النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْ سُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ النَّصَارَى عناصر الموضوع مفهوم النصارى ١١٦ النصارى في الاستعمال القرآني ١١٧ الألفاظ ذات الصلة ١١٨ ١٢١ اقتران النصارى باليهود في القرآن ١٢٢ عقيدة النصارى ١٣١ دعاوى النصارى وأقوالهم الباطلة ١٤٢ النصارى قبل الإسلام ١٤٦ النصارى بعد الإسلام ١٦٤ سماحة الإسلام مع النصارى المُجَلَّد الثَّالِثِ وَالثَّلاثُونْ حرف النون مفهوم النصارى أولًا: المعنى اللغوي: مفردها نصراني، يقال: نصرته على عدوه ونصرته منه نصرًا: أعنته وقويته، والفاعل ناصر ونصير وجمعه أنصار، والنصرة بالضم اسم منه، وتناصر القوم مناصرة: نصر بعضهم بعضًا، وانتصرت من زيد انتقمت منه، واستنصرته طلبت نصرته، ونصارى: هم من يتبع دين المسيح، فيقال: رجلٌ نصراني، ثم أطلق النصراني على كل من تعبد بهذا الدين، وربما قيل: نصران ونصرانة، ونصرى وناصرة ونصورية: قرية بالشام، والنصارى منسوبون إليها، والتنصر: الدخول في النصرانية، ونصره: جعله نصرانيًا (١). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: لا يخرج معناه الاصطلاحي عن معناه اللغوي، فالمقصود بالنصارى اصطلاحًا: هم أمة المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته عليه الصلاة والسلام (٢). قال الراغب الأصفهاني رحمه الله: ((والنصارى قيل: سموا بذلك لقوله تعالى: ﴿يَأَيُها الَّذِينَ ءَامَنُواْكُونُواأَنْصَارَ اَللَّهِ كُمَا قَالَ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمْ لِلْحَوَارِِّنَّ مَنْ أَنْصَارِىّ إِلَى الَّهِ قَالَ الْحَوَارِبُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللّهِ﴾ [الصف: ١٤]. وقيل: سموا بذلك انتسابًا إلى قرية يقال لها: نصرانة، فيقال: نصرانيٌّ، وجمعه نصارى. قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ اَلْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَرَى﴾ [البقرة: ١١٣]))(٣). (١) انظر: لسان العرب، ابن منظور، ٢١١/٥، المصباح المنير، الفيومي، ٦٠٧/٢، معجم اللغة العربية المعاصرة، الدكتور أحمد مختار عبد الحميد عمر، ٢٢٢١/٣، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ٩٢٥/٢. (٢) انظر: الملل والنحل، الشهر ستاني، ٢٦٦/١. (٣) المفردات، الراغب الأصفهاني ص٨٠٩. ١١٦ جوبي القرآن الكريم النصارى النصارى في الاستعمال القرآني وردت مادة (نصر) في القرآن الكريم (١٥٨) مرة (١)، يخص موضوع البحث منها (١٥) مرة. والصيغ التي وردت، هي: الصيغة عدد المرات المثال مَا كَانَ إِتَهِيمٌ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا مفرد ١ [آل عمران: ٦٧] جمع ١٤ ﴿وَقَالَتِ النَّصَرَى الْمَسِيحُ أَبْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠] النصارى هم أتباع عيسى عليه السلام، قيل: سموا بذلك لنصرتهم له وتناصرهم فيما بينهم، كما ورد في قوله تعالى: ﴿قَالَ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِنَ مَنْ أَنصَارِيّ إلَى اللّهِ قَالَ الْمَوَارِثُونَ فَضْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ [الصف: ١٤]. وهذا يخص المؤمنين منهم في أول الأمر، ثم أطلق عليهم كلهم على وجه التغليب(٢). (١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٧٠٢ -٧٠٤، المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، باب النون ص١٣٢٥ - ١٣٢٨. (٢) انظر: بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي، ٦٩/٥- ٧٠، عمدة الحفاظ، السمين الحلبي، ١٨٣/٤ - ١٨٤. www. modoee.com ١١٧ حرفالنون الألفاظ ذات الصلة ١ أهل الكتاب: أهل الكتاب لغة: أهل الرجل عشيرته وذوو قرباه، وأهل المذهب: من يدين به، وأهل الإسلام.من یدین به، وأهل الأمر: ولاته، وأهل البيت: سكانه، وأهل الرجل:زوجه وأخص الناس به، وأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم: أزواجه وبناته وصهره(١). والكتاب: كتبه كتبًا وكتابًا أي: خطه، وهو ما يكتب فيه، والدواة والتوراة والصحيفة والفرض والحكم والقدر(٢). ويراد به أيضًا الكتب السماوية، وحيثما ذكر في القرآن الكريم التركيب الإضافي ﴿أَهْلِ اَلْكِنَبِ ﴾ فإنما أريد بالكتاب التوراة والإنجيل، وكذلك إذا ذكر التركيب الإسنادي ﴿أُوتُوا اَلْكِتَبَ﴾ أو (آتيناه الكتاب)(٣). وأهل الكتاب: ((من يجتمعون حوله، والمراد اليهود والنصارى)) (٤). أهل الكتاب اصطلاحًا: هم اليهود والنصارى، ومن دان دينهم بفرقهم المختلفة، ومن عدا هؤلاء من الكفار فليس من أهل الكتاب؛ بدليل قول الله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَبُ عَ طَايِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَفَفِلِينَ﴾ [الأنعام: ١٥٦](٥). قال الشهر ستاني: «الخارجون عن الملة الحنيفية والشريعة الإسلامية، ممن يقول بشريعة وأحكام وحدود وأعلام، وهم قد انقسموا إلى من له كتاب محقق مثل التوراة والإنجيل، وعن هذا يخاطبهم التنزيل بأهل الكتاب، وإلى من له شبهة كتاب، مثل: المجوس))(٦). (١) انظر: لسان العرب، ٢٨/١١، القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص٩٦٣، مقاييس اللغة، ابن فارس، ١٥٠/١. (٢) القاموس المحيط، ص١٢٨. (٣) انظر: المفردات، ٧٠١/١، المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، مجمع اللغة العربية، ص٩٤٩- ٩٥٠. (٤) المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، ص٩٧. (٥) انظر: المغني، ابن قدامة، ٣٢٩/٩. (٦) الملل والنحل، الشهر ستاني، ص ٢٤٧. ١١٨ صَوَسُولَةُ النَّقِينَ القرآن الكريم النصارى الصلة بين أهل الكتاب والنصارى: ومن معاني اللغة والاصطلاح يمكن تعريف أهل الكتاب: بأنهم أهل الديانات التي لها كتاب سماوي من يهود وهم أهل التوراة، ونصارى وهم أهل الإنجيل، فإذا النصارى بعض أهل الكتاب. الحواريون: ٢ الحواريون لغة: جمع حواري :أي صاحب وناصر ومؤيد، وحواري الرجل: خاصته، ومنه الزبير حواري النبي صلى الله عليه وسلم وقال الزجاج الحواريون: ((خلصان الأنبياء-عليهم السلام-))(١)، أي: المخلصون، وشاع استعماله في المخلصين للأنبياء عليهم الصلاة والسلام(٢). وقيل: سمي الحواريون: ((لبياض ثيابهم، ويطلق الحواري على الخالص، والخليل، والمخلص، والناصح، والخصيص والمجاهد، والمفضل، ومن يصحب الكبير، ومن يصلح لخلافة كبيرة»(٣). الحواريون اصطلاحًا: (هم صفوة الأنبياء الذي خلصوا وأخلصوا في التصديق بهم وفي نصرتهم)) (٤). قال الراغب الأصفهاني ((الحواريون أنصار عيسى عليه السلام))(٥). الصلة بين الحواريون والنصارى: الحواريون هم أصحاب عيسى ابن مريم-عليهما السلام-وأنصاره، كما جاءت تسميتهم في قوله تعالى: ﴿كَمَا قَالَ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِنَّ مَنْ أَنْصَارِىّ إِلَى اللَّهِ﴾﴾ [الصف: ١٤]. بنو إسرائيل: ٣ إسرائيل اصطلاحًا: لقب أطلق على يعقوب بن إسحاق عليهما السلام. قال تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلَّا لِّبَنِيّ إِسْرَّهِيلَ إِلَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَِّ يلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [آل عمران : ٩٣]. (١) انظر: لسان العرب، ٤ /٤٥٤، تاج العروس، الزبيدي، ١٠٣/١١. (٢) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، ص٣٢٨. (٣) فتح الباري، ابن حجر العسقلاني، ١٠٩/١. (٤) مفاتيح الغيب، الرازي، ٨/ ٢٣٣. (٥) انظر: المفردات، ص٨٠٩. www. modoee.com ١١٩ حرف النون وبنو إسرائيل: ذرية يعقوب عليه السلام وكانوا اثني عشر سبطًا. قال تعالى: ﴿سَلْ بَنِيَّ إِسْرَِّيلَ كُمْ ءَاتَيْنَهُم مِّنْ ءَايَم ◌َيِنَةٍ﴾ [البقرة: ٢١١](١). قال ابن عباس رضي الله عنهما في كلمة إسرائيل: معناه: (عبدالله)، لأن إسرا بمعنى: عبد، وإيل: اسم الله، أي: أنه مركب من كلمتين: إسرا، وإيل، كما يقولون: بيت إيل(٢). الصلة بين بني إسرائيل والنصارى: أن النصارى هم من بني إسرائيل ذرية يعقوب عليه السلام. (١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، ص٥١، معجم اللغة العربية المعاصرة، ٩١/١. (٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١/ ٤٥٠. ١٢٠ صَوَسُو ◌َرَ النَفسِير القرآن الكريم النصارى اقتران النصارى باليهود في القرآن تحدث القرآن الكريم عن اليهود والنصارى في آيات عديدة، ومعظمها يقرن فيها اليهود مع النصارى على سبيل الخبر أو الذم أو الثناء أو غير ذلك، ويبدو أن هذا الاقتران له حکمة أو أسباب كثيرة، منها: ١. أنهما أهل كتاب كما سماهم الله تعالى، وكتابهم الذي يجمعهم هو الكتاب المقدس التوراة الذي أنزل على موسى عليه السلام، وجميع بني إسرائيل مكلفون بأحكامه وشريعته، ثم الإنجيل الذي نزل على عيسى عليه السلام مكملًا للتوراة. ٢. أنهم من بني إسرائيل ذرية يعقوب عليه السلام وبنيه، ومن المعلوم أن موسى عليه السلام ومريم عليها السلام هما من أبناء إسرائيل وهو يعقوب عليه السلام، وكانت رسالة موسی وعیسی عليهما السلام إلى بني إسرائيل خاصة. قال تعالى في شأن موسى عليه السلام: ﴿وَءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ وَجَعَلْنَهُ هُدَّى لِّبَفِىّ إِسْرَهِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُواْ مِن دُونِ وَكِيلًا﴾ [الإسراء: ٢]. وقال تعالى عن عيسى عليه السلام: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَِّيّ إِسْرَِّيلَ أَنِّ قَدْ جِئْتُّكُم ◌َِايَةٍ مِّن ◌َّبِّكُمْ أَنَّ أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ اُلِّينِ كَهَتَّئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيّاً بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ [آل عمران: ٤٩]. ٣. اشتراكهم في بعض المعتقدات المنحرفة كنسبة الولد لله تعالى في قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ اَلْيَهُودُ عُزَيْرٌ أَبْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَرَى الْمَسِيحُ أَبْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]. واتخاذ أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله كما قال تعالى: ﴿أَّخَذُوَأ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْيَمَ وَمَآ أُمِرُوَأْ إِلَّا لِيَعْبُدُوَأْ إِلَهَا وَحِدًّاً لََّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ سُبْحَانَهُ. عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١]. ٤. اشتراك طائفة منهم في صفاتٍ ذكرها القرآن الكريم، منها: کتمانهم الحق مع العلم به، ومنه كتمان أوصاف النبي محمد صلى الله عليه وسلم واسمه في التوراة والإنجيل، مع علمهم التام بصحة ما جاء به، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ اٌلْكِتَبَ يَعْرِفُونَهُ، كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَ هُمَّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَّهُمْ لَيَكْثُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: ١٤٦]. كفرهم بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وعدم اتباعهم الحق وقبوله، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنكَ www. modoee.com ١٢١ حرف النون اُلَْهُودُ وَلَا النَّصَرَى حَتّى تَّعَ مَِّتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠]. والمتأمل في القرآن الكريم يجد كثيرًا من الصفات المشتركة بين اليهود والنصارى. عقيدة النصارى أولًا: إلوهية عيسى ابن مريم وأمه عليهما السلام: لا شك أن وحدانية الله تعالی هي أصل ديانة أهل الكتاب، وما من نبي أو رسول إلا كانت دعوته الأولى لقومه هي وحدانية الله تعالى وإفراده بالعبادة، إلا أن النصارى زعموا مع الله تعالى الشريك، حيث جعلوا من المسيح وأمه عليهما السلام آلهة تعبد من دون الله تعالى، ورغم أن هذه العقيدة لا أصل لها إلا في الديانات الوثنية السابقة لدين النصارى إلا أنهم ساروا على ما سار عليه أصحاب تلك الأديان الوثنية من قبلهم حين حرفوا وبدلوا وضيعوا أصول دينهم الصحيح واعتقدوا بألوهية المسيح وأمه عليهما السلام الذي جاء يدعوهم إلى وحدانية الله تعالى شأنه شأن الأنبياء والرسل عليهم السلام الذين من قبله وبعده. وكان منشأ هذه العقيدة في أول مجمع للنصارى سمي مجمع نيقية سنة ٣٢٥،(١) الذي أقر بألوهية المسيح عليه السلام وفرضت هذه العقيدة على الناس بقوة السيف والسلطان فأصبحت مسألة ألوهية المسيح عليه السلام بعد ذلك عقيدة (١) انظر: كتاب محاضرات في النصرانية، أبو زهرة، ص١٢٢. ١٢٢ ◌َالنَّسَبـ قَضوري جوبيع القرآن الكريمِ النصارى مترسخة عند النصارى إلى وقتنا الحاضر، ملكه وخلقه، وهو القادر على ما يشاء، لا يسأل عما يفعل، لقدرته وسلطانه، وعدله واحتجوا بشبهات ونصوص من كتبهم المحرفة مثل صفات المسيح عليه السلام ومعجزاته وغير ذلك. وعظمته، وهذا رد على النصارى عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة)) (١). إلا أن القرآن الکریم رد على كل دعوة باطلة ادعتها النصارى في ألوهية المسيح وأمه عليهما السلام في أكثر من آية. قال تعالى: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَّ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَأَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْيَمَ وَأُنَّهُ, وَمَن فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [المائدة: ١٧]. قال ابن كثير رحمه الله: ((يقول تعالى مخبرًا وحاكمًا بكفر النصارى في ادعائهم في المسيح ابن مريم، وهو عبد من عباد الله، وخلق من خلقه أنه هو الله، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا، ثم قال مخبرًا عن قدرته على الأشياء وكونها تحت قهره وسلطانه: ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اَللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْيَمَ وَأُنَّهُ. وَمَن فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ أي: لو أراد ذلك فمن ذا الذي كان يمنعه؟ أو من ذا الذي يقدر على صرفه عن ذلك؟، ثم قال: ﴿وَللَّهِ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَأَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ﴾ أي: جميع الموجودات فالآية الكريمة تدل على بشرية المسيح وأمه عليهما السلام وتبين عجز المسيح ابن مریم وعدم قدرته دفع الهلاك عن نفسه ولا عن أمه عليهما السلام، والعجز ضد القدرة وهو ليس من صفات الإله. وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَدٌ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَبَنِىّ إِسْرَّهِيلَ أَعْبُدُواْ اللّهَ رَبِى وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ, مَن يُشْرِكِ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَنَهُ النَّارُ وَمَا لِلَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ٧٢ [المائدة: ٧٢]. فهذا نص صريح يبين أن عيسى عليه السلام ما دعا إلا إلى الوحدانية ومبينًا لهم عاقبة الشرك بالله تعالى. یقول ابن كثير رحمة الله: ((يقول تعالى حاكما بتكفير فرق النصارى، من الملكية (٢) (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٦٨/٣. (٢) هم أصحاب ملكا الذي ظهر بأرض الروم واستولى عليها، ومعظم الروم ملكانية حيث قالوا: إن الكلمة اتحدت بجسد المسيح، وتدرعت بناسوته، ويعنون بالكلمة: أقنوم العلم، ويعنون بروح القدس: أقنوم الحياة، فقال بعضهم: إن الكلمة مازجت جسد المسيح، كما يمازج الخمر أو الماء اللبن. انظر: الملل والنحل، الشهر ستاني، ٢٧/٢. www. modoee.com ١٢٣ حرف النون واليعقوبية (١) والنسطورية (٢)، ممن قال أو أفعاله فقد حرم الله عليه الجنة التي هي دار الموحدين، أي حرمه دخولها ومنعه منهم بأن المسيح هو الله، تعالى الله عن قولهم وتنزه وتقدس علوا کبیرا، هذا وقد تقدم إليهم المسيح بأنه عبد الله ورسوله، وكان أول كلمة نطق بها وهو صغير في المهد أن قال: ﴿قَالَ إِنِ عَبْدُ اللَّهِءَ اتَسْنِىَ الْكِنَبَ وَجَعَلَنِى فِيَّا﴾ [مريم منه، كما يمنع المحرم من المحرم عليه، ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ من كلام الله، على أنهم ظلموا وعدلوا عن سبيل الحق فيما يقولون على عيسى عليه السلام، فلذلك لم يساعدهم عليه ولم ينصر قولهم هذا بل رده وأنكره، وإن كانوا معظمين له بذلك ورافعين من مقداره (٤). ولم يقل: أنا الله، ولا ابن الله إلى أن قال: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِى وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴾ [مريم: ٣٦]))(٣). قال الزمخشري رحمه الله: لم يفرق عيسى عليه الصلاة والسلام بينه وبينهم في أنه عبد مربوب كمثلهم، وهو احتجاج على النصارى إنه من يشرك بالله في عبادته، أو فيما هو مختص به من صفاته (١) هم أصحاب يعقوب: قالوا بالأقانيم الثلاثة أيضًّا، إلا أنهم قالوا: انقلبت الكلمة لحما ودما، فصار الإله هو المسيح. وهو الظاهر بجسده، بل هو هو. انظر: الملل والنحل، للشهرستاني، ٣٠/٢. (٢) هم أصحاب نسطور الحكيم الذي ظهر في زمان المأمون، وتصرف في الأناجيل بحكم رأيه حيث قال: إن الله تعالى واحد، ذو أقانيم ثلاثة: الوجود، والعلم، والحياة، وهذه الأقانيم ليست زائدة على الذات، ولا هي هو، واتحدت الكلمة بجسد عيسى عليه السلام، لا على طريق الامتزاج كما قالت الملكانية، ولا على طريق الظهور به كما قالت اليعقوبية، ولكن كإشراق الشمس في كوة على بلورة، وكظهور النقش في الشمع إذا طبع بالخاتم. انظر: الملل والنحل، للشهر ستاني، ٢٩/٢. (٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ١٥٧/٣. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَعِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ ءَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ أَخِذُونِ وَأَنِىَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَنَكَ مَا يَكُونُ لِيِّ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ، فَقَدْ عَلِمْتَهُ، تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلَآَ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّمُ اُلْغُيُوبِ ١١٦﴾ [المائدة: ١١٦]. قال الإمام الرازي رحمه الله: ((أن الله تعالى لما سأل عيسى: أنك هل قلت كذا؟ لم يقل عيسى بأني قلت أو ما قلت، بل قال: ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق، وهذا لیس بحق ینتج أنه ما یکون لي أن أقول هذا الكلام، ولما بين أنه ليس له أن يقول هذا الكلام شرع في بيان أنه هل وقع هذا القول منه أم لا، فلم يقل بأني ما قلت هذا الكلام لأن هذا يجري مجرى دعوى الطهارة والنزاهة، والمقام مقام الخضوع والتواضع، ولم يقل بأني قلته بل، فوض ذلك إلى علمه (٤) انظر: الكشاف، الزمخشري، ٦٦٣/١. جوية القرآن الكريم ١٢٤ النصارى المحيط بالكل، فقال: ﴿إِن كُنتُ قُلْتُهُ، فَقَدْ عَلِمْتَهُ,﴾ وهذا مبالغة في الأدب وفي إظهار الذل والمسكنة في حضرة الجلال وتفويض الأمور بالكلية إلى الحق سبحانه))(١). ویقول ابن کثیر رحمه الله: «وهذا تهدید للنصارى وتوبيخ وتقريح على رؤوس الأشهاد، هكذا قاله قتادة وغيره، واستدل قتادة على ذلك بقوله تعالى: ﴿ قَالَ اَللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّدِّقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٩]))(٢). قال ابن عباس رضي الله عنه: «هذا القول یکون من الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق، لیری الکفار تبرئة عیسی مما نسبوه إليه، ويعلمون أنهم كانوا على باطل)) (٣). قال القشيري رحمه الله: «المراد من هذا السؤال إظهار براءة ساحته عما نسب إليه من الدعاء إلى القول بالتثليث، فهذا ليس خطاب تعنيف بل هو سؤال تشريف)) (٤). ومن خلال الآيات السابقة وأقوال بعض أهل التفسير فيها يتبين أن القرآن الكريم أثبت كفر من اعتقد بألوهية المسيح وأمه عليهما السلام، وبین براءتهما مما نسب إليهما زورًا وكذبًا وافتراءً، وبين أن دعوة عيسى عليه السلام لقومه كانت دعوة خالصة إلى عبادة الله تعالی ونبذ الشركاء وأنه حذر قومه من (١) مفاتيح الغيب، الرازي، ١٢/ ٤٦٦. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٢٣٢/٣. (٣) التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي، ٢٥١/١. (٤) تفسير القشيري، ٤٥٦/١. الوقوع بالشرك مع تأكيد بشريته ويشرية أمه عليهما السلام في العجز عن دفع الهلاك عن أنفسهما. ويذكر ابن هشام في سيرته عن وفد نجران الذين جاؤوا يجادلون النبي صلى الله عليه وسلم في شأن عيسى عليه السلام ما خلاصته: (فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو حارثة بن علقمة أسقفهم، وعبد المسيح أميرهم، والسيد الأيهم عالمهم، وكانوا على دين ملك الروم مع اختلاف أمرهم، يقولون عن عيسى: هو الله، ویقولون: هو ولد الله، ويقولون: هو ثالث ثلاثة، فلما كلمه الحبران، قال لهما رسول الله: أسلما، قالا: قد أسلمنا قبلك، قال: كذبتما، يمنعكم من الإسلام ادعاؤكما لله ولدًا، وعبادتكما الصليب، وأكلكما الخنزير) (٥). وهذا يدل على أن هؤلاء النصارى من نجران كانوا يعتقدون بألوهية عيسى عليه السلام، وأن النبي صلى الله عليه وسلم دعاهم إلى الإسلام ونبذ تلك الضلالات التي يعتقدوها في عيسى عليه السلام، ومع ذلك فقد كذبوا وكفروا بما جاءهم من الحق. (٥) انظر: السيرة النبوية، ابن هشام، ٥٧٥/١. www. modoee.com ١٢٥ حرف النون ثانيًا: بنوة المسيح عليه السلام: أشارت بعض الآيات الكريمة إلى دعوى القائلين من النصارى ببنوة عيسى عليه السلام. ومن هذه الآيات قوله تعالى: وَقَالَتِ أَلْيَهُودُ عُزَيْرٌ أَبْنُ اَللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَرَى الْمَسِيحُ أَبْنُ اَللَّهِّ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَهِهِمْ يُضَهِقُونَ قَوِّلَ اَلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَنَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴾ [التوبة: ٣٠]. قال الإمام الرازي رحمه الله: ((وأما حكاية الله عن النصارى أنهم يقولون: المسيح ابن الله، فهي ظاهرة لكن فيها إشكال قوي، وهي أنا نقطع أن المسيح صلوات الله عليه وأصحابه كانوا مبرئين من دعوة الناس إلى الأبوة والبنوة، فإن هذا أفحش أنواع الكفر، فکیف یلیق بأكابر الأنبياء عليهم السلام؟! وإذا كان الأمر كذلك فكيف يعقل إطباق جملة محبي عيسى من النصارى على هذا الكفر، ومن الذي وضع هذا المذهب الفاسد، وكيف قدر على نسبته إلى المسيح عليه السلام؟ فقال المفسرون في الجواب على هذا السؤال: إن أتباع عيسى عليه الصلاة والسلام كانوا على الحق بعد رفع عیسی حتی وقعت حرب بينهم وبين اليهود، وکان في الیھود رجل شجاع يقال له بولس قتل جمعا من أصحاب عیسی. ثم قال لليهود: إن كان الحق مع عيسى فقد كفرنا والنار مصيرنا ونحن مغبونون إن دخلوا الجنة ودخلنا النار، وإني أحتال فأضلهم، فعوقب فرسه وأظهر الندامة مما کان يصنع ووضع على رأسه التراب وقال: نوديت من السماء ليس لك توبة إلا أن تتنصر، وقد تبت فأدخله النصارى الكنيسة ومكث سنة لا يخرج وتعلم الإنجيل فصدقوه وأحبوه. ثم مضى إلى بيت المقدس واستخلف علیهم رجلا اسمه نسطور، و علمه أن عيسى ومريم والإله كانوا ثلاثة، وتوجه إلى الروم وعلمهم اللاهوت والناسوت، وقال: ما كان عیسی إنسانا ولا جسما ولكنه الله، وعلم رجلا آخر يقال له يعقوب ذلك، ثم دعا رجلا یقال له ملکا فقال له: إن الإله لم يزل ولا يزال عيسى. ثم دعا لهؤلاء الثلاثة وقال لكل واحد منهم أنت خلیفتي فادع الناس إلى إنجيلك، ولقد رأيت عيسى في المنام ورضي عني، وإني غدا أذبح نفسا لمرضاة عيسى، ثم دخل المذبح فذبح نفسه، ثم دعا كل واحد من هؤلاء الثلاثة الناس إلى قوله ومذهبه، فهذا هو السبب في وقوع هذا الكفر في طوائف النصارى (١). (١) مفاتيح الغيب، الرازي، ٢٩/١٦. ١٢٦ مَوَ سُور القرآن الكريمِ النصارى واختلف في سبب قولهم: (ابن الله) أكان عيسى عليه السلام أم غيره. لذلك على قولين: أحدهما: أنه لما خلق من غير ذكر من البشر قالوا: إنه ابن الله، تعالى الله عن ذلك، الثاني: أنھم قالوا ذلك لأجل من أحياه من الموتى وأبرأه من المرضى (١). قال السمر قندي: «لأن المسیح کان یبرئ الأكمه والأبرص، ویحيي الموتى بإذن الله تعالی، فقالوا: لم یکن یفعل هذا إلا وهو ابن الله))(٢). والمتأمل في هذه الدعوى الباطلة يرى بوضوح إن ادعاء بنوة عيسى عليه السلام بسبب طبيعة خلقه المخالفة للعادة من غير أب ليس بأعجب من خلق آدم عليه السلام من غير أب ولا أم، وأما معجزات عيسى عليه السلام فهي من جنس المعجزات التي أجراها الله على أيدي الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام من قبله، ولم تدل عند تلك الأمم على ألوهية أولئك الأنبياء والرسل الذين ظهرت على أيديهم المعجزات، فكذلك عيسى ابن مريم عليه السلام. وعلى أية حال فإن الآية الكريمة أشارت إلى القائلين من النصارى بأن الله تعالى اتخذ عيسى عليه السلام ابنًا، إلا أن آياتٍ كثيرةً نقضت دعواهم وأبطلتها وردتها وبينت استحالة اتخاذ الله تعالى الولد سواء (١) انظر: النكت والعيون، الماوردي، ٣٥٣/٢، زاد المسير، ابن الجوزي، ٢٥٢/٢. (٢) تفسير السمر قندي، ٢/ ٥٣. قال تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ أَنَّ يَكُونُ لَهُ، وَلَدٌ وَلَّمْ تَكُنْ لَّهُ صَحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٌ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [الأنعام: ١٠١]. ﴿مَا أَّخَذَ اَللّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا وقال تعالى: كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهَّ إِذَا لَّذَهَبَ كُلَّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍَّ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾ [المؤمنون: ٩١]. وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍّ سُبْحَنَّهُمْ إِذَا قَضَوَ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ، كُنْ فَيَكُونُ ﴾ [مريم: ٣٥]. ٣٥ ودلالة الآيات واضحة في استحالة أن يكون لله تعالى ولدٌ، فالكون كله خاضع إليه وعابد له جل وعلا. قال تعالى: ﴿إِن كُلُّ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَاْأَرْضِ إِلَّ ءَاتِ الرَّحْمَنِ عَبْدًا ﴾ [مريم: ٩٣]. وهو المنفرد بخلق السموات والأرض وما بينهما، إذا أراد أمرًا يقول له كن فیکون، فليس له حاجة إلى الولد. لذلك ينذر الله تعالى الذين يدعون لله تعالى الولد بقوله: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُواْ أَخَذَ اَللَّهُ وَلَدًا ﴾ [الكهف: ٤]. ووردت أيضًا عدة نصوص من السنة النبوية المطهرة تنفي دعوى النصارى في اتخاذ الله تعالى الولد، منها ما صح عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله علیه وسلم قال: قال الله تعالى: (كذبني ابن www. modoee.com ١٢٧ حرف النون آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني، ولم يكن له من الأقانيم الثلاثة كما يزعمون، ومع ذلك فقد وردت آيتان كريمتان تنصان على بطلان عقيدة التثليث عند النصارى. ذلك، فأما تكذيبه إياي فزعم أني لا أقدر أن أعيده کما کان، وأما شتمه إياي، فقوله لي ولد، فسبحاني أن أتخذ صاحبة أو ولدا)(١)، وعلى هذا يتبين بطلان ادعائهم الولد لله تعالی. ثالثًا: التثليث عند النصارى: من المعلوم أن عقيدة التثليث هي أصل من أصول عقائد النصارى المنحرفة التي لا أصل لها إلا في الديانات الوثنية القديمة، ومع ذلك فالنصارى بفرقهم مجمعون على التثليث ويقولون: ((إن الله جوهر واحد وله ثلاثة أقانیم، فيجعلون کل أقنوم إلها ويعنون بالأقانيم الوجود والحياة والعلم، وربما يعبرون عن الأقانيم بالأب والابن وروح القدس، فيعنون بالأب الوجود، وبالروح الحياة، وبالابن المسيح»(٢). ولا تختلف عقيدة النصارى في التثليث عن عقيدة ألوهية المسيح وأمه عليهما السلام فكلاهما عقيدتان باطلتان فالأدلة التي أبطلت ألوهية المسيح وأمه عليهما السلام في القرآن الكريم هي نفسها التي تبطل دعواهم في التثليث، لأنهما جوهران (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب (وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه)، ١٩/٦، رقم ٤٤٨٢. (٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٢٣/٦. جوببيو القرآن الكريمِ قال تعالى: ﴿يَأَهْلَ الْكِتَبِ لَا تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى اَللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ رَسُولٌ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ: أَلْقَمُهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوِعٌ مِنْهُ فَامِنُواْ بِلَّهِ وَرُسُلِّهِ، وَلَا تَقُولُواْ ثَلَثَةُ أَنْتَهُواْ خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَنَهُ: أَنْ يَكُونَ لَهُ, وَلَدٌّ لَّهُ مَا فِ السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضُِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ١٧١ [النساء: ١٧١]. والخطاب في الآية الكريمة وإن كان يشمل أهل الكتاب جميعا من يهود ونصارى، إلا أن النصارى هم المقصودون هنا قصدا أولیا، بدليل سياق الآية الكريمة، فقد ذكرت حججا تبطل ما زعمه النصارى في شأن عيسى عليه السلام(٣). أي: ينهى الله تعالى أهل الكتاب عن الغلو والإطراء، وهذا كثير في النصارى، فإنهم تجاوزوا حد التصديق بعيسى عليه السلام حتى رفعوه فوق المنزلة التي أعطاه الله تعالى إياها، فنقلوه من حيز النبوة إلى أن اتخذوه إلها من دون الله يعبدونه كما يعبدونه، وهذا خطاب موجه إلى النصارى (٣) انظر: التفسير الوسيط، سيد طنطاوي ٣/ ٤٠٠. ١٢٨ النصارى خاصة، وخوطبوا بعنوان أهل الكتاب تعريضا بأنهم خالفوا كتابهم (١). وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُواْ ثَلَتَهُ ﴾: (يعني: ولا تقولوا الآلهة ثلاثة وذلك أن النصارى يقولون أب وابن وروح القدس، وقيل: إنهم يقولون إن الله بالجوهر ثلاثة أقانيم وذلك أنھم أثبتوا ذاتا موصوفة بصفات ثلاثة بدلیل أنهم یجوزون على تلك الذات الحلول في عيسى وفي مريم فأثبتوا ذواتا متعددة ثلاثة، وهذا هو محض الكفر، فلهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُواْ ثَلَاثَةُ أَنْتَهُواْ خَيْرًا لَكُمْ﴾، يعني: يكون الانتهاء عن هذا القول خير لكم من القول بالتثليث»(٢). ولذا حذر النبي صلى الله عليه وسلم أمته من الوقوع في الغلو والإطراء كما حدث مع طائفة من النصارى، فقد صح عن ابن عباس أنه سمع عمر رضي الله عنه، يقول على المنبر: سمعت النبي صلى الله علیه وسلم يقول: (لا تطروني، كما أطرت عبد الله ورسوله)(٣). (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله: (واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها)، ٤ / ١٦٧، رقم ٣٤٤٥. أي: لا تجعلوني إلها من دون الله تعالی كما جعلت النصارى ابن مريم إلها من دون الله، وليس المقصود من الحديث تعظيمه وتوقيره، فهذا واجب على الأمة. وقال تعالى: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣]. ومعنى قولهم: ((إن الله ثالث ثلاثة أن ما يعرفه الناس أنه الله هو مجموع ثلاثة أشياء، وأن المستحق للاسم هو أحد تلك الثلاثة الأشياء، وهذه الثلاثة قد عبروا عنها بالأقانيم وهي: أقنوم الوجود، وهو الذات المسمى الله، وسموه أيضا الأب وأقنوم العلم، وسموه أيضا الابن، وهو الذي اتحد بعيسى وصار بذلك عيسى إلها وأقنوم الحياة وسموه الروح القدس)» (٤). ويبين الإمام الرازي معنى التثليث في الآية الكريمة بقوله: ((فهذا التثليث إما أن یکون لاعتقادهم وجود صفات ثلاثة، أو لاعتقادهم وجود ذوات ثلاثة، والأول النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا باطل، لأن المفهوم من كونه تعالى عالما غیر المفهوم من کونه قادرا ومن کونه حیا، (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٢/ ٤٧٧، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٥٠/٦. وإذا كانت هذه المفهومات الثلاثة لا بد من الاعتراف بها، كان القول بإثبات صفات ثلاثة من ضرورات دين الإسلام، فكيف (٢) لباب التأويل، الخازن، ٤٥٢/١. یمکن تكفير النصارى بسبب ذلك، ولما بطل ذلك علمنا أنه تعالى إنما كفرهم؛ لأنهم (٤) التحرير والتنوير، ٦/ ٢٨٢. www. modoee.com ١٢٩ حرفالنون أثبتوا ذواتا ثلاثة قديمة مستقلة، ولذلك فإنهم جوزوا في أقنوم الكلمة أن يحل في عيسى، وجوزوا في أقنوم الحياة أن يحل في مريم ولولا أن هذه الأشياء المسماة عندهم بالأقانيم ذوات قائمة بأنفسها، لما جوزوا عليها الانتقال من ذات إلى ذات، فثبت أنهم قائلون بإثبات ذوات قائمة بالنفس قديمة أزلية وهذا شرك، وقول بإثبات الآلهة، فكانوا مشرکین)»(١). عقيدة النصارى في التثليث: ((عقيدة التثليث لم يأت بها نبي من الأنبياء، ولا نزلت في كتاب من الكتب السماوية، وعدم ورودها في التوراة غير محتاج إلى بيان؛ لأن من طالع التوراة الحالية لا يجد فیھا ذکرًا صريحًا، ولا إشارةً أو تلميحًا لهذا الأمر. وعلماء اليهود من عهد موسى عليه السلام إلى هذا الزمان لا يعترفون بعقيدة التثليث، ولا يرضون بنسبتها إلى كتبهم، فلو كانت عقيدة التثليث حقا لوجب على موسى وسائر أنبياء بني إسرائيل وآخرهم عیسی علیه السلام أن یبینوها حق التبیین، فقد كانوا مأمورين بالعمل بجميع أحكام التوراة في الشريعة والعقيدة. وأهل التثليث يعتقدون أن عقيدتهم هذه هي مدار النجاة ولا يمكن نجاة أحد بدونها (١) مفاتيح الغيب، الرازي، ٤٠٩/٦. جوسين الْقُرْآن الكَرِيمِ نبیا كان أو غير نبي، فكيف فارق أنبياء بني إسرائيل كلهم الدنيا دون أن يبينوا هذه العقيدة بيانا واضحا وصريحا؟! وهم في نفس الوقت بينوا أمورا وأحكاما أقل أهمية من هذه العقيدة، وكرروا البيان لبعض الأحكام مرة بعد أخرى، وأكدوا على المحافظة عليها والعمل بها تأكيدا بليغا، وأوجبوا القتل على تارك بعضها. فالعجب كل العجب أن عيسى عليه قال الشيخ رحمة الله الهندي في بيان السلام الذي هو خاتم أنبياء بني إسرائيل والذي هو أحد أركان الثالوث عند النصارى عرج إلى السماء دون أن يبين لأتباعه هذه العقيدة بكلام واضح غير محتاج إلى التأويل، كأن يقول مثلا: إن الله ثلاثة أقانيم: الآب والابن والروح القدس، وأن أقنوم الابن - الإله الثاني - متعلق بي بالعلاقة الفلانية، أو بعلاقة فهمها خارج عن إدراك عقولكم، أو أن يقول أي كلام آخر صريح في بيان هذه العقيدة))(٢). ويتضح مما تقدم من الآيات الكريمة وأقوال بعض المفسرين أن القرآن الكريم رد دعوى النصارى في التثليث حين جعلوا الله تعالی ثلاثة أقانیم کما يدعون، وأبطلها حين دعاهم إلى الحق والإيمان والتوحيد، ونهاهم عن الغلو في دينهم، وأن لا يقولوا (٢) مختصر إظهار الحق، رحمت الله الهندي، ١/ ١٨٣. ١٣٠ النصارى على الله إلا الحق ولا يقولوا أنه واحد في ثلاثة أو ثلاثة في واحد أو الأقانيم الثلاثة، والإنتهاء عن هذه الدعوى التي تتنافى مع توحيد الله تعالى والمؤدية إلى الكفر الصريح، والتحذير من عدم الرجوع إليه لما ترتب عليه من التهديد والوعيد في الآيات الكريمة ففي هذا الإنتهاء الخير لهم، ثم بعد ذلك كله نزه الله تعالى نفسه عن قول النصارى بالتثليث فقال تعالى: ﴿إِنََّا اللَّهُ إِلَهٌ وَجِدٌّ سُبْحَانَهُ﴾ [النساء: ١٧١]. دعاوى النصارى وأقوالهم الباطلة تحدث القرآن الكريم عن عقائد النصارى وبين انحرافهم عن دين عيسى عليه السلام كما مر ذكره، إلا أن النصارى لم تكتف بتلك العقائد الباطلة بل زادوا على ذلك دعاوى وأقوالًا باطلة رد عليها القرآن الكريم وهذا ما سوف نبينه من خلال النقاط الآتية: أولًا: دعوى نفي دخول غيرهم الجنة: ادعت طائفة من النصارى أن الجنة لا يدخلها غيرهم، وهذه الدعوى الباطلة لا دليل لهم عليها سوى الإدعاء بأنهم هم أصحاب الجنة، و کذلك قال بعض اليهود. وتحدث القرآن الكريم عن هذه الدعوى الكاذبة حين قال تعالى حاكيا عن اليهود والنصارى: ﴿وَقَالُواْ لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًّا أَوْ نَصَرَىْ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلّ هَاتُواْ بُهَنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ [البقرة: ١١١]. اليهود أي:قالت (وَقَالُواْ﴾ والنصارى(١). ومعنى الآية: وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا يعني: يهوديا، أو نصارى (١) انظر: جامع البيان، الطبري، ٥٠٧/٢، تفسير السمر قندي، ٨٤/١، مدارك التنزيل، النسفي، ١٢٠/١. www. modoee.com ١٣١ حرفالنون وذلك أن اليهود قالوا: لن يدخل الجنة إلا كُنتُمْ صَدِقِينَ ﴾ يعني فيما تدعون. من كان يهوديا ولا دين إلا دين اليهودية، وقالت النصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيا ولا دين إلا دين النصرانية، فحكموا لأنفسهم بالجنة وحدهم، وهذا مجرد أمانٍ غير مقبولة، إلا بحجة وبرهان، فأتوا بها إن كنتم صادقين، وهکذا کل من ادعى دعوى لا بد أن يقيم البرهان على صحة دعواه، وإلا فلو قلبت عليه دعواه، وادعى مدع عكس ما ادعى بلا برهان لكان لا فرق بينهما، فالبرهان هو الذي يصدق الدعاوى أو يكذبها، ولما لم يكن بأيديهم برهان، علم كذبهم بتلك الدعوى (١). قيل في سبب نزول هذه الآية الكريمة: إنها نزلت في وفد نجران، و کانوا نصارى اجتمعوا مع اليهود في مجلس رسول الله صلی الله عليه وسلم فكذب بعضهم بعضا في دعواه(٢). ورد الله تعالى على أصحاب هذه الدعوى بأن هذا من أمانيهم حيث قال تعالى: ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾: ((أي: شهواتهم الباطلة التي تمنوها على الله بغير حق، قل: يعني: يا محمد ﴿هَاتُواْ رُهَنَكُمْ﴾ أي: حجتكم على دعواكم أن الجنة لا يدخلها إلا من كان يهوديًّا أو نصرانيًّا دون غيرهم، ﴿إِن (١) انظر: لباب التأويل، الخازن، ٧١/١، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٦٢. (٢) لباب التأويل، الخازن، ٧١/١. ثم قال تعالى ردا عليهم: ﴿ بَلَ﴾ أي ليس الأمر كما تزعمون ولكن ﴿مَنْ أَسْلَم وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ فإنه الذي يدخل الجنة وينعم فيها، ومعنى أسلم وجهه لله أخلص في دينه لله، وقيل: أخلص عبادته لله، وقیل خضع وتواضع لله تعالى، لأن أصل الإسلام الاستسلام وهو الخضوع)»(٣). قال الإمام الطبري رحمه الله: ((فإن قال قائل: و کیف جمع اليهود والنصارى في هذا الخبر مع اختلاف مقالة الفريقين؛ واليهود تدفع النصارى عن أن يكون لها في ثواب الله نصيب، والنصارى تدفع اليهود عن مثل ذلك؟ قيل: إن معنى ذلك بخلاف الذي ذهبت إلیه، وإنما عنى به: وقالت اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كان هودا، وقالت النصارى: لن يدخل الجنة إلا النصارى، ولكن معنى الكلام لما كان مفهوما عند المخاطبين به معناه، جمع الفريقان في الخبر عنهما، فقيل: ﴿وَقَالُواْ لَنْ يَدْخُلَ اُلْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نصرى ﴾، أي: قالت الیهود: لن يدخل الجنة إلا من كان يهوديا، وقالت النصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيا)» (٤). ورد القرآن على دعواهم الباطلة أيضا (٣) المصدر السابق. (٤) جامع البيان، الطبري، ٢/ ٥٠٧. ١٣٢ لِلْعُرآن الكَرِيْمِ النصارى في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ اَلْآَخِرَةُ عِندَ اللَّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوَأْ أَلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ﴾ [البقرة: ٩٤]. فيها ادعوا لأنفسهم الدخول، فإنما طولبوا بالبرهان على ما ادعوا، ليس على ما نفوا، قيل: لا يحتمل ذا؛ لأنهم لم يذكروا دخول أنفسهم تصريحًا، إنما نفوا دخول غيرهم وهو کمن یقول: لا یدخل هذه الدار إلا فلان قال الإمام الرازي: إعلم أن هذا نوع آخر من قبائحهم وهو ادعاؤهم أن الدار الآخرة وفلان، ليس فيه أن فلانًا وفلانًا يدخلان ولکن فیه نفي دخول غیرهما، أو نقول: نفوا خالصة لھم من دون الناس ويدل عليه وجوه منها: ما حكى الله تعالى عنهم في قوله: ﴿وَقَالُواْ لَنْ يَدْخُلَ اُلْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَرَى﴾ [البقرة: ١١١]. دخول غيرهم تصريحًا، وادعوا لأنفسهم الدخول مستدلا، وإنما يطلب الحجة على مصرح قولهم، لا علی مستدلهم. واعتقادهم في أنفسهم أنهم هم المحقون؛ لأن النسخ غير جائز في شرعهم وأن سائر الفرق مبطلون، واعتقادهم أن انتسابهم إلى أكابر الأنبياء عليهم السلام أعني يعقوب وإسحاق وإبراهيم يخلصهم من عقاب الله تعالی ویوصلهم إلی ثوابه. ثم إنهم لهذه الأشياء عظموا شأن أنفسهم فكانوا يفتخرون على العرب وربما جعلوه كالحجة في أن النبي المنتظر المبشر به في التوراة منهم لا من العرب وكانوا يصرفون الناس بسبب هذه الشبهة عن اتباع محمد صلی الله عليه وسلم، ثم إن الله احتج على فساد قولهم بقوله: ﴿قُلّ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِندَ اللّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوْاْ أَلْمَوْتَ﴾ [البقرة: ٩٤](١). فإن قيل: ((إنهم إذا نفوا دخول غيرهم (١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، ٥١٧/١. ألا ترى أن الجواب من الله عز وجل بالإكذاب والرد عليهم خرج على ما نفوا دخول غيرهم، وهو قوله: ﴿بَلَ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ عُحْسِنٌ﴾ فعلى ذلك قوله: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًّا أَوْ نَصَرَى ﴾ ليس فيه إثبات الدخول لهم تصریحًا، وفيه نفي دخول غیرهم تصریحًا، والله أعلم»(٢). ويتضح مما تقدم أن النصارى يزعمون أنهم أصحاب حق، وأنهم أولى بالجنة من غيرهم، وأن من عداهم فمن أهل النار، وهذه أماني كاذبة لم يقم عليها دليل ولا حجة ظاهرة، لذلك أمر الله تعالى رسوله عليه الصلاة والسلام بأن یطالب أهل الكتاب بتقديم برهانهم على دعواهم الباطلة وإثبات عجزهم التام عن إحضار الدليل والبرهان. (٢) تأويلات أهل السنة، الماتريدي، ٥٤١/١. www. modoee.com ١٣٣ حرفالنون ولذلك قال الإمام الطبري: ((وهذا ثانيًا: دعوى أن الهدى في اتباع ملتهم: الكلام وإن كان ظاهره ظاهر دعاء القائلين: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودَّا أَوْ نَصَرَى﴾ إلى إحضار حجة على دعواهم ما ادعوا من ذلك، فإنه بمعنى تكذيب من الله لهم في دعواهم وقيلهم؛ لأنهم لم يكونوا قادرين على إحضار برهان على دعواهم تلك أبدا))(١). ثم جاءت الآية بعدها لتبين من الذين سوف يدخلون الجنة في قوله تعالى: ﴿ بَلَ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ: أَجْرُهُ. عِنْدَ رَبِّهِ، وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة: ١١٢]. أي: ((من أخلص عمله ونيته بالطاعة والإيمان، وخص الوجه بالذكر دون سائر الأعضاء؛ لأنه أشرف أعضاء بني آدم وأعظمها حرمة، فإذا خضع وجهه الذي هو أكرم الأعضاء كان ما سواه أحرى أن يخضع)»(٢). لذا كذب الله تعالى دعواهم وبين أنها مجرد أماني لا يدركوها بالتمني، وأن الجنة متاحة لكل من يعمل لها ولا تقتصر على طائفة دون أخرى بل هي لكل من عمل صالحًا وأسلم وجهه لله تعالى وهو محسن. (١) جامع البيان، الطبري، ٢/ ٥١٠. (٢) الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب، ٤٠٣/١. تحدث القرآن الكريم عن هذه الدعوى الكاذبة حين قال تعالى حاكيا عن النصارى: ﴿وَقَالُواْ ككُونُواْ هُودًّا أَوْ نَصَرَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلَ ◌ِلََّ إِنَهِوَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ١٣٥ [البقرة: ١٣٥]. قال الإمام الطبري رحمه الله: ((احتج الله لنبيه محمد صلی الله علیه وسلم أبلغ حجة وأوجزها وأكملها وعلمها محمدا نبيه صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد قل للقائلين لك من اليهود والنصارى ولأصحابك: ﴿كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَرَى تَهْتَدُوا﴾ بل تعالوا نتبع ملة إبراهيم التي يجمع جميعنا على الشهادة لها بأنها دين الله الذي ارتضاه واجتباه وأمر به فإن دينه كان الحنيفية المسلمة، وندع سائر الملل التي نختلف فيها، فينكرها بعضنا، ويقر بها بعضنا، فإن ذلك على اختلافه لا سبيل لنا على الاجتماع عليه، كما لنا السبيل إلى الاجتماع على ملة إبراهيم»(٣). أما سبب نزول هذه الآية، فقد قال الواحدي: ((قال ابن عباس: نزلت في رؤوس يهود المدينة: كعب بن الأشرف، ومالك بن الصيف، وأبي ياسر ابن أخطب، وفي نصارى أهل نجران، وذلك أنهم خاصموا المسلمين في الدين كل فرقة (٣) جامع البيان، الطبري، ١٠٢/٣. ١٣٤ جوسين القرآن الكريم