النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقُرْآن الْكِّرِيْمِ النسيانْ عناصر الموضوع مفهوم النسيان ٧٦ النسيان في الاستعمال القرآني ٧٧ الألفاظ ذات الصلة ٧٨ نسبة النسيان إلى الله عز وجل ٨١ الإنسان والنسيان ٨٥ ٩٤ أقسام النسيان ١٠٧ ما يترتب على النسيان المُجَلَّد الثَّالِثِ وَالثَّلاثُونْ حرف النون مفهوم النسيان أولًا: المعنى اللغوي: النسيان: من نسي الشيء ينساه نسيًا ونسيانًا: ذهل عنه وغاب الشيء عن ذكره وحفظه من نسيت الشيء نسيانًا أو نسيًا ونسيًا، بكسر النون ضد الذكر والحفظ، بفتح النون رجل نسيان، أي: كثير النسيان للشيء، كما يقال: فلان نسي، أي: كثير النسيان، ويأتي النسيان بمعنى الترك. والنسي: الشيء المنسي الذي لا يذكر، ويقال للشيء الحقير الذي أغفل، وفي قوله تعالى على لسان مريم ﴿وَكُنتُ نَسْيًّا مَنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٣]. أي: شيئًا منسيًّا لا يعرف(١). والنسي بالفتح يطلق على كثير النسيان أو على الذي لا يعد في القوم لأنه منسيٌّ. والنسي: ما سقط من منازل المرتحلين، من رذال أمتعتهم، فيقولون: تتبعوا أنساءكم (٢). من خلال أقوال علماء اللغة نستنتج أن النسيان في اللغة يدور على معنيين: الأول: الترك. الثاني: الغفلة عن الشيء. ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: قال الراغب الأصفهاني النسيان: ((هو ترك الإنسان ضبط ما استودع، إما لضعف قلبه؛ وإما عن غفلة؛ وإما عن قصد حتى ينحذف عن القلب ذكره)) (٣). وقال الجرجاني: ((الغفلة عن معلوم في غير حالة السنة)) (٤). يقول الطاهر بن عاشور: ((النسيان هو ذهاب الأمر المعلوم من حافظة الإنسان لضعف الذهن أو الغفلة)»(٥). فتعريف الطاهر ابن عاشور هو أوضح التعريفات وأقربها للمقصود. (١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٤٢١/٥، تهذيب اللغة، الأزهري ٧٩/١٣، مختار الصحاح، الرازي، ص٢٣٧. (٢) انظر: لسان العرب، ابن منظور، ٢٥١/١٤، القاموس المحيط، الفيروزآبادي، ص ١٥٤. (٣) المفردات، ص ٨٠٣. (٤) التعريفات ص١٦٧. (٥) التحرير والتنوير ٤٧٥/١. بَرُ النَّفِيَة جوية القرآن الكريمِ ٧٦ النسيان النسيان في الاستعمال القرآني وردت مادة (نسي) في القرآن الكريم (٤٥) مرة (١). والصيغ التي وردت، هي: الصيغة عدد المرات المثال الفعل الماضي ٣١ أَسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَائِنُ فَأَنَسَنُهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ ﴾ [المجادلة: ١٩] ٢٣٧ الفعل المضارع ١١ [البقرة: ٢٣٧] اسم المفعول ١ (٢)﴾ [مريم: ٢٣] ﴿وَكُنتُ نَسْيًّا مَنسِيًّا الصفة المشتبهة ١ (٦٤ ﴾ [مريم: ٦٤] وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ؟ الأسماء ١ ﴿وَكُنتُ نَسْيًّا مَنْسِيًّا (٣)﴾ [مريم: ٢٣] وجاء النسيان في الاستعمال القرآني على وجهين(٢): الأول: الترك: ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَّ إِلَى ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِىَ وَلَمْ تَجِدْ لَهُ عَزْمًا [طه: ١١٥]. أي: ترك أمر الله. ١٩٥ الثاني: الذي لا يحفظ فذهب من ذكره: ومنه قوله تعالى: ﴿سَنُقْرِتُكَ فَلَا تَسَ [الأعلى: ٦]. أي: تحفظ فلا تنساه أبدًا. (١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبدالباقي ص ٧٠٠. (٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني ص ٤٥١- ٤٥٢، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي ص ٥٧٩- ٥٨٠، الوجوه والنظائر، أبو هلال العسكري ص ٤٦٩ - ٤٧٠. www. modoee.com ٧٧ وَلَا تَنسَواْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيُر حرفالنون الألفاظ ذات الصلة ١ الترك : الترك لغة: ودع الشيء وتخلیته (١). الترك اصطلاحًا: («عدم فعل المقدور، سواء قصد التارك أو لم يقصد، كما في النوم، وسواء تعرض لضده أو لم يتعرض، وأما عدم ما لا يقدر عليه فلا يسمى تركًا)) (٢). الصلة بين النسيان والترك: يأتي النسيان بمعنى الترك، يقول الله تعالى: ﴿نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]. أي: تركوا الله فتركهم، ولما كان النسيان ضربا من الترك وضعه موضعه (٣). وقال الفيومي: ((نسيت الشيء أنساه نسيانًا، مشترك بين معنيين، أحدهما ترك الشيء ذهولا وغفلة، وذلك خلاف الذكر له، تقول: تركت ركعة: أهملتها ذهولا، والثاني الترك مع التعمد، وعليه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنسَواْالْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]. أي: لا تقصدوا الترك والإهمال)) (٤). يتضح مما سبق أنه لا فرق بين النسيان والترك، ولكن الترك أعم وأشمل، فالترك يشمل القصد وعدم القصد، ولكن النسيان لا يكون إلا عن عدم قصد. السهو: ٢ السهو لغة: نسيان الشيء والغفلة عنه وذهاب القلب عنه إلى غيره (٥). السهو اصطلاحًا: السهو في الشيء: تركه عن غير علم أو خطأ عن غفلة (٦). (١) لسان العرب، ابن منظور ٤٠٥/١٠. (٢) معجم مصطلحات أصول الفقه، قلعجي ص ١٣٢. (٣) انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، الطبري ٣٩٣/٢. (٤) المصباح المنير، الفيومي ٢/ ٦٠٤. (٥) انظر: لسان العرب، ابن منظور ١٤/ ٤٠٦. (٦) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير ٢/ ٤٣٠، المفردات، الراغب الأصفهاني ص٤٣١. ٧٨ جوبيه القرآن الكريم النسيان الصلة بين السهو والنسيان: الناسي إذا ذكرته تذكر، والساهي إذا ذكرته لا يتذكر، هذا الفرق فيما إذا كان السهو سهوًا عن الشيء، وأما السهو في الشيء فهو بمعنى النسيان، وفرق العلماء بين السهو في الشيء، والسهو عن الشيء، فالسهو في الشيء ليس بمذموم، بخلاف السهو عن الشيء فإنه مذموم، وذلك لأن السهو في الشيء (النسيان) ترك له من غير قصد، والسهو عن الشيء ترك له مع القصد (١). الغفلة: ٣ الغفلة لغة: مصدر غفل عن الشيء يغفل غفلةً وغفولًا وتدل على ترك الشيء سهوًا، وربما كان عن عمد، من ذلك غفلت عن الشيء غفلةً وغفولًا، وذلك إذا تركته ساهيًا، وأغفلته إذا تركته علی ذکرٍ منك له(٢). الغفلة اصطلاحًا: قال الراغب الأصفهاني ((هي سهوٌّ يعتري الإنسان من قلة التحفظ والتيقظ)) (٣)، وقال البغوي: ((هي معنى يمنع الإنسان من الوقوف على حقيقة الأمور)) (٤). الصلة بين الغفلة والنسيان: النسيان زوال الصورة عن القوة المدركة مع بقائها في الحافظة، والغفلة زوالها عنهما معًا. والغفلة ترك باختيار الغافل، والنسيان ترك بغير اختياره(٥). وقيل: أن ((الغفلة والنسيان عبارات مختلفة لكن يقرب أن يكون معانيها متحدة، وكلها مضادة للعلم بمعنى أنه يستحيل اجتماعهما معًا)) (٦). وهذا هو الأقرب للصواب، فإن كانت المعاني متحدة؛ لكن الغفلة اسم عام؛ فكل نسيان غفلة وليس كل غفلة نسيان. (١) انظر: التحقيق في كلمات القرآن، حسن مصطفوي ٣٠٣/٥، مجموع فتاوى ابن عثيمين ١٤/ ١٣. (٢) انظر: الصحاح، الجوهري ٥/ ١٧٨٢، مقاييس اللغة، ابن فارس ٣٨٦/٤. (٣) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٦٠٩. (٤) معالم التنزيل ٣٥٨/٤. (٥) انظر: مدارج السالكين، ابن القيم ص٤٠٦. (٦) كشاف اصطلاحات الفنون، التهانوي ٦/ ١٣٣٧. www. modoee.com ٧٩ حرف النون الخطأ: ٤ الخطأ لغةً: الخطأ والخطاء: ضد الصواب، وخطأه تخطئة وتخطيئًا: نسبه إلى الخطأ، وقال له: أخطأت، والخطأ ما لم يتعمد، والخطء: ما تعمد (١). الخطأ اصطلاحًا: قال الجرجاني: الخطأ: ((هو ما ليس للإنسان فيه قصد، وهو عذر صالح لسقوط حق الله تعالى إذا حصل عن اجتهاد، ويصير شبهة في العقوبة حتى لا يؤثم الخاطئ ولا يؤاخذ بحد ولا قصاص، ولم يجعل عذرًا في حق العباد، حتى وجب عليه ضمان العدوان ووجب به الدية»(٢). الصلة بين الخطأ والنسيان: الخطأ: أن يقصد بفعله شيئًا فیصادف فعله غیر ما قصده، کان یقصد أن يقتل كافرًا فصادف قتله مسلمًا، والنسيان: أن يكون ذاكرًا الشيء فينساه عند الفعل (٣). (١) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٦٥/١، مختار الصحاح، الرازي ص ٩٢. (٢) التعريفات ص ١٣٤. (٣) انظر: جامع العلوم والحكم، ابن رجب ص٣٥٢. ٨٠ مَوَسُو ◌َ الْبَقِيَة القرآن الكريمِ النسيان نسبة النسيان إلى الله عز وجل نفى الله تبارك وتعالى عن نفسه صفة وَمَا كَانَ رَبَّكَ نَسِيًّا النسيان فقال تعالى: [مريم: ٦٤]. وسبب نزول هذه الآية ما جاء عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (يا جبريل، ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا)، فنزلت: وَمَا نَشَغَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِكٌ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِيْنَا وَمَا خَلْفَنَا ٦٤ وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا [مريم: ٦٤] إلى آخر الآية، قال: كان هذا الجواب لمحمد صلی الله علیه وسلم (١). وجاء عن الضحاك في تفسير هذه الآية، قال: (( احتبس عن نبي الله صلى الله عليه وسلم حتى تكلم المشركون في ذلك، واشتد ذلك على نبي الله، فأتاه جبرائيل، فقال: اشتد علیك احتباسنا عنك، وتكلم في ذلك المشركون، وإنما أنا عبد الله ورسوله، إذا أمرني بأمر أطعته ﴿وَمَا نَشَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ يقول: بقول ربك))(٢). يقول الطبري: وفي معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ أي: (( ولم يكن ربك ذا نسيان، فيتأخر نزولي إليك بنسيانه إياك، (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب قوله تعالى: (ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين)، ٩/ ١٣٥، رقم ٧٤٥٦. (٢) جامع البيان، الطبري ٢٢٣/١٨. بل هو الذي لا يعزب عنه شيء في السماء ولا في الأرض فتبارك وتعالى، ولكنه أعلم بما يدبر ويقضي في خلقه. جل ثناؤه))(٣). وفي آية أخرى يجيب الله تبارك وتعالى على سؤال موسى، فقال تعالى: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ اَلأُوْلَى ﴾ قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَنٍ فِی كِتَبٌّ لَّا يَضِلُّ رَنِى وَلَا يَنسى )﴾ [طه: ٥١- ٥٢]. أي: لا يخطئ ربي ولا ينسى. قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿لَّا يَضِلُّ رَبِّ وَلَا يَنسَى﴾ أي: ((لا يشذ عنه شيءٌ، ولا يفوته صغیرٌ ولا کبیرٌ، ولا ینسی شيئًا. يصف علمه تعالى بأنه بكل شيءٍ محيطٌّ، وأنه لا ينسى شيئًا، تبارك وتعالى وتقدس، فإن علم المخلوق يعتريه نقصانان، أحدهما: عدم الإحاطة بالشيء، والآخر نسيانه بعد علمه، فنزه نفسه عن ذلك))(٤). ونفي صفة النسيان عن نفسه جل جلاله يستلزم إثبات ضد الصفة المنفية التي تثبت كمال علمه، وسعة اطلاعه، ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. قال ابن تيمية: ((والنفي كقوله: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ وينبغي أن يعلم أن النفي ليس فيه مدٌ ولا كمالٌ إلا إذا تضمن إثباتًا، وإلا فمجرد النفي ليس فيه مدحٌ ولا كمالٌ؛ لأن النفي المحض عدمٌ محضٍّ؛ (٣) المصدر السابق ٢٢٥/١٨. (٤) تفسير القرآن العظيم ٢٩٨/٥. www. modoee.com ٨١ حرف النون والعدم المحض ليس بشيء وما ليس بشيء فهو كما قيل: ليس بشيء؛ فضلا عن أن يكون مدحًا أو كمالًا ولأن النفي المحض يوصف به المعدوم والممتنع، والمعدوم والممتنع لا يوصف بمدح ولا کمالٍ؛ لهذا كان عامة ما وصف الله به نفسه من النفي متضمنًا لإثبات مدح كقوله: ﴿اَللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ، سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا يَتُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: ٢٥٥]. فنفي السنة والنوم يتضمن كمال الحياة والقيام؛ فهو مبينٌ لكمال أنه الحي القیوم)»(١). وأما ما ورد في نسبة النسيان مضافًا إلى الله تعالى فهو من باب المقابلة، وقد فسره علماء التفسير بالترك، ولكن ليس كترك المخلوق الناسي، بل جل جلاله منزه عن الأشباه والأنداد، ومن أمثلة هذه الآيات: قال تعالى: ﴿اَلَّذِينَ أَتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًّا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَوَةُ الدُِّيَّأَ فَالْيَوْمَ نَنسَهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُواْ بِشَايَئِنَا يَجْحَدُونَ ﴾ [الأعراف: ٥١]. یترکهم في العذاب المبين جياعا عطاشًا بغير طعام ولا شراب، كما تركوا العمل للقاء یومهم هذا، ورفضوا الاستعداد له بإتعاب (١) مجموع فتاوى ابن تيمية ٣٦/٣. أبدانهم في طاعة الله. قال ابن عباس:((﴿فَلْيَوْمَ نَنسَهُمْ كَمَا نَسُوُ اُلِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾، قال: نتركهم من الرحمة، كما تركوا أن يعملوا للقاء يومهم هذا» (٢). قال النيسابوري: ﴿فَالْيَوْمَ نَنَسَهُمْ﴾ أي: لانتركهم في عذابهم كما تركوا العمل للقاء يومهم هذا، أي: نعاملهم معاملة من نسي بتركهم في النار كما فعلوا هم في الإعراض عن آیاتنا، فسمي جزاء النسيان نسیانًا کقوله: ﴿ وَجَزَّوْاْ سَيِّئَّةٍ سَيِّئَّةٌ﴾ [الشورى: ٤٠]. والحاصل أنه لا يجيب دعاءهم ولا یرحم ضعفهم وذلهم»(٣). وأما قوله تعالى: ﴿الْمُنَفِقُونَ وَالْمُنَّفِقَتُ بَعْضُهُم مِّنْ بَعْضِ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمُّ إِنَّ الْمُنَفِقِينَ هُمُ الْفَسِقُونَ (٣)﴾ [التوبة: ٦٧]. قال الطبري: ((﴿نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ يكون بمعنى الترك، يعني به: تركوا الله فترکهم» (٤). قال الشوكاني (« النسيان: الترك، أي: ففي يوم القيامة ينساهم الله تعالى، أي: تركوا ما أمرهم به، فتركهم من رحمته وفضله، لأن النسيان الحقيقي لا يصح إطلاقه على الله سبحانه، وإنما أطلق عليه (٢) جامع البيان، الطبري ١٢ / ٤٧٦. (٣) غرائب القرآن ٣/ ٢٤٢. (٤) جامع البيان ٢٤٦/١٤. ٨٢ جوبسين ج القرآن الكريمِ النسيان هنا من باب المشاكلة المعروفة في علم من ينساك (٤). البيان))(١). وَقَدْكُنْتُ بَصِيرًا ) قَالَ كَذَلِكَ أَنْتْكَ ءَايَتُنَا فَنَسِينَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ نُنَسَى (١٦)﴾ [طه: ١٢٥ - ١٢٦]. قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: ((أي: لما أعرضت عن آيات الله، وعاملتها معاملة من لم يذكرها، بعد بلاغها إليك تناسيتها وأعرضت عنها وأغفلتها، كذلك نعاملك اليوم، معاملة من ينساك ﴿فَالْيَوْمَ نَفْسَهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ [الأعراف: ٥١]. فإن الجزاء من جنس العمل)»(٢). قال ابن القيم: ((﴿وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ نُنسَى﴾ أي: تترك في العذاب، كما تركت العمل بآياتنا)»(٣). وكذلك الآيات في قوله تعالى: ﴿فَذُوقُواْ بِمَا فَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَآ إِنَّا نَسِيِّنَكُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [السجدة: ١٤]. وقوله تعالى: ﴿وَقِيلَ اَلْيَّوْمَ نَسَنَكُ كَّا نَسِتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَنَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّصِنَ ﴾ [الجاثية: ٣٤]. ء فجاءت الآيات بمعنی نترکم، أي: لما أعرضتم عن آيات الله نعاملك اليوم، معاملة (١) فتح القدير ٢/ ٤٣٢. (٢) تفسير القرآن العظيم ٣٢٤/٥. (٣) التفسير القيم ص ٣٧٥. قال الشنقيطي في تفسير قوله تعالى: وقال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِّ أَعْمَى ((﴿قَالْيَوْمَ نَنسَهُمْ كَمَا نَسُو ◌ْلِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾، وأمثالها من الآيات كقوله: ﴿نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾، وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾، وقوله: ﴿وَقِيلَ اَلْيَوْمَ نَنسَنَكُمْ﴾، وهذا لا یعارض قوله تعالى: ﴿لَّا يَضِلُّ رَبِّ وَلَا يَنْسَى﴾، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾؛ لأن معنى: ﴿قَالْيَوْمَ نَنسَهُمْ﴾ ونحوه، أي: نتر کهم في العذاب محرومین من کل خير))(٥). خلاصة القول في نسبة النسيان إلى الله تبارك وتعالى: ينبغي تنزيه الله تعالى عن النسيان بمعنى الغفلة والذهول. فالنسيان بهذا المعنى صفة نقص، والله تعالى منزه عن النقص، موصوف بصفات الكمال، فلا يجوز وصف الله تعالى بالنسيان بهذا المعنى على كل حال. قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. وقال سبحانه أيضًا: ﴿أَفَمَّنْ يَخْلُقُ كَمَن لَّا [النحل: ١٧]؛ يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ®® والعقل يقتضي أن الخالق غير المخلوق. (٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٢/ ٨٧، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٧٢/٧. (٥) دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب، الشنقيطي ص ١٠٢ www. modoee.com ٨٣ حرف النون والله تعالى نزه نفسه عن النسيان، فقال: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم : ٦٤]. قال الطاهر بن عاشور: (( والنسيان: عدم تذكر الأمر المعلوم في ذهن العالم» (١). والله تعالى منزه عن كل نقص وعيب سبحانه وتعالى. ورد النسيان مضافا إلى الله هو بمعنى الرفع. قال تعالى: ﴿﴿ مَا نَسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُفسِهَا تَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اَللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيُ (٦)﴾ [البقرة: ١٠٦]. ینسب الإنساء إلى الله بمعنى التأخير أو (٢) في معنى النسيان هو الرفع والنسخ ٠ قال السعدي: « أي: تنسها العباد، فنزيلها من قلوبهم، ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ وأنفع لكم ﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾؛ فدل على أن النسخ لا يكون لأقل مصلحة لكم من الأول؛ لأن فضله تعالی یزداد خصوصًا على هذه الأمة، التي سهل عليها دينها غاية التسهيل. وأخبر أن من قدح في النسخ فقد قدح في ملكه وقدرته)) (٣). بَعْضُهُم مِّنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمُّ إِنَّ الْمُنَفِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٣)﴾ [التوبة: ٦٧]. قال الطاهر بن عاشور: ((فالمعنى: نسوا دین الله ومیثاقه الذي واثقهم به، وقد أطلق نسيانهم على الترك والإعراض عن عمد، أي: فنسوا دلائل توحيد الله ودلائل صفاته ودلائل صدق رسوله صلى الله عليه وسلم وفهم كتابه))(٤). ومعنى قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ نَسُواْ اللّهَ فَأَنَسَنُهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩]. أي: أن الله لم يخلق في مداركهم التفطن لفهم الهدي الإسلامي فيعلموا بما ينجيهم من عذاب الآخرة، ولما فيه صلاحهم في الدنیا؛ إذ خذلهم بذبذبة آرائهم، وأشعرت فاء التسبب بأن إنساء الله إياهم أنفسهم مسبب على نسيانهم دين الله، أي: لما أعرضوا عن الهدی بکسبهم وإرادتهم عاقبهم الله بأن خلق فیهم نسیان أنفسهم. وإطلاق النسيان على الله تعالی من باب ورد النسيان مضافًا إلى الله عز وجل المشاكلة المعروفة في علم البيان، فالجزاء من جنس العمل (٥). بمعنى الترك والإهمال عقوبة وجزاءً. قال تعالى: ﴿اَلْمُنَفِقُونَ وَالْمُنَفِقَتُ (١) التحرير والتنوير ٢٣٥/١٦ (٢) التفسير الحديث، دروزة محمد عزت ١٨١/٥. (٣) تيسير الكريم الرحمن ص ٦١. مَوَسُولَةُ النَّفي القرآن الكريمِ (٤) التحرير والتنوير ١١٣/٢٨. (٥) انظر: المصدر السابق. ٨٤ النسيان الإنسان والنسيان النسيان من طبيعة الإنسان، وما سمي الإنسان إلا لنسيانه ولا القلب قلبًا إلا لتقلبه(١). ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من قول: (اللهم مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، اللهم مصرف القلوب صرف قلبي على طاعتك)(٢). وأول ما طرأ النسيان على أبي البشر آدم عليه السلام ونسي موسى عليه السلام عهده مع العبد الصالح، ونسي يوشع بن نون خادم موسی علیه السلام، ونسي کذلك خير الأنبياء والرسل والخلق أجمعين محمد صلى الله عليه وسلم، فقد صلى الظهر مرة بأصحابه خمسًا، ومرة قام من اثنتين في صلاة الظهر ونسي الجلوس للتشهد الأول (٣). . والنسيان ضرورة بشرية؛ لأن الذاكرة لها درجة تشبع، ومن رحمة الله على الإنسان (١) فيض القدير، المناوي ٢/٣. (٢) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الدعوات، باب حدثنا أبو موسى الأنصاري، رقم ٣٥٢٢، وأحمد في مسنده، ١٠٠/١٨، رقم ١٢١٠٧. وصححه الألباني في صحيح الجامع، ١٣٢٣/٢. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة، باب التوجه نحو القبلة حيث كان، ٨٩/١، رقم ٤٠١. أن منحه النسیان لیهمل ما لا يهمه، ويختزنه في عقله الباطن، ويحتفظ في منطقة الشعور بکل ما یهمه من شؤون حياته (٤). لا بد للإنسان من النسيان والغفلة والذهول وإن أطال التدبر، فعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بکم، ولجاء بقوم یذنبون، فيستغفرون الله فیغفر لهم)(٥). أولًا: النسيان طبيعة في الإنسان النسيان الطبعي نعمة من نعم الله تعالى على العبد، ومن العوارض البشرية التي تطرأ على الإنسان فيغيب عن ذهنه بعض الحوادث والمعلومات دون فعل منه أو إرادة، وهذا من العلامات التي تؤكد الضعف البشري والعجز الإنساني. وقد يكون النسيان في بعض الأحيان رحمة ونعمة؛ حیث ینسی الإنسان ما مر به من ذكريات أليمة وحوادث مؤسفة، لو ظلت حاضرة في ذهنه لأرقت ليله وأذابت بدنه وأذهبت عقله، فمن رحمة الله تعالى بنا أن جعل النسيان راحة لنا من هموم الذكريات المؤلمة. فينسى المرء إساءات الناس لكي (٤) النسيان والذكر في القرآن، السيد رزق الطويل، مجلة البحوث الإسلامية ص ١٣٥. (٥) أخرجه مسلم في صحيحه، كتابٍ التوبة، باب سقوط الذنوب بالاستغفار توبة، ٢١٠٦/٤، رقم ٢٧٤٩. www. modoee.com ٨٥ حرفالنون يستطيع أن يسامح ويغفر ويصفح، ولکي لا يملك الغضب قلوبنا بسببها، وننساها لكي نهرب من الحقد والكراهية إذا ثبتت في أذهاننا، فالذي ينسى أخطاء الناس إليه، يمكنه أن يقابل الكل ببشاشة. قال الخازن: ((قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ﴾ [الحجر: ٢٦]. ، يعني: آدم عليه السلام في قول جميع المفسرين، وسمي إنسانًا لظهوره وإدراك البصر إياه، وقيل من النسيان؛ لأنه عهد إليه فنسي ﴿مِن صَلْصَلِ﴾ [الحجر: ٢٦] يعني: من اليابس، إذا نقرته سمعت له صلصلة، يعني: صوتًا، وقال ابن عباس: هو الطين الحر الطيب الذي إذا نضب عنه الماء تشقق، فإذا حرك تقعقع)) (١). وقد ورد النسيان منسوبًا إلى العبد في القرآن بصور متعددة منها: ١. الذهول والغفلة وعدم القصد. وهذا له الاعتذار وطلب عدم المؤاخذة كما جاء في دعاء المؤمنين في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأَنَ﴾ [البقرة: ٢٨٦]. قال السعدي: ((والفرق بين النسيان والخطأ أن النسيان: ذهول القلب عما أمر به فيتركه نسيانا، والخطأ: أن يقصد شيئا يجوز له قصده ثم يقع فعله على ما لا يجوز له (١) لباب التأويل ٦٤/٤. فعله، فهذان قد عفا الله عن هذه الأمة ما يقع بهما رحمة بهم وإحسانا» (٢). وقد اعتذر فتى موسى عليه السلام حين قال: ﴿فَإِّ نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَنِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذَّكْرَهُ﴾ [الكهف: ٦٣]. وفي اعتذار موسى عليه السلام للخضر عليه السلام في قوله: ﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِ پِمَا نَسِيتُ﴾ [الكهف: ٧٣]. وقد شرع الله تعالى لنا ما يمكن أن نستدرك به ما فاتنا بسبب النسيان. قال تعالى: ﴿ وَلَا نَقُولَنَّ لِشَأَىْءٍ إِنِّ فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ وَأَذْكُرُ رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّ ◌ِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ [الكهف: ٢٣ -٢٤]. قال السعدي: ((الأمر بذكر الله عند النسيان، فإنه يزيله، ويذكر العبد ما سها عنه، وکذلك يؤمر السامي الناسي لذكر الله، أن يذكر ربه، ولا يكونن من الغافلين)» (٣). ٢. المعونة من الله لنسيان المصائب التى تحل بالإنسان. قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَىْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَلِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَتِّ وَبَشِّرِ الصَّبِينَ ﴾ [البقرة: ١٥٥] لا بد أن يبتلى المؤمن في شيء من ماله أو نفسه أو ولده أو أهله، ويبتلى المؤمن (٢) تيسير الكريم الرحمن ص ١٢٠. (٣) المصدر السابق ص ٤٧٤. ٨٦ جوبيو الْقُرْآن الكَرِيْمِ النسيان على قدر دينه، إن كان في دينه صلابة زيد في عند حلول التجربة))(٢). البلاء، يقول تعالى للمؤمنين عند مقدمهم المدینة قبل وقعة بدر، مسلیًا لهم عما نالهم من الأذى من أهل الكتاب والمشركين، وآمرًا لهم بالصبر والصفح والعفو حتى يفرج الله عليهم، فقال تعالى: ﴿وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ اَلْأُمُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٦](١). فلو لم ينس الإنسان هذه المصائب لكانت الحياة مظلمة بكل أبعادها وتفاصيلها، وسيجد صعوبة بالغة في استمراريتها حياته بسبب عدم نسيانها. ٣. التنكر للجميل وترك الإحسان المطلوب. قال تعالى: ﴿وَلَا تَنسَواْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيٌُّ﴾ [البقرة: ٢٣٧]. قال الطاهر بن عاشور: ((قوله: ﴿وَلَا تَنسَواْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ لزيادة الترغيب في العفو بما فيه من التفضل الدنيوي، وفي الطباع السليمة حب الفضل، فأمروا في هاته الآية بأن يتعاهدوا الفضل، ولا ينسوه؛ لأن نسيانه يباعد بينهم وبينه، فيضمحل منهم، وموشك أن يحتاج إلى عفو غيره عنه في واقعة أخرى، ففي تعاهده عون كبير على الإلف والتحابب، وذلك سبيل واضحة إلى الاتحاد والمؤاخاة والانتفاع بهذا الوصف (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٧٩/٢. وقرأ عليّ رضي الله عنه: (ولا تناسوا)، قال ابن عطية: ((وهي قراءة متمكنةٌ في المعنى، لأنه موضع تناسٍ لا نسیانٍ، إلا على التشبيه)) (٣). وقال أبو البقاء: على باب المفاعلة، وهي بمعنى المتاركة لا بمعنى السهو (٤). ٤. النسيان المتعمد. هو في موضع الذم والوعيد؛ لأن الإنسان إذا تركه متعمدًا كان عليه العقوبة واللعن، لذا يجب عليه الأخذ به والامتثال له، كما في قوله تعالى: ﴿فَمَا نَقْضِهِم مِّيثَقَهُمْ لَعَنَّهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَسِيَةٌ يُحِّقُونَ الْكَلِمَ عَن مَوَاضِعِهِ،" وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِرُواْيِهِ،﴾ [المائدة: ١٣]. قال الطاهر بن عاشور: ((والنسيان مراد به الإهمال المفضي إلى النسيان غالبًا، وقد جمعت الآية من الدلائل على قلة اكتراثهم بالدین ورقة اتباعهم »(٥). ٥. الانشغال بالمحرمات والمباحات، حتى يهمل الإنسان الواجبات. قال تعالى: ﴿فَأَّخَذْ تُمُ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوَّكُمْ ذِكْرِى وَكُنتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ ) [المؤمنون: ١١٠]. (٢) التحرير والتنوير ٢/ ٤٦٥. (٣) المحرر الوجيز ٣٢٢/١. (٤) التبيان في إعراب القرآن ٢٣٧/١. (٥) التحرير والتنوير ٦/ ١٤٤. www. modoee.com ٨٧ حرفالنون قال السعدي: ((وهذا الذي أوجب لهم نسیان الذکر، اشتغالهم بالاستهزاء بهم، كما أن نسیانهم للذکر یحثهم على الاستهزاء، فكل من الأمرين يمد الآخر، فهل فوق هذه الجراءة جراءة)»(١). وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُّدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ ءَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِى هَؤُلَاءِ أَمّ هُمْ ضَلُّواْ السَّبِيلَ ١٧ قَالُواْ سُبْحَنَكَ مَا كَانَ يَتْبَغِى لَنَّا أَنْ تَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءُ وَلَكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَءَابَآءَ هُمْ حَّ نَسُواْ اللَّكْرَ وَكَانُوْ قَوْمًّاً بُورًا )﴾ [الفرقان: ١٧ -١٨]. قال السعدي: «حتى نسوا الذكر اشتغالا بلذات الدنيا وإكبابا على شهواتها، فحافظوا علی دنیاهم وضیعوا دينهم، وكانوا قومًا بورًا، أي: بائرين لا خير فيهم ولا يصلحون لصالح، لا يصلحون إلا للهلاك والبوار، فذكروا المانع من اتباعهم الهدى وهو التمتع في الدنيا الذي صرفهم عن الهدى، وعدم المقتضي للهدى))(٢). ومثله قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦]. قال الطاهر بن عاشور: (( أي بسبب نسيانهم يوم الحساب، والنسيان: مستعار للإعراض الشديد؛ لأنه يشبه نسيان المعرض عنه ... وفي جعل الضلال عن سبيل الله ونسيان يوم الحساب سببين لاستحقاق العذاب الشديد تنبيه على تلازمهما؛ فإن الضلال عن سبيل الله يفضي إلى الإعراض عن مراقبة الجزاء)» (٣). ثانيًا: نسبة النسيان إلى الأنبياء عليهم السلام: دَلَّ القرآن على نسيان الأنبياء في مواضع كثيرة من القرآن الكريم. يقول الله تبارك وتعالى لنبيه الكريم صلى الله عليه وسلم: ﴿فَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيَءَايَئِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَّ يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهٌ وَإِمَّا يُكْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَ نَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىْ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِينَ [الأنعام: ٦٨]. ١٨ وقال عز وجل: ﴿وَأَذْكُرُ رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبٍِ لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا [الكهف: ٢٤]. ٢٤ والأنبياء معصومون فيما يبلغونه عن الله تعالى، وهذا لا ينافي نسيانهم في بعض الأمور الدنيوية أو الأمور التي فيها حكمة التشريع. قال ابن تيمية: (( فإنهم متفقون على أن الأنبياء معصومون فيما يبلغونه عن الله تعالى، وهذا هو مقصود الرسالة، فإن (١) تيسير الكريم الرحمن ص ٥٦٠. (٢) المصدر السابق ص ٥٨٠. (٣) التحرير والتنوير ٢٤٦/٢٣. ٨٨ جَوَسُورَةُ النَّقِينَ القرآن الكريمِ النسيان الرسول هو الذي يبلغ عن الله أمره ونهيه وخبره، وهم معصومون في تبليغ الرسالة باتفاق المسلمین، بحيث لا يجوز أن يستقر في ذلك شيء من الخطأ)) (١). وذكر القرآن الکریم مواقف نسيان لبعض الأنبياء، وهذا يدلل على بشريتهم، منهم: ١. نسيان النبي محمد صلى الله عليه وسلم. قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ أَلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيَ ءَايَئِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَى يَخُوُضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْهٍِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطِنُ فَلَ نَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ [الأنعام: ٦٨]. وقف كثير من المفسرين عند هذه الآية وتساءلوا عن جواز النسيان على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم جواز تأثره بالشيطان. والآية صريحة بجواز النسيان عليه، وعلى غيره من الأنبياء. وفي القرآن آیات عديدة أخرى تؤيد ذلك. مثل هذه الآية التي يخاطب بها النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿وَأَذْكُرُ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤]. وسبب نزول هذه الآية أن قریشًا أرسلت وفدًا إلى علماء أهل الكتاب (اليهود) في ليمتحنوا بها صدق محمد صلى الله عليه وسلم. فقال لهم اليهود اسألوه عن (أصحاب الكهف) وعن (ذي القرنين). (١) منهاج السنة النبوية ١/ ٤٧٠. فعادوا بهذه الأسئلة إلى مكة وطرحوها على النبي صلى الله عليه وسلم فأجابهم قائلًا (سأخبركم عنها غدًا) ولم يستثن بقوله: (إن شاء الله) فلم ينزل الوحي في اليوم التالي، وتأخر نزول الوحي فترة من الزمن، وقد أصاب النبي صلى الله عليه وسلم الحزن لهذه الفترة في الوحي. وبعد أن نزل الوحي وبَيَّنَ الإجابة عن أسئلتهم علم الله تعالى في بداية الآيات نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم أن لا يجزم بقول أو فعل شيء في المستقبل دون إيكال ذلك إلى مشيئة الله تعالى وإرادته. قال تعالى: ﴿ وَلَا نَقُولَنَّ لِشَأَىْ ءٍ إِنِّ فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدَّا إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ وَأَذْكُرُ رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٣ -٢٤]. ذكر الله تعالى أن النسيان أمرًا طبيعيًّا بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ لذا أمره أن يذكر ربه إذا نسي، وهو منبثق من طبيعة الأنبياء البشرية. المدينة كي يطلبوا منهم بعض الأسئلة -قال إبراهيم: لا أدري زاد أو نقص- فلما وهناك أحاديث عديدة عن نسيان النبي صلى الله عليه وسلم منها حديث عن عبدالله: (صلى النبي صلى الله عليه وسلم سلم قيل له: يا رسول الله، أحدث في الصلاة شيءٌ؟ قال: (وما ذاك)، قالوا: صليت كذا وكذا، فثنى رجليه، واستقبل القبلة، وسجد سجدتین، ثم سلم، فلما أقبل علينا www. modoee.com ٨٩ حرف النون بوجهه، قال: (إنه لو حدث في الصلاة شيءٌ لنباتکم به، ولکن إنما أنا بشرٌ مثلکم، أنسى کما تنسون، فإذا نسيت فذكروني، وإذا شك أحدكم في صلاته، فليتحر الصواب فليتم علیه، ثم ليسلم، ثم يسجد سجدتین)(١). قال ابن حجر: ((قوله: قال: وما ذاك. فیه إشعار بأنه لم یکن عنده شعور مما وقع منه من الزيادة، وفيه دليل على جواز وقوع السهو من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في الأفعال، قال ابن دقيق العيد: وهو قول عامة العلماء والنظار، وشذت طائفة فقالوا: لا يجوز على النبي السهو، وهذا الحديث يرد عليهم لقوله صلى الله عليه وسلم فيه: (أنسى كما تنسون) ولقوله: (فإذا نسيت فذكروني)، أي: بالتسبيح (٢). وجواز السهو والنسيان على النبي صلى الله عليه وسلم إنما يحتمل في الشؤون البشرية والدنيوية. أما الشؤون الدينية والتبليغ عن الله تعالى فالمتفق عليه عند الجمهور أنه معصوم عنهما وهو الحق(٣). وأما قوله تعالى: ﴿سَنُقْرِتُكَ فَلاَ تَنَسَ [الأعلى: ٦]. (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة، باب التوجه نحو القبلة حيث كان، ٨٩/١، رقم ٤٠١. (٢) فتح الباري ١/ ٥٠٤. (٣) انظر: التفسير الحديث، محمد عزت ٠١١٢/٤ أراد بذلك النبي صلى الله عليه وسلم فكان إذا نزل عليه جبريل بالقرآن يبادره فيقرأ معه أن يفرغ جبريل مما يريده من التلاوة ومخافة الانفلات أو النسيان فنهاه الله تعالى عن ذلك فقال تعالى: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَنْ يُقْضَىَّ إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤]. أي: ولا تعجل بقراءته من قبل أن يقضى إليك وحیه، أي: من قبل أن يفرغ جبريل من الإبلاغ، وقيل: معناه لا تقرئه لأصحابك ولا تمله عليهم حتى يتبين لك معناه (٤). ٢. نسيان آدم عليه السلام. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىْ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِىَ وَلَمْ تَجِدْ لَهُ,عَزْمًا ﴾﴾ [طه: ١١٥]. أي: أوحينا إليه أن لا يأكل من الشجرة، يقال في أوامر الملوك ووصاياهم: تقدم الملك إلی فلان وأوصی إلیه، وعزم عليه، وعهد إليه، واللام في ﴿لَقَدٌ﴾ لام القسم، والمعنى: وأقسم قسمًا لقد أمرنا أباهم آدم ووصيناه أن لا يقرب الشجرة من قبل وجودهم، فخالف إلى ما ننهى عنه فنسي العهد، أي: النهي، والأنبياء عليهم السلام يؤاخذون بالنسيان الذي لو تكلفوا لحفظوه. وأما قوله: ﴿وَلَمْ تَجِدْ لَهُ، عَزْمًا﴾ أي: قصدا على الخلاف لأمره، أو لم یکن آدم من أولي العزم من الرسل (٥). (٤) انظر: لباب التأويل، الخازن ٢٨٢/٤. (٥) انظر: مدارك التنزيل، النسفي ٧٦/٢. ٩٠ جوسين القرآن الكريم النسيان ونسي هنا من السهو والنسيان، وإنما أخذ فيكون ضمير المفعول في أنساه عائدًا إلى یوسف، ھکذا قال بعض المفسرین، ویکون المراد بربه في قوله: ﴿ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ هو الله سبحانه، أي: إنساء الشيطان يوسف ذكر الله تعالى في تلك الحال ﴿وَقَالَ لِلَّذِى ظَنَّ أَنَّهُ. نَاجِ مِنْهُمَا﴾ يذكره عند سيده ليكون ذلك سببًا لانتباهه على ما أوقعه من الظلم البين علیه بسجنه بعد أن رأی من الآيات ما يدل على براءته (٢). الإنسان منه؛ لأنه عهد إليه فنسي، و قيل: نسي ما عهد الله إليه في ذلك، ولو کان له عزم ما أطاع عدوه إبليس، وكان في ذلك الوقت مأخوذًا بالنسيان، وإن كان النسيان مرفوعًا عنا اليوم، وهذا القول لا يحتمل منه أن یکون آدم مرفوعًا عنه النسيان، ومعنی ﴿مِن قَبْلُ﴾، أي: من قبل أن يأكل من الشجرة لأنه نهي عنها. وأما معنى قوله تعالى: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ. عَزْمًا﴾ فقال ابن عباس وقتادة: لم نجد له صبرًا عن أكل الشجرة ومواظبة على التزام الأمر (١). ٣. نسيان يوسف عليه السلام. فنبي الله يوسف الذي أنساه الشيطان ذکر ربه حیث يقول سبحانه عنه ﴿وَقَالَلِلَّذِى ظَنَّ أَنَّهُ نَاِ مِنْهُمَا أَذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنْسَنَةُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ، فَلَبِثَ فِ السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ﴾ [يوسف: ٤٢]. فقوله تعالى: ﴿أَذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ﴾ وجملة ﴿أَذْكُرْنِ عِندَ رَبِّكَ﴾ هي مقول القول، أمره بأن يذكره عند سيده، ويصفه بما شاهده منه من جودة التعبير والاطلاع على شيءٍ من علم الغيب، وكانت هذه المقالة منه عليه السلام صادرةً عن ذهولٍ ونسیانٍ عن ذكر الله بسبب الشيطان، (١) انظر: الجامع لأحكام القرآن ٢٦٨/١١. وذلك أن إلهام يوسف أن يسأل الله إلهام الملك تذكر شأنه كان من إلقاء الشيطان في على أمنيته، وكان ذلك سببًا إلهيًّا في نسيان الساقي تذکیر الملك، وکان ذلك عتابًا إلهيًّا ليوسف على اشتغاله بعون العباد دون استعانة ربه على خلاصه (٣). وفي ذلك يقول الشوكاني: «وذهب کثیر من المفسرين إلى أن الذي أنساه الشيطان ذكر ربه هو الذي نجا من الغلامين وهو الشرابي ... ويكون المعنى: فأنساه الشيطان ذكر إخباره بما أمره به يوسف مع خلوصه من السجن، ورجوعه إلى ما كان عليه من القيام بسقي الملك، وقد رجح البعض على هذا كون الشيطان لا سبيل له على الأنبياء: ويجيب الشوكاني على من قال: إن الشيطان لا سبيل له على الأنبياء. وأجيب (٢) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٣٥/٣. (٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٧٩/١٢. www. modoee.com ٩١ حرفالنون بأن النسیان وقع من یوسف، ونسبته إلی الشيطان على طريق المجاز، والأنبياء غير معصومين عن النسيان إلا فيما يخبرون به عن الله سبحانه، وقد صح عن رسول الله صلی الله علیه وسلم أنه قال: (إنما أنا بشر مثلكم أنسی کما تنسون، فإذا نسيت فذكروني) (١). ورجح أیضا بأن النسیان لیس بذنب، فلو كان الذي أنساه الشيطان ذكر ربه هو يوسف لم يستحق العقوبة على ذلك بلبثه في السجن بضع سنين. وأجيب بأن النسيان هنا بمعنى الترك، وأنه عوقب بسبب استعانته بغير الله سبحانه في تفريج كربه (٢). ٤. نسیان موسى عليه السلام. ذكر الله لموسى أن عبدًا من عباد الله بمجمع البحرين عنده من العلم ما لم يحط به موسى فأحب الرحيل إليه، فقال لفتاه ﴿لَ أَبْرَحُ حَقٌّ أَبْلُغَ مَجْمَعَ اَلْبَحْرَيْنِ} [الكهف: ٦٠]. أي: لا أزال سائرًا هذا المكان الذي فيه مجمع البحرين، فلما بلغا مجمع البحرين ناما هنالك وكان فتاه يحمل حوتًا مملوحًا، (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة، باب التوجه نحو القبلة حيث كان، ١/ ٨٩، رقم ٤٠١، ومسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب السهو في الصلاة والسجود له، رقم ٥٧٢. (٢) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٢٩/٣. فاستيقظ یوشع وقد أصاب الحوت رشاش الماء فاضطرب، وكان في مكتل مع يوشع بن نون، فسقط الحوت في البحر فجعل يسير في الماء، والماء له مثل الطاق لا يلتئم بعده، ولهذا قال: ﴿قاتخذسیلهُ فِ آبَحْرِسريًا﴾، أي: مثل السرب في الأرض. وقال العوفي عن ابن عباس: جعل الحوت لا يمس شيئًا من البحر إلا ييس حتى يكون صخرة (٣). ويصور الله تبارك وتعالى هذه الحادثة بقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَنَهُ لَّ أَبْرَعُ حَقَّ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِىَ حُقُبًّاً فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبً ا فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَسُهُ ءَائِنَا غَدَآءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبَالَ ٦٢ قَالَ أَرَءَيْتَ إِذْ أَوَيِّنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِ نَسِيتُ الْحُتَ وَمَآ أَنَسَنِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذَّكْرَهُ، وَأَّخَذَّ سَبِيلَهُ. [الكهف: ٦٠-٦٣]. فى البحر عجباً وقد نسب النسيان إليهما وإن كان يوشع هو الذي نسيه، ﴿قَالَ أَرَءَيْتَ إِذْ أَوَيِّنَآ إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِ نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ والمعنى: فلما ذهبا عن المكان الذي نسیاه فیه بمرحله قال موسى ﴿ءَائِنَا غَدَآءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَاهَذَا نَصَبًا﴾. ولما قفز الحوت من المكتل رآه وكان موسى عليه السلام نائمًا فلما استيقظ نسي أن يخبره بما حدث من الحوت من شدة (٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣/ ٩٢. ٩٢ جوية القرآن الكريمِ النسيان النصب، فانطلقا بقية يومهما وليلتهما فلما أخبره فتاه بالحادثة قال: ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغَ فَأَرْتَدًا عَلَىْ ءَاثَارِ هِمَا قَصَصًا ﴾ [الكهف: ٦٤]. أي: رجعا یقصان أثرهما حتى انتھیا إلى الصخرة التي كانا قد أويا إليها، فإذا رجل مسجی بثوب فسلم عليه، فقال الخضر: وأنى بأرضك السلام؟! فقال: أنا موسى بن إسرائيل قد أتيتك لتعلمني مما علمت منه رشدا (١). قال الطبري: الحوت کان مع یوشع، وهو الذي نسيه، فأضيف النسيان إليهما، وإنما جاز عندي أن يقال: (نسیا) لأنهما كانا جميعًا تزوداه لسفرهما، فكان حمل أحدهما ذلك مضافًا إلى أنه حمل منهما، كما يقال: خرج القوم من موضع كذا، وحملوا معهم کذا من الزاد، وإنما حمله أحدهما ولکنه لما کان ذلك عن رأيهم وأمرهم أضيف ذلك إلى جمیعهم، فكذلك إذا نسيه حامله في موضع قيل: نسي القوم زادهم، فأضيف ذلك إلى الجميع بنسيان حامله ذلك، فيجرى الكلام على الجميع، والفعل من واحد، فكذلك ذلك في قوله: ﴿نَسِیَاحُوتَهُمَا﴾ لأن الله عز ذكره خاطب العرب بلغتها، وما يتعارفونه بينهم من الكلام»(٢). قال القرطبي: ((وقيل إن النسيان كان (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٩٢/٣. (٢) جامع البيان ٤٤٨/٢٠. منهما لقوله تعالى: ﴿فَسِيَا﴾ فنسب النسيان إليهما وذلك أن بدو حمل الحوت كان من موسی؛ لأنه هو الذي أمر به، فلما مضیا کان فتاه هو الحامل حتى أويا إلى الصخرة)) (٣). ثم قال تعالى حكاية عن الخضر عليه السلام: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرً ا قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِ بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِىِ مِنْ أَمْرِى عُثرًا من﴾ [الكهف: ٧٢ - ٧٣]. فالنسيان الأول كان عقاب من الله تعالى على الهفوة التي وقع فيها موسى عليه السلام؛ لأن قصة الخروج في طلب علم الرجل الصالح كلها منطوية على ذلك، ومما يدل على ذلك قوله: (فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه) (٤). والنسيان الثاني الذي وقع من موسى عليه السلام عندما صحب الخضر أنه حرم علمًا كثيرًا وحكمة؛ لأنه لو صبر مع الخضر لحصل له علم كثير، ويدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم (وددنا أن موسى كان صبر حتى يقص الله علينا من خبرهما) (٥)(٦) (٣) الجامع لأحكام القرآن ١١/ ١٣. (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب (وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبًا)، ٨٨/٦، رقم ٤٧٢٥. (٥) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٧٥/٥. (٦) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب (وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح www. modoee.com ٩٣ حرف النون مما سبق يتضح أن النسيان الطبيعي هو صفة من صفات بني آدم لم يسلم منه حتى الأنبياء وهو دليل على بشريتهم إذ الكمال كله لله تعالى. حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقًا)، ٨٨/٦، رقم ٤٧٢٥. أقسام النسيان للإنسان دور واضح في إيجاد النسيان من خلال عدم اهتمامه وسطحية تعامله مع مفردات الحياة وتفاصيلها، فالذين لم يستعدوا لليوم الآخر بالعمل الجاد الصالح، ونسوا ذلك اليوم وأغرتهم الدنيا بمتاعها وجمالها، فتركوا العمل والعدة، فسيتركون في النار وسيجزون من جنس عملهم. وهناك نوع آخر من النسيان خارج عن إرادة الإنسان لأسباب وظروف موضوعية خاصة به، وهو مظهر من مظاهر رحمة الله تعالى على الإنسان في حالة إصابته بالمصائب والأوجاع والشدائد. أولًا: النسيان المؤاخذ علیه ودوافعه: النسيان المتعمد من الصفات المذمومة، وجاء في آيات القرآن الكريم مقترنًا بصفات أخرى لها علاقة بهذا المرض ولها ارتباط وثيق به، ورد ذكرها في القرآن على سبيل الذم، فقد جاء مقترنًا: بالكفر، والتكذيب، وعدم الإيمان، والتكبر، والجحود، والإعراض، والضلال، والظلم، ونسيان ذكر الله تعالى، ونسيان اليوم الآخر وما يكون فيه من الحساب، واللهو، واللعب، والتفريط، وحب الحياة الدنيا، وغير ذلك من مهلکات الأمور. وأغلب هذه المواطن التي ذم الله تعالى ٩٤ مَشَارَةُ الْبَقِيَة جُوب سو كر لِلْقُرآن الكَرِيْمِ