النص المفهرس
صفحات 41-55
النصارى
الله عليه وسلم موجود في الكتب السابقة،
وأن طائفة من بني إسرائيل من النصارى قد
جحدوا ما جاءهم به الرسول الذي انتظروه
وبشروا به، ومع ذلك أخذهم الكبر رغم أنهم
موقنون بمجيء الرسول الجديد وأوصافه
موجودة عندهم في الإنجيل إلا أنهم رفضوا
أن يؤمنوا فاستحقوا بذلك لعنة الله تعالى.
٤. سعيهم في إضلال المسلمين.
بعد أن بين الله تعالى في الآيات السابقة
محاولة بعض أهل الكتاب رد المسلمین عن
دينهم، أخبر في آيات أخرى عن محاولتهم
إضلال المسلمین في دينهم.
قال تعالى: ﴿وَدَّت ◌َطَآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ
اَلْكِتَبِ لَوْ يُضِلُونَكُمْ وَمَا يُضِلُونَ إِلَّ أَنْفُسَهُمْ
وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾ [آل عمران:٦٩].
قال الطبري: ((يعني بقوله جل ثناؤه:
﴿وَدَّتْ﴾، أي: تمنت، ﴿طَائِفَةٌ﴾،
يعني جماعة من ﴿أَهْلِ اَلْكِتَبِ﴾، وهم
أهل التوراة من اليهود، وأهل الإنجيل
من النصاری لو ﴿يُضِلُنگو﴾، يقولون: لو
يصدونكم أيها المؤمنون عن الإسلام،
ویردونکم عنه إلى ما هم عليه من الكفر،
فیهلکونکم بذلك»(١).
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّ
أَنْفُسَهُمْ﴾، وهو يحتمل وجوها منها:
إهلاكهم أنفسهم باستحقاق العقاب على
(١) جامع البيان، الطبري، ٦/ ٥٠٠.
قصدهم إضلال الغير وهو كقوله تعالى:
﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾
[البقرة: ٥٧].
ومنها إخراجهم أنفسهم عن معرفة
الهدى والحق لأن الذاهب عن الاهتداء
يوصف بأنه ضال، ومنها أنهم لما اجتهدوا
في إضلال المؤمنين ثم إن المؤمنين
لم يلتفتوا إليهم فهم قد صاروا خائبين
خاسرین، حیث اعتقدوا شيئا ولاح لهم أن
الأمر بخلاف ما تصوروه، ثم قال تعالى:
﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾، أي: ما يعلمون أن هذا
.(٢)
يضرهم ولا يضر المؤمنين (١).
وفي بيان بعض شبهات طائفة من
أهل الكتاب في إضلال المسلمين يقول
الإمام الرازي: يجتهدون في إضلال من
آمن بالرسول عليه السلام بإلقاء الشبهات
كقولهم: إن محمدا عليه الصلاة والسلام
مقر بموسى وعيسى ويدعي لنفسه النبوة،
وأيضا إن موسى عليه السلام أخبر في
التوراة بأن شرعه لا يزول، وأيضا القول
بالنسخ يفضي إلى البداء، والغرض منه تنبيه
المؤمنين على أن لا يغتروا بكلام اليهود،
ونظير قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَدَّ
كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِنَبِ لَوْ يَرُدُّونَكُم
مِنْ بَعْدٍ إِيمَنِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ
أَنْفُسِهِم ﴾ [البقرة: ١٠٩].
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ٢٥٥/٨.
www. modoee.com
١٥٥
حرف النون
وقوله تعالى: ﴿وَدُواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ
فَتَكُونُونَ سَوَآءَ ﴾ [النساء: ٨٩](١).
ويتضح مما مضى تمني طائفة من أهل
الکتاب إضلال المسلمین وردهم عند دینھم
بشتى الأساليب الخبيثة والشبهات الضالة
وذلك بإثارة الظنون والشكوك والأوهام
حول الإسلام والتشكيك بدعوة النبي صلى
الله عليه وسلم، والتشويش على عقيدة
المسلمين إلا أن الله تعالی أكد وبين أنهم ما
أضلوا إلا أنفسهم وما يشعرون.
٥. منعهم من يريد الإسلام.
ذكر الله تعالى في القرآن الكريم عن أهل
الكتاب بأنهم يصدون المؤمنين عن سبيل
الله بقوله تعالى: ﴿قُلْ يَكَأَهْلَ الْكِنَبِ لِمَ
تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا
وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا ◌َللَّهُ بِفَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ )﴾
[آل عمران: ٩٩].
أي: ((لم تصرفون عن دين الله من آمن
وتصدونهم عن سبيل الله بإلقاء الشبهات
والشكوك وذلك بإنكارهم صفة محمد
صلى الله عليه وسلم في كتبهم تبغونها
عوجا، يعني: زيغا وميلا عن الحق بإلقاء
الشبه في قلوب الضعفاء وأنتم شهداء أن
نعت محمد صلى الله عليه وسلم وصفته
مكتوب في التوراة، وأن دین الله الذي لا
يقبل غيره هو الإسلام، وقيل معناه: وأنتم
تشهدون المعجزات التي تظهر على يد
محمد صلى الله عليه وسلم الدالة على
نبوته، ﴿وَمَاللَّهُبِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾، فيه وعيد
وتهدید لهم، وذلك أنهم كانوا يجتهدون
ويحتالون بإلقاء الشبهة في قلوب الناس
ليصدوهم عن سبيل الله والتصديق بمحمد
صلی الله عليه وسلم فلذلك قال الله تعالى:
﴿وَمَا ◌َللَّهُ بِفَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾))(٢) .
قال قتادة: «لم تصدون عن الإسلام وعن
نبي الله من آمن بالله، وأنتم شهداء فيما
تقرؤون من كتاب الله: أن محمدًا رسول
الله وأن الإسلام دين الله الذي لا يقبل غيره
ولا یجزی إلا به، تجدونه مکتوبا عندکم في
التوراة والإنجيل))(٣).
يقول الزمخشري: ((كانوا يفتنون
المؤمنین ویحتالون لصدهم عنه، ويمنعون
من أراد الدخول فيه بجهدهم، وقيل: أتت
اليهود الأوس والخزرج فذكروهم ما كان
بينهم في الجاهلية من العداوات والحروب
ليعودوا لمثله ﴿تَبْغُونَهَاعِوَجًا﴾ تطلبون لها
اعوجاجا وميلا عن القصد والاستقامة،
فإن قلت: كيف تبغونها عوجا وهو محال؟
قلت: فيه معنیان: أحدهما أنكم تلبسون على
الناس حتى توهموهم أن فيها عوجا بقولكم:
إن شريعة موسى لا تنسخ، وبتغييركم صفة
(١) المصدر السابق.
فَضْو
جَوَسُورَةُ النَّفي
القرآن الكريم
(٢) انظر: لباب التأويل، الخازن، ٢٧٥/١.
(٣) جامع البيان، الطبري، ٦/ ٥٧.
١٥٦
النصارى
رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وجهها إلى المسجد الحرام، واستجاب المسلمون
لأمر الله تعالى وأمر رسوله صلى الله عليه
ونحو ذلك، والثاني: أنكم تتبعون أنفسكم
في إخفاء الحق وابتغاء ما لا يتأتى لكم من
وجود العوج فيما هو أقوم من كل مستقيم
وأنتم شهداء أنها سبیل الله لا يصد عنها إلا
ضال مضل، أو وأنتم شهداء بين أهل دينكم،
* سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ
عدول يثقون بأقوالكم ويستشهدونكم في
عظائم أمورهم، وهم الأحبار))(١).
وسلم فاتجهوا جميعا نحو قبلتهم الجديدة،
إلا أن هذا الأمر لم يرض السفهاء من الناس
ومنهم أهل الكتاب من اليهود والنصارى في
قوله تعالى:
مَا وَلَّنْهُمْ عَنْ قِبَلَئِمُ الَِّ كَانُواْ عَلَيْهَا قُل لِّلَّهِ الْمَشْرِقُ
وَالْمَغْرِبُّ يَهْدِى مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ
[البقرة: ١٤٢].
ويتضح من الآية الكريمة أن من صفات
بعض أهل الكتاب الذين كفروا بالإسلام
محاولة صد المسلمين عن دينهم وإقناعهم
بالرجوع والإرتداد عن الإيمان بشتى الطرق
وذلك بإلقاء الشبهات والشكوك، وتكذيبهم
بالنبي صلى الله عليه وسلم وإنكارهم ثبوت
صفته في كتبهم، وإثارة الفتن والعداوات
وإشاعة الفرقة والإختلاف والحروب بين
المسلمين حتى ينالوا من دين الإسلام،
ويبغون الدين عوجا برغم أنهم شهداء
على أن ما جاء به النبي محمد صلى الله
عليه وسلم هو الحق، لذلك وبخ الله تعالى
المعاندين منهم بسبب كفرهم وصدهم
الناس عن سبيل الله وذكرهم بقوله: ﴿وَمَا
اللَّهُبِفَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
٦. التشكيك في قبلة المسلمين.
اقتضت حكمة الله تعالی تولیة المسلمین
وجوههم وتحويل قبلتهم من بیت المقدس
(١) الكشاف، الزمخشري، ٣٩٢/١.
قال ابن كثير: ((ولما وقع هذا حصل
لبعض الناس من أهل النفاق والريب
والكفرة من اليهود ارتياب وزيغ عن الهدى
وتخبيط وشك، وقالوا: ﴿مَا وَلَّهُمْ عَنْ قِبْلَنِمُ
الَِّى كَانُوا عَلَيْهَا﴾ أي: ما لهؤلاء تارة يستقبلون
كذا، وتارة يستقبلون كذا؟ فأنزل الله جوابهم
في قوله: ﴿قُل لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ﴾ أي:
الحکم والتصرف والأمر كله لله، وحيثما
تولوا فثم وجه الله، و﴿﴿ لَيْسَ أَلْبِرَّ أَن تُوَلُواْ
وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ أَلْبِّ مَنْ
ءَامَنَ بِاللَّهِ ﴾ [البقرة: ١٧٧].
أي: الشأن کله في امتثال أوامر الله،
فحيثما وجهنا توجهنا، فالطاعة في امتثال
أمره، ولو وجهنا في كل يوم مرات إلى
جهات متعددة، فنحن عبيده وفي تصريفه
وخدامه، حيثما وجهنا توجهنا، وهو تعالى
له بعبده ورسوله محمد صلوات الله وسلامه
عليه وأمته عناية عظيمة؛ إذ هداهم إلى قبلة
www. modoee.com
١٥٧
حرف النون
الكعبة المبنية على اسمه تعالى وحده لا
شريك له، أشرف بيوت الله في الأرض، إذ
هي بناء إبراهيم الخليل، عليه السلام، ولهذا
قال: ﴿قُل لِّلَّهِ اَلْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُّ يَهْدِى مَن يَشَآءُ
إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾))(١).
إبراهيم خليل الرحمن، وجعل توجههم إلى تصديق مقالتك وهم اليهود والنصارى،
فنزل قوله تعالى: ﴿وَلَيْنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا
الْكِنَبَ﴾ وهم اليهود والنصارى بكل آیة،
أي: بكل علامة ما تبعوا قبلتك، أي: ما صلوا
إلى قبلتك، وما أنت بتابع قبلتهم، أي بمصل
إلى قبلتهم، وما بعضهم بتابع قبلة بعض،
يقال: معناه كيف ترجو أن يتبعوك ويصلوا
ومع علم أهل الكتاب من النصارى أن
تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة
حق وأنها قبلة إبراهيم عليه السلام، لكنهم
یعاندون ويتبعون هواهم ويطالبون رسول
الله صلى الله عليه وسلم بعلامة على
تصديق ذلك.
إلى قبلتك وهم لا يتبعون بعضهم بعضًا))(٢).
وقوله تعالى: ﴿وَلَيْنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا
الكنب پِكُلِءايٍ﴾: أي: برهان وحجة على
أن الكعبة قبلة، والمعنى ما تركوا قبلتك
الشبهة تزيلها بالحجة، وإنما خالفوك مكابرة
وعنادًا، ﴿وَمَآ أَنْتَ بِتَابِعِ قِلَهُمْ﴾، قطع
لأطماعهم، فإنهم قالوا: لو ثبت على قبلتنا
لكنا نرجو أن تكون صاحبنا الذي ننتظره،
تعزیرًا له وطمعًا في رجوعه.
قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِنَبَ
لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِفَغِلٍ عَمَّا
يَعْمَلُونَ ﴾ وَلَيْنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ
بِكُلِّ ءَايَةٍ مَّا تَبِعُواْ فِبْلَتَكَّ وَمَآ أَنْتَ يِتَابِعِ
◌ِلَنَهُمَّ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعِ قِبْلَةَ بَعْضٍٍّ وَلَيْنِ
أَتَّبَعْتَ أَهْوَآءَ هُم مِّنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ
مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ ﴿٥
١٤٥)
[البقرة: ١٤٤-١٤٥].
وقوله تعالى: ﴿وَ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ أَلْكِنَبَ
لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن زَّيِّهِمْ﴾: ((يعني: أن
القبلة إلى الكعبة هي الحق وهي قبلة إبراهيم
عليه السلام، ﴿وَمَا ◌َللّهُ يِفَفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾،
يعني: جحودهم القبلة إلى الكعبة فقالوا
للنبي صلى الله عليه وسلم: انتنا بعلامة على
وقبلتهم وإن تعددت لكنها متحدة
بالبطلان ومخالفة الحق، ﴿وَمَا بَعْضُهُم
بِتَابِعِ قِيْلَةً بَعْضٍ﴾، فإن اليهود تستقبل
الصخرة، والنصارى مطلع الشمس لا يرجى
توافقهم کما لا یرجی موافقتهم لك، لتصلب
كل حزب فيما هو فيه، ﴿وَلَيْنِ أُتَّبَعْتَ
أَهْوَآءَ هُم مِّنْ بَعْدٍ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾
على سبيل الفرض والتقدير، أي: ولئن
اتبعتھم مثلا بعد ما بان لك الحق وجاءك فيه
الوحي ﴿إِنَّكَ إِذَّا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ﴾، وأكد
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٤٥٤/١.
(٢) تفسير السمر قندي، ١٠١/١.
جَوَسُو ◌َرَ النَفسِير
القرآن الكريمِ
١٥٨
النصارى
تهدیده وبالغ فیه(١).
ويتضح مما مضى عداوة وحقد بعض
النصارى وغيرهم على الإسلام ومحاولتهم
زعزعة عقيدتهم بالتشكيك في قبلة
المسلمين ومطالبتهم النبي صلى الله عليه
وسلم بعلامة على ذلك، فيبين الله تعالى
لنبيه الكريم عليه الصلاة والسلام ولو
جاءهم بكل علامة ما تبعوا قبلتك، وما أنت
بتابع قبلتهم، وما بعضهم بتابع قبلة بعض.
٧. الإيذاء والاستهزاء بالمؤمنين.
بعض أهل الكتاب للمسلمين وإستهزائهم
بهم.
قال تعالى: ﴿يَهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ الَّذِينَ
اَّخَذُواْ دِيتَكُمْ هُزُوًا وَلَعِيًّا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ مِن
قَبْلِكُمْ وَالْكُنَّارَ أَوْلِيَاءُ وَأَّقُواْ اللَّهَ إِنْ كُمْ مُؤْمِينَ (٢)
وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ أَتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبَأْ ذَلِكَ
قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَبِ هَلْ
بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ (٥)
تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ مِن
قَبْلُ وَأَنَّ أَكْتَرَ كُمْ فَسِقُونَ ﴾ [المائدة: ٥٧ -٥٩].
أي: أن الله حذر المؤمنين ألا يتخذوا
اليهود والنصارى أولياء، ووصفهم تعالى
بأنهم اتخذوا الإسلام هزوًا ولعبًا، وهم
قد أوتوا الكتاب من قبلنا، يعني: التوراة
والإنجيل، ونهانا عن اتخاذهم أولياء،
وأخبرنا أنهم اتخذوا ديننا هزوا ولعبًا
(١) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي، ١١٢/١.
كما فعل أهل الكتاب، ومعنى اتخاذهم
ديننا هزوًا ولعبًا: هو إيمانهم ثم كفرهم
وإظهارهم خلاف ما يبطنون أخبر الله عنهم
أنهم: ﴿وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُواْ ءَامَنًا
وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا شَخْرُ
مُسْتَهْزِءُونَ ))
﴾ [البقرة: ١٤].
وقوله: ﴿وَأَتَّقُواْ اللّهَ﴾، أي: اتقوه في
اتخاذهم أولياء، ﴿إِن كُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي:
مصدقین بالله))(٢).
لما حكى في الآية الأولى عنهم أنهم
أخبر الله تعالى في آياته الكريمة عن إيذاء اتخذوا دين المسلمين هزوا ولعبا ذكر ههنا
بعض ما يتخذونه من هذا الدين هزوا ولعبا
فقال: وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا
ولعبا قيل: كان رجل من النصارى بالمدينة
إذا سمع المؤذن بالمدينة يقول: أشهد أن
محمدًا رسول الله يقول: أحرق الكاذب.
فدخلت خادمته بنار ذات ليلة فتطايرت منها
شرارة في البيت، فاحترق البيت واحترق هو
وأهله.
وقيل: كان منادي رسول الله صلى الله
عليه وسلم ينادي للصلاة وقام المسلمون
إليها، فقالت اليهود: قاموا لا قاموا، صلوا
لا صلوا على طريق الاستهزاء، فنزلت الآية.
وقيل: كان المنافقون يتضاحكون عند
القيام إلى الصلاة تنفيرا للناس عنها.
وقيل: قالوا یا محمد لقد أبدعت شيئًا لم
(٢) الهداية إلى بلوغ النهاية، ١٧٨٩/٣.
www. modoee.com
١٥٩
حرفالنون
يسمع فيما مضى، فإن كنت نبيا فقد خالفت ثالثًا: تحذير القرآن المسلمين من
فيما أحدثت جميع الأنبياء، فمن أين لك النصارى:
صياح كصياح العير، فأنزل الله هذه الآية(١).
ثم يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه
وسلم: ((قل يا محمد لأهل الكتاب من اليهود
والنصارى: يا أهل الكتاب، هل تكرهون
منا أو تجدون علينا في شيء إذ تستهزؤون
بديننا، وإذ أنتم إذا نادينا إلى الصلاة اتخذتم
نداءنا ذلك هزوًا ولعبا ﴿إِلَّا أَنَّ ءَامَنَا بِاللَّهِ﴾
يقول: إلا أن صدقنا وأقررنا بالله فوحدناه،
وبما أنزل إلينا من عند الله من الكتاب، وما
أُنزل إلی أنبياء الله من الکتب من قبل کتابنا،
﴿وَأَنَّ أَكْتَكُمْ فَسِقُونَ﴾ يقول: وإلا أن أكثركم
مخالفون أمر الله، خارجون عن طاعته،
تكذبون علیه»(٢).
ويتضح مما تقدم عداوة بعض أهل
الكتاب من النصارى لدين الإسلام
ومحاولتهم المستمرة في تمزيقه بشتى
الأساليب والطرق للنيل منه ومن أتباعه
قديمًا وحديثًا وذلك بالإيذاء والإستهزاء
والكذب مع علمهم المسبق بما يجدونه في
کتبهم بأن الإسلام هو دين الحق، ومع ذلك
فهم مصرون على العند والكبر.
[انظر: أهل الكتاب: موقف أهل الكتاب من
المسلمين]
(١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ٣٨٨/١٢.
(٢) جامع البيان، الطبري، ١٠/ ٤٣٣.
وردت في القرآن الكريم آيات كثيرة
متنوعة في تحذير المسلمين وتنبيهم من
الوقوع في أخطاء الأمم السابقة من النصارى
وغيرهم منها ما يأتي:
١. التحذير من التشبه بهم في أحوالهم
وأقوالهم.
قال تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
لَا تَقُولُواْ رَعِنَا وَقُولُواْ أَنْظُرْنَا وَأَسْمَعُواْ
وَلِلْكَفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ
١٠٤
[البقرة: ١٠٤].
وفي الآية دلالة على النهي الشديد
والتهديد والوعيد عن التشبه بالكفار في
أقوالهم وأفعالهم، ولباسهم وأعيادهم،
وعباداتهم وغير ذلك من أمورهم التي لم
تشرع لنا ولا نقرر عليها (٣).
٢. يحذر تعالى عباده المؤمنين عن طاعة
طائفة من الذين أوتوا الكتاب.
الذين يحسدون المؤمنين على ما آتاهم
الله من فضله، وما منحهم به من إرسال
رسوله ویتمنوا أن یکونوا کافرین، کما قال
تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تُطِيعُواْفَرِقًا
مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ يُدُّوكُمْ بَعْدَ إَِتِكُمْ كَفِرِينَ
ـ﴾ [آل عمران: ١٠٠].
١٠٠
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير،
٣٧٤/١.
١٦٠
القرآن الكريم
النصارى
أي: ((حذر الله تعالى المؤمنين من إغواء والاعتصام بحبل الله تعالى، لقوله تعالى:
﴿وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ
وَأَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءَ فَأَلَّفَ
بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَنًا وَكُنتُمْ
عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِّنْهَا كَذَلِكَ
يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ ءَايَتِهِ، لَعَلَّكُمْ نَهْتَدُونَ ()﴾ [آل
عمران: ١٠٣].
الكفار وإضلالهم وناداهم بوصف الإيمان
تنبيها على تباين ما بينهم وبين الكفار،
ولم يأت بلفظ: ((قل)) ليكون ذلك خطابا
منه تعالی لهم وتأنيسا لهم، وأبرز نهیه عن
موافقتهم وطواعيتهم في صورة شرطية، لأنه
لم تقع طاعتهم لهم))(١).
قال قتادة رحمه الله: ((قد تقدم الله
إلیکم فيهم کما تسمعون وحذركم وأنباكم
بضلالتهم، فلا تأتمنوهم علی دینکم، ولا
تنتصحوهم على أنفسكم، فإنهم الأعداء
الحسدة الضلال، کیف تأتمنون قومًا كفروا
بکتابھم، وقتلوا رسلهم، وتحیروا في دینھم،
وعجزوا عن أنفسهم؟! أولئك والله هم أهل
التهمة والعداوة (٢)
.
٣. عدم الوقوع بما وقع فيه النصارى من
الاختلاف والفرقة في دینھم.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ
وَأَخْتَلَفُواْ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْبَيِّنَتُّ وَأُوْلَكَ لَمْ
عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [آل عمران: ١٠٥].
أي: ينهى هذه الأمة أن تكون كالأمم
الماضية في تفرقهم واختلافهم، وتركهم
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع قيام
الحجة عليهم (٣).
والدعوة إلى الوحدة ونبذ الاختلاف
(١) انظر: البحر المحيط، ٢٨١/٣.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري، ٦/ ٦٠.
قال ابن عباس: ((أمر الله المؤمنين
بالجماعة ونهاهم عن الاختلاف والفرقة
وأخبرهم إنما هلك من كان قبلهم بالمراء
والخصومات في الدين)» (٤).
٤. التحذير من كتمان الحق مع العلم به
وعدم تبينه للناس.
فإن هذا من صفات النصارى، كما قال
تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَقَ الَّذِينَ أُوتُواْ
الْكِتَبَ لَتُبَيِّنُنَّهُ، لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ، فَنَبَذُوهُ
وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًاٌ فَيَأْسَ مَا
يَشْتَرُونَ ﴾ [آل عمران: ١٨٧].
أي: أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب
يعني: اليهود والنصارى، والمراد منهم:
العلماء خاصة، وقيل المراد بالذين أوتوا
الكتاب: العلماء والأحبار من اليهود خاصة
وأخذ الميثاق هو التوكيد والإلزام لبيان ما
أوتوه من الكتاب وهو قوله تعالى: ﴿لَتُبِيِّنُنَّهُ.
لِلنَّاسِ﴾، يعني: لتبينن ما في الكتاب ولتظهرنه
للناس حتى يعلموه وذلك أن الله أوجب
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٩١/٢. (٤) لباب التأويل، الخازن، ٢٨٢/١.
www. modoee.com
١٦١
حرفالنون
على علماء التوراة والإنجيل أن يشرحوا
للناس ما في هذين الكتابين من الدلائل
الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم
﴿وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾، ولا تخفون ذلك عن
الناس ﴿فَنَبَذُوهُ﴾ يعني: الكتاب، وقيل:
الميثاق ﴿وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ﴾ أي: فطرحوه أي: إنما يوالي بعضهم بعضا لاتحاد ملتهم
وضيعوه وتركوا العمل به ﴿وَأَشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا
قَلِيلًا﴾ ﴿فَأْسَ مَا يَشْتَّرُونَ﴾، ذمهم الله
تعالى على فعلهم ذلك(١).
ولعنهم الله تعالى في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيْنَتِ وَالْمُدَى مِنْ بَعْدٍ
مَا بَيِّنَهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِنَبِّ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ
﴾ [البقرة: ١٥٩].
وَيَلْعَنُّهُمُ الَّعِنُونَ لـ
وظاهر هذه الآيات وإن كان مخصوصا
بعلماء أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى
فلا يبعد أن يدخل فيه علماء هذه الأمة
الإسلامية لأنهم أهل كتاب وهو القرآن وهو
أشرف الكتب(٢).
٥. حذر القرآن الكريم في بعض آياته
الكريمة المسلمين من موالاة أهل
الکتاب من النصارى.
قال تعالى: ﴿﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَتَّخِذُواْ
اَلْيُهُودَ وَالنَّصَرَّ أَوْلِيَّةُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍٍّ وَمَن يَتَوَلَُّم
◌ِنَكُمْ فَإِنَّهُ، مِنْهُمَّ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى أَلْقَوْمَ أَلَِّمِينَ
﴾ [المائدة: ٥١].
٥١
(١) لباب التأويل، الخازن، ١/ ٣٣٠.
(٢) انظر: المصدر السابق.
أي: «لا تعتمدوا علی الاستنصار بهم،
ولا تتوددوا إليهم، ولا تتخذوهم أولياء
تنصرونهم وتستنصرونهم وتؤاخونهم
وتصافونهم وتعاشرونهم معاشرة المؤمنين،
ثم علل النهي بقوله ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾
واجتماعهم في الكفر، فما لمن دینه خلاف
دینهم ولموالاتهم ومن يتولهم منكم فإنه من
جملتهم وحكمه حكمهم، وهذا تغليظ من
الله وتشديد في وجوب مجانبة المخالف
في الدين واعتزاله))(٣).
وورد أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه
أمر أبا موسى الأشعري أن يرفع إليه ما أخذ
وما أعطى في أديم واحد، وكان له كاتب
نصراني، فرفع إليه ذلك، فعجب عمر رضي
الله عنه، وقال: إن هذا لحفيظ، هل أنت
قارئ لنا كتابا في المسجد جاء من الشام؟
فقال: إنه لا يستطيع أن يدخل المسجد، فقال
عمر: أجنب هو؟ قال: لا بل نصراني، قال:
فانتهرني وضرب فخذي، ثم قال: أخرجوه،
ثم قرأ: ﴿﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ أَلْيُهُودَ
وَالنَّصَرَى أَوْلِيَاءُ﴾ [المائدة: ٥١](٤).
ومع أن الله تعالى ذكر في هذه الآية
الكريمة: أن اليهود والنصارى بعضهم أولياء
بعض، ولكنه بين في موضع آخر ذكرناه
(٣) مفاتيح الغيب، الرازي، ٣٧٥/١٢.
(٤) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير،
١٣٢/٣.
١٦٢
ـةُ البَشِيَّة
جومبو
القرآن الكريمِ
النصارى
فيما مضى في المبدلين دينهم وعاقبتهم
من النصارى حيث أن ولاية بعضهم لبعض
ليست خالصة لله تعالى، بل تقوم على
أساس عداوتهم لدين الإسلام، لذلك بين أن
العداوة والبغضاء بينهم باقية ومستمرة إلى
يوم القيامة، بقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ
قَالُواْ إِنَّا نَصَدَرَىَ أَخَذْنَا مِيثَقَّهُمْ فَنَسُواْ
حَظًّا مِمَّا ذُكِرُواْ بِهِ، فَأَغْرَنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ
وَاَلْبَغْضَآءُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ وَسَوْفَ
يُنَبِّتُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ
[المائدة: ١٤].
٦. التحذير من موالاتهم ومشابهتهم في
الاستهزاء في الدين.
قال تعالى: ﴿يَّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَّخِذُواْ الَّذِينَ
اَّخَذُواْ دِيَتَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبَّا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ مِن
قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءُ وَأَتَّقُواْ الَّهَ إِنْ كُ مُؤْمِنِينَ ))
[المائدة: ٥٧].
أي: ((أن أحدهم كان يظهر للمؤمنين
الإيمان وهو على كفره مقيم، ثم يراجع
الکفر بعد یسیر من المدة بإظهار ذلك بلسانه
قولا بعد أن کان یبدي بلسانه الإیمان قولا
وهو للكفر مستبطن تلعبًا بالدين واستهزاءً
به، كما أخبر تعالى ذكره عن فعل بعضهم
ذلك بقوله: ﴿وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُواْ
ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا
اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَعُّهُمْ فِ
غَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ
◌ُغْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ (٥)﴾ [البقرة: ١٤ - ١٥](١))).
٧. التحذير من مشابهتهم في فعل
المنكرات.
حيث ذمهم الله تعالى في قوله تعالى:
﴿كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنْكَرٍ
فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ ﴾
[المائدة: ٧٩].
أي: «لا ينهى بعضهم بعضًا عن معاودة
منكر فعلوه، أو عن مثل منكر فعلوه، أو عن
منکر أرادوا فعله وتھیؤوا له، أو لا ينتهون
عنه من قولهم تناهى عن الأمر وانتهى عنه
إذا امتنع، ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾،
تعجيب من سوء فعلهم مؤكد بالقسم))(٢).
والدعوة إلى الأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر والإلتزام بقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُن
مِنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْغَّرُوفِ
وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِّ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
﴾ [آل عمران: ١٠٤].
ولا يتحقق هذا الأمر إلا بالعودة إلى الله
تعالى والتزام شرعه وطاعة رسوله صلى الله
علیه وسلم.
وعن عائشة رضي الله عنها، أن قريشًا
أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت،
فقالوا: ومن يكلم فيها رسول الله صلى
الله عليه وسلم؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه
(١) جامع البيان، الطبري، ٤٢٩/١٠.
(٢) أنوار التنزيل، البيضاوي، ١٣٩/٢.
www. modoee.com
١٦٣
حرفالنون
إلا أسامة بن زيد حب رسول الله صلى
الله عليه وسلم فکلمه أسامة، فقال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: (أتشفع في حد
من حدود الله، ثم قام فاختطب، ثم قال:
إنما أهلك الذين قبلكم، أنهم كانوا إذا
سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم
الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن
فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)(١).
وهناك كثير من الآيات الكريمة في القرآن
الكريم غير التي ذكرت تحذر المسلمين من
النصارى وغيرهم وتبين صفاتهم وأخلاقهم
وعداوتهم وحقدهم على الإسلام وأهله.
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث
الأنبياء، باب حديث الغار، ١٧٥/٤، رقم
٣٤٧٥، ومسلم في صحيحه، كتاب الحدود،
باب قطع السارق الشريف وغيره، والنهي
عن الشفاعة في الحدود، ١٣١٥/٣، رقم
١٦٨٨.
سماحة الإسلام مع النصارى
بعد بيان عقائد النصارى ودعاواهم
الباطلة ومحاولاتهم للنيل من دين الإسلام
نتطرق في هذا المبحث إلى نماذج من
سماحة الإسلام في التعامل معهم،
حيث إن الإسلام دين السماحة والرحمة
والعفو والإحسان والعدالة والإنصاف مع
المسلمين وغير المسلمين من أهل الكتاب
وغيرهم، والمتأمل في القرآن الکریم یری
بوضوح كيف تعامل الإسلام مع أهل
الكتاب من النصارى، وكيف أنصفهم
وبين المبادئ الصحيحة لدينهم وبين منزلة
عیسی علیه السلام دون غلو، فدين الإسلام
لا يتنافى مع ما جاء به عيسى عليه السلام،
لذا نرى أنه أعطى حقوق أهل الكتاب من
النصارى وأنصفهم، وهذا ما سوف نراه من
خلال استقراء بعض الآيات القرآنية كما
يأتي:
١. العفو والصفح عنهم والصبر على
أذاهم.
قال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ
الْكِنَبِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنْ بَعْدِ إِيَمَنِكُمْ
كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنْ بَعْدِ مَا
بَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَأَصْفَحُواْ حَقَّ يَأْتِىَ
اللَّهُ بِأَمْيِّهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ (
[البقرة: ١٠٩].
١٦٤
جوسيو
القرآن الكريمِ
النصارى
أي: «فتجاوزوا عما كان منهم من إساءة عقوبة(٢).
وخطأ في رأي أشاروا به علیکم في دینکم،
إرادة صدكم عنه، ومحاولة ارتدادكم بعد
إيمانكم، وعما سلف منهم من قيلهم
لنبيكم صلى الله عليه وسلم: ﴿وَأَسّمَعْ غَيْرَ
مُسْمَعٍ وَرَعِنَا لَيَّا يَأَلْسِنَنِهِمْ وَطَعْنَا فِي الدِّينِ﴾
[النساء: ٤٦].
واصفحوا عما كان منهم من جهل في
ذلك حتى يأتي الله بأمره، فیحدث لکم من
أمره فیکم ما يشاء، ويقضي فيهم ما يريد،
فقضى فيهم تعالى ذكره، وأتى بأمره، فقال
لنبيه صلى الله عليه وسلم، وللمؤمنين
به: ﴿قَئِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا
بِاَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحِّمُونَ مَا حَزَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ.
وَلَا يَدِينُونَ بِنَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ
الْكِتَبَ حَتَّ يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ
صَغِرُونَ (٦)﴾ [التوبة: ٢٩].
فنسخ الله جل ثناؤه العفو عنهم
والصفح، بفرض قتالهم على المؤمنين،
حتى تصير كلمتهم وكلمة المؤمنين واحدة،
أو يؤدوا الجزية عن يد صغارا))(١).
وليس في قتالهم انتقام منهم، بل فيه ما
يدعوهم إلى الإيمان بالله تعالى ورسوله،
واذا آمنوا بذلك نجوا من العقاب، وفازوا
بعظيم الثواب؛ فيصير القتال رحمة لهم لا
(١) جامع البيان، الطبري، ٢/ ٥٠٤.
٢. عدم إكراههم على الدخول في الإسلام.
قال الله تعالى: ﴿لَآَ إِكْرَاهَ فِ الدِّينِ قَّد
تَبَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيْ﴾ [البقرة: ٢٥٦].
ومع ذلك فأن الله تعالی دعا أهل الكتاب
الإيمان والإسلام في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ
ءَامَنَ أَهْلُ اَلْكِتَبِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمَّ
مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَسِقُونَ﴾
[آل عمران: ١١٠].
أي: ((ولو صدق أهل التوراة والإنجيل
من اليهود والنصارى بمحمد صلى الله
عليه وسلم وما جاءهم به من عند الله؛ لكان
خيرًا لهم عند الله في عاجل دنياهم وآجل
آخرتهم»(٣).
ولا شك أن الإیمان خیر لهم من الكفر.
٣. إیمان کافة المسلمین بأن عیسی رسول
ونبي بعثه الله تعالى لبني إسرائيل بعد
موسى عليه السلام.
شأنه شأن الأنبياء والرسل الذين من قبله
دون تفريق بين نبي ونبي، فكلهم أنبياء الله
تعالى ورسله الكرام عليهم الصلاة والسلام،
والإيمان بما أنزل معه من الإنجيل كما قال
تعالى: ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ
رَّبِّهِ، وَاُلْمُؤْمِنُونَّ كُلُّ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَلَتِكَتِهِ، وَكُهِ.
وَرُسُلِهِ، لَا تُغَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ، وَقَالُواْ
(٢) انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي،
٢٨١/١٠.
(٣) جامع البيان، الطبري، ٧/ ١٠٧.
www. modoee.com
١٦٥
حرف النون
سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ
(من)﴾ [البقرة: ٢٨٥].
أي: ((يقولون آمنا بجميع الرسل ولا
نکفر بأحد منهم ولا نفرق بينهم كما فرقت
اليهود والنصارى)) (١).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال:
سمعت رسول الله صلی الله عليه وسلم،
يقول: (أنا أولى الناس بابن مريم، والأنبياء
أولاد علات(٢)، لیس بيني وبينه نبي)(٣).
٤. دعوتهم إلى توحيد الله تعالی وعبادته.
قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَأَهْلَ الْكِنَبِ تَعَالَوْا إِلَى
كَلِمَةٍ سَوَلْعِ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُنْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّ اللَّهَ
وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضَّا
أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَوْاْ فَقُولُواْ أَشْهَدُواْ
٢﴾ [آل عمران: ٦٤].
بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ®
أي: ((تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم
لا یختلف فيها الرسل والکتب، ألا نعبد إلا
الله أن نوحده بالعبادة ونخلص فيها، ولا
نشرك به شيئًا ولا نجعل غيره شریگًا له في
استحقاق العبادة ولا نراه أهلًا لأن يعبد»(٤).
(١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٤٢٥/٣.
(٢) أولاد علات: الذين أمهاتهم مختلفة وأبوهم
واحد.
انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن
الأثير، ٢٩١/٣.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث
الأنبياء، باب قول الله: (واذكر في الكتاب
مريم إذ انتبذت من أهلها)، ١٦٧/٤، رقم
٣٤٤٢.
(٤) أنوار التنزيل، البيضاوي، ٢١/٢.
٥. تکریمھم بمناداتهم (يا أهل الكتاب).
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ يَأَهْلَ
اُلْكِتَبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِعَايَتِ اللَّهِ وَاللّهُ شَهِيدُ عَلَى مَا
تَعْمَلُونَ ﴿ قُلْ يَتَأَهْلَ الْكِنَبِ لِمَ تَصُدُّونَ
عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ
شُهَدَآءٌ وَمَا اللَّهُ بِفَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١)﴾ [آل
عمران: ٩٨ - ٩٩].
٦. إباحة الأكل من طعامهم، والزواج من
نسائهم.
قال تعالى: ﴿اَلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَثُّ
وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ حِلٌ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ
لَُّمّ وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ الْمُؤْمِنَتِ وَالْعُصَنَتُ مِنَ الَّذِينَ
أُوتُواْ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَاَ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ
مُخْصِنِينَ غَيْرَ مُسَفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِىّ أَخْدَانٍ
وَمَن يَكْفُرْ بِالْإِيَمَنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ, وَهُوَ فِى
الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَسِرِينَ ﴾ [المائدة: ٥].
٧. حذر القرآن الكريم النصارى ونبههم
من الوقوع في الكفر، ليبين لهم أنهم
ليسوا على الجادة الصحيحة.
قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ
إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ أَبْنُ مَرْيَهٌ وَقَالَ الْمَسِيحُ
يَبَنِىّ إِسْرَِّيلَ أَعْبُدُواْ اللّهَ رَبِى وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ, مَنْ
يُشْرِكْ بِالَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَنُ
النَّارِ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارِ لَّقَدْ
كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةُ
وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّ إِلَهٌ وَحِدْ وَإِن لَّمْ يَنْتَهُواْ
عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ
١٦٦
القرآن الكريمِ
النصارى
أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ
عَذَابٌ أَيِدُ (@)
VE
وَيَسْتَغْفِرُونَةٌّ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
مَّا الْمَسِيحُ أَبْثُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ
مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأَنتُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا
يَأْكُلَانِ الطَّعَامُّ أَنْظُرْ كَيْفَ نُبَّيْنُ
لَهُمُ الْآَيَتِ ثُمَّ أَنْظُْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ
قُلْ أَتَّبُّدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا
٧٥
يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا نَفْعًا وَاللّهُ هُوَ السَّمِيعُ
الْعَلِيمُ ﴾ [المائدة: ٧٢- ٧٦].
٨. ثناء القرآن الكريم على طائفة من مؤمني
النصارى بأنهم أقرب الناس مودة إلى
المسلمین.
﴿﴿ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ
قال تعالى:
عَدَاوَةٌ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَلْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ
وَلَتَجِدَنَ أَقْرَبَهُمِ مَّوَدَّةً لِلَّذِينَ ءَامَنُوا
الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَرَىَّ ذَلِكَ بِأَنَّ
مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا
وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنْزِلَ إِلَى
يَسْتَكْبُونَ (١)
الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الذَّمْعِ مِمَّا
عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنًا فَاكْتُبْنَا مَعَ
الشَّهِدِينَ ﴿ وَمَا لَنَا لَا تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَآءَنَا
مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ
الصَّلِحِينَ ﴿ فَتَهُمُ اللهُ بِمَا قَالُواْجَنَّتٍ تَجْرِى
مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَاً وَذَلِكَ جَزَآءُ
• [المائدة: ٨٢ -٨٥].
٨٥
المُحْسِنِينَ
والمراد به النصارى الذين أسلموا، وفي
سياق الآية دليل عليه، وهو قوله تعالى:
﴿فَتَبَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُواْ﴾(١).
٩. من سماحة الإسلام مع النصارى أنه رفع
من شأن عيسى وأمه عليهما السلام.
حيث سمى في القرآن الكريم سورة
باسم مريم عليها السلام، وذکر قصة عيسى
عليه السلام كاملة دون تحريف من ولادته
إلى أن رفعه الله تعالى إليه.
١٠. حسن الحوار معهم ومجادلتهم بالتي
هي أحسن.
وَلَا تُحَدِلُواْ أَهْلَ
قال تعالى:
اُلْكِتَبِ إِلَّا بِأَلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا
مِنْهُوَّ وَقُولُواْ ءَامَنَّا بِأَلَّذِىّ أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ
إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَجِدٌ وَغَحْنُ لَهُ,
مُسْلِمُونَ ﴾ [العنكبوت: ٤٦].
أي: ولا تجادلوا أيها المؤمنون بالله
وبرسوله اليهود والنصارى، وهم أهل
الكتاب إلا بالتي هي أحسن بالجميل من
القول، وهو الدعاء إلى الله بآياته، والتنبيه
على حججه(٢).
١١ . مضاعفة الأجر لمن آمن منهم.
قال تعالى: ﴿أَلَّذِينَ ءَانَيْنَهُمُ الْكِنَبَ مِنْ
قَبْلِهِ هُمْ بِ يُؤْمِنُونَ (٢) وَإِذَا ◌ُنْلَى عَلَيْهِمْ قَالُواْ ءَامَنًا
بِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ، مُسْلِمِينَ
٥٣
أُوْلَئِكَ يُؤْتَوَّنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ وَيَدْرَهُونَ
بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَهُمْ يُنْفِقُونَ {(
(١) تفسير السمر قندي، ٤١١/١.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري، ٤٦/٢٠.
www. modoee.com
١٦٧
حرفالنون
[القصص: ٥٢-٥٤].
أي: «یؤتون أجرهم مرتین مرة علی
إیمانهم بکتابهم ومرة علی إيمانهم بالقرآن،
بما صبروا بصبرهم وثباتهم على الإیمانین،
أو على الإیمان بالقرآن قبل النزول وبعده، أو
على أذى المشركين ومن هاجرهم من أهل
دينهم، ويدرؤن بالحسنة السيئة ويدفعون
بالطاعة المعصية))(١).
١٢. شهد القرآن الكريم بانتصار الروم
على الفرس، وهو نصر لله تعالى
باعتبار أن النصارى هم أهل كتاب
خلافًا للمجوس الوثنيين.
قال تعالى: ﴿قُلِبَتِ اَلُّومُ ) فِيَّ أَدْنَى
الْأَرْضِ وَهُم مِّنُ بَعْدٍ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ
فِي بِضْعِ سِنِينٌَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ
وَمِنْ بَعْدٌ وَيَوْمَيِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ))
بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ
الرَّحِيمُ ﴾﴾ [الروم: ٢-٥].
قال أبو حيان الأندلسي: «وحين غلب
الروم فارس سر رسول الله صلى الله عليه
وسلم لغلبة أهل الكتاب لأهل عبادة النار،
ولإهلاك العدو الأكبر بالعدو الأصغر إذ
كان مخوفا على أهل الإسلام»(٢).
١٣. حقن وصيانة دمائهم، وذلك بتخييرهم إشارة إلى أنهم أمروا في الإنجيل بالصلح
بين الإسلام أو الجزية.
(١) أنوار التنزيل، البيضاوي، ٤ /١٨١.
(٢) البحر المحيط، ٣٤٣/٤.
قال تعالى: ﴿قَائِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ
◌ِاللَّهِ وَلَا بِأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحِمُونَ مَا حَزَّمَ اَللَّهُ
وَرَسُولُهُ، وَلَا يَدِينُونَ دِينَ أَلْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ
أُوتُوا الْكِتَبَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ
وَهُمْ صَغِرُونَ ﴾ [التوبة: ٢٩].
بخلاف الكافرين والمشركين حيث
أبيحت دماؤهم.
قال تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيْتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ
أُرِقَابِ﴾ [محمد: ٤].
أي: يعطوا الخراج عن رقابهم، الذي
يبذلونه للمسلمين دفعًا عنها (٣)، وهذا في
حالة عدم إسلامهم، أما إذا أسلموا فلا جزية
عليهم فحالهم حال المسلمين.
١٤. وصف قلوب المؤمنين منهم بالرأفة
والرحمة.
قال تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْبَمٌ
وَءَاتَّيْنَهُ الْإِنْجِلَ وَجَعَلْنَا فِ قُلُوبٍ أَلَّذِينَ
أَتَبَعُوهُ رَأْفَةٌ وَرَحْمَةٌ ﴾ [الحديد: ٢٧].
أي: الحواريون الذين اتبعوا عيسى على
منهاجه وشريعته فيهم مودة للإسلام وأهله،
وما ذاك إلا لما في قلوبهم، إذ كانوا على
دين المسيح من الرقة والرأفة، وهو أشد
الرحمة فكان يواد بعضهم بعضا، وقيل: هذا
وترك إيذاء الناس وألان الله قلوبهم لذلك،
بخلاف اليهود الذين قست قلوبهم وحرفوا
(٣) جامع البيان، الطبري، ١٩٩/١٤.
١٦٨
جوبيبو
الْقُرآن الكَرِيمِ
النصارى
الكلم عن مواضعه (١).
١٥. عدالته مع النصارى.
قال الله تعالى: ﴿لَا يَنْهَنَكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ
لَّ يُقَدِلُوكُمْ فِ الدِّينِ وَلَوْ ◌ُخِجُوكُمْ مِن دِيَِّ كُمْ أَنْ تَبُوهُ
وَتُقْسِطُواْ إِلَيْهِمَّ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾
[الممتحنة: ٨].
أي: لا ينهاكم عن الإحسان إلى الكفرة
الذين لا يقاتلونكم في الدين، كالنساء
والضعفة منهم أن تبروهم وتحسنوا إليهم
وتقسطوا إليهم، أي: تعدلوا إن الله يحب
المقسطين (٢).
هؤلاء، وإنما ينهاكم عن تولي هؤلاء،
وهذا أيضا رحمة لهم لتشددهم وجدهم
في العداوة متقدمة لرحمته بتيسير إسلام
قومهم، حيث رخص لهم في صلة من لم
يجاهر منهم بقتال المؤمنين وإخراجهم من
دیارهم»(٣).
والمتأمل في القرآن الكريم يجد الآيات
العديدة والمتنوعة في بيان سماحة الإسلام
مع النصارى وغيرهم، وأن هذا التسامح هو
جوهر تعاليم الإسلام التي جاءت لتحفظ
كرامة الإنسان وحقوقه حتى وإن كان من
(١) انظر: جامع البيان، الطبري، ٢٠٢/٢٣،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٢٨٩/٣،
تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ١٦٧/٣.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٨/ ٩٠.
(٣) الكشاف، الزمخشري، ٥١٦/٤.
غير المسلمین.
ويؤكد النبي صلی الله عليه وسلم على
تلك السماحة حين تعامل مع النصارى
بغاية التسامح عندما كتب لأهل نجران في
عقد الصلح: (ولنجران وحاشيتهم جوار
الله وذمة محمد النبي رسول الله على
أنفسهم وملتهم وأرضهم وأموالهم وغائبهم
وشاهدهم وبيعهم وصلواتهم، لا يغيروا
أسقفا عن أسقفيته، ولا راهبا عن رهبانيته،
ولا واقفا عن وقفانیته، و کل ما تحت أیدیھم
من قلیل أو کثیر، وليس ربا ولا دم جاهلية،
قال الزمخشري: ((لا ينهاكم عن مبره ومن سأل منهم حقا فبينهم النصف غير
ظالمین ولا مظلومین لنجران، ومن أکل ربا
من ذي قبل فذمتي منه بريئة ولا يؤاخذ أحد
منهم بظلم آخر وعلى ما في هذه الصحيفة
جوار الله وذمة النبي أبدا حتى يأتي الله بأمره
إن نصحوا وأصلحوا فیما علیهم غير مثقلين
بظلم) (٤).
موضوعات ذات صلة:
الإنجيل، أهل الكتاب، عيسى عليه
السلام، مريم، اليهود
(٤) الطبقات الكبرى، ابن سعد، ٢٢٠/١.
www. modoee.com
١٦٩