهم من رحمة الله كان مماثلًا يقابله الله بالخزي والغم والهم في الدنيا
من باب أن الجزاء من جنس العمل، وعقوبة
لإهمالهم التصديق باللقاء وهي مماثلة جزاء
العمل للعمل)»(١).
هؤلاء الناسین بتر کهم في نار جهنم خالدين
فيها أبدا.
ومن الآيات كذلك التي تصور نسيان لقاء
الله قوله تعالى: ﴿فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ
يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِيِنَكُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ
اُلْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [السجدة: ١٤].
((فجعل ذوق العذاب نتيجة فعلهم
من نسيان العاقبة، وقلة الفكر فيها، وترك
الاستعداد لها، والمراد بالنسيان خلاف
التذكر، يعني: أن الانهماك في الشهوات
أذهلكم وألهاكم عن تذكر العاقبة وسلط
عليكم نسيانها، ثم قال: إنا نسيناكم على
المقابلة، أي جازيناكم جزاء نسيانكم،
وقيل: هو بمعنى الترك، أي: تركتم الفكر
في العاقبة فتركناكم من الرحمة، وفي
استئناف قوله: ﴿إِنَّا نَسِينَكُمْ﴾ وبناء
الفعل على إن واسمها تشديد في الانتقام
منهم، والمعنى فذوقوا هذا، أي: ما أنتم
فيه من نكس الرؤوس والخزي والغم؛
بسبب نسيان اللقاء وذوقوا العذاب المخلد
في جهنم؛ بسبب ما عملتم من المعاصي
والكبائر الموبقة (٢).
من خلال ما تقدم يتبين أن نسيان لقاء الله
من أقبح أنواع النسيان، وتركهم المذموم
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٥١/٥.
(٢) انظر: الكشاف، الزمخشري ٥١٧/٣.
جوبيـ
لِلْقُرآن الكَرِيمِ
٥. نسيان النفس.
نسيان المرء لنفسه، يجعله يضيع نفسه
في عاجلها وآجلها، يضيع الدنيا فتلفه
المشكلات من كل صوب، ويضيع الآخرة
بخسران النجاة والفوز بالجنة، وعلى مقدار
النسيان والتضييع لأمر الله تعالى سيكون
التضييع للنفس والدنيا والآخرة.
قال تعالى: ﴿ وَلَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ
فَأَنْسَنُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ
[الحشر: ١٩].
١٩
وأي عقوبة أعظم من عقوبة من أهمل
نفسه وضيعها، ونسي مصالحها، وداءها
ودواءها، وأسباب سعادتها وفلاحها
وصلاحها وحياتها الأبدية في النعيم
(٣)
المقيم (٣).
أَتَأْمُونَ النَّاسَ بِآلْبِّ
قال تعالى:
وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنتُمْ نَتْلُونَ الْكِتَبَّ أَفَلَا
تَعْقِلُونَ ﴾ [البقرة: ٤٤].
وأشد ما قرع الله في هذا الموضع من
يأمر بالخير ولا يفعله من العلماء الذين
هم غير عاملين بالعلم، فاستنكر عليهم
(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٣٦٦/١.
١٠٠

النسيان
أولا أمرهم للناس بالبر مع نسيان أنفسهم بسبب الأمر بالبر؛ ولهذا ذم تعالى في كتابه
قومًا كانوا يأمرون بأعمال البر ولا يعملون
بها، ووبخهم الله توبيخًا يتلى على طول
الدهر إلى يوم القيامة))(٣).
في ذلك الأمر الذي قاموا به في المجامع
ونادوا به في المجالس؛ إيهامًا للناس بأنهم
مبلغون عن الله ما تحملوه من حججه،
ومبينون لعباده ما أمرهم ببيانه، وموصلون
إلى خلقه ما استودعهم وائتمنهم عليه،
وهم أترك الناس لذلك وأبعدهم من نفعه
وأزهدهم فيه، ثم ربط هذه الجملة بجملة
أخرى جعلها مبينة لحالهم وكاشفة لعوارهم
وهاتكة لأستارهم، وهي أنهم فعلوا هذه
الفعلة الشنيعة والخصلة الفظيعة على علم
منهم ومعرفة بالكتاب الذي أنزل عليهم
وملازمة لتلاوته، ثم انتقل معهم من تقريع
إلى تقريع، ومن توبيخ إلى توبيخ فقال: إنكم
لو لم تكونوا من أهل العلم وحملة الحجة
وأهل الدراسة لكتب الله، لكان مجرد
کونکم ممن يعقل حائلا بینکم وبين ذلك،
زاجرًا لكم منه، فكيف أهملتم ما يقتضيه
العقل بعد إهمالكم لما يوجبه العلم؟! (١).
قال الطبري: «أتأمرون الناس بطاعة الله
وتتركون أنفسكم تعصيه؟ فهلا تأمرونها بما
تأمرون به الناس من طاعة ربكم؟ معيرهم
بذلك، ومقبحًا إليهم ما أتوا به))(٢).
وقال القرطبي: « اعلم وفقك الله تعالی
أن التوبيخ في الآية بسبب ترك فعل البر، لا
(١) انظر: فتح القدير، الشوكاني ١/ ٩٢.
(٢) جامع البيان ١/ ٩.
وأما دوافع النسيان، فمنها:
١. الشيطان.
المنحرفين عن سنن الإسلام إما بفساد في
العقيدة، أو انحراف في السلوك نجد تعليلاً
لذلك، يتمثل في تسلط الشيطان عليهم،
وسيطرته على نفوسهم، فأنساهم خالقهم
وبذلك تم لهم الانغماس في ضلالهم،
يقول تعالى: ﴿أَسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَائِنُ فَأَنْسَنُهُمْ
ذِّ اللّهِ أُوْلَمْكَ حِزْبُ الشَّيْطِنِّ أَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَنِ
هُمُ الْخَيْرُونَ ﴾ [المجادلة: ١٩].
والشيطان لا يقصر جهده على الأشرار
فهم جنوده، وقد فرغ منهم، ولکنه يبحث في
السائرين على طريق الرشاد يحاول جذبهم
إليه.
ذكر القرآن الكريم أن الشيطان يتسبب
في النسيان في خمسة مواطن، وأغلب
هذه المواطن خاصة ببعض الأنبياء، لذا
يقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم يذكره
بمحاولات الشيطان جذبه إليه في مجالس
هؤلاء الضالين، ويحذره من الجلوس معهم
أكثر من فترة التذكير والتوجيه.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيّ
(٣) الجامع لأحكام القرآن ١/ ٣٦٦.
www. modoee.com
١٠١

حرفالنون
ءَايَئِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْهِ،ً
وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَكِنُ فَلَ نَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى
مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ [الأنعام: ٦٨].
قال الطبري: (( إن أنساك الشيطان نهينا
إياك عن الجلوس معهم والإعراض عنهم
في حال خوضهم في آياتنا، ثم ذكرت ذلك،
فقم عنهم، ولا تقعد بعد ذكرك ذلك مع
القوم الظالمين الذين خاضوا في غير الذي
لهم الخوض فيه بما خاضوا به فيه. وذلك
هو معنى ((ظلمهم)) في هذا الموضع)) (١).
وعلى كل فرد من آحاد الأمة أن لا
یجلس مع المكذبین الذین یحرفون آيات
الله، ويضعونها على غير موضعها؛ ويشمل
الخائضين بالباطل، وكل متكلم بمحرم،
أو فاعل لمحرم، فإنه يحرم الجلوس
والحضور عند حضور المنكر الذي لا يقدر
على إزالته (٢).
وقد بسط الله سبحانه القول فى الشيطان
في آيات كثيرة، وأوضح طرائق إضلاله
وإغوائه في بيان جلي أقام به الحجة على
الخلق، وأزال به كل عذر لمعتذر.
٢. الغرور.
الغرور هو أن يسيء الإنسان فهم نفسه،
بأن ينسى الأصل الذي منه نشأ، أو پنسى أن
الأيام تدول، وأن النعم تزول، وأن النعمة
(١) جامع البيان ٤٣٦/١١.
(٢) انظر: المصدر السابق.
مَوَسُولَة النَّفِيَة
القرآن الكريم
قد تصير شقاء، والجاه قد يتحول إلى بلاء،
وسوء الفهم الذي يوجد الغرور هو الذي
ينسي الإنسان هذه الحقائق الثابتة من سنن
الله في الحياة.
فأبي بن خلف عندما وقف موقف
التحدي، منكرًا في تهكم عقيدة البعث،
ويأتي بعظام بالية ويفتتها بيده ويقول:
يا محمد أترى الله يحيي هذا بعدما قد
رم؟! (٣)، فأبي في موقفه تبدو منه حماقة
البغي، وشراسة الجحود، والكبر والغرور،
لم يدر بخلده الماء المهين الذي خلقه الله
منه، ولو تذكره لرجع إلى نفسه قبل أن يقول
ما قال: وهذه هي الحقيقة التي يسجلها
القرآن الكريم: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِىَ خَلْقَهُ.
قَالَ مَن يُحْيِ اَلْعِظَمَ وَهِىَ رَمِيمٌ ﴿ قُلْ يُحْيِيهَا
الَّذِىّ أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيهُ
[يس: ٧٨-٧٩].
فالغرور أنساه إحدى بديهيات الوجود
حتى تورط فيما تورط فيه من كفران
وجحود.
وقصة صاحب الجنتين نموذجًا للكبر
والغرور، فالكافر الغني أخذ يتعالى
على صاحبه الفقير: ﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ، وَهُوَ
مُحَاوِرُهُ، أَنَاْ أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا )
[الكهف: ٣٤].
ثم يخطو بصاحبه إلى إحدى الجنتين،
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤/ ٤٩٣.
١٠٢

النسيان
وملء نفسه البطر، وملء جنبه الغرور
وقد نسي الله، ونسي أن یشکره على ما
أعطاه وظن أن هذه الجنان المثمرة لن تبيد
أبدًا، أنكر قيام الساعة أصلًا، وهبها قامت
فسيجد هنالك الرعاية والإيثار! أليس من
أصحاب الجنان في الدنيا فلا بد أن يكون
جنابه ملحوظًا في الآخرة! ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ.
وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، قَالَ مَّا أَعُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ
وَمَآ أَظُنُّ السَّاعَةَ قَآيِمَةٌ وَلَيِن
أَبَدًا ®
رُدِدتُّ إِلَى رَبِ لَأَجِدَنَ خَيْرًاً مِّنْهَا مُنقَلَبًا
٣٦
[الكهف: ٣٥-٣٦].
فالغرور يخيل لذوي الجاه والسلطان
والمتاع والثراء، أن القيم التي يعاملهم بها
أهل هذه الدنيا الفانية تظل محفوظة لهم
حتى في الملأ الأعلى! فما داموا يستطيلون
علی أهل هذه الأرض فلا بد أن یکون لهم
عند السماء مكان ملحوظ! فأما صاحبه
الفقير الذي لا مال له ولا نفر ولا جنة عنده
ولا ثمر فإنه معتز بما هو أبقى وأعلى، معتز
بعقيدته وإيمانه، معتز بالله تعالى (١).
إن الإنسان المغرور يفزع إلى ربه في
الضراء، وينسى ضراعته في السراء،
وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَنَ ضُرّ دَهَا رَبَّهُ، مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا
خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِىَ مَا كَانَ يَدْعُوْاْ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ
وَجَعَلَ لِلَّهِأَنْدَادَالِيُضِلَ عَن سَبِيلِهِ، قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ
قَلِيلًاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَبِ النَّارِ ﴾﴾ [الزمر: ٨].
(١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٤/ ٢٢٧٠.
فغرور الإنسان أنساه صاحب الحق،
فضل السبيل إليه وأشرك، وعندما ینسی ما
کان فيه من عسر وما صار إليه من يسر يؤدي
غرور الإنعام بالإنسان إلى مهاوي الكفران.
٣. التسلط.
من دوافع النسيان شهوة التسلط عندما
يشعلها إمعان الأتباع في الخضوع. فقد يجد
المغرور من يستخزي لکبریائه، وينصاع
لغلوائه، ويستدل لبغيه، فيغريه ذلك بمزيد
من الطغيان، ويسمع كلمات الثناء وعبارات
التمجيد من أفواه العبيد، فيتصور أنه كبير،
وینسی أن فوقه الکبیر المتعال. فعندما وجد
فرعون من يستذلهم؛ أنساه ذل العبيد أنه
عبد مثلهم، وصدق رب العالمين إذ يقول:
وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا
الْمَكَتَبِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِيَّ أَنفُسِهِمْ
وَعَتَوْ عُتُوًّا كَبِيرًا ﴾ [الفرقان: ٢١].
المجتمع الإسلامي یجب أن یکون صلبًا
في الحق، وحساسًا تجاه الاعتداء عليه
وعلى القائمين على الدين أن يؤدوا أمانتهم
التي استحفظوا عليها، فيقفوا في وجه الشر
والفساد والطغيان والاعتداء، ولا يخافوا
لومة لائم، سواء جاء هذا الشر من الحكام
المتسلطين بالحكم أو الأغنياء المتسلطين
بالمال أو الأشرار المتسلطين بالأذى أو
الجماهير المتسلطة بالهوى، فمنهج الله هو
منهج الله، والخارجون عليه علوا أم سفلوا
www. modoee.com
١٠٣

حرف النون
سواء (١).
ثانيًا: النسيان المعفو عنه ودوافعه:
هناك نسيان من البشر محمود، وهو نسيان
الرذائل، نسيان الصالحين والصالحات
للمعاصي وما يوصل إليها، بمعنى تركهم
لها وإعراضهم عنها، والتنزه عن مجالسها.
وهو في الحقيقة تناسي، فهم يتناسون
المعاصي والمنهيات بمعنى يتركونها
ويعرضون عنها مع ذکرهم لها، کي يحصل
لهم عظيم الأجر بكمال الامتثال، فالترك
للمنهي عنه مأجور عليه إذا ترك ابتغاء
الأجر والثواب، كما قال تعالى: ﴿إِن
تَجْتَنِبُواْ كَبَآبِرَ مَا تُنْهَوَّنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ
سَيْئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا
[النساء: ٣١].
(٣١
في المسند من حديث عقبة بن عامر
رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: (إن الله ليعجب من الشاب
ليست له صبوة)(٢).
قال المناوي: (ليست له صبوة) أي:
ميل إلى الهوى بحسن اعتياده للخير، وقوة
عزيمته في البعد عن الشر (٣)، ((يعيش فيها
المسلم العفيف في صفاء ونقاء، وعفة
(١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٦/ ٣٩٨٢.
(٢) أخرجه أحمد في مسنده، ١٥١/٤، رقم
٠١٧٤٠٩
وحسنه الهيثمي فى مجمع الزوائد ١٠/ ٢٣٧.
(٣) فيض القدير ٢/ ٢٦٣.
وطهر، أخلاقه سامية، وأفعاله نبيلة.
ويشير القرآن ضمن حديثه عن المؤمنين
المفلحين الذين نعتهم الله بالفلاح في
﴿قَدْ أَفَحَ الْمُؤْمِنُونَ ( الَّذِينَ هُمْ فِ صَلَائِهِمْ
خَشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ
﴾ [المؤمنون: ١- ٣].
٣
ثم ذكر من صفاتهم فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ
هُمْ عَنِ اَللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾.
قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: ((
أي: عن الباطل، وهو يشمل الشرك كما
قاله بعضهم،والمعاصي كما قاله آخرون
،وما لا فائدة فيه من الأقوال والأفعال كما
قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُوا كِرَامًا﴾
[الفرقان: ٧٢]» (٤) .
وقال تعالى: ﴿وَأَذَّكُرْ عِبَدَنَاْ إِبْرِهِيَمَ وَإِسْحَقَ
وَيَعْقُوبَ أُوْلِ الْأَيْدِى وَالْأَبْصَرِ ﴿ إِنَّا أَخْلَصْنَهُم
وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ
٤٦
مِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ
الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ ﴾ [ص: ٤٥-٤٧].
أي: أولي القوة في الطاعة والبصيرة في
الدين فقوله تعالى: ﴿أُوْلِ اْأَيْدِى﴾ إشارة
إلى القوة العاملة، فأشرف ما يصدر عنها
طاعة لله، وقوله: ﴿وَاْأَبْصَرِ﴾ إشارة إلى
القوة العالمة، فأشرف ما يصدر عنها معرفة
الله وما سوى هذين القسمين باطل.
وقرأ ابن كثير (عبدنا) (٥) على التوحيد
(٤) تفسير القرآن العظيم ٥/ ٤٦٢.
(٥) السبعة في القراءات، ابن مجاهد ص ٥٤٤.
١٠٤
جَوْسُورَةُ النَّفِيَّة
القرآن الكريم

النسيان
﴿ إِنَّا أَخْلَصْنَهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى النَّارِ ﴾ أي: إنا لا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلمًا، وكما
قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ اللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ
وَقَالُواْ لَنَا أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ سَلَّمُّ عَلَيْكُمْ لَا
نَبْتَغِى الْجَدِهِلِينَ
[القصص: ٥٥]))
جعلناهم خالصين لنا بسبب خصلة خالصة،
وهي استغراقهم في ذكر الدار الآخرة
حتى نسوا الدنيا، وقرأ نافع وهشام بإضافة
خالصة، أي: إنا اختصصناهم بإخلاصهم
ذكر الآخرة وتناسیهم عند ذكر الدنیا، وقد
ـَهُمْ
جاء المصدر على فاعلة كالعاقبة
عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾ أي: لمن
المختارين من أبناء جنسهم المستعلين
عليهم في الخير (١).
وهناك تناسي إيجابي مثل سلوك العالم
مع الجاهل وسلوك الحليم مع الغاضب،
حيث لا يلتفت لكلام وسلوك الجاهل معه
ويتناسى الموضوع؛ ولهذا أشار القرآن
الكريم ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى
اَلْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَدِهِلُونَ قَالُواْ
سَلَمًا (٣)﴾ [الفرقان: ٦٣].
من صفات عباد الرحمن أنهم إذا
خاطبهم الجاهلون قالوا: سلامًا.
قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ
يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنَا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ
قَالُواْ سَلَمًا٣
قال ابن كثير: أي: ((إذا سفه عليهم
الجهال بالسيئ، لم يقابلوهم عليه بمثله،
بل يعفون ويصفحون، ولا يقولون إلا خيرًا،
كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
(١) انظر: مراح لبيد، الجاوي ٣٢٠/٢.
قال الحسن البصري: ﴿قَالُواْ سَلَمًا﴾
قال: حلماء لا يجهلون، وإن جهلوا عليهم
حلموا، يصاحبون عباد الله نهارهم بما
تسمعون، ثم ذكر أن ليلهم خير ليل (٣).
سب رجل رجلًا عند رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال: فجعل الرجل المسبوب
يقول: عليك السلام، قال: فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: (أما إن ملكا بينكما
یذب عنك، كلما شتمك هذا قال له: بل أنت
أحق به، وإذا قال له: علیك السلام، قال: لا،
بل عليك، وأنت أحق به)(٤).
أنعم على من به خلق كريم بأن يرد
المسلم على الجاهل السفيه الذي لم يتأدب
بأدب الإسلام بهذه اللفظة الجميلة، التي
تحمل السلام والسلامة، وتحمل أدب
الإسلام الراقي المنضبط إنها سلام إما
بلفظها أو بكلام يدل على السلام والسلامة،
ويدل على الصفح والهجر الجميل.
وعن أنس رضي الله عنه قال: (كنت
أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم
(٢) تفسير القرآن العظيم ٦/ ١٢٢.
(٣) جامع البيان، الطبري ٢٩٥/١٩.
(٤) أخرجه أحمد في مسنده، ٤٤٥/٥.
وحسنه ابن كثير. انظر: تفسير القرآن العظيم
١٣٢/٦.
www. modoee.com
١٠٥

حرفالنون
وعليه بردٌ نجرانيٌ غليظ الحاشية، فأدركه
أعرابيٌّ، فجبذه بردائه جبذة شديدةً، فنظرت
إلی صفحة عاتق النبي صلی الله عليه وسلم،
وقد أثرت بها حاشية الرداء من شدة جبذته،
ثم قال: يا محمد مر لي من مال الله الذي
عندك. فالتفت إليه، فضحك، ثم أمر له
بعطاءٍ)(١). فالنبي صلی الله عليه وسلم لم
يوبخه ولم يضربه ولم يعبس بل ضحك
صلى الله عليه وسلم ومع هذا أمر له بعطاء.
«وسئل معاوية رضي الله عنه بم ست
الناس؟ وذلك لأن معاوية معروف بالسياسة
والحكمة، فقال: أجعل بيني وبين الناس
شعرة، إن جذبوها تبعتهم، وإن جذبتها
تبعوني لكن لا تنقطع» (٢).
معنى كلامه أنه سهل الانقياد؛ لأن
الشعرة إذا جعلتها بینك وبین صاحبك إذا
جذبها أدنی جذب انقطعت، لکن من حسن
سیاسته رضي الله عنه أنه کان یسوس الناس
بهذه السياسية؛ إذا رآهم مقبلین استقبلهم،
وإذا رآهم مدبرين تبعهم حتى يتمكن
منهم(٣).
وقال تعالى: ﴿خُذِ اَلْعَفْوَ وَأْمُنْ بِالْعُرْفِ
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فرض
الخمس، باب ما كان النبي صلى الله عليه
وسلم يعطي المؤلفة قلوبهم وغيرهم من
الخمس ونحوه، ٤ /٩٤، رقم ٣١٤٩.
(٢) شرح رياض الصالحين، ابن عثيمين
٦٠٧/٣.
(٣) انظر: المصدر السابق.
وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَهِلِينَ
١٩٩].
[الأعراف:
قال الإمام القرطبي: هذه الآية
من ثلاث كلمات، تضمنت قواعد
الشريعة في المأمورات والمنهيات
فقوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ دخل فيه صلة القاطعين،
والعفو عن المذنبين، والرفق بالمؤمنين،
وغير ذلك من أخلاق المطیعین، ودخل
في قول: ﴿وَأَمُرْ بِلْعُرْفِ﴾ صلة الأرحام،
وتقوى الله في الحلال والحرام، وغض
الأبصار، والاستعداد لدار القرار، وفي
قوله: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَهِينَ﴾ الحض
على التعلق بالعلم، والإعراض عن أهل
الظلم، والتنزه عن منازعة السفهاء، ومساواة
الجهلة، الأغبياء، وغير ذلك من الأخلاق
الحميدة والأفعال الرشيدة (٤).
قال أيضًا: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَهِلِينَ﴾
أي: إذا أقمت عليهم الحجة وأمرتهم
بالمعروف فجهلوا عليك فأعرض عنهم؛
صيانة له عليهم ورفعًا لقدره عن مجاوبتهم،
وهذا وإن كان خطابًا لنبيه عليه السلام فهو
تأديب لجميع خلقه(٥).
والإعراض عن الجاهلين ونسيانهم فيه
خير كثير، فعن الإمام الشافعي قال: ((اللبيب
العاقل هو الفطن المتغافل))(٦).
(٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن ٧/ ٣٤٤.
(٥) انظر: المصدر السابق ٣٤٦/٧.
(٦) سير أعلام النبلاء، الذهبي ٢٧٥/٨.
١٠٦
◌َ النَّفَيَّـ
جوببيو
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ

النسيان
وعن محمد بن عبد الله الخزاعي قال
سمعت عثمان بن زائدة يقول: (العافية عشرة
أجزاء تسعة منها في التغافل قال: فحدثت به
أحمد بن حنبل فقال العافية عشرة أجزاء
كلها في التغافل) (١).
والإعراض يكون بالترك والإهمال
والنسيان، والتهوين من شأن ما يجهلون به
من التصرفات والأقوال، والمرور بها مر
الكرام، وعدم الدخول معهم في جدال لا
ينتهي إلى شيء إلا الشد والجذب، وإضاعة
الوقت والجهد وقد ينتهي السكوت عنهم،
والإعراض عن جهالتهم إلى تذليل نفوسهم
وترويضها، بدلًا من الفحش في الرد
واللجاج في العناد (٢).
(١) انظر: شعب الإيمان، البيهقي ٦/ ٣٣٠ رقم
٨٤ ٨٣.
(٢) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ١٤١٩/٣.
ما يترتب على النسيان
من الآثار المترتبة على النسيان في الدنيا
والآخرة: المعيشة الشاقة والمعاناة والضيق
والضنك، والعمى والصم والبكم، وفي
الآخرة ينتظره العذاب الأليم، وكل هذه
الآثار مذكورة في قول الله تعالى: ﴿ قَالَ
أُهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌ فَإِمَّا
يَأْنِنَّكُم مِّنِى هُدَى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاَ فَلَا
يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١) وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى
فَإِنَّ لَهُ، مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ, يَوْمَ الْقِيَامَةِ
قَالَ رَبٍ لِمَ حَشَرْتَنِّ أَعْمَى وَقَذْكُنتُ
أَعْمی ن)
! قَالَ كَذَلِكَ أَنَتْكَ ءَايَتُنَا فَنَسِينَهَا وَكَذَلِكَ
١٢٥
بصيرا
وَكَذَلِكَ تَجْزِ مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنُ
اَلْيَوْمَ نُسَى ◌ّ
بِثَّايَتِ رَبِّهِ، وَلَعَذَابُ الْآَخِرَوْ أَشَدُّ وَأَبْقَ
١٢٧
[طه: ١٢٣ - ١٢٧].
أولًا: ما يترتب على النسيان في الدنيا:
١. قساوة القلوب وموتها.
يترتب على النسيان الطبع والختم على
القلوب بالإضافة إلى جعل الأكنة، وقسوة
القلب، وهو وصف من أخطر الأوصاف؛
لأن القلب القاسي هو الميت الذي ليس فيه
حياة، وهو الجامد الذي ليس فيه خير البتة،
وهذا الوصف في القرآن الكريم خاص
بقلوب الكفار دون غيرهم، ولم يشترك
المنافقون معهم فيه. قال تعالى: ﴿فَيِمَا
نَقْضِهِم مِّيثَقَهُمْ لَعَنَّهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ
www. modoee.com
١٠٧

حرف النون
قَسِيَّةٌ يُحرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهٌ.
وَنَسُواْ حَظّا مِّمَّا ذُكِرُواْيِهِ﴾ [المائدة: ١٣].
فبسبب أنهم نسوا ذكر الله تعالى فنقضوا
عهده لهم وبدلوا كلام الله، وهذا من أعظم
الخيانة، أصابهم الله تعالى بقسوة القلب
وموته.
قال أبو حيان (( من قسوة قلوبهم وسوء
فعلهم بأنفسهم، حيث ذكروا بشيء فنسوه
وتركوه، وهذا الحظ من الميثاق المأخوذ
عليهم)) (١).
والقلب الميت يكون صاحبه أحط من
البهائم ویکون ماله إلى جهنم.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا
مِّنَ الْجِنّ وَالْإِنسِّ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَّ
أَعْيُنٌّ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَهُمْ ءَانَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا
أُوْلَكَ كَالْأَنْعَمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَفِلُونَ
﴾ [الأعراف: ١٧٩].
١٧٩
فيصبح هذا القلب مطموسًا منكوسًا
مختومًا عليه لا ينتفع به صاحبه بسبب أنه
أعرض عن الحق ورضي بالباطل فصار
الباطل غذاءه، والضلال طريقه والجحيم
مصيره.
٢. الوقوع في المعصية والحرمان من
الخير.
ترتب على النسيان وعدم الصبر على
العهد والمحافظة عليه والتمسك به الوقوع
(١) البحر المحيط ٤٤٦/٣.
في المعصية.
قال تعالى: ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا
سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَيْهِمَا مِن وَرَقِ
اَلْجَنَّةِ﴾ [طه: ١٢١].
ثم إخراج آدم وحواء من الجنة
واستخلافهما مع أبنائهما في الأرض
وابتلائهم بالخير والشر.
قال تعالى: ﴿وَقُلْنَا أَهْرِطُواْ بَعْضُكُمْ لِيَعْضٍ
عَدُوٌ وَلَكُمْ فِ الْأَرْضِ مُسْنَفَرٌ وَمَتَجُّ إِلَى حِيٍ﴾
[البقرة: ٣٦].
أي: قرار وأرزاق وآجال ﴿إلىحيزٍ﴾ أي:
إلى وقت مؤقت ومقدار معين، ثم تقوم
القيامة (٢).
٣. السجن.
يترتب على النسيان المكوث في السجن
لبضع سنوات کما وقع مع نبي الله يوسف
عليه السلام، وهو مکوث نبي الله يوسف
عليه السلام في السجن بضع سنين.
قال تعالى: ﴿فَأَنْسَنُ الشَّيْطَانُ
ذِكْرَ رَبِّهِ، فَلَبِثَ فِ السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾
[يوسف: ٤٢].
٤. المشقة والتعب والحرمان من العلم.
يترتب على النسيان المشقة والتعب، فقد
قطع موسى وفتاه مسافة ليست بالقصيرة،
وكان بالإمكان أن يجدا الرجل الصالح
قبل مجاوزة مجمع البحرين، ولكن نظرًا
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٣٦/١.
١٠٨
جَوْسُور
القرآن الكريم

النسيان
لنسیان یوشع وعدم انتباهه سار موسی
مسافة أخرى، أحس فيها بالتعب والنصب،
ولما أراد أن يأخذ راحة ويأكل، تفاجأ بعملية
النسيان التي ترتب عليها كل هذا النصب،
وزاد الأمر مشقة وتعبًا أن عليهما أن يرجعا
هذه المسافة ويقطعاها مرة أخرى ليجدا
الرجل الصالح؛ ولذلك قال تعالى: ﴿فَأَرْتَدًا
عَلَىْ ءَاثَارِ هِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤].
ثم قال تعالى حكاية عن الخضر عليه
﴿ قَالَ أَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ
السلام:
صَبْرًا ﴾ قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِ بِمَا نَسِيتُ وَلَاتُرْهِقْنِى
مِنْ أَمْرِى عُسْرًا ﴾ [الكهف: ٧٢- ٧٣].
فالنسيان الأول كان عقاب من الله تعالى
على النسيان الذي وقع فيه موسى عليه
السلام؛ لأن قصة الخروج في طلب علم
الرجل الصالح كلها منطوية على ذلك،
ومما يدل على ذلك قوله صلى الله عليه
وسلم: (فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم
إلیه) والنسيان الثاني الذي وقع من موسی
عليه السلام عندما صحب الخضر أنه
حرم علمًا كثيرًا وحكمة؛ لأنه لو صبر مع
الخضر لحصل له علم کثیر، یدل على ذلك
قول النبي صلى الله عليه وسلم في آخر
الحديث: (وددنا أن موسى كان صبر حتى
يقص الله علينا من خبرهما)(١).
والناسي يعفى من العقوبة أو المسؤولية
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن کثیر ٥/ ١٧٥.
الجنائية، ولكن هذا لا يعفيه من الحقوق،
الأموال والدماء المعصومة، ويرى بعض
الفقهاء أن النسيان الغير مقصود يعذر
صاحبة في الآخرة، وأما أحكام الدنيا
فالأفعال المتعلقة بحق الله عز وجل يعفى
منها، والأفعال المتعلقة بحقوق الأفراد فلا
يعفى منها (٢).
فالنسيان إن كان عذرًا فى العبادات لكن
في الجنايات لا يعذر، إذ أن المجرم لكي
يعفى من العقاب عليه أن يثبت للقضاء أنه
ارتكب الجريمة ناسيًا بالدليل والبرهان
والحجة، وكيف لشخص ناسٍ أن يثبت
للقضاء أنه ارتكب الجريمة ناسيًا، فمن
المكن أن يتصور أن الإنسان نسي في
العبادات فلا إثم عليه، ویقضیها متى تذكرها
ولا تحتاج إلى إثبات، أما الجریمة فلا یمکن
أن تثبت أمام القضاء ويدعي أنها ارتكبت
عن طريق النسيان(٣).
٥. ضياع النفس.
يترتب على النسيان نسيان هؤلاء
لأنفسهم، وهي عقوبة دنيوية يعاقب بها
الله الذين ينسون أوامره وذكره وینسون بأن
لهذا الکون رقيبًا لا يغفل ولا ینام، ويحذر
الله عباده المؤمنين من أن يقعوا فيما وقع
فيه المنافقون فيقول لهم: ﴿ وَلَا تَكُونُوا
(٢) انظر: التشريع الجنائي الإسلامي، عودة
٤٣٩/١.
(٣) انظر: المصدر السابق.
www. modoee.com
١٠٩

حرفالنون
كَلَّذِينَ فَسُواْ اللَّهَ فَأَفْسَنُهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَكَ هُمُ
الْفَسِقُونَ ﴾ [الحشر: ١٩].
« أي: تركوا أمره، أو ما قدروه حق قدره،
أولم يخافوه أو جميع ذلك، فأنساهم أنفسهم
أي: جعلهم ناسین لها بسبب نسیانهم له، فلم
يشتغلوا بالأعمال التي تنجيهم من العذاب
ولم يكفوا عن المعاصي التي توقعهم فيه،
ففي الكلام مضاف محذوف أي: أنساهم
حظوظ أنفسهم، وقيل: نسوا الله في الرخاء
فأنساهم أنفسهم في الشدائد(١).
«فالذي ینسی الله يهيم في هذه الحياة،
فلا رابطة تشد إلى أفق أعلى، وبلا هدف
لهذه الحياة يرفعه عن السائمة التي ترعى،
وفي هذا نسيان لإنسانيته، وهذه الحقيقة
تضاف إليها أو تنشأ عنها حقيقة أخرى، وهي
نسیان هذا المخلوق لنفسه فلا یدخر لها زادًا
للحياة الطويلة الباقية، ولا ينظر فيما قدم لها
في الغداة من رصيد» (٢).
فمن خلال ما تقدم يتبين أن النسيان
عقوبة دنيوية يعاقب بها الله عباده الذين
ينسوه، حيث ينسيهم ربهم حظوظهم من
الإيمان والأعمال الصالحة، فتمضي بهم
الحياة دون أن يأخذوا منها نصيبهم من زاد
ينفعهم في آخرتهم، ويمنعهم النسيان من
أن يفكروا في غدهم، كما ينسوا أنفسهم في
الشدائد، كما نسوا ربهم في الرخاء، فيكونوا
بذلك مخذولین لا معین لهم ولا نصیر.
ثانيًا: ما يترتب على النسيان في الآخرة:
ذكر القرآن الكريم في بعض الآيات أن
الكفار والمنافقين نسوا الله تعالى، ونسوا
ذكر الله تعالى، وذكر الله تعالی عام شامل
لکل أنواع العبادات، وذكر الله کتبه وعهوده
التي أرسل بها رسله إلى الناس، وقد نجم
عن ذلك النسيان والترك لذكر الله تعالى آثار
خطيرة وعواقب وخيمة، تتمثل في ترك الله
لهم من رحمته وحلول اللعنة بهم، وتركه
لهم في العذاب المقيم، ومن ثم الخسران
المبين.
بل ترتب على ذلك أن أنساهم الله
أنفسهم من أن يعملوا لخلاصها من العذاب
المقيم، وفي الدنيا أغرى بينهم العداوة
والبغضاء وألبسهم شيعًا وأذاق بعضهم بأس
بعض، وقد صورت الآيات القرآنية هذه
الآثار والعواقب في مشاهد حية، وصور
موحية، بأساليب متنوعة فيها تحذير ووعيد
شديد، ومحتوية على ترغيب وترهيب.
قال تعالى: ﴿اَلْمُنَفِقُونَ وَالْمُنَفِقَتُ
بَعْضُهُم مِّنْ بَعْضِ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ
وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ
نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَفِقِينَ هُمُ
وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَفِقِينَ
الْفَسِقُونَ (٣)
(١) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٢٠٦/٥.
(٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ٣٥٣١/٦.
١١٠
جَوَبُور
القرآن الكريم

النسيان
وَالْمُنَفِقَتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَلِينَ فِيَأْ
هِىَ حَسْبُهُمَّ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ
[التوبة: ٦٧-٦٨].
٦٨
١. نسيان الله لهم في الآخرة.
نسیان الله تعالی لهم، والله تعالی لا
ينسى، ولكنه سبحانه تركهم في العذاب عن
عمد، والتعبير عنه بالنسيان للمشاكلة (١).
نسيان الله تعالى لهم عقوبة أخروية
وردت في ثلاثة مواضع من القرآن الكريم:
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ أَنَّخَذُواْ دِينَهُمْ
لَهْوَا وَلَعِبًّا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَاأَ فَأَلْيَوْمَ
نَنسَهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَآءُ يَوْمِهِمْ هَذَا
وَمَا كَانُواْ بِحَايَئِنَا يَجْحَدُونَ ﴾
[الأعراف: ٥١].
وقد ورد في تفسير هذا النسيان قولان:
القول الأول: أن معنى النسيان هو الترك،
والمعنى نتركهم في عذابهم بما تركوا العمل
بلقاء يومهم هذا، وهذا قول الحسن ومجاهد
والسدي والأكثرین.
والقول الثاني: أن معنى ننساهم أي:
يعاملهم معاملة من نسي، ونتركهم في
النار في الآخرة ولا يجيب دعاءهم ولا
یرحمهم(٢).
ويقول الإمام النسفي: كما نسوا لقاء
يومهم هذا، فاليوم ننساهم ونتركهم في
(١) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود
١٨٥/٣.
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١٤/ ٩٩.
العذاب، أي: کنسيانهم وجحودهم(٣).
وقال تعالى: ﴿قَالَ رَبٍ لِمَ حَشَرْتَفِ أَعْمَيَ
وَقَدَّكُنْتُ بَصِيرًا ) قَالَ كَذَلِكَ أَنَتْكَ ءَايَتُنَا فَنَسِينَهَا
وكذلك اليوم تنسى
: [طه: ١٢٥ - ١٢٦]. أي:
تترك في العذاب في جهنم.
وقال تعالى: ﴿وَقِيلَ اَلْيَوْمَ نَفْسَكُوْ كَا نَسِتُمْ
لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَنَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمُ مِن نَّصِرِنَ
• [الجاثية: ٣٤]. أي: نترککم في النار.
٣٤
وقوله: ﴿وَمَأْوَنَّكُ النَّارُ﴾ أي: مسكنكم
ومستقرکم، وتبقی جهنم دار خلد لهم فيها
مسكنهم ومستقرهم ﴿كَانَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ
هَذَا﴾ أي: تركتم العمل له (٤).
٢. العذاب الأليم.
حلول العذاب الأليم، والطرد من رحمة
الله تعالى، وذلك في قوله: ﴿وَعَدَ اللهُ
الْمُنَفِقِينَ وَالْمُنَفِقَتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ
خَلِينَ فِيَهَا هِىَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ
عَذَابٌ مُقِيمٌ ثَ
[التوبة: ٦٨].
أي: « على هذا الصنيع الذي ذكره عنهم،
﴿خَلِينَفِيهَا﴾ أي: ماکثین فیها مخلدین،
هم والكفار ﴿هِىَ حَسْبُهُمْ﴾ أي: كفايتهم
في العذاب ﴿وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ أي: طردهم
وأبعدهم ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾))(٥).
فمن العذابات الأخروية التي يعاقب بها
(٣) انظر: مدارك التنزيل ١/ ٤٥١.
(٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
١٧٢/١٦.
(٥) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٧٢/٤.
www. modoee.com
١١١

حرف النون
الله أهل النسيان شدة العذاب الأخروي،
وذلك بتركهم وبقائهم في النار والعذاب
الشديد، وفي ذلك يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُواْ
يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦].
قال الزمخشري: ((ويوم الحساب متعلق
پنسوا، أي: بنسيانهم يوم الحساب، أو بقوله
﴾ أي: لهم عذاب يوم القيامة بسبب
نسیانهم وهو ضلالهم عن سبيل الله)) (١).
ويقول سيد قطب أما عقب الآية
المصور لعاقبة الضلال فهو حكم عام مطلق
على نتائج الضلال عن سبيل الله، وهو
نسيان الله والتعرض للعذاب الشديد يوم
الحساب))(٢).
٣. أظلم الناس في الآخرة.
الإعراض عن ذكر الله تعالى مثل نسيانه،
بل هو أسوأ منه؛ لأنه ينطوي -مع الترك
المتعمد- على المحادة والمجادلة بغير
الحق والتمادي في الظلم والإصرار عليه،
وفيه كذلك الذهول والغفلة عن هذه الأفعال
المنكرة وعدم المبالاة بالعواقب؛ ولذلك
جاء وصف ظلمه بعبارة (ومن أظلم) وهو
ما جعل الآثار المترتبة علیه أکثر وأخطر.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنِ ذُكِّرَ بِثَايَتِ
رَيِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنِىَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاءُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى
قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِىّ ءَاذَانِمْ وَقْرَاً وَإِن
تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَن يَهْتَدُوَأْ إِذَا أَبَدًا
[الكهف: ٥٧].
النسيان والترك مرحلة أولية، أما
الإعراض ففيه معنى الترك على سبيل
المحادة، وهو لم یکتف به بل تجاوزه إلى
أنه: ﴿وَنَسِىَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ ثم تأتي الآثار
السلبية التي ترتبت على ذلك كله، وهي
آثار بعضها في الدنيا وبعضها في الآخرة،
فقال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن
يَفْقَهُوهُ وَفِيّ ◌َاذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ لأنه تعالى ذكرهم
ورغبهم ورهبهم فلم ينفع ذلك، وتظهر
المحادة والإصرار على الذنب في قوله
تعالى: ﴿وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَىْ فَلَنْ يَهْتَدُوَأْ
إِذَا أَبَدًا﴾.
قال السعدي: ((يخبر تعالى أنه لا أعظم
ظلمًا، ولا أکبر جرمًا، من عبد ذکر بآیات
الله وبين له الحق من الباطل، والهدى من
الضلال، وخوف ورهب ورغب، فأعرض
عنھا، فلم یتذکر بما ذکر به، ولم يرجع عما
کان علیه، ونسي ما قدمت يداه من الذنوب،
ولم يراقب علام الغيوب، فهذا أعظم ظلمًا
من المعرض الذي لم تأته آيات الله ولم
يذكر بها، وإن كان ظالما، فإنه أخف ظلمًا
من هذا؛ لكون العاصي على بصيرة وعلم،
أعظم ممن ليس كذلك، ولكن الله تعالى
عاقبه بسبب إعراضه عن آياته، ونسيانه
(١) الكشاف ٨٩/٤.
(٢) في ظلال القرآن ٣٠١٨/٥.
١١٢
جَوُور
القرآن الكريمِ

النسيان
لذنوبه، ورضاه لنفسه، حالة الشر مع علمه
بها، أن سد عليه أبواب الهداية بأن جعل
على قلبه أكنة، أي: أغطية محكمة تمنعه أن
يفقه الآيات، وإن سمعتها فليس في إمكانها
الفقه الذي يصل إلى القلب)) (١).
موضوعات ذات صلة:
التفكر، الذكر، الغفلة، المؤاخذة
(١) تيسير الكريم الرحمن ص ٤٨١.
www. modoee.com
١١٣