النص المفهرس
صفحات 21-40
النصارى تزعم أنها أحق بدين الله تعالى من غيرها، للناس))(٢). فقالت اليهود: نبينا أفضل الانبياء، وكتابنا التوراة أفضل الكتب، ودیننا أفضل الأديان، وكفرت بعيسى والإنجيل ومحمد والقرآن، وقالت النصارى: نبينا أفضل الأنبياء، و کتابنا الإنجيل أفضل الكتب، وديننا أفضل الأديان، و کفرت بمحمد والقرآن، وقال كل واحدمن الفریقین للمؤمنین: کونوا علی دیننا فلا دین إلا ذلك ودعوهم إلی دینهم)»(١). وقد رد الله تعالى دعوى النصارى الباطلة في الآية نفسها حين خاطب النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم: ﴿بَلّ ◌ِلَّةَ إَِّهِمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ((أي: بل نتبع ملة إبراهيم حنيفا، قال ابن دريد: الحنيف: العادل عن دين إلى دين، وسمي الإسلام: الحنيفية؛ لأنها مالت عن اليهودية والنصرانية، وقال الأصمعي: ومن عدل عن دین اليهود والنصارى فهو حنیف عند العرب، وقال الأخفش: الحنيف: المسلم، وكان في الجاهلية يقال لمن اختتن وحج البيت: حنيف، وقال ابن عباس: الحنيف: المائل عن الأديان كلها إلى دين الإسلام، وقال مجاهد: الحنيفية: اتباع إبراهيم فيما أتى به من الشريعة التي صار بها إماما (١) أسباب النزول، الواحدي، ص٢٥، العجاب في بيان الأسباب، ابن حجر العسقلاني، ٣٨٠/١. ثم خاطب الله تعالى المؤمنين وأمرهم أن يقولوا للقائلين بهذه الدعوى، فقال لهم: ﴿قُولُواْ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِثْرَهِثْمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَّا أُوتِيَ النَّبِيُونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [البقرة: ١٣٦]. ويتضح مما تقدم بطلان دعوى النصارى في أن الهداية في اتباع ملتهم، وأن الهدى في ملة إبراهيم عليه السلام، مع علمهم وإقرارهم بنبوة إبراهيم عليه السلام، وأن القرآن الكريم نقض هذه الدعوى حيث بين لهم أن الهداية الحقة ليست مع اليهودية ولا مع النصرانية بل باتباع ملة إبراهيم عليه السلام حنيفا، ولا تحصل الهداية إلا بذلك، ولو كانوا حقا یریدون الهدى لآمنوا بالنبي محمد عليه الصلاة والسلام لأنه على ملة إبراهيم الخليل عليه السلام. ثالثًا: دعوى أنهم أبناء الله وأحباؤه: يزعم النصارى أنهم أبناء الله وأحباؤه، حيث قال الله تعالى عنهم وعن اليهود: ﴿وَقَالَتِ أَلْيَهُودُ وَالنَّصَرَى غَحْنُ أَبْنَوْ اَللَّهِ وَأَحِبَُّؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨]. يقول الطبري رحمه الله: ((وهذا خبر من (٢) تفسير الوسيط، الواحدي، ٢١٨/١. www. modoee.com ١٣٥ حرف النون الله جل وعز عن قوم من اليهود والنصارى نخاف فإنا أبناء الله وأحباؤه، فنزلت الآية، أنهم قالوا هذا القول))(١). ((ومرادهم بالأبناء المقربون أي: نحن عليه وسلم نعمان بن أضا وبحري بن عمرو مقربون عند الله تعالى قرب الأولاد من والدهم، وبالأحباء: جمع حبيب بمعنى محب أو محبوب، ويجوز أن يكون أرادوا من الأبناء الخاصة كما يقال: أبناء الدنيا، وأبناء الآخرة، وأن يكون أرادوا أشياع من ثم إنه تعالی أبطل عليهم دعواهم، وقال وإن كنتم كما تدعون أبناءه: ﴿فَلِمَ يُعَذِّئُكُم بِذُنُوبِكُمْ ﴾ [المائدة: ١٨]. وصف بالبنوة أي قالت اليهود: نحن أشياع ابنه عزير، وقالت النصارى: نحن أشياع ابنه المسيح عليه السلام، وأطلق الأبناء على الأشياع مجازا إما تغليبا أو تشبيها لهم بالأبناء في قرب المنزلة (٢). وأما النصارى ففي قولهم لذلك قولان: أحدهما: لتأويلهم ما في الإنجيل من قوله: ((اذهب إلى أبي وأبيكم))، فقالوا لأجل ذلك: ﴿غَسْنُ أَبْنَوُاْ اللَّهِ وَأَحِبَُّهُ﴾، الثاني: لأجل قولهم في المسيح: ابن الله، وهم يرجعون إليه، فجعلوا نفوسهم أبناء الله وأحباءه(٣). وقد تقدم الكلام على قول النصارى في بنوة عیسی علیه السلام وأدلتهم الباطلة ورد القرآن عليها وإيطالها. وأما سبب نزول هذه الآية: فقد قال ابن عباس: (خوف رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما من اليهود العقاب فقالوا: لا (١) جامع البيان، الطبري، ١٠/ ١٥٠. (٢) روح المعاني، الألوسي، ٢٧٢/٣. (٣) النكت والعيون، الماوردي، ٢٣/٢. وقال ابن إسحاق: أتى رسول الله صلى الله وشأس بن عدي فكلموه و کلمهم، ودعاهم إلی الله عز وجل وحذرهم نقمته فقالوا: ما تخوفنا یا محمد؟، نحن أبناء الله وأحباؤه، كقول النصارى، فأنزل الله عز وجل فيهم هذه الآية)(٤). يقول الإمام الرازي: ((وفيه سؤال وهو أن حاصل هذا الكلام أنهم لو كانوا أبناء الله وأحباءه لما عذبهم لكنه عذبهم، فهم ليسوا أبناء الله ولا أحباءه، والإشكال عليه أن يقال: إما أن تدعوا أن الله عذبهم في الدنيا، أو تدعوا أنه سيعذبهم في الآخرة. فإن كان موضع الإلزام عذاب الدنيا فهذا لا یقدح في ادعائهم کونهم أحباء الله؛ لأن محمدًا صلى الله عليه وسلم كان يدعي أنه هو وأمته أحباء الله، ثم إنهم ما خلوا عن محن الدنيا، انظروا إلى وقعة أحد، وإلى قتل الحسن والحسين رضي الله عنهما. وإن كان موضع الإلزام هو أنه تعالى (٤) انظر: دلائل النبوة، البيهقي، ٥٣٥/٢، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٦/ ١٢٠، لباب التأويل، الخازن، ٢٥/٢، تفسير القرآن العظیم، ابن كثير، ٦٩/٣. ١٣٦ جوبي القرآن الكريمِ النصارى سیعذبهم في الآخرة فالقوم ینکرون ذلك، ومجرد إخبار محمد صلى الله عليه وسلم لیس بکاف في هذا الباب، إذ لو کان کافیا لکان مجرد إخباره بأنهم کذبوا في ادعائهم أنهم أحباء الله كافيا، وحينئذ يصير هذا الاستدلال ضائعًا))(١). ويجيب الإمام الرازي رحمه الله على ذلك السؤال من وجوه: (الأول: إن موضع الإلزام هو عذاب الدنيا، والمعارضة بيوم أحد غير لازمة لأنه يقول: لو كانوا أبناء الله وأحباءه لما عذبهم الله فى الدنيا، ومحمد عليه الصلاة والسلام ادعى أنه من أحباء الله ولم يدع أنه من أبناء الله فزال السؤال. الثاني: إن موضع الإلزام هو عذاب الآخرة، واليهود والنصارى كانوا معترفين بعذاب الآخرة كما أخبر الله تعالى عنهم أنهم قالوا: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّ أَنْيَّامًا مَعْدُودَةٌ﴾ [البقرة: ٨٠]. والثالث: المراد بقوله: فَلِمَ وقُلّ يُعَذِّبُكُم پذُنُوپِگُم﴾ فلم مسخكم، فالمعذب في الحقيقة اليهود الذين كانوا قبل اليهود المخاطبين بهذا الخطاب في زمان الرسول عليه الصلاة والسلام، إلا أنهم لما كانوا من جنس أولئك المتقدمين حسنت هذه الإضافة، وهذا الجواب أولى لأنه تعالى (١) مفاتيح الغيب، الرازي، ٣٢٩/١١. لم يكن ليأمر رسوله عليه الصلاة والسلام أن يحتج عليهم بشيء لم يدخل بعد في الوجود فإنهم يقولون: لا نسلم أنه تعالى يعذبنا، بل الأولى أن يحتج عليهم بشيء قد وجد وحصل حتی یکون الاستدلال به قويا متينا، ثم قال تعالى: ﴿بَلْ أَنْتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ ج يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ﴾ يعني أنه لیس لأحد علیه حق یوجب عليه أن يغفر له، وليس لأحد علیه حق یمنعه من أن يعذبه، بل الملك له يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد» (٢). وأن الاستفهام في الآية الكريمة مع دلالته على استنكار قولهم فيه دلالتان أخریان: ((إحداهما: إعلامهم بأنه سيعذبهم بذنوبهم، وأنهم مأخوذون بما يقترفون من سیئات، وما يجترحون من مآثم ومظالم. الثانية: الدلالة على أن عمل الخير له ثوابه، وعمل السوء له عقابه، وأن من يقول غير ذلك فهو مبطل، وما كان لهم أن يدعوا محبة الله، وأنهم منه بمنزلة الأبناء من الآباء، ومع ذلك يعصونه، وينشرون في الأرض الفساد، فهذا استفهام مع ما فيه من إحكام واستنكار يتضمن معاني سامية، فيها التهديد لمن عصى، والتبشير لمن أطاع» (٣). ويتضح مما تقدم بطلان دعوى اليهود والنصارى وبطلان استدلالهم واعتقادهم (٢) المصدر السابق، ٣٢٩/١١. (٣) المعجزة الكبرى القرآن، أبو زهرة، ص ١٦١. www. modoee.com ١٣٧ حرف النون بالتمييز والأفضلية على غيرهم وأن الله ءَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ يعني: اليهود تزعم أن هؤلاء كانوا هودًا، والنصارى تزعم أنهم کانوا نصارى، فرد الله علیهم بأن الله تعالی أعلم بهم منكم، يعني: بأنهم لم يكونوا هودا ولا نصارى)»(١) ٠ تعالی قد کذبهم ونفاهم عنه في ادعائهم أنهم أبناؤه وأحباؤه، بل وبین عذابهم، فالله تعالى لا يحابي فريقًا من الناس دون الآخر، وكيف يحابي النصارى الذين يدعون إلوهية المسيح عليه السلام، وأن الله ثالث ثلاثة، وإن المسيح هو ابن الله، تعالى الله عما يقولون، ومع كل هذه الإدعاءات الباطلة، ثم بعد ذلك لا یعذبهم الله. رابعًا: دعوى أن إبراهيم وبنيه كانوا هودًا أو نصارى: ادعت النصارى أن إبراهيم عليه السلام كان منهم، وادعوا أن إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا على ملتهم أيضًا، و کذلك قال اليهود. وذكر القرآن الكريم هذه الدعوى في قوله تعالى: ﴿أَمْ نَقُولُونَ إِنَّ إَِّهِعَمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحُفَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُواْ هُودًّا أَوْ نَصَرَىُّ قُلْ ءَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَدَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤)﴾ [البقرة: ١٤٠]. ومعنى الآية: ((قالوا: ﴿إِنَّ إِنَّهِعَمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَإِسْمَعِيلَ وَالْأَسْبَاطَ﴾ وهم إثنا عشر سبطًا من ولد يعقوب، والسبط الجماعة الذين يرجعون إلى أب واحد، ﴿كَانُواْ هُودًا أَوْ نَصَرَىُّ قُلْ قال الرازي: ((إنما أنكر الله تعالى ذلك القول عليهم لوجوه، أحدها: لأن محمدا صلى الله عليه وسلم ثبتت نبوته بسائر المعجزات، وقد أخبر عن كذبهم في ذلك فثبت لا محالة کذبهم فيه، وثانيها: شهادة التوراة والإنجيل على أن الأنبياء كانوا على التوحيد والحنيفية، وثالثها: أن التوراة والإنجيل أنزلا بعدهم، ورابعها: أنهم ادعوا ذلك من غیر برهان فوبخهم الله تعالى على الكلام في معرض الاستفهام على سبيل الإنكار والغرض منه الزجر والتوبيخ وأن يقرر الله في نفوسهم أنهم يعلمون أنهم كانوا كاذبين فيما يقولون»(٢). وقوله تعالى: ﴿قُلْ ءَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللّهُ ﴾ أي: (تقرير وتوبيخ في ادعائهم بأنهم كانوا هودا أو نصارى، فرد الله عليهم بأنه أعلم بهم منكم، أي: لم يكونوا هودا ولا نصارى)) (٣). وهذا يقتضي الإيمان التام بأن الله تعالى هو الأعلم ولا ينبغي لأحد أن يصف نفسه بما وصف الله تعالى به نفسه. (١) النكت والعيون، الماوردي، ١٩٦/١. (٢) مفاتيح الغيب، الرازي، ٤ / ٧٧. (٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٢/ ١٤٧. ١٣٨ جوي لِلْقُرآن الكَرِيمِ النصارى وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَن كَتَمَ شَهَدَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ يعني: شهادة الله لإبراهيم بالحنيفية والبراءة عن اليهودية والنصرانية، والمعنى لا أحد أظلم من أهل الکتاب، لأنهم کتموا هذه الشهادة، أو منا لو كتمنا هذه الشهادة، وفيه تعريض بكتمانهم شهادة الله لمحمد عليه الصلاة والسلام بالنبوة في كتبهم وغيرها، وما الله بغافل عما تعملون وعید لهم(١). قال الحسن البصري: ((كانوا يقرؤون في كتاب الله الذي أتاهم: إن الدين عند الله الإسلام، وإن محمدا رسول الله، وإن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا برآء من اليهودية والنصرانية، فشهد الله بذلك، وأقروا به على أنفسهم لله، فكتموا شهادة الله عندهم من ذلك»(٢). وقد أخبر الله تعالى بأنهم لم يكونوا هودا ولا نصارى، كما قال تعالى: ﴿أَم كُنْتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِى قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ ءَابَآئِكَ إِبْرَاهِمَ وَإِسْمَعِيلَ وَ إِسْحَقَ إِلَهًا وَحِدًا وَشَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ )﴾ [البقرة: ١٣٣]. وقال تعالى: ﴿يَتَأَهْلَ اَلْكِتَبِ لِمَ تُحَاجُونَ فِى إِبْرَهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَةُ وَاْإِنجِيلُ إِلََّّ مِنْ بَعْدِهِةٌ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ )﴾ (١) أنوار التنزيل، البيضاوي، ١١٠/١. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٤٥١/١. [آل عمران: ٦٥]. وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ إَِّهِيمُ يَهُودِيَّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ ﴾ [آل عمران: ٦٧]. ٦٧ الْمُشْركِينَ وهذه الآيات الكريمة تنفي كون إبراهيم عليه السلام يهوديا أو نصرانيا، وتبطل قولهم: ﴿كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَرَى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٣٥]. وتبطل زعمهم أن يعقوب كان على اليهودية وأنه أوصى بها بنيه فلزمت ذريته فلا يحولون عنها، لذلك جيء هنا بتفصيل وصية يعقوب إبطالا لدعاوي أهل الكتاب ونقضا لمعتقدهم الذي لا دليل عليه، وأن التوراة والأنجيل ما كانت إلا من بعد إبراهيم عليه السلام وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وینیه، وإن كان عندهم من علم بغير ذلك أم هم أعلم بهذا من الله تعالى، وأن إبراهيم وبنيه كانوا على ملة الإسلام وقد أوصوا ذريتهم بالثبات والموت على الإسلام. وكذلك بيان كذب أهل الكتاب في زعمهم أن إبراهیم علیه السلام کان یھودیًا أو نصرانيًا لأن التوراة والإنجيل ما وجدت إلا من بعده، ثم أن العبرة في الاتباع وحسن الاقتداء بإبراهيم عليه السلام، وليس بالنسب لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بَِّهِيمَ لَلَّذِينَ أَتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِىُّ وَأَِّينَ ءَامَنُواْ وَاللَّهُ وَلِىَّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨)﴾ [آل عمران: ٦٨]. www. modoee.com ١٣٩ حرفالنون والنصارى مع إقرارهم بنبوة إبراهيم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عليه السلام إلا أنهم لم يتبعوا دينه الذي بعضهم لبعض، فأخبرنا الله أنه قد فعل هذا جاء بالحنيفية القائمة على الوحدانية ونبذ الشركاء، وهم أشركوا بالله تعالى بادعائهم المسيح إله وابن الله وهذا ما يتناقض مع دعواهم الباطلة مع إبراهيم عليه السلام. خامسًا: دعوى نفي الحق عمن سواهم: تتمثل هذه الدعوى بادعاء كل فريق من أهل الكتاب أن صاحبه ليس على شيء. ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ قال تعالى: النَّصَرَى عَلَى شَىْءٍ وَقَالَتِ النَّصَرَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَىْءٍ﴾ [البقرة: ١١٣]. أي: ((معناه: ادعى كل فريق منهم أن صاحبه ليس على شي، وأنه أحق برحمة الله منه»(١). قال ابن كثير: «وهذا القول يقتضي أن كلا من الطائفتين صدقت فيما رمت به الطائفة الأخرى، ولكن ظاهر سياق الآية يقتضي ذمهم فيما قالوه، مع علمهم بخلاف ذلك؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِنَبَ﴾ أي: وهم يعلمون شريعة التوراة والإنجيل، کل منهما قد كانت مشروعة في وقت، ولكن تجاحدوا فیما بینھم عنادا و کفرا)»(٢). أما سبب نزول هذه الآية: ((ذكر أن هذه الآية نزلت في قوم من أهل الكتابين تنازعوا (١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٧٦/٢. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٣٨٦/١. من كان قبلهم ممن لا يعلم، وأنهم فعلوا ذلك وهم يجدون في کتبهم كذبهم فيما یقولون لأن کتب الله تعالی یصدق بعضها بعضًا، فلذلك قال تعالى: ﴿وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَبَ﴾ فهؤلاء قالوه وهم يعلمون أنهم كاذبون لأن في کتاب كل واحد منهم الأمر بالإيمان بالآخر ويمن جاء به، و ﴿الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أمم كانت قبلهم، وقيل: عني بذلك الجاهلية في العرب، قالوا: ليس محمد على شيء))(٣). ويقول الواحدي: ((نزلت في يهود أهل المدينة، ونصارى أهل نجران وذلك أن وفد نجران لما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أتاهم أحبار اليهود فتناظروا حتى ارتفعت أصواتهم، فقالت اليهود: ما أنتم على شيء من الدين، وكفروا بعیسی والإنجيل، وقالت لهم النصارى: ما أنتم على شيء من الدين وكفروا بموسى والتوراة، فأنزل الله تعالى هذه الآية))(٤). قال الماتريدي: ((فإن قيل: كيف عاتبهم بهذا القول، وقد أمر نبيه عليه الصلاة (٣) انظر: جامع البيان، الطبري، ٥١٣/٢، الهداية إلى بلوغ النهاية، ٤٠٤/١. (٤) أسباب النزول، الواحدي، ٣٩/١، العجاب في بيان الأسباب، ابن حجر العسقلاني، ٣٥٨/١. مَوَسُولَة النفسي القرآن الكريم ١٤٠ النصارى والسلام في آية أخرى أن يقول لهم ذلك: ﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَبِ لَسْتُمْ عَلَى شَىْءٍ حَتَّى تُقِيمُواْ التَّوْرَنَةَ ﴾ [المائدة:٦٨]؟ قيل: إنما أمر نبيه: أن يقول لهم: إنهم ليسوا على شيء إذا لم يقيموا التوراة، فأما إذا أقاموا التوراة وفيها أمر لهم بالإسلام، واتباع الرسول محمد صلی الله عليه وسلم فهم على شيء))(١). قال قتادة: ((﴿وَقَالَتِ اَلْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَرَى عَلَى شَىْءٍ﴾ قال: بلى، قد كانت أوائل النصارى على شيء، ولكنهم ابتدعوا وتفرقوا، ﴿وَقَالَتِ النَّصَرَى لَيْسَتِ اَلْيَهُودُ عَلَى شىءٍ﴾ قال: بلی قد كانت أوائل اليهود على شيء، ولكنهم ابتدعوا وتفرقوا))(٢). وعلى هذا فإنھم یکونون على شيء حین يقيموا التوراة والإنجيل، ويطيعوا الله تعالى فيما أمرهم به في كتبهم وذلك باتباع النبي العربي صلى الله عليه وسلم، ومن لم يتبع منهم النبي صلى الله عليه وسلم وما أنزل عليه من قرآن فهو ليس على شيء. ثم رد الله تعالى على هؤلاء اليهود والنصارى في الآية نفسها في قوله تعالى: ﴿وَاللّهُ يَحَكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ اَلْقِيَئِمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [البقرة: ١١٣]. أي: يريهم من يدخل الجنة عيانًا، ومن قالوه وهم غير عالمين بذلك. يدخل النار عيانًا(٣). (١) تأويلات أهل السنة، الماتريدي، ٥٤٢/١. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٣٨٦/١. (٣) مفاتيح الغيب، الرازي، ٤ / ١٠. ورد الله تعالی أیضا على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: ﴿قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَبِ لَسْتُمْ عَلَى شَىْءٍ حَتَّى تُقِيمُواْ التَّوْرَنَةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [المائدة: ٦٨]. أي: وما كان يمكنهم إقامتها إلا بإقامة القرآن الكريم، واتباع النبي صلى الله عليه وسلم، لكنهم أبوا ذلك وكفروا فضربت عليهم الذلة كما قال الله تعالى: ﴿ضُرِيَتْ عَلَيْهِمُ الدِّلَّةُ أَيْنَ مَا تُقِفُواْ إِلَّا بِحِبَلٍ مِّنَ اَللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ اُلْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِثَايَتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُواْ يَعْتَدُونَ (١٢)﴾ [آل عمران: ١١٢]. ويتضح مما تقدم بطلان دعوى أهل الكتاب حيث ادعى كل فريق منهم أنه على شيء، مع أنهم على علم من دينهم وهم يتلون التوراة والإنجيل، لكنهم حرفوا وبدلوا أصول دينهم وأضاعوا ما جاء في التوراة والإنجيل فصاروا ليس على شيء، ولو أرادوا الحق لكانوا صادقين في قولهم، إِذ کل فريق منهم قد جحد نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وهو يعلم أنه نبي ویجده في كتابه، وأما الذين من قبلهم من الأمم السالفة www. modoee.com ١٤١ حرفالنون النصارى قبل الإسلام لا شك أن المؤمنين الموحدين قبل الإسلام هم طائفة من الذين آمنوا بدين الله تعالى ورسله وأنبيائه جميعًا، وكتبه المنزلة عليهم سواءً أكانوا يهودا أم نصارى، والتزموا بشرائع أنبيائهم ورسلهم قولًا وعملًا، ثم آمنوا بما جاء ذكره في التوراة والإنجيل عن بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وترقبوا قدومه ووجوب اتباعه بالإيمان به ونصرته، دون تکېر. كما أخذ الميثاق بذلك على النبيين عليهم الصلاة والسلام في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَقَ النَّبِنَ لَمَآءَاتَيْتُكُم مِّن كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَ كُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَلَتَنْصُرُنَّهُ، قَالَ ءَ أَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِىٌّ قَالُواْ أَقْرَوْنَاْ قَالَ فَأَشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِنَ الشَّهِدِينَ ﴿ فَمَنْ تَوَلَّ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [آل عمران: ٨١- ٨٢]. قال ابن عباس رضي الله عنهما: ((ما بعث الله نبيًا من الأنبياء إلا أخذ الله عليه المیثاق: لئن بعث محمدا وهو حي ليؤمنن به، ولينصرنه)» (١) وأول من رأى النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة من النصارى الراهب بحيرا، وكان (١) فتح الباري، ابن حجر، ٦/ ٤٣٤. الرسول صلی الله علیه وسلم مع ر کب أبي طالب وهو في تجارته إلى الشام، فمر على راهب في صومعته في بصرى، وهو الراهب بحيرا الذي كان ينتهي إليه علم النصرانية، وقد نصح الراهب بحیرا أبا طالب بأن يرجع برسول الله صلى الله عليه وسلم خوفا عليه من اليهود(٢). ومن أبرز من كان مؤمنا بدين المسيح الصحيح قبل الإسلام من النصارى هم: نسطورا، وصاحب بصرى، وأسقف الشام، والجارود العبدي، وسلمان الفارسي، ونصارى الحبشة، وأساقفة نجران، وعداس (٣). لذلك نرى أن القرآن امتدح طائفة من المؤمنین من أهل الكتاب من النصاری وبین صفاتهم وأخلاقهم وعقيدتهم الصحيحة، وبالمقابل ذم الذين كفروا منهم في آيات عديدة، وهذا ما سوف نبينه في المطالب الآتية: أولًا: النصارى المؤمنون الموحدون: وردت في القرآن الكريم آيات عديدة ومتنوعة عن أهل الكتاب بصيغة (أهل الكتاب)، والأصل أن المقصود بأهل الکتاب هم اليهود والنصارى کما بینا سابقا (٢) سيرة ابن إسحاق، ص٧٣. (٣) انظر: منحة القريب المجيب، عبد العزيز آل معمر، ٢٨٦/١. ١٤٢ مَوْشَوَالَرَ التفسيرالوحيد القرآن الكريمِ النصارى لذلك يدخل النصارى في كل آية ذكر فيها اُلْكِتَبِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ أي: قائمة بأمر الله، مطيعة لشرعه متبعة نبي الله، فهي مستقيمة، أهل الكتاب، وإن وردت بعضها في الأحبار من اليهود إلا أن أغلب الآيات قصد بها اليهود والنصارى معًا. ﴿يَتْلُونَ ءَايَاتِ اللَّهِ ءَانََّةُ الَّلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ أي: يقومون الليل، ويكثرون التهجد، ويتلون القرآن في صلواتهم، ﴿يُؤْمِنُونَ قال تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ يَتْلُونَهُ. حَّ تِلَاوَيِ= أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [البقرة: ١٢١]. بِاللَّهِ وَالْيَّوْمِ الْآَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَرِعُونَ فِي الْخَيْرَتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّلِحِينَ﴾(٢). أي: ((الذین آتيناهم الكتاب هم مؤمنون أهل الكتاب يتلونه حق تلاوته لا يحرفونه ولا یغیرون ما فيه من نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك يؤمنون بكتابهم دون المحرفين ومن يكفر به من المحرفين فأولئك هم الخاسرون حيث اشتروا الضلالة بالھدی»(١). ﴿﴿ لَيْسُواْ سَوَءُ مِنْ أَهْلِ وقال تعالى: اُلْكِتَبِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ ءَايَتِ اَللَّهِ ءَانَّةُ الَّلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ﴿ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَأَلْيَّوْمِ اُلْآَخِرِ وَبَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَرِعُونَ فِي الْخَيْرَتِ وَأُوْلَئِكَ وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ ١١٤ مِنَ الصَّالِحِينَ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (٥ [آل عمران: ١١٣-١١٥]. أي: «لا يستوي من تقدم ذكرهم بالذم من أهل الكتاب وهؤلاء الذين أسلموا، ولهذا قال تعالى: ﴿لَيْسُواْ سَوَآءُ﴾ أي: ليسوا كلهم على حد سواء، بل منهم المؤمن ومنهم المجرم، ولهذا قال تعالى: ﴿مِّنْ أَهْلِ (١) الكشاف، الزمخشري، ١٨٣/١. وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَانْنَهُمُ الْكِنَبَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٢) وَإِذَايُنْلَى عَلَتِهِمْ قَالُوَاْ ءَامَنًا بِهَ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِناً إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ، مُسْلِمِينَ ) أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَّرُواْ وَيَدْرَهُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَا رَزَقْتَهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾ [القصص: ٥٢ - ٥٤]. وفي الآية وجهان: («أحدهما: يعني الذين آتيناهم التوراة والإنجيل من قبل القرآن هم بالقرآن يؤمنون، قاله يحيى بن سلام، والثاني: الذي آتيناهم التوراة والإنجيل من قبل محمد هم بمحمد يؤمنون، قاله ابن شجرة»(٣). وفيمن نزلت هذه الآيات قولان: ((أحدهما: نزلت في عبد الله بن سلام، وتميم الداري، والجارود العبدي، وسلمان الفارسي، أسلموا فنزلت فيهم هذه الآية والتي بعدها، قاله قتادة. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٢/ ١٠٥. (٣) النكت والعيون، الماوردي، ٤/ ٢٥٧. www. modoee.com ١٤٣ حرف النون الثاني: أنها نزلت في أربعين رجلاً من بن نفيل، وورقة بن نوفل))(٢). أهل الإنجيل كانوا مؤمنين بالنبي صلى الله علیه وسلم قبل مبعثه، اثنان وثلاثون رجلًا من الحبشة أقبلوا مع جعفر بن أبي طالب وقت قدومه وثمانية قدموا من الشام، منهم بحيرا، وأبرهة، والأشراف، وعامر، وأيمن، وإدريس، ونافع، فأنزل الله فيهم هذه الآية والتي بعدها إلى قوله: ﴿أُوْلَقَكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ﴾ قال قتادة: بإيمانهم بالكتاب الأول وإيمانهم بالكتاب الآخر))(١). وقال تعالى: ﴿قُلْ ءَامِنُواْ بِهِ- أَوْلَا تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ أَلْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ وَيَقُولُونَ سُبْحَنَ يَجِرُونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَخِزُّونَ ١٠٨ رَيِّنَّا إِن كَانَ وَعْدُ رَيْنَا لَمَفْعُولًا لِلْأَذْقَانِ يَتَكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ؟ [الإسراء: ١٠٧ - ١٠٩]. وقوله: ((﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ﴾﴾ أي: من قبل نزول القرآن وخروج النبي صلى الله عليه وسلم، وهم مؤمنو أهل الكتاب، في قول ابن جريج وغيره، قال ابن جريج: معنى ﴿إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ كتابهم، وقيل: القرآن، ﴿يَخِرُونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا ﴾ قيل: هم قوم من ولد إسماعيل تمسكوا بدينهم إلى أن بعث الله تعالی النبي عليه السلام، منهم زيد بن عمرو ويتضح من الآيات الكريمة أن القرآن الكريم أثنى على المؤمنين الموحدين من أهل الكتاب بما فيهم النصارى وهذا معناه أنهم ليسوا جميعا ضالين، بل منهم من يؤمن بالله تعالى وملائكته ورسله وكتبه. ثانيًا: المبدلون لدينهم وعاقبتهم: هم طائفة من بني إسرائيل سموا أنفسهم نصارى، أخذ الله تعالى الميثاق عليهم أن يؤمنوا بعيسى عليه السلام لأنه جاء مكملا ومتتما لرسالة موسى عليه السلام؛ فهم أبناء أمة واحدة، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْقَالَ عِيسَى ابْنُ مَنْيَمَ يَفِّ إِسْرَّهِيلَ إِّ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُرُ مُصَدِّقَالِمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ الثَّوْرَيَّةِ﴾ [الصف: ٦]. إلا أنهم نقضوا الميثاق ونسوا ما جاءهم به رسولهم وأهملوہ کما قال تعالی حاکیا عنهم: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَرَى أَخَذْنَا مِيثَقَهُمْ فََُواْ حَظًّا مِمَّا ذُكِرُواْ بِهِ، فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَاَلْبَغْضَآءَ إِلَى يَوْمِ اَلْقِيَمَةَّ وَسَوْفَ يُنَّبِّتُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ (١٤ )﴾ [المائدة: ١٤]. أي: ((ومن الذين ادعوا لأنفسهم أنهم نصارى يتابعون المسيح ابن مريم عليه السلام، وليسوا كذلك، أخذنا عليهم العهود والمواثيق على متابعة الرسول ومناصرته (١) المصدر السابق، ٢٥٧/٤. جَوَسُولَةُ النَّفِيَ القرآن الكريم (٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٠/ ٣٤٠. ١٤٤ النصارى ليسوا على منهاج الذين اتبعوا المسيح نصارى في الحقيقة (٣). ومؤازرته واقتفاء آثاره، والإيمان بکل نبي يرسله الله إلى أهل الأرض، أي: ففعلوا في زمانه من الحواريين وهم الذين كانوا كما فعل اليهود، خالفوا المواثيق ونقضوا العهود. ولهذا قال: ﴿فَنَسُواْ حَظّا مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ، فَأَغْرَنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ أي: فألقينا بينهم العداوة والتباغض لبعضهم بعضا، ولا يزالون كذلك إلى قيام الساعة، وكذلك طوائف النصارى على اختلاف أجناسهم لا يزالون متباغضين متعادين، يكفر بعضهم بعضا، ويلعن بعضهم بعضا؛ فكل فرقة تحرم الأخرى ولا تدعها تلج معبدها، فالملكية تكفر اليعقوبية، وكذلك الآخرون، وكذلك النسطورية والأريوسية، كل طائفة تكفر الأخرى في هذه الدنيا ويوم يقوم الأشهاد))(١). قال قتادة رحمه الله: ((نسوا كتاب الله بین أظهرهم، وعهد الله الذي عهدہ إلیھم، وأمر الله الذي أمرهم به»(٢). والمتأمل في الآية الكريمة يرى أن الله تعالى تحدث عن النصارى بقولهم: إنا نصارى ولم يقل من النصارى. قال الحسن البصري: ((إنما قال: قالوا: إنا نصارى ولم يقل من النصارى ليدل على أنهم ابتدعوا النصرانية وتسموا بها وأنهم (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٦٧/٣. (٢) جامع البيان، الطبري، ١٣٥/١٠. وإلى هذا المعنى أشار بعض المفسرين في تفسيرهم هذه الآية (٤). قال ابن عاشور: ((وعبر عن النصارى بالذين قالوا إنا نصارى هنا وفي قوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَرَى﴾ [المائدة: ٨٢]. تسجيلا عليهم بأن اسم دينهم مشير إلى أصل من أصوله، وهو أن يكون أتباعه أنصارا لما يأمر به الله، ﴿كَمَا قَالَ عِيسَى أَبْنُ مَنْيَ لِلْحَوَارِعِنَ مَنْ أَنْصَارِيّ إلَى اللَّهِ قَالَ الْمَوَارِبُّونَ فَحْنُ أَنْصَارُ الَّهِ﴾ [الصف: ١٤]. ومن جملة ذلك أن ينصروا القائم بالدين بعد عيسى من أتباعه، مثل بولس وبطرس وغيرهما من دعاة الهدى وأعظم من ذلك كله أن ينصروا النبي المبشر به في التوراة والإنجيل الذي يجيء بعد عيسى قبل منتهى العالم ويخلص الناس من الضلال، فجميع أتباع الرسل قد لزمهم ما التزمه أنبياؤهم وبخاصة النصارى، فهذا اللقب وهو النصارى حجة عليهم قائمة بهم متلبسة (٣) انظر: أحكام القرآن، الجصاص، ٤٢/٤. (٤) انظر: الكشاف، الزمخشري، ٦١٦/١، مفاتيح الغيب، الرازي، ٣٢٦/١١، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١١٧/٦، مدارك التنزيل، النسفي، ٤٣٥/١. www. modoee.com ١٤٥ حرفالنون بجماعتهم كلها)»(١). ويتضح مما مضى أن طائفة من بني إسرائيل يدعون أنهم نصارى أخذوا العهد من الله تعالى أن يؤدوا ما كلفهم الله تعالى به من متابعة رسلهم، ومن ثم اتباع ما جاء في التوراة والإنجيل من بشارات بقدوم النبي صلی الله عليه وسلم ومناصرته، فنسوا ما أمرهم الله به ونقضوا الميثاق الذي أخذوه فكانت عاقبتهم أن ألقى الله تعالى عليهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة جزاء نقضهم ذلك المیثاق. النصارى بعد الإسلام الإسلام هو آخر الديانات السماوية الذي جاء مكملًا لما قبله من الديانة اليهودية والنصرانية، كما أن عيسى عليه السلام جاء ليكمل دين موسى عليه السلام فكذلك النبي صلی الله عليه وسلم جاء ليتم الدين كله، فكلها دين واحد تدعو إلى توحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة، إلا أن الفرق بينها أن الإسلام ناسخ لما قبله من الشرائع لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الّذِينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَمُ﴾ [آل عمران: ١٩]. لذلك فإن علماء أهل الكتاب من النصارى على علم بحقائق هذا الدين من خلال التوراة والإنجيل غير المحرفة التي جاء فيها ذكر بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وبشارة قدومه واسمه وصفاته، بخلاف الذين لا يعلمون بذلك من الأمم السالفة، فمن أهل الكتاب من النصارى من صدق وآمن واتبع ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، ومدحهم الله تعالى في القرآن الكريم في آيات عديدة وبين ثواب أجر إيمانهم، ومنهم من ذمهم الله تعالى لأنهم كذبوا وحرفوا وبدلوا دينهم وبين عاقبتهم على ذلك وهذا ما سوف نبينه في النقاط الآتية: (١) التحرير والتنوير، ١٤٦/٦. مَوْسُو حَرَ النفسيةِ العضوي القرآن الكريمِ ١٤٦ النصارى أولًا: المؤمنون بالنبي صلى الله عليه أهل الكتاب لهم حظ من الدين، وليسوا وسلم: مدح الله تعالى المؤمنين بالله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام من أهل الكتاب -ومنهم النصارى - وأثنى عليهم في آیات عديدة. قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِعَايَتِ اللّهِ ثَمَنَا قَلِيلًا أُوْلَبِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ [آل عمران: ١٩٩]. قال ابن كثير: ((يخبر تعالى عن طائفة من أهل الكتاب أنهم يؤمنون بالله حق الإيمان، وبما أنزل على محمد مع ما هم يؤمنون به من الكتب المتقدمة، وأنهم خاشعون لله، أي: مطيعون له خاضعون متذللون بين يديه، ﴿لَا يَشْتَّرُونَ بِعَايَتِ اَللَّهِ ثَمَنَّا قَلِيلًا ﴾ أي: لا يكتمون بأيديهم من البشارات بمحمد صلى الله عليه وسلم، وذكر صفته ونعته ومبعثه وصفة أمته، وهؤلاء هم خيرة أهل الكتاب وصفوتهم، سواء كانوا هودًا أو نصارى))(١). قال الشوكاني رحمه الله في قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ﴾: ((هذه الجملة سيقت لبيان أن بعض (١) جامع البيان، الطبري، ٢/ ١٩٣. كسائرهم في فضائحهم التي حكاها الله عنهم فيما سبق، فإن هذا البعض يجمعون بين الإيمان بالله وبما أنزل الله على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وما أنزله على أنبيائهم حال كونهم خاشعين لله لا يشترون أي: يستبدلون بآيات الله ثمنا قليلا بالتحريف والتبديل، كما يفعله سائرهم، بل يحكون كتب الله سبحانه كما هي، والإشارة بقوله: ﴿أُوْلَكَ﴾ إلى هذه الطائفة الصالحة من أهل الكتاب، من حيث اتصافهم بهذه الصفات الحميدة لهم أجرهم الذي وعد الله سبحانه به بقوله: ﴿أُوْلَكَ يُؤْتَوَّنَ أَجْرَهُم مَرَّتَيْنِ﴾ [القصص: ٥٤](٢). وأما سبب نزول هذه الآية فقد قال ابن عباس: (نزلت في النجاشي ملك الحبشة واسمه أصحمة، ومعناه بالعربية عطية، وذلك إنه لما مات نعاه جبريل عليه السلام لرسول الله صلی الله عليه وسلم في اليوم الذي مات فيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: اخرجوا فصلوا على أخ لكم مات بغير أرضكم النجاشي، فخرج إلى البقيع وكشف له إلى أرض الحبشة فأبصر سرير النجاشي فصلى عليه و کبر أربع تكبيرات واستغفر له)(٣). (٢) فتح القدير، الشوكاني، ٤٧٥/١. (٣) لباب التأويل، الخازن، ٣٣٥/١. www. modoee.com ١٤٧ حرف النون وقال تعالى: ﴿﴿ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَلْيَهُودَ وَاَلَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَتَ أَقْرَبَهُمِ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَرَىَّ ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ﴿ وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَكٌ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبيَّنَآ ءَامَنًا فَأَكْتُبْنَا مَعَ وَمَا لَّنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَآءَنَا ٨٣ الشَّهِدِينَ مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ اَلْقَوْمِ فَأَتَبَهُمُ اللّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ الصَّلِحِينَ تَجّرِى مِن تَّحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَاً وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [المائدة: ٨٢-٨٥]. وصف الله تعالى لين عريكة النصارى وسهولة ارعوائهم وميلهم إلى الإسلام، وجعل اليهود قرناء المشركين في شدة العداوة للمؤمنين، بل نبه على تقدم قدمهم فيها بتقديمهم على الذين أشركوا، وعلل سهولة مأخذ النصارى وقرب مودتهم للمؤمنين بأن منهم قسيسين ورهبانا أي: علماء وعبادا وأنهم قوم فيهم تواضع واستكانة ولا کبر فيهم، واليهود على خلاف ذلك(١). وأما سبب نزول هذه الآيات الكريمة فقد قال الواحدي: «قدم جعفر بن أبي طالب من الحبشة هو وأصحابه، ومعهم سبعون رجلا، (١) انظر: الكشاف، الزمخشري، ٦٦٨/١. بعثهم النجاشي وفدا إلى رسول الله صلى الله علیه وسلم، علیھم ثیاب الصوف، اثنان وستون من الحبشة، وثمانية من أهل الشام، وهم: بحيرا الراهب، وأبرهة، وإدريس، وأشرف، وتمام، وقیتم، ودريد، وأیمن، فقرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة (يس)) إلى آخرها، فبكوا حين سمعوا القرآن، وآمنوا وقالوا: ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى، فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآيات)))(٢). ويحكى عن النجاشي رضي الله عنه أنه قال لجعفر بن أبى طالب حين اجتمع في مجلسه المهاجرون إلى الحبشة والمشركون لعنوا وهم يغرونه عليهم ويتطلبون عنتهم عنده: هل في کتابکم ذکر مريم؟ قال جعفر: فيه سورة تنسب إليها، فقرأها إلى قوله: ﴿ذَلِكَ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمْ﴾ [مريم: ٣٤]. وقرأ سورة طه إلى قوله: وَهَلَّ أَتَنكَ حَدِيثُ مُوسَى ﴾ [طه: ٩]. فبكى النجاشي(٣). وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَِّىَّ الْأُنِىَّ الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْثُوبًا عِندَهُمْ فِيِ التَّوْرَنَةِ وَآلْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَنْهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَِّبَتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَيْثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ (٢) أسباب النزول لواحدي، ص٢٠٦. (٣) الكشاف، الزمخشري، ٦٦٩/١. ١٤٨ جوية القرآن الكريم النصارى إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَلَ أَلَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمَّ قَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِ، وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَأَتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِىَ أُنْزِلَ مَعَهُ, أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. ذكر الإمام فخر الدين الرازي في معنى هذه التبعية في الآية وجهين: ((أحدهما: أن المراد بذلك أن يتبعوه باعتقاد نبوته من حيث وجدوا صفته في التوراة إذ لا يجوز أن يتبعوه في شرائعه قبل أن يبعث إلى الخلق وفي قوله: ﴿والإنجيلِ ﴾ أن المراد وسيجدونه مكتوبا في الإنجيل؛ لأن من المحال أن يجده فيه قبل ما أنزل الله الإنجيل. الوجه الثاني: إن المراد من لحق من بني إسرائيل زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فبين تعالى أن هؤلاء اللاحقين لا یکتب لهم رحمة الآخرة إلا إذا اتبعوه، قال: وهذا القول أقرب لأن اتباعه قبل أن يبعث لا يمكن فبين بهذه الآية أن هذه الرحمة لا يفوز بها من بني إسرائيل إلا من اتقى وآتى الزكاة وآمن بآيات الله في زمن موسى عليه الصلاة والسلام. ومن كانت هذه صفته في أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم في شرائعه فعلى هذين الوجهين يكون المراد بقوله الذين يتبعون الرسول من بني إسرائيل خاصة))(١). (١) مفاتيح الغيب، الرازي، ٣٨٠/١٥. ويقول ابن كثير رحمه الله في تفسيره لهذه الآيات السابقة: ((والمشهور عن كثير من المفسرين كما ذكره محمد بن إسحاق وغيره، ورواه العوفي عن ابن عباس، أن هذه الآيات نزلت فيمن آمن من أحبار أهل الکتاب، کعبد الله بن سلام وأسد بن عبيد وثعلبة بن سعية وأسيد بن سعية وغيرهم))(٢). وأما ما ورد في السنة النبوية المطهرة في شأن أولئك المؤمنين من أهل الكتاب ما صح بالحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: (رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه، وأدرك النبي صلى الله عليه وسلم فآمن به واتبعه وصدقه، فله أجران)(٣). وفي هذا الحديث حثٌ لأهل الكتاب على اتباع الحق الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن الإيمان لا يتنافى مع ما جاء به النبي عيسى عليه السلام، مع تضاعف مقدار الأجر والثواب لمن آمن من أهل الكتاب من اليهود والنصارى. ويتضح مما مضى في الآيات الكريمة مكانة المؤمنين من النصارى بالقرآن (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ١٠٥/٢. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب فضل من أسلم من أهل الكتاب، ٤ / ٦٠، رقم ٣٠١١، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ١٣٤/١، رقم ١٥٤. www. modoee.com ١٤٩ حرفالنون الكريم، ومقدار أجرهم عند الله تعالى، للمسلمين في قوله تعالى: ﴿مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ وَلَا الُْشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّنِ زَّيِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ، مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ () [البقرة: ١٠٥]. وبينت الآيات الكريمة أن أهل الكتاب من النصاری لیسوا شرا کلهم، بل منهم من آمن بكتابه وبالقرآن ممن أدرك شريعة الإسلام، أو کان على استقامة فمات قبل أن یدر کھا، ومنهم قسيسون ورهبان فيهم تواضع لا الدمع مما عرفوا من الحق. أي: ﴿مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ يتكبرون على الحق، تفيض أعينهم من أَهْلِ الْكِنَبِ﴾ يعني: يهود أهل المدينة ثانيًا: المحاربون للإسلام: لا يخفى على أحد أن أعداء المسلمين من النصارى وغيرهم لا يفترون عن الكيد لدين الله تعالى بكل ما أوتوا من قوة وبكل ما لديهم من سبل ونراهم لا يتوانون عن الهجوم على دين الله كلما سنحت لهم الفرصة لذلك، وما ذلك إلا لصد المسلمين عن دينهم، ولعل ذلك واضح في قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنكَ اُلْيَهُودُ وَلَا النَّصَرِىُّ حَّى تَيَّعَ مِلَتْهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠]. فالغاية هي الصد عن دين الله تعالى. ومن جملة المحاربين للإسلام هم النصارى الذين لم يؤمنوا برسالة النبي صلى الله عليه وسلم، وناصبوها العداء علنًا أو سرًا وسيتبين هذا من خلال ما يأتي: ١. عدم حب الخير للمسلمين. ذكر الله تعالى في محكم كتابه عدم محبة طائفة من أهل الكتاب من النصارى ونصارى أهل نجران، ﴿وَلَا الْمُشْرِكِينَ يعني: مشركي العرب ﴿أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّيِّكُمْ﴾ يعني: أن ينزل على رسولكم من الوحي وشرائع الإسلام لأنهم کانوا کفارا، فیحبون أن یکون الناس كلهم كفارا مثلهم، وهذا كما قال في آية أخرى: ﴿وَدُوْ لَوَّ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءُ ﴾ [النساء: ٨٩]. فأخبر الله تعالى أن الأمر ليس على مرادهم حيث قال: ﴿وَاَللَّهُ يَخْنَصُّ بِرَحْمَتِهِ، مَن يَشَاءُ﴾ أي: يختار للنبوة من يشاء، من كان أهلا لذلك ويكرم بدينه الإسلام من يشاء، ﴿وَاَللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾ أي: ذو المن العظيم لمن اختصه بالنبوة والإسلام))(١). وفي الآية الكريمة دلالة واضحة على وجوب الحذر من أهل الكتاب ومنهم النصارى؛ ما دام کثیر منھم یکرهون أن ینزل الخير على المسلمين من ربهم، لذا يجب (١) تفسير السمر قندي، ١/ ٨١. ١٥٠ جَوَسُـ القرآن الكريمِ النصارى على المسلمين الحذر منهم وعدم الاستماع والعالم بأن غيره على حق لا يجوز أن يريد لأقوالهم مما یأتونهم به على وجه النصیحة؛ رده عنه إلا بشبهة يلقيها إليه، لأن المحق لا يعدل عن الحق إلا بشبهة والشبهة ضربان، أحدهما: ما يتصل بالدنيا وهو أن يقال لهم: قد علمتم ما نزل بكم من إخراجكم من دياركم وضيق الأمر عليكم واستمرار المخافة بكم، فاتركوا الإيمان الذي ساقكم إلى هذه الأشياء، والثاني: في باب الدين: بطرح الشبه في المعجزات أو تحريف ما في التوراة))(١). لأن الله تعالى عالم بما أسروا وإن أظهروا بألسنتهم خلاف ذلك، وينبه تعالى على ما أنعم به على المؤمنين من الشرع التام الكامل، الذي شرعه لنبيهم محمد صلى الله عليه وسلم، حيث أن أعظم الخير من الله تعالى أنه أرسل النبي صلى الله عليه وسلم من ولد إسماعيل مبشرا ونذيرا وهاديا للعالمين. وقد رد الله تعالى كراهيتهم باختيار نبيه الكريم عليه الصلاة والسلام على مقتضى حكمته وإرادته فقال تعالى: ﴿وَاَللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ، مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ ١٠٥) ﴾ [البقرة: ١٠٥]. الْعَظيم ٢. تمنیهم ردة المسلمین. يخبر الله تعالى في بعض آياته الكريمة المسلمین عن دینهم وتتمنى ذلك، رغم علمهم بالحق. قال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنْ بَعْدٍ إِيمَنِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِندِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠٩]. قال الإمام الرازي: «فالمراد أنهم كانوا يريدون رجوع المؤمنين عن الإيمان من بعد ما تبين لهم أن الإيمان صواب وحق، وقوله تعالى: ﴿كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِندِ أَنْفُسِهِمِ مِنْ بَعْدٍ مَا نَبَّيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ﴾ أي: (من بعد ما أضاء لهم الحق لم يجهلوا منه شيئا، ولكن الحسد حملهم على الجحود، فعيرهم ووبخهم ولامهم أشد الملامة، وشرع لنبيه صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين ما هم عليه من التصديق والإيمان والإقرار أن طائفة من أهل الكتاب تسعى أن تصد بما أنزل عليهم وما أنزل من قبلهم، بكرامته وثوابه الجزیل ومعونته لهم»(٢). ومعلوم سبب حسد أهل الكتاب لأنهم كانوا من قبل يقرؤون في كتبهم مبعث النبي صلى الله عليه وسلم وصفته وحال نبوته وكانوا يوعدون العرب بالقتل عند مبعثه لأنهم زعموا أنهم لا يتبعونه وكانوا يظنون أنه يكون من بني إسرائيل فلما بعثه (١) مفاتيح الغيب، الرازي، ٦٥١/٣. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٣٨٣/١. www. modoee.com ١٥١ حرف النون الله تعالى من ولد إسماعيل حسدوا العرب وأظهروا الكفر به وجحدوا ما عرفوه، قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَ هُمْ كِنَبُ مِنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بٍِّ فَلَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَفِرِينَ ﴾﴾ [البقرة: ٨٩](١). ويحذر الله تعالى عباده المؤمنين عن سلوك طرائق الكفار من أهل الكتاب ويعلمهم بعداوتهم لهم في الباطن والظاهر وما هم مشتملون علیه من الحسد للمؤمنين، مع علمهم بفضلهم وفضل نبيهم، ويأمر عباده المؤمنين بالصفح والعفو والاحتمال، حتى يأتي أمر الله من النصر والفتح(٢). وأما سبب نزول هذه الآية فقد قال الواحدي: ((قال ابن عباس: نزلت في نفر من اليهود قالوا للمسلمين بعد وقعة أحد: ألم تروا إلى ما أصابكم؟ لو كنتم على الحق ما هزمتم، فارجعوا إلى ديننا فهو خير لكم))(٣). وقيل أيضًا: أن نفرًا من أهل الكتاب قالوا لحذيفة بن اليمان، وعمار بن ياسر بعد وقعة أحد: لو كنتم على الحق ما هريتم فارجعا إلی دیننا فنحن أهدى سبيلا منکم، فقال عمار بن ياسر: كيف نقض العهد فيكم (١) انظر: أحكام القرآن، الجصاص، ١٧١/٣. (٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٣٨٢/١. (٣) العجاب في بيان الأسباب، ٣٥٤/١. قالوا شديد قال: إني عاهدت أن لا أكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم ما عشت، قالت اليهود، أما هذا فقد صبا، وقال حذيفة: أما أنا فقد رضيت بالله ربا وبمحمد رسولا وبالإسلام دينا وبالقرآن إماما وبالكعبة قبلة وبالمؤمنين إخوانا، ثم إنهما أتيا رسول الله صلی الله عليه وسلم فأخبراه بذلك، فقال: أصبتما الخير وأفلحتما فأنزل الله تعالى هذه الآية»(٤). ويتضح مما تقدم عداوة أهل الكتاب وحقدهم للمسلمين وتمنیهم رجوعهم عن الإسلام وذلك بسبب كراهيتهم أن يتبعوا النبي صلى الله عليه وسلم لكونه من أبناء إسماعيل عليه السلام، وودوا أن يكون من بني إسرائيل لذلك قالوا للصحابة ارجعوا إلی دیننا فهو خیر من دینکم وهذا دليل على تعصبھم و جهلهم بالدین. ٣. كتمانهم صفة الرسول. يعلم كثير من علماء أهل الكتاب أن الذي جاء به النبي محمد صلى الله عليه وسلم هو الحق ومع ذلك فإنهم یکتمونه، وقد أخبر الله تعالى عن ذلك في آيات عديدة. قال تعالى: ﴿أَلَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِنَبَ يَعْرِفُونَهُ، كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَ هُمٍّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْثُمُونَ الْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ١٤٦ [البقرة: ١٤٦]. (٤) انظر: لباب التأويل، الخازن، ١/ ٧٠. ١٥٢ القرآن الكريمِ النصارى وقوله تعالى: ﴿يَعْرُونَهُ﴾، أي: «يعرفون رسول الله صلى الله عليه وسلم معرفة جلية يميزون بينه وبين غيره بالوصف المعين المشخص كما يعرفون أبناءهم لا يشتبه عليهم أبناؤهم وأبناء غيرهم، وعن عمر رضى الله عنه أنه سأل عبد الله بن سلام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أنا أعلم به مني بابني، قال: ولم؟ قال: لأني لست أشك في محمد أنه نبي، فأما ولدي، فلعل والدته خانت، فقبل عمر رأسه»(١). وقيل في معنى الآية أيضًا: يعرفون أن البيت الحرام هو القبلة وهو قول قتادة وابن عباس رضي الله عنهم وغيرهم(٢). وقال تعالى: ﴿يَأَهْلَ الْكِتَبِ لِمَ تَلْبِسُونَ اَلْحَقَّ بِالْبَطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١) [آل عمران: ٧١]. أي: ((يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله بما نطقت به التوراة والإنجيل ودلت على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وأنتم تشهدون أنها آيات الله أو بالقرآن وأنتم تشهدون نعته في الکتابین أو تعلمون بالمعجزات أنه حق)»(٣). قال الطبري: ((والحق الذي كتموه ما في كتبهم من نعت محمد صلى الله عليه وسلم (١) الكشاف، الزمخشري، ٢٠٤/١. (٢) انظر: جامع البيان، الطبري، ١٨٧/٣-١٨٨. (٣) أنوار التنزيل، البيضاوي، ٢٢/٢. ومبعثه ونبوته»(٤) ٠ ثم فصل خلطهم الحق بالباطل فقال تعالى: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ ءَامِنُواْ بِلَّذِىّ أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَأَكْفُرُواْ ءَاخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٣)﴾ [آل عمران: ٧٢]. أي: «كان ذلك أمرًا منهم إياهم بتصديق النبي صلى الله عليه وسلم في نبوته وما جاء به من عند الله، وأنه حق في الظاهر من غير تصديقه في ذلك بالعزم واعتقاد القلوب على ذلك، وبالکفر به وجحود ذلك كله في آخره»(٥). ثم يتواصون فيما بينهم قائلين: ﴿وَلَا تُؤْمِنُواْ إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ وهنا يأمر الله تعالی نبيه صلی الله علیه وسلم أن یجیبهم: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَىْ هُدَى اَللَّهِ أَنْ يُؤْلَّىَ أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ أَوْ بُمَاٍُّ عِندَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ [آل الَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَلَهُ وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ ﴾ عمران: ٧٣]. وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِنَبُ مِنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَآءُ هُممَّا عَرَفُواْ كَفَرُوا بِهِّ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَفِرِينَ : [البقرة: ٨٩]. ومعنى الآية: ﴿وَلَمَّا جَآءَ هُمْ كِنَبُ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ يعني: القرآن مصدق لما معهم يعني (٤) جامع البيان، الطبري، ٥٠٥/٦. (٥) جامع البيان، الطبري، ٦/ ٥٠٧. www. modoee.com ١٥٣ حرف النون التوراة وهذا التصديق في صحة نبوة محمد ورد عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: (أن هذه الآية التي في القرآن: ﴿ يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّا أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا وَمُبَشِيرًا وَنَذِيرًا ﴾ [الأحزاب: ٤٥]. صلى الله عليه وسلم؛ لأن نبوته وصفته ثابتة في التوراة و کانوا یعني : -اليهود- من قبل أي: من قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم يستفتحون أي: يستنصرون به على الذين كفروا يعني: مشركي العرب وذلك أنهم كانوا إذا أحزنهم أمرٌ ودهمهم عدوٌ يقولون: اللهم انصرنا بالنبي المبعوث في آخر الزمان الذي نجد صفته في التوراة فكانوا ينصرون، وكانوا يقولون لأعدائهم من المشركين: قد أظل زمان نبي يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلكم معه قتل عاد وإرم فلما جاءهم ما عرفوا أي: الذي عرفوه يعني: محمداً صلى الله عليه وسلم عرفوا نعته وصفته وأنه من غیر بني إسرائيل كفروا به أي: جحدوه وأنکروه بغیا وحسدا فلعنة الله على الكافرين))(١). قال ابن عباس: (يستنصرون بخروج محمد صلى الله عليه وسلم على مشركي العرب - يعني: بذلك أهل الكتاب - فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم ورأوه من غيرهم، كفروا به وحسدوه»(٢). وقد وردت أحاديث في السنة النبوية المطهرة تبين معرفة أهل الكتاب ببعثة نبي آخر الزمان وصفاته وأتباعه، ومن ذلك ما (١) لباب التأويل، الخازن، ١/ ٦٠. (٢) جامع البيان، الطبري، ٢/ ٣٣٤. قال في التوراة: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخاب بالأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبضه الله حتی یقیم به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله فيفتح بها أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا)(٣). وعن عائشة رضي الله عنها: (أن رسول الله صلی الله عليه وسلم مكتوب في الإنجيل: لا فظ ولا غليظ ولا سخاب بالأسواق، ولا يجزئ بالسيئة مثلها، بل يعفو ويصفح) (٤). والمتأمل في كتب السير والتاريخ يجد الكثير من الشواهد والأدلة على ذلك(٥). ويتضح مما تقدم أن نعت النبي صلى (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب (إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا)، ١٣٥/٦، رقم ٤٨٣٨. (٤) أخرجه البخاري بنفس المعنى في المصدر السابق. وانظر: دلائل النبوة، البيهقي، ٣٧٨/١- ٣٧٧. (٥) انظر: الطبقات الكبرى، ابن سعد، ٣٦٣/١، البداية والنهاية، ابن كثير، ٦/ ٦١، تاريخ دمشق، ابن عساكر، ٣٣٧/١. ١٥٤ صَوَ نُور القرآن الكريمِ