النص المفهرس
صفحات 21-40
النساء فخرجت، فدخل النبي صلی الله عليه وسلم فحدثته، فقال: (من يلي من هذه البنات شيئا فأحسن إليهن كن له سترًا من النار)(١). وأمر بالإحسان إلى الأخوات، فإنهن داخلات ضمن القرابة المأمور بالإحسان ﴿ وَأَعْبُدُواْ اللَّهَ إليهم في قوله تعالى: ﴿ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ، شَيْئًا وَ بِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنًا وَبِذِى الْقُرْبَ﴾ [النساء: ٣٦]. والإحسان إليهن يكون بصلتهن، ورعايتهن، والنفقة عليهن إن لم يكن متزوجات أو کان بهن فاقة، وقد قال رسول الله صلی الله علیه وسلم: (لا یکون لأحد ثلاث بنات أو ثلاث أخوات فیحسن إليهن إلا دخل الجنة)(٢). وقد («كان طاووس يرى السعي على الأخوات أفضل من الجهاد في سبيل الله)) (٣). (١) أخرجه البخاري في صحيحه، واللفظ له، كتاب البر والصلة، باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته، ٢٢٣٤/٥، رقم ٥٦٤٩، ومسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة، باب فضل الإحسان إلى البنات، ٢٠٢٧/٤، رقم ٢٦٢٩. (٢) أخرجه أحمد في مسنده، ٤٢/٣، رقم ١١٤٠٢، والبخاري واللفظ له في الأدب المفرد ص٤٢، والترمذي في سننه، أبواب البر والصلة، باب النفقة على البنات والأخوات، ٣١٨/٤، رقم ١٩١٢. وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد ص٥٨. (٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، ١٦/٢، التفسير وأمر بالإحسان إلى الزوجات: وقد تقدم طرف من الحديث في هذا الأمر عند بیان حقوق النساء، وقد أوصی صلى الله عليه وسلم بالزوجات خيرًا، فقال: (ألا واستوصوا بالنساء خيرًا، فإنما هن عوان عندکم، لیس تملکون منهن شيئًا غیر ذلك، إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربًا غير مبرح، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً، ألا إن لكم على نسائكم حقًّا ولنسائكم عليكم حقًّا، فأما حقكم على نسائكم فلا یوطئن فرشکم من تكرهون، ولا یأذن في بيوتكم لمن تكرهون، ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن) (٤). ومن مظاهر إكرامهن والإحسان إليهن أنه جعل المهر حقًّا للمرأة على زوجها، ونهاه أن يأخذ منه شيئًا إلا بإذنها، فقال سبحانه: ﴿وَءَاتُواْالنِّسَآءَ صَدُ قَئِنَّ ◌ِحْلَةٌ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُوهُ هَنْبَنَا قَِّيََّ))﴾ [النساء: ٤]. والنحلة: العطية بلا قصد عوض، وسمي المهر نحلة إبعادًا له عن أنواع الأعواض، المنير، الزحيلي ٢١٢/١. (٤) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الرضاع، باب حق المرأة على زوجها، ٤٦٧/٣، رقم ١١٦٣. قال الترمذي: حسن صحيح. وحسنه الألباني في صحيح الجامع، ٢/ ١٣٠٤، رقم ٧٨٨٠. www. modoee.com ٢٧ حرف النون وتقريبًا به إلى الهدية، إذ ليس الصداق عوضًا عن منافع المرأة عند التحقيق، فإن النكاح عقد بين الرجل والمرأة قصد منه المعاشرة، وإيجاد آصرة عظيمة، وتبادل حقوق بين الزوجين، وتلك أغلى من أن يكون لها عوض مالي، ولو جعل لكان عوضها جزيلا ومتجددًا بتجدد المنافع وامتداد أزمانها، شأن الأعواض كلها، ولكن الله جعله هدية واجبة على الأزواج إكرامًا لزوجاتهم(١). وقريب من هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدَثُمُ أَسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْچ وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَدُهُنَّ قِنَطَارًا فَلَا تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَنَّا وَإِثْمَا قُّبِينًا وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ، وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِيثَقًّا غَلِيظًا ٢١ ﴾ [النساء: ٢٠-٢١] نماذج من قصص المرأة في القرآن القرآن الكريم ذكر كثيرًا من القصص للعظة والعبرة، وعندما ذكر هذه القصص لم يتخير قصة لسبب أن أصحابها ذكور أو إناث، بل يذكر من القصص ما يؤدي الغرض منها، وبالتالي فإن من هذه القصص ما هو لرجال، ومنها ما هو لنساء، ومنها ما هو لمؤمن، ومنها ما هو لکافر، فلنذكر هنا بعض قصص ذكرت في القرآن الكريم لنساء مؤمنات، وأخرى لنساءٍ كوافر، ولم يصرح في القرآن الكريم باسم امرأة إلا السيدة مريم رضي الله عنها لقصد الستر على النساء، ولأن ذكر الاسم لا يتعلق به کبیر فائدة. أما التصريح باسم السيدة مريم رضي الله عنها فلما سیأتي بعد. أولًا: نساء آدم وإبراهيم عليهما السلام: ١. حواء رضي الله عنها. الأم الأولى للبشرية، فهي المقدمة وجودًا على كل نساء العالمين، وسميت بهذا الاسم ((لأنها خلقت من حي))(٢) ولم تفرد لها قصة مستقلة، بل ذكرت تبعًا في قصة آدم عليه السلام، فبعد أن خلقه الله تعالى خلقها منه لتكون زوجًا له، كما قال سبحانه ﴿خَلَقَكُ مِّن نَّفْسٍ وَحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الزمر: ٦]. (٢) لباب التأويل، الخازن ٣٨/١. (١) انظر: التحرير والتنوير ٢٢/٤. مَوْسُورَة النفسية القرآن الكريمِ ٢٨ النساء عليه السلام اليسرى، ففي الصحيح: (إن المرأة خلقت من ضلع لن تستقيم لك على طريقةٍ، فإن استمتعت بها استمتعت بها وبها عوجٌ، وإن ذهبت تقيمها کسرتها و کسرها طلاقها)(١). فلما خلقها وأصبحت زوجًا له جامعها فحملت، كما قال: ﴿هُوَ أَلَّذِى خَلَقَكُمْ مِّنِ نَفْسٍ وَحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَاً فَلَمَّا تَفَشَّنَهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بُِّ فَلَمَّا أَثْقَلْتِ دَّعَوَا ◌َللَّهَ رَبَّهُمَا لَيِنْ ءَاتَيْتَنَا صَالِحًا أَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّكِرِينَ (٧)﴾ [الأعراف: ١٨٩]. ثم إن الله تعالى رزقهما ذرية ذكورًا وإناثًا ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَنَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُرُمِّن نَّفْسٍ وَجِدَةٍ وَخَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءُ﴾ [النساء: ١]. ثم إنه سبحانه أمرهما بسكنى الجنة ﴿وَقُلْنَا يَادَمُ أَسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]. ﴿وَيَُّدَمُ أَسْكُنْ أَتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [الأعراف: ١٩]. ثم حذرهما من اللعين إبليس ﴿ فَقُلْنَا يَّفَادَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُاَ مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَىَ (١٧)﴾ [طه: ١١٧]. فأمرهما الله أن يسكنا الجنة ويأكلا من (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الرضاع، باب الوصية بالنساء، ٢/ ١٠٩٠، رقم ١٤٦٨. وقد خلقها الله تعالى من ضلع آدم جميع ثمارها إلا شجرة واحدة نهاهما عنها ﴿وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا نَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٥) ﴾ [البقرة: ٣٥]. ﴿فَكُلَا مِنْ حَيْثُ يِّئْتُمَا وَلَا نَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُوْنَا مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ [الأعراف: ١٩]. وضمن لهما المولى عز وجل في هذه الجنة الشبع والري والكساء والظل، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَّجُرُعَ فَِهَا وَلَا تَعْرَى ﴿ وَأَنَّكَ لَا تَظْمَؤُاْ فِيهَا وَلَا تَضْحَى ١١٩) [طه: ١١٨- ١١٩]. ولكن اللعين ظل يوسوس لهما مستخدمًا حيله الخبيئة لإقناعهما، ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَتْعَادَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ اْخُلْدِ وَمُلْكِ لَّا يَبْلَ (٣)﴾ [طه: ١٢٠]. وَقَاسَمَهُمَاً وحلف لهما كذبًا وفجورًا إِ لَكُمَا لَمِنَ النَّصِحِينَ ﴾ [الأعراف: ٢١]. فانطلت عليهما حيلته وانخدعا به ﴿فَأَزَّلَهُمَا الشَّيْطَنُ عَنْهَا﴾ [البقرة: ٣٦]. لأنهما لم يخطر ببالهما أن أحدًا يمكن أن يحلف بالله كاذبًا، فأكلا من الشجرة وأخرجا من الجنة إلى الأرض ليعمراها، ثم إنه تعالى ذكر توبتهما بقوله: ﴿قَالَا رَبَّنَا ◌َلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِن أَرْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ ﴾ [الأعراف: ٢٣]. ثم إن الله تعالى حذر أولادهما من هذا العدو اللدود الذي يتربص بهم ﴿يَبَنِىّ ءَادَمَ لَا يَفْئِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كُمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيُّكُم www. modoee.com ٢٩ حرفالنون مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِيَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَ تِهِمَاً إِنَّهُ يَرَنَكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا نَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَطِينَ أَوْلِيَّةَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ٢٧ [الأعراف:٢٧]. ولا يفوتنا في هذا المقام أن نشير إلى أن السيدة حواء ظلمت عندما نسب إليها بعض الناس أنها كانت السبب في إغواء آدم عليه السلام وإخراجه من الجنة، وهذا فيه تجنِّ عليها، فالقرآن الكريم نسب الأكل من الشجرة إليهما ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ ◌َمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ اَلْجَنَّةِ﴾ [طه: ١٢١]. ونسب العصيان لآدم عليه السلام ﴿وَعَصَىَ ءَدَمُ رَبَّهُ، فَغْوَى﴾ [طه: ١٢١]. وإننا إذا نظرنا إلى قصة حواء رضي الله عنها ينبغي التأمل في طلاقة القدرة الإلهية في خلق السيدة حواء - رضي الله عنها -حیث خلقها الله من ذكر بلا أنثى، ويجب أن ندرك أن المرأة شريكة للرجل في هذه الحياة، وأنه لن يستطيع العيش وحده في هذه الحياة، فهي عون له على متاعبها. ٢. السيدة سارة امرأة إبراهيم عليه السلام. وقد ذكرت منسوبة له عليه السلام ﴿وَأَمْرَتُهُ قَآيِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَقَ يَعْقُوبَ ، قَالَتْ يَوَيِلَى ءَأَلِدُ وَأَنَأْ عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِى شَيْئًا إِنَّ هَذَا لَشَىْءٌ عَجِيبُ ®) قَالُواْ أَتَهْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِّ رَحْمَتُ اُللَّهِ وَبَرَكَتُهُ, عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ، إِنَّهُ، حَمِدٌ تَجِدٌ ﴾ [هود: ٧١ - ٧٣]. ﴿فَأَوْحَسَ مِنْهُمْ خِيفَةٌ قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِقُلَمِ عَلِيمٍ ﴾ فَأَقْلَتِ أَمْرَأَتُهُ فِ صَرَّقِ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُرُ عَقِيمُ ﴾ قَالُواْ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِّ إِنَّهُ, هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ [الذاريات: ٢٨-٣٠]. والقصة من مجموع الآيات: أن الملائكة أتوا إبراهيم عليه السلام وبشروه بأنه سيولد له غلام ذو علم، (والظاهر أن زوجه كانت تقف قريبًا من إبراهيم وضيفه بحيث تسمعهم ولا يرونها، فلما سمعت البشارة دهشت ونسيت ما ينبغي منها، فأقبلت علیهم في صيحة وضجة، وضربت جبهتها بأصابعها على عادة النساء إذا سمعن أمرا عجيبًا، وقالت: أنا عجوز عاقر، فكيف تتأتى هذه البشارة؟! وكيف ألد؟!))(١). فبشروها بأنها ستلد إسحاق علیه السلام، وسوف ينجب يعقوب عليه السلام، فزاد تعجبها، إذ إنها عجوزٌ وصلت سن اليأس، وهي مع ذلك عقیمٌ لا تلد، وزوجها كبير في السن، فقالوا لها: إن هذا أمر الله وقضاؤه، فلا تتعجبي من ذلك، فهو الحكيم في أفعاله الواسع العلم. ويستفاد من القصة: طلاقة القدرة الإلهية، فهو سبحانه يعطي من يشاء بغير (١) التفسير الوسيط ١٠٩٨/٩. ٣٠ جوية القرآن الكريمِ النساء حساب، ويهب الذرية لمن يشاء حسب ما وقوله: ﴿بَأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَِكَ وَبَنَائِكَ وَنِسَآءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩]. يقتضيه علمه تعالى وقدرته. ثانيًا: نساء النبي محمد صلى الله عليه وسلم: ١. أمهات المؤمنين. أزواج النبي صلى الله عليه وسلم والحديث عنهن يطول، وقد أفردن في موضوع بيت النبوة، وسأكتفي بذكر الآيات التي ذكرتهن بلفظ الزوج أو الأزواج، فقوله: ﴿النَّبِىُّ أَوْلَى بِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَجُ: ﴾ [الأحزاب: ٦]. ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَجِكَ إِن وقوله: كُتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ [الأحزاب: ٢٨]. وقوله: ﴿ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِىّ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَتَّقِ اُللَّهَ ﴾ [الأحزاب: ٣٧]. والمقصود السيدة زينب بنت جحش، وكانت وقتها زوجًا لزيد بن حارثة رضي الله عنه. ﴿يَتَأَيُّهَا النَِّيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا وقوله: لَكَ أَزْوَجَكَ الَّتِىّ ءَاتَيْتَ أُجُورَهُنَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]. وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُواْ رَسُولَ اللَّهِ وَلَآ أَنْ تَنكِحُوْ أَزْوَجَهُ مِنْ بَعْدِهِ* أَبَدًا﴾ [الأحزاب: ٥٣]. ﴿وَغِى مَرْضَاتَ أَزْوَِكَ﴾ و قوله: [التحريم: ١]. ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِىُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَِ حَدِيثًا﴾ [التحريم: ٣]. وفي قصص بيت النبوة عبر كثيرة وعظات وفيرة، أبرزها: مكانة أمهات المؤمنين، فإنه لا يجوز لأي إنسان أن ينتقص من قدرهن، فهن الطاهرات المطهرات، فلا يلتفت إلى کلام الروافض -قبحهم الله- في شأن أمنا السيدة عائشة رضي الله عنها ٢. من وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم. والتي ذكرها المولى عز وجل في قوله ﴿وَأَقْرَةً مُؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِىُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةٌ لَّكَ مِن دُونِ اُلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]. وهي لا يقصد بها امرأة واحدة، وإنما تصدق على كل امرأة وهبت نفسها للنبي، يدل على ذلك قول عائشة رضي الله عنها: (كنت أغار على اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأقول: أُتھب المرأة نفسها؟!)(١). (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب سورة الأحزاب، ١٧٩٧/٤، رقم ٤٥١٠، ومسلم في صحيحه، كتاب www. modoee.com ٣١ حرف النون ومن هؤلاء أم شريك غزيلة بنت جابر ابن حكيم الدوسية(١)، وخولة بنت حكيم ابن أمية (٣)، وليلى بنت حكيم الأنصارية الأوسية(٣)، ومنهن ميمونة بنت الحارث(٤). وينبغي التنبه إلى أن زواج الهبة من خصوصيات نبينا صلى الله عليه وسلم، كما قال سبحانه: ﴿خَالِصَةٌ لَّكَ مِن دُونِ اُلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]. ثالثًا: نساء بقية الأنبياء عليهم السلام: ١. امرأة عمران. وقد ذكرت قصتها مرة واحدة في القرآن الكريم، وهو في سورة عرفت باسم هذا البيت الطاهر (آل عمران) في قوله تعالى: ( إِذْ قَالَتِ آَمْرَأَتُ عِمْرَنَ رَبٍ إِ نَذَرْتُ لَكَمَافِي ٣٥ بَطْنِى مُحَزَّاً فَتَقَبَّلْ مِنِيَّ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِ وَضَعْتُهَا أُنْقَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَِّ كَالْأُنَفَقَّ وَإِّ سَمَّيْتُهَا مَرْيَمٌ وَإِنْ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرضاع، باب جواز هبة المرأة نوبتها لضرتها، ١٠٨٥/٢، رقم ١٤٦٤. (١) أخرجه أحمد في مسنده، ٤٦٢/٦، رقم ٢٧٦٦٢، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب عشرة النساء، باب تأويل قول الله جل ثناؤه: (ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء)، ٢٩٤/٥، رقم ٨٩٢٨. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح، باب هل للمرأة أن تهب نفسها لأحد، ٥/ ١٩٦٦، رقم ٤٨٢٣. (٣) سبل الهدى والرشاد ٢٠٧/١١. (٤) الخصائص الكبرى ٣٦٩/٢. الرَّجِيمِ ﴾﴾ [آل عمران ٣٥-٣٦]. ثم تخلص من ذكر قصتها إلى الحديث عن قصة ابنتها البتول السيدة مريم رضي الله عنها تخلصًا غاية في الحسن(٥). فها هي هذه المرأة الحامل تنذر حملها لعبادة الله تعالى ولكن المفاجأة أنها عندما وضعتها اتضح أنها أنثى، وهي لا تصلح لما يصلح له الذكر، وسمتها مريم، وأعاذتها وذريتها بالله من الشيطان الرجيم، ثم يستمر الحديث عن هذه المولودة، فكان الحديث عن الأم بمثابة التمهيد للحديث عن البنت. ويستفاد من القصة أنه ينبغي أن يتسابق الناس إلى الطاعات، وأن يربوا أبناءهم على طاعة الله تعالى، ويجب على كل إنسان أن يرضى بما أعطاه الله سبحانه سواء وافق رغبته أم خالفها. ٢. امرأة ز کریا. وهي أخت السيدة مريم، كما رواه الحاكم(٦) عن ابن عباس وابن مسعود في (٥) وهو ما يسمى حسن التخلص: وهو أن ينتقل الشاعر أو الناثر من فن من فنون الكلام إلى فنٌّ آخر، أو من موضوع إلى موضوع آخر بأسلوبٍ حسنٍ مستطاب غير مستنكر في النفوسٌ ولا فيّ الألباب، وأحسنه ما لا يشعر المتلقي معه بالانتقال، لما أحدثه التمهيد المتدرج من تلاؤم، أو لحسن اختيار المفصل الذي حصل عنده الانتقال، أو لغير ذلك. انظر: البلاغة العربية أسسها وعلومها وفنونها ص٨٨٠. (٦) أخرجه الحاكم في المستدرك، كتاب تواريخ مَوَسُولَة النفسية جوبيه القرآن الكريم ٣٢ النساء حديث طويل وفيه (فأنتها أختها امرأة زكريا ليلة تزورها). وقيل: أخت حنة امرأة عمران أم مريم(١). أي: أنها خالة السيدة مريم. وكانت عاقرًا، وعندما رأى زوجها زكريا عليه السلام بركة السيدة مريم رجا الولد، فدعا ربه ﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِ فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَرِئِينَ ﴿ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ، وَوَهَبْنَا لَهُ, يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ، زَوْجَهُمَّ إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَرِعُونَ فِ الْخَيْرَتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبَا وَرَهَبَا وَكَانُواْ لَنَا خَاشِعِينَ ٩٠ [الأنبياء: ٨٩ - ٩٠]. وفي سورة مريم في قوله تعالى: ﴿وَ إِ خِفْتُ الْمَوَلِىَ مِن وَرَآءِى وَكَانَتِ أَمْرَتِى عَاقِرًا فَهَبْ لِى مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا ( [مريم: ٥]. وعندما أخبره الله تعالى أنه سيرزقه الولد سأل ربه ﴿أَنَّ يَكُونُ لِ غُلَمٌ وَكَانَتِ أُمْرَأَقِ عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِعِنِيًّا﴾ [مريم: ٨]. أي: كيف يرزق الولد، أمن زوجه، أم سيتزوج بامرأة أخرى غير عقيم؟ المتقدمين من الأنبياء والمرسلين، باب ذكر نبي الله وروحه عيسى ابن مريم صلوات الله وسلامه عليهما، ٢ / ٦٤٨، رقم ٤١٥٦. وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. ولم يتعقبه الذهبي. (١) انظر: البداية والنهاية، ابن كثير ٢/ ٥٤. إنها القدرة الإلهية التي رزقت إبراهيم عليه السلام الشيخ الكبير من زوجه العقيم الولد، هي القدرة التي وهبت زكريا عليه السلام ابنه يحيى بعدما تقدمت به العمر، وبلغت امرأته سن اليأس. رابعًا: أمهات الأنبياء: ١. أم موسى عليه السلام. ذكرت مضافة لابنها مرتين في سورة القصص. قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنّ أَرْضِعِيَةٍ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلِفِيهِ فِىِ اَلْيَمِّ وَلَا تَخَافِىِ وَلَا تَحْزَبِيِّ إِنَّا رَآَدُّوهُ إِلَيْكٍ وَجَاِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾ [القصص: ٧]. وقال تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَدُ أُمِّ مُوسَى فَرِغًاْ إِن كَادَتْ لَنُبْدِى بِهِ، لَوْلًا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [القصص: ١٠]. وإلى ضميره في قوله تعالى: ﴿إِذْأَوْحَيْنَآَ إِلَى أَمِّكَ مَا يُوحَىَ ٣٨ ٢﴾ [طه: ٣٨]. وقوله: ﴿فَرَجَعْتَكَ إِلَى أُمِّكَ كَىْ نَفَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ﴾ [طه: ٤٠]. فذكرها بمثابة التمهيد لقصة موسى عليه السلام وبيان أن الله تعالى رعاه وتولى أمره منذ طفولته كما قال له: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِى وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِىّ﴾ [طه: ٣٩]. فها هي أمه تلده في العام الذي يقتل فيه www. modoee.com ٣٣ حرف النون فرعون الأطفال، فألقي الله في نفسها أن ترمي به في اليم، وتأمر أخته بأن تتبعه لتری ماذا فعل، فیشاء الله أن يقع في يد عدوه فرعون، ويتربى في بيته، فقد منعه الله أن يلتقم ثدي المراضع، فتدلهم أخته علی أمه، فتقر به عينًا وتطمئن قلبًا. ويستفاد من القصة أن الله سبحانه إذا أراد أمرًا هيأ له أسبابه ووفر له وسائله، وإن كانت أسبابًا منافية لما يعرفه البشر، فقد جعل الإلقاء في اليم سببًا لنجاة موسى عليه السلام. ويجب أن نثق في وعد الله تعالى وإن كان ظاهر الأمور لا يؤدي النتائج المرجوة، فها هو فرعون يظفر بموسى عليه السلام ويربيه ليكون سببًا في هلاكه، ويتحقق وعد الله لأمه بأنه سيرده إليها وأنه سیکون أحد رسله سبحانه. ٢. مريم عليها السلام. وهي المرأة الوحيدة التي صرح القرآن الکریم باسمها في أكثر من موطن، وهي أم سیدنا عیسی علیه السلام، وقد ذكر اسمها في القرآن الكريم أربعًا وثلاثين مرة، منها ثلاث وعشرون مرة ذكر الاسم لينسب المسيح عليه السلام إليها، منها: ﴿وَءَاتَيْنَا عِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ الْبَهِنَتِ وَأَيَّدْنَهُ بِرُوجِ الْقُّدُسِ﴾ [البقرة: ٨٧]. ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ ﴾ [النساء: ١٥٧]. وبقية المواطن للحديث عن السيدة مريم البتول رضي الله عنها، وبالنظر في القرآن الکریم نجد أنه ذکر مشاهد من حیاتھا رضي الله عنها، وهي كما يلي: مشهد الحمل بها وولادتها. ٠ * مشهد كفالة زكريا عليه السلام لها. # مشهد حملها وولادتها للسيد المسيح عليه السلام. مشهد اتهام اليهود لها. وبالنظر في وصف القرآن الكريم لهذه المشاهد مع ذکر عیسی علیه السلام منسوبًا إليها (عيسى بن مريم) ندرك لأول وهلة أن الله سبحانه يرد على تهمتين شنيعتين اتهمت بهما السيدة العذراء رضي الله عنها: التهمة الأولى زمانًا تهمة الزنا التي رماها بها بعض اليهود قبحهم الله التهمة الثانية زمانًا الأولى - شناعة- تهمة ادعاء أن عيسى عليه السلام إلهٌ أو ابن للإله، التي رماهما بها غلاة النصارى، تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا. ولنعد إلى الحديث عن هذه المشاهد، فالمشهد الأول والمشهد الثاني مشهد الحمل بها وولادتها، ومشهد كفالة زكريا علیه السلام لها قد ذكرا في سورة آل عمران، في ثنايا الحديث عن هذا البيت الطاهر ﴿إِذْ قَالَتِ أَمْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبٍ إِ نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِى مُحَرَّدًا فَتَقَبَّلْ مِنِّيَّ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِّ وَضَعْتُهَا أُنَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا ٣٤ جوبيع القرآن الكريم النساء وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَِّ كَالْأُنَقٌّ وَإِي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنْ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَيِنِ الرَّحِيمِ فَلَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا بَبَانًا حَسَنَّا وَكَفَّلَهَا ذَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكِيًّا اَلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يَمَوْمٌ أَ لَكٍ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللّهِ إِنَّ اللَّهَ يَزْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ [آل عمران: ٣٥-٣٧]. ١٣٧ حِسَابٍ، فعندما حملت امرأة عمران نذرت ما في بطنها محررًا من كل القيود إلا قيد العبادة لله تعالى وابتغاء مرضاته، ولكنها عندما وضعت ما في بطنها فإذا هي أنثى، ولا تستوي هي والذکر، فقد كان النذر للمعابد خاصًّا بالذكور، وبناءً عليه فإن هذه المولودة لا تصلح للنذر، فتوجهت لربها قائلة: ﴿رپّ إِّ وَضَْتُهَا أُنْقَ﴾ ((أي أنها قدرت الحمل ذكرًا، وقدرت لذلك أن يكون في خدمة البيت، وأنها لذلك تتحسر، لأنه لا يستطيع المولود -بعد أن تبين أنه أنثى- الخدمة، فليس في هذه الخدمة المقدسة الذكر کالأنثی، فإن الأنثی لا تستطيع ذلك»(١). ((﴿وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ تعظيمًا لموضوعها، وتجهيلًا لها بقدر ما وهب لها منه، ومعناه: والله أعلم بالشيء الذي وضعت وما علق به من عظائم الأمور، وأن يجعله وولده آية للعالمين، وهي جاهلة (١) زهرة التفاسير، أبو زهرة ١١٩٧/٣. بذلك لا تعلم منه شيئًا))(٢). «ولكنها هي تتجه إلى ربها بما وجدت، وكأنها تعتذر أن لم يكن لها ولد ذكر ينهض بالمهمة ﴿وَلَتْسَ الَّگو کالأُنثَى ﴾ ولا تنهض الأنثى بما ينهض به الذكر في هذا المجال ﴿وَإِّ سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنْ أُعِيدُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ﴾. وهي الكلمة الأخيرة حيث تودع الأم هديتها بين يدي ربها، وتدعها لحمايته ورعايته، وتعيذها به هي وذريتها من الشيطان الرجيم. وهذه كذلك كلمة القلب الخالص، ورغبة القلب الخالص. فما تود لوليدتها أمرًا خيرًا من أن تكون في حياطة الله من الشيطان الرجيم! فَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَانًا حَسَنًا﴾ جزاء هذا الإخلاص الذي يعمر قلب الأم وهذا التجرد الكامل في النذر، وإعدادًا لها أن تستقبل نفخة الروح وكلمة الله، وأن تلد عيسى عليه السلام على غير مثال من ولادة البشر))(٣). ثم يخبر تعالى عن أنه لم يترك هذه الوليدة تنشأ كما نشأ غيرها من الأطفال، ولكنه: ﴿فَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًّا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا ذَكِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيَّهَا زَكِيًّا اَلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يَمَرْيَمُ أَنَّ لَكٍ (٢) الكشاف، الزمخشري ١/ ٣٨٤. (٣) في ظلال القرآن ٣٩٣/١. www. modoee.com ٣٥ حرف النون هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُّ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ الله تعالى عليها: حِسَابٍ فجعلها شكلًا مليحًا ومنظرًا بهيجًا، ويسر لها أسباب القبول، وقرنها بالصالحين من عباده تتعلم منهم الخیر والعلم والدين. فجعل زكريا عليه السلام -وهو نبيهم في ذلك الوقت- كافلًا لها(١). و کان زكريا عليه السلام كلما دخل عليها مكان عبادتها وجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، وكلمة ﴾ تقتضي التكرار، فيدل على كثرة تعهده وتفقده لأحوالها ودلت الآية على وجود الرزق عندها کل وقت يدخل علیھا، فاستغرب زکریا وجود الرزق عندها وهو لم يكن أتى به، فسأل على سبيل التعجب من وصول الرزق إليها، كيف أتی هذا الرزق؟! فأخبرته أنه من عند الله تعالى بدون سبب معهود، فالله تعالى يرزق من يشاء مع الأسباب وبدون أسباب(٢). فلما رأى زكريا عليه السلام هذه الكرامة توجه إلى ربه سائلًا إياه أن يهبه ذرية طيبة، ولم يكن رزق بالولد بعد، فاستجاب الله دعاءه. ثم إن جبريل عليه السلام نزل إلى السيدة البتول رضي الله عنها يذكرها ببعض نعم (١) انظر: تفسير القرآن العظيم ٣٥/٢. (٢) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٢/ ٤٦١. ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَكِ﴾ بما لطف لك حتى انقطعت إلى طاعته وصرت متوفرة على اتباع مرضاته ﴿وَطَهَّرَكِ﴾ قال ابن عباس: أي: من ملامسة الرجال. وقيل: من الحيض والنفاس، كانت مريم لا تحيض. ﴿وَأَصْطَفَاكِ عَلَى نِسَدِ الْعَلَمِينَ﴾ على عالمي زمانها؛ بأن فضلت علیھن. وجائز أن يكون على نساء العالمين كلهم؛ لأنه ليس في النساء امرأة ولدت من غیر أب غیر مريم؛ ولأنها قبلت في التحرير للمسجد ولم يكن التحرير في الإناث، فهي مختارة على النسوان كلهن بما لها من الخصائص. وكرر الاصطفاء لأن كلا الاصطفائين مختلفٌ معناهما: فالاصطفاء الأول: عمومٌ يدخل فيه صوالح النساء، والثاني: اصطفاء بما اختصت به من خصائصها (٣). ثم أمروها أن تديم العبادة لله تعالى: ﴿يَمَرْيَمُ أَقْتِى لِرَبِّكِ وَأَسْجُدِى وَأَرَّكَعِى مَعَ الرَّكِعِينَ ﴾ [آل عمران: ٤٣]. و(«القنوت: لزوم الطاعة والاستمرار عليها مع استشعار الخضوع التام المطلق والاستسلام لله وإسلام الوجه لله الکریم، فمعنى نداء الملائكة دعوتها إلى أن تستمر على ما هي عليه من خضوع لله وإسلام وجهها له سبحانه وتفويض أمورها له. (٣) انظر: التفسير البسيط، الواحدي ٢٤٥/٥. ٣٦ جَوُورُ لِلْقُرْآن الكَرِيمِ النساء وتكرار النداء لإشعارها بقربهم منها وهم وَمِنَ الصَّدِحِينَ ﴿ قَالَتْ رَبٍ أَنَّ يَكُونُ لِى وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْفِىِ بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اَللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ﴾ [آل رسل ربهم إليها، وفي ذلك بیان قربها منه سبحانه وتعالى وفي تكرار النداء إشعار بأن طلبهم الاستمرار على القنوت هو من قبيل شكر الله على هذه النعمة؛ فهذا الاصطفاء يوجب الشكر بالاستمرار على القنوت. و قوله تعالى: ﴿واسجدى﴾ هذا الأمر هنا يفسر بملازمة الطاعة والعبادة؛ فالسجود الخضوع المطلق لله تعالى؛ لأن أظهر مظاهر الخضوع أن يتطامن الشخص فيضع جبهته على الأرض خضوعًا لله تعالى، وشعورًا بعظمته وجلالته وعلوه سبحانه وانخفاض العبد أمامه. وقوله تعالى: ﴿وَأَرَّكَعِى مَعَ الزَّكِينَ﴾ بمعنى: لتكن صلاتك مع المصلين، أي: في الجماعة، أو انظمي نفسك في جملة المصلین، و کوني معهم في عدادهم، ولا تکوني في عداد غیرهم(١). ثم يأتي مشهد حملها وولادتها للسيد المسيح عليه السلام ومشهد اتهام اليهود لها وتبرئة الله تعالی لها. وقد ذكر مشهد الحمل والولادة في سورة آل عمران: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَتِكَةُ يَمَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ أَسْمُهُ اَلْسَسِيحُ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِىِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ﴿ وَيُكَلِمُ النَّاسَ فِى الْمَهْدِ وَكَهْلًا (١) زهرة التفاسير ٣/ ١٢١٤ بتصرف يسير. إِذَا قَضَقٌ أَمْرًّا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ () عمران: ٤٥ - ٤٧]. وفي سورة مريم: ﴿وَأَذَّكُرْ فِىِ الْكِتَبِ مَرْيَمَ إِذِ أَنتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانَا شَرْقِيًّا فَأَتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرَا سَوِيًّا قَالَتْ إِنَّ أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إِن كُنْتَ تَقِيًّا ﴿ قَالَ إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَمَا زَكِيًّا ؟ قَالَتْ أَّى يَكُونُ لِ غُلَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ يَغِيًّا ( ٥) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ: ءَايَةٌ لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا ، فَحَمَلَتْهُ فَأَنْتَبَذَتْ بِهِ، مَكَانَا قَصِيًّا ٢١ فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى حِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَلَيْتَنِ مِثُ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًّا مَّنسِيًّا ) فَنَادَنَهَا مِن تَحْنِهَا أَلَّا تَحْزَنِ قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْنَكِ سَرِيًّا (١) وَهُزِّىّ إِلَيْكِ يِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَقِطْ ٥ تَكُلِ وَأَشْرِ وَقَرِى عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا عَيْنَا فَإِمَّا تَرَيِّنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِ إِ نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ اَلْيَوْمَ إِنسِيًّا [مريم: ١٦-٢٦]. وَجَعَلْنَا أَبْنَ وفي سورة المؤمنون: مَرْتَمَ وَأَمَُّدْ ءَايَةً وَءَاوَيْنَهُمَا إِلَى رَبْوَقِ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ ﴾ [المؤمنون: ٥٠]. وفي سورة التحريم: ﴿وَمَرْيَمَ أَبْنَتَ عِمْرَنَ الَّتِى أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا www. modoee.com ٣٧ حرفالنون وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ، وَكَانَتْ مِنَ آية التحريم، فأخذت مكانًا بعيدًا عن قومها، ١٢﴾ [التحريم: ١٢]. الْقَسْنَ: إلى أن ألجأها وجع الولادة إلى جذع نخلة، فتمنت الموت وقتها ﴿قَالَتْ يَلَيْتَنِ مِثُ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًّا مَنْسِيًّا﴾. فها هي تبتعد عن قومها لتخلو لعبادة ربها، فاستترت عن الأعين، فيأتيها الملك جبريل عليه السلام في صورة بشر، فخافت منه، واستعادت منه، وطلبت منه أن يبتعد عنها ولا يؤذیها إن كان عنده تقوی الله تعالى، فأخبرها بأنه مرسل من الله تعالى ليخبرها بأنها ستحمل بولد طاهر؛ فاستغربت وسألت عن طريق حملها بهذا الغلام، خصوصًا وأنها لم تتزوج، ولم تكن زانية، أهو عن طريق زواج أم أنها ستحمل به بقدرة الله تعالی بدون أن یقربها رجل؟ فأخبرها الملك أنها ستحمل به بكلمة الله تعالى، وهذا أمر يسير عليه سبحانه، ثم إن هذا الغلام سيكون آية للناس كلهم على قدرة الله التامة، حيث إنه تم الحمل به بدون ذکرٍ، فمثله کمثل آدم عليه السلام، «فخلق آدم من غیر ذکر ولا أنثى، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق بقية الذرية من ذكر وأنثى، إلا عيسى فإنه أوجده من أنثى بلا ذكر، فتمت القسمة الرباعية الدالة على كمال قدرته وعظيم سلطانه، فلا إله غيره ولا رب سواه))(١). وقد تم حملها به، حیث نفخ جبريل عليه السلام في جيبها أو في فرجها، كما يفهم من (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٢٠/٥. وهذا ليس من المنهي عنه بقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان لا بد متمنيًا للموت فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي) (٢). لأنها تمنت الموت لضرِّ ديني لا لضر دنيوي، إذ إنها ((خافت أن يظن بها الشر في دینها وتعیر فیفتنها ذلك، وهذا مباح»(٣). عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما قالا: ((خرجت مريم إلى جانب المحراب بحیض أصابها، فلما طهرت إذ هي برجل معها، وهو قوله: ﴿فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ وهو جبريل عليه السلام، ففزعت منه، فقالت: ﴿إِّ أَعُوذُ بِالرَّحْمَانِ مِنْكَ إِن كُنتَ تَّقِيًّا﴾ قال: ﴿إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَمَا زَكِيًّا﴾ الآية. فخرجت وعلیھا جلبابها، فأخذ بکمها فنفخ في جيب درعها، وكان مشقوقًا من (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الدعوات، باب الدعاء بالموت والحياة، ٢٣٣٧/٥، رقم ٥٩٩٠، ومسلم في صحيحه، كتاب الذكر والدعاء والتوبة، باب كراهة تمني الموت لضر نزل به، ٤ /٢٠٦٤، رقم ٢٦٨٠. (٣) المحرر الوجيز، ابن عطية ٤ / ١٢. ٣٨ مَنْشَوَةُ التَّفيد الْقُرآن الكَرِيْمِ النساء قدامها، فدخلت النفخة صدرها، فحملت. فأنتها أختها امرأة زكريا ليلةً تزورها، فلما فتحت لها الباب التزمتها، فقالت امرأة زكريا: يا مريم أشعرت أني حبلى؟ فقالت مريم، أيضًا: أشعرت أني حبلى؟ فقالت أمرأة زكريا: فإني وجدت ما في بطني يسجد للذي في بطنك. فذلك قوله عز وجل: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَاللّهِ﴾ [آل عمران: ٣٩]. فولدت امرأة زكريا يحيى، ولما بلغ أن تضع مريم خرجت إلى جانب المحراب، فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة، قالت استحياء من الناس: ﴿بَلَيْتَنِ مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًّا مَنْسِيًّا ؟ فَنَادَتِهَا﴾ جبريل ﴿مِن تَّحْنِهَا أَلَّا تَحْزَنِ قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْنَكِ سَرِيًّاً (١) وَهُزِىّ إِلَيْكِ بِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا ٢٥ فهزته، فأجری لها في المحراب نهرًا، والسرى: النهر، فتساقطت النخلة رطبًا جنيًّا، فلما ولدته ذهب الشيطان فأخبر بني إسرائيل أن مريم ولدت، فلما أرادوها على الكلام أشارت إلی عیسی، فتكلم عیسی فقال: ﴿إِنِ عَبْدُ اللَّهِ ءَاتَمِنِىَ الْكِنَبَ وَجَعَلَنِى بِيًّا ٦ وَجَعَلَنِى مُبَارَكًا﴾ [ مريم: ٣٠-٣١]. فلما ولد عيسى لم يبق في الأرض صنم يعبد من دون الله إلا وقع ساجدًا لوجهه))(١). (١) أخرجه الحاكم في المستدرك، كتاب تواريخ المتقدمين من الأنبياء والمرسلين، باب ذكر نبي الله وروحه عيسى ابن مريم صلوات الله ولم تلبث مريم بعد ولادتها طويلًا إلا وجاءت قومها معها وليدها، فاتهمها اليهود على عادتهم وحماقتهم، وقد حكى الله كُفْرِهِمْ وَقولِهِمْ تعالى ذلك عنهم، فقال: عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَنًا عَظِيمًا (١)﴾ [النساء: ١٥٦]. وقوله: ﴿فَأَتَتْ بِهِ، قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ. قَالُواْ يَمَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا ﴿ يَأْخْتَ هَرُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ آمْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ﴿ فَأَشَارَتْ إِلَيْهٌ قَالُوا كَيْفَ تُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي اَلْمَهْدِ صَبِيًّا ؟ قَالَ إِنِ عَبْدُ اللَّهِ ءَاتَمْنِىَ الْكِنَبَ وَجَعَنِى ◌َبيَّان﴾ [مريم: ٢٧ - ٣٠]. فما أن رأوها حتى انهالوا عليها بالاتهامات الباطلة والإفك الصريح والكلام اللاذع، لقد فعلت أمرًا عظيمًا و جرمًا جسیمًا، یا شبيهة هارون علیه السلام في العبادة، کان الأولى بك أن تتشبهي به في الابتعاد عن الزنا، ثم إنك من أسرة طاهرة معروفة بالطهر والعفاف، فلم يعرف عن أبيك السوء، ولم تزن أمك. فالتزمت العفيفة الحصان الصمت بإذن ربها، وأشارت إلى وليدها لتؤذنه بالكلام، فاستغربوا من فعلها واستهزؤوا منها، كيف نتحدث إلى صبيٍّ في مهده؟! ولكن الله أنطقه، فكان أحد الثلاثة الذين تكلموا في المهد، فبرأها الله من إفكهم. وسلامه عليهما، ٢/ ٦٤٨، رقم ٤١٥٦. وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. ولم يتعقبه الذهبي. www. modoee.com ٣٩ حرفالنون خلاصة الأمر أن ذكر اسمها الصريح لتبرئتها مما نسبه إليها اليهود، ولتبرئة ابنها مما نسبه إليه النصارى، لذلك كان التعقيب الإلهي ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَّ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِى فِيهِ يَمْتَرُونَ ﴿ مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍّ سُبْحَتَهُ، إِذَا قَضَى أَمْرًّا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) وَإِنَّ اللَّهَ رَِ وَرَبَّكُمْ فَأَعْبُدُوهُ هَذَا صِرَطٌ مُسْتَقِيمٌ [مريم: ٣٤-٣٦]. خامسًا: نساء صالحات: ١. امرأة فرعون. وهي السيدة آسية بنت مزاحم(١). وقد ظهرت شخصيتها في موطنين من القرآن الكريم، الأول: عندما كان موسى عليه السلام طفلًا رضيعًا، وألقته أمه في اليم بوحي من الله تعالى فالتقطه آل فرعون، وأرادوا قتله، ولكن هذه المرأة تقف متوسلة لهم ﴿وَقَالَتِ أَمْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنِلِ وَلَكٌ لَا نَقْتُلُوهُ عَسَىٌ أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَشَّخِذَهُ، وَلَدًا وَهُمْ لَا ﴾ [القصص: ٩]. يَشْعُرُونَ ® (١) ورد تسميتها بذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: (كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون). أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى: (وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون)، ١٢٥٢/٣، رقم ٣٢٣٠، ومسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل خديجة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها، ٤ /١٨٨٦، رقم ٢٤٣١. والموطن الثاني: حينما ضربها الله مثلاً للمؤمنين ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أُمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبٍّ ابْنِ لِ عِندَكَ بَيْتًا فِىِ الْجَنَّةِ وَغِى مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ، وَجْنِ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ [التحريم: ١١]. ولم يصرح باسمها وإنما ذكرت منسوبة لزوجه لما تقدم، ولما في نسبتها لزوجها من الفوائد التي لا تتحقق لو ذكر اسمها، فهي زوجة طاغية من الطغاة، ومع ذلك يجعلها الله تعالی وسيلة لنجاة نبي من الأنبياء، ثم إن زواجها بهذا الطاغية لم يمنعها من الإيمان بالله تعالى حتى صارت مثلًا يضرب في التقوى والثبات على الحق وعدم الخوف من مخلوق مهما عظم؛ لذلك كانت من أكمل النساء كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: (کمل من الرجال کثیر ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام) (٢). وقال: (حسبك من نساء العالمين مريم ابنة عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسية امرأة فرعون)(٣). (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب فضل عائشة رضي الله عنها، ٣/ ١٣٧٤، رقم ٣٥٥٨، ومسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب فضل خديجة رضي الله عنها، ٤ /١٨٨٦، رقم ٢٤٣١. (٣) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب المناقب، ٤٠ الْقُرآن الكَرِيمِ النساء فينبغي التأسي بهذه السيدة الفاضلة ونلحظ ذكاء هذه الفتاة في حيلتها التي احتالت بها لإرجاع موسی لأمه. في الإيمان والصبر، ولا نلتفت إلى تعنت المتعنتين، ولا تجبر المتجبرين، فإن هذه الحياة رخيصة بجانب ما أعده الله للمؤمنين يوم القيامة، فلكي نظفر بالثواب الجزيل يجب علينا أن نتمسك بديننا، وخصوصًا في هذا العصر الذي زادت فيه الفتن، ويحارب الإسلام بشتى السبل من أعدائه. ٢. أخت موسى عليه السلام. وهي إحدى زوجات النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة (١) ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ، قُضِيَةٍ فَبَصُرَتْ بِهِ، عَن جُنُّتٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ [القصص: ١١]. إِذْ تَمْسِىّ أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ﴾ [طه: ٤٠]. السلام قد يتخيل الإنسان أنه عمل صغير لا قيمة له، ولكنه كان سببًا لرد موسى عليه السلام لأمه، وهذا يجعل الإنسان لا يستصغر أي عمل من أعمال الخير، فإنه لا يدري ماذا يترتب على هذا العمل، فقد يترتب عليه نجاة إنسان أو نجاة أمة بأكملها. باب فضل خديجة رضي الله عنها، ٧٠٣/٥، رقم ٣٨٧٨. قال الترمذي: حسن صحيح. (١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، ٢٥٨/٨، رقم ٨٠٠٦. وفي سنده خالد بن يوسف السمتى، وهو ضعيف. انظر: مجمع الزوائد ٩/ ١٥٧. ٣. المرأتان اللتان لقيهما موسى عليه السلام وسقى غنمهما. قال تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُّونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ أَمْرَ أَتَيْنِ تَذُودَاتٍ قَالَ مَا خَطْبُكُمَّا قَالَنَالَا نَسْقِى حَتَّ يُصْدِرَ الرِّعَلَةُ وَأَبُوْنَا شَيْتُ كَبِيرُ [القصص: ٢٣]. عن عمر بن الخطاب أن موسى عليه السلام لما ورد ماء مدین وجد عليه أمة من الناس يسقون، فلما فرغوا أعادوا الصخرة على البئر ولا يطيق رفعها إلا عشرة رجال، فإذا هو بامرأتین تذودان، قال: ما خطبكما؟ فأخبرتاه، فأتى الحجر فرفعه، ثم لم يستق وبالنظر فیما فعلته أخت موسى عليه إلا ذنوبًا واحدًا حتى رويت الغنم، ورجعت المرأتان إلى أبيهما فحدثتاه، وتولی موسی عليه السلام إلى الظل فقال: ﴿رَبِّ إِنِ لِمَآ أَنْزَلْتَ إِلَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤]. قال تعالى: ﴿َتَّهُ إِحْدَ مُهُمَا تَمْشِى عَلَى أَسْتِحْيَآءٍ﴾ [القصص: ٢٥] واضعة ثوبها على وجهها(٢). وقيل: ((واضعة يدها على وجهها، فقام معها موسى وقال لها: امشي خلفي وانعتي لي الطريق، وأنا أمشي أمامك، فإنا لا ننظر في أدبار النساء. ثم قالت: ﴿يَأَبَتِ اسْتَشْجِرَةٌ (٢) أخرجه ابن أبي شيبة في مسنده، ٧/ ٤٥٤. www. modoee.com ٤١ حرفالنون إِنَ خَيْرَ مَنِ أُسْتَشْجَرْتَ اٌلْقَوِىُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦]، لما رأته من قوته، ولقوله لها ما قال، فزادها ذلك فیهرغبة، فقال: ﴿إنّ أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى أَبْنَتَّىَّ هَلَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَبِي ثَمَنِىَ حِجَجٌّ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكٌ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَّ سَتَجِدُفِى إِن شَآءَ • [القصص: ٢٧]، أي: ٢٧ اَللَّهُ مِنَ الصَّلِحِينَ في حسن الصحبة والوفاء بما قلت. قال موسى: ﴿قَالَ ذَلِكَ بَيْنِى وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلاَ عُدْوَنَ عَلَّ﴾ [القصص: ٢٨]. قال: نعم. قال: ﴿اَلَهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِلٌ﴾ فزوجه، وأقام معه یکفیه ویعمل له في رعاية غنمه وما یحتاج إلیه منه، وزوجه صفورة، أو أختها شرقاء، وهما اللتان كانتا تذودان(١). ما أروع هذا الحياء الذي تحلت به هاتان المرأتان! إنه الحياء الذي ينبغي أن تتزين به المرأة في كل زمان ومكان، الحياء الذي فقد في هذا العصر، هذا الحياء لا ينافي أبدًا الإعجاب بفضائل الأعمال وجميل الخصال ﴿يَأَبَتِ أُسْتَفْجِرَةٌ إِنَّ خَيْرَ مَنِ أَسْتَنْجَرْتَ الْقَوِىُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦]. ٤. ملكة سبأ (٢). (١) أخرجه ابن أبي شيبة في مسنده، ٧/ ٤٥٤. (٢) سبأ: بفتح أوله وثانيه وهمز آخره وقصره أرض باليمن، سميت بهذا الاسم لأنها كانت منازل ولد سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. وردت قصتها في القرآن، ولم يذكر اسمها، ولا حتى مضافة لهذا المكان، بل وردة الحديث عنها مبهمةً (امرأة) في قول الهدهد: ﴿إِنِّ وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوِيَتْ مِنْ كُلِّ شَىْءٍ وَلَمَا عَرْشُ عَظِيمُ ® [النمل: ٢٣]. وذكر أنها وقومها كانوا يعبدون الشمس، وواضح من خلال القصة أنها كانت تتمتع بذكاء وقوة شخصية ودهاء سياسي منقطع النظير، وذلك أن سلیمان علیه السلام عندما أرسل إليها كتابه لم تتخذ موقفًا سريعًا قد يؤدي لتفتيت مملكتها، وذلك كما فعل كسرى مع كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمزق الله ملكه، فلم يبق للأكاسرة ملك، فهي أمينة على هذا الملك، ويتضح ذكاؤها وقوة شخصيتها عندما استشارات رجالات دولتها في شأن الكتاب، أجابوها ﴿قَالُواْ غَْنُ أُوْلُواْ قُوَّةٍ وَأُوْلُواْ بَأْسِ بقولهم: شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَكِ فَانْظُرِى مَاذَا تَأْمُرِينَ [النمل: ٣٣]. فهي العقل المدبر لهم، فهم يثقون في تدبيرها وعقلها، فكان رأيها صائبًا، وعقلها راجحًا، فقد أرادت قبل أن تفعل أي شيء أن تختبر سليمان عليه السلام لتتأكد من شأنه وتعلم حقيقة أمره، هل هو ملك من ملوك الدنيا تغريه الأموال، أم أن أمره أعظم من انظر: معجم البلدان ٣ /١٨١. ٤٢ جَوَسُـ القرآن الكريم النساء ذلك؟ ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوَكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُواْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَزِلَّةٌ" وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ﴿ وَإِنِّيِ مُرْسِلَةُ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ ﴾ [النمل: ٣٤-٣٥]. فلما كان من سليمان ما كان من رفض الهدية والإخبار بأنه بإمكانه أن يرسل إليهم من الجنود ما لا يقدرون على مقابلته بحال، ثم طلبه من بعض رعيته أن يحضر إليه عرشها، فأحضره الذي عنده علم من الکتاب في أقل من طرفة عين، وطلب تنکیر عرشها ليختبر ذكاءها، هل ستعرفه أم ماذا تفعل؟ فلما رأته وسألوها: ﴿أَمَكَذَا عَرْشٍُ قَالَتْ [النمل: ٤٢]. كاناس هو إلا أن ترك العقيدة ليس بالأمر الهين، حتى ولو كانت عقيدة خاطئة، فأراد أن يريها بعض آثار الصناعة العجيبة حتى لا تغتر بملكها، فطلب منها أن تدخل القصر العالي المزخرف، فدخلت صحته، وهو مملس ملمسه ناعم و له بریق بسبب تمریده وإزالة كل خشونة فيه حتى يحسبه الرائي لتنسيقه وكأنه لجة من الماء، فحسبته ماء في صحن الصرح وخشيت على ثيابها المزخرفة فرفعتها، وكشفت عن ساقيها، فنبهها سليمان إلى أنه ليس بماء وإنما هو صرح ممرد من زجاج يبدو بادي الرأي كأنه لجة ماء وما هو بماء، فأدركت وهي تروعها الزخارف كما تروع كل النساء، فكرت في ماضيها إذ كانت تعبد الشمس وسليمان يعبد الله تعالى وقد آتاه الله من النعم ما لا يمكن أن يكون لأحد غيره، فاهتزت وعلمت أنها كانت على باطل، وأنها ظلمت نفسها بما كانت عليه(١). ٥. المجادلة. وهي خولة بنت ثعلبة، جاءت تشتكي إلی رسول الله صلی الله علیه وسلم زوجها وهي تقول: يا رسول الله، أكل شبابي، ونثرت له بطني، حتى إذا كبرت سني وانقطع له ولدي ظاهر مني، اللهم إني أشكو إليك. قالت عائشة رضي الله عنها: (فما برحت حتى نزل جبريل عليه السلام بهؤلاء الآيات ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِى تُجَدِلُكَ فِيزَوْجِهَا وَتَشْتَكِ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَّكُمَاْ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١](٢). إن المتأمل في العبارة القرآنية وذكر القصة يدرك أن هناك أمرًا مهمًّا يريد المولى عز وجل أن يسوقه إلينا غير الحكم الشرعي، إذ كان من الممكن سوق الحكم (١) انظر: زهرة التفاسير ٥٤٥٨/١٠. (٢) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الطلاق، باب في الظهار، ٢٣٤/٢، رقم ٢٢١٦، وابن ماجه في سننه، كتاب الطلاق، باب في الظهار، ١/ ٦٦٦، رقم ٢٠٦٣. وصححه الألباني في الإرواء، ٧/ ١٧٣، رقم ٢٠٨٧. www. modoee.com ٤٣ حرف النون الشرعي دون ذكر القصة، هذا الأمر هو أنه لا يجوز أن یکون الحیاء عند الإنسان عامة وعند المرأة خاصة حائلًا دون التفقه في أمور الدین، إذ إنه لو أصبح حائلا فإنه يكون مذمومًا، والعجب من نساء عصرنا یستحیین أن يسألن عما يجهلنه من أمور الدين، مما أدی بهن إلى أمية دينية كبيرة، فأصبحت المرأة تجهل أبجدیات هذا الدين. سادسًا: المرأة الكافرة: وهناك من النساء الكوافر ما في قصصهن عظة وعبرة، وقد ذكر في القرآن الكريم منهن امرأة نوح وامرأة لوط وامرأة أبي لهب. ١. امرأة نوح وامرأة لوط. وقد ذكرتا مقرونتين في قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُواْ أَمْرَأَتَ نُوح وَأَمْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَلِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ أَدْخُلَا النَّارَ مَعَ الَّ ◌ِلِينَ ﴾ [التحريم: ١٠]. والخيانة هنا ليست خيانة زوجية باتفاق، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ما زنتا، أما امرأة نوح فكانت تقول للناس: إنه مجنون. وأما امرأة لوط فكانت تدل على الضيف، فذلك خيانتهما(١). (١) أخرجه الحاكم في المستدرك، كتاب التفسير، باب تفسير سورة التحريم، ٥٣٨/٢، رقم ٣٨٣٣. وقد ضربهما الله مثلاً للکافرین تنبيهًا على أنه لا يغني أحدٌ في الآخرة عن قريبٍ ولا نسيبٍ إذا فرق بينهما الدين، فهاتان المرأتان مع أنهما كانتا زوجتين لنبيين من الأنبياء لكن لن يستطيعا أن يدفعا عنهما من عذاب الله شيئًا. وأما امرأة لوط عليه السلام فقد ذكرت في مواطن كثيرة، وهي قوله تعالى: ﴿فَأَنَّنَهُ وَأَهْلَهُ وَإِلَّا أَمْرَأَتَهُ، كَانَتْ مِنَ الْغَيِينَ ٨٣ [الأعراف: ٨٣]. ﴿قَالُواْ يَلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَيِّكَ لَنْ يَصِلُواْ إِلَيْكٌ فَأَشْرٍ بِأَهْلِكَ بِقِطْعِ مِّنَ الَّلِ وَلَا يَلْنَفِتْ ج مِنكُمْ أَحَدُّ إِلَّا أَقْرَأَنْكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَامَآ أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ ٨ [هود: ٨١]. إِلَّا أَمْرَأَتَهُ، قَدَّرْنَاُ إِنَّهَا لَمِنَ الْغَيِينَ ٦٠ [الحجر: ٦٠]. فَأَنْجَيْنَهُ وَأَهْلَهُ: إِلَّا أَمْرَأَتَهُ، قَذَّرْنَهَا مِنَ الْفَبِينَ ﴾ [النمل: ٥٧]. ﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطَأَ قَالُواْ نَحْنُّ أَعْلَمُ بِمَن فِيَّا لَتُنَجِيَنَّهُ وَأَهْلَهُ: إِلَّا أَمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَيِرِينَ ﴾ [العنكبوت: ٣٢]. وكلها تتحدث عن نجاة نبي الله لوط عليه السلام وجميع أهله باستثناء امرأته، فقد کانت ممن سبق عليه الكتاب، ولم تكن وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ولم يتعقبه الذهبي. ٤٤ صَوَسُولَةُ التقييم جوبييو القرآن الكريمِ النساء في عداد الناجين. فلا ينبغي للإنسان أن يغتر بنسبه وقرابته لأحد الصالحین، فإن ذلك لن یغني عنه من الله شيئًا. ٢. أم جمیل بنت حرب. وَأَمْرَأَتُهُ، حَمَّالَةَ الْحَطَبِ ﴾ فِجِيدِهَا حَبْلٌ مِن مَّسَدٍ ﴾﴾ [المسد:٤ - ٥]. ولما نزلت هذه السورة أقبلت ولها ولولة وفي يدها فهر، وهي تقول(١): مذممًا أبینا والنبي صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد ومعه أبو بكر، فلما رآها أبو بكر قال: يا رسول الله، قد أقبلت وأنا أخاف أن تراك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنها لن تراني) وقرأ قرآنًا فاعتصم به، وقرأ ﴿ وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا ﴾ [الإسراء: ٤٥]. فوقفت على أبي بكر ولم تر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا أبا بكر، إني أخبرت أن صاحبك هجاني. فقال: لا ورب هذا البيت، ما هجاك. فولت وهي تقول: قد علمت قريش أني بنت سيدها (٢). ووصفت بـ (حمالة الحطب) قيل: لأنها کانت تحمل حزمة من الشوك فتثرها بالليل في طريق النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: كانت تمشي بالنميمة، ويقال لمن يمشي امرأة أبي لهب، وهي أخت أبي سفيان بالنمائم ويفسد بين الناس: يحمل الحطب بينهم، أي: يوقد بينهم النار. أو المراد أنها تحمل يوم القيامة حزمة من حطب جهنم كالزقوم والضريح. وقيل: إنها مع كثرة مالها كانت تحمل الحطب على ظهرها لشدة بخلها فعیرت بالبخل. ومعنى﴿ فیچیدِهَا و دينه قلینا وأمره عصینا حَبْلٌ مِن مَسَلٍ﴾ في عنقها حبل مما مسد -فتل - من الحبل، وأنها تحمل تلك الحزمة من الشوك وتربطها فى جيدها كما يفعل الحطابون، تخسيسًا بحالها وتصویرًا لها بصورة بعض الحطابات (٣). (٢) أخرجه الحاكم في المستدرك، كتاب التفسير، باب ومن سورة بني إسرائيل، ٣٩٣/٢، رقم ٣٣٧٦. وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ولم يتعقبه الذهبي. (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥١٦/٨. (٣) انظر: إرشاد العقل السليم ٢١١/٩. www. modoee.com ٤٥ حرف النون سابعًا: نساء أخريات: ١. امرأة العزيز. وقصتها مع يوسف مشهورة مذكورة بالتفصيل في سورة يوسف عليه السلام، ولم أقف على ما يؤكد إسلامها من عدمه، إلا أنه حكي أن يوسف عليه السلام تزوجها لما مات زوجها فوجدها عذراء(١). فالله أعلم بحقيقة الأمر. وفي قصتها عبر كثيرة، منها: أن فتنة النساء بالرجال والرجال بالنساء من أخطر الأمور کما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، وأن الرجوع إلى الحق أفضل من التمادي في الباطل ﴿قَالَتِ أَمْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْفَنَ حَصْحَصَ اَلْحَقُّ أَنَاْ رَوَدَتُهُ, عَن نَّفْسِهِ، وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّدِقِينَ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِى لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى ٥١ كَيْدَ الْغَايِنِينَ ﴾ [يوسف: ٥١-٥٢]. ٢. نسوة المدينة. وقصتهن مقترنة بقصة امرأة العزيز. قال تعالى: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِ الْمَدِينَةِ أَمْرَأَتُ اٌلْعَزِيزِ تُرَوِّدُ فَثَنَهَا عَن نَّفْسِهِ، قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً إِنَّا لَغَرَنِهَا فِي ضَلَلِ مُبِينٍ ﴾ [يوسف: ٣٠]. فقد علمن بما فعلته امرأة العزيز، وخضن في حديثها، فلما علمت بأقوالهن دعتهن لبيتها، وجهزت لهن مكانًا للجلوس، وقدمت لهن ما یقدم للضیفان، وأعطت کل (١) انظر: تاريخ الأمم والملوك، الطبري ٢٠٩/١، البداية والنهاية، ابن كثير ١/ ٢١٠. واحدة منهن سكينًا حادًا، وأمرت يوسف عليه السلام بالخروج عليهن، فلما رأينه عظم عندهن وفتن به، وقطعن أيديهن، فانتهزت الفرصة، أبدت عذرها فيما فعلت، إذ إن جماله -من وجهة نظرهن- لا يقاوم. فينبغي الحذر من مكر النساء وكيدهن، فکیدهن عظيم. ثامنًا: العبر المستفادة من ذكر المرأة في القصص القرآني: إذا نظرنا فيما ذكر من قصص للنساء في القرآن الكريم نرى أن هناك دروسًا وعبرًا کثیرة یمکن أن تؤخذ منها: :أن القرآن الكريم يعنى بذكر القصص التي فيها عبر والتي فيها فوائد دون نظر إلى ذكورة أو أنوثة. أن الإسلام الحنيف ساوى بين الرجل والمرأة مساواة حقيقة، وليست المساواة المزعومة التي ينادي بها أعداء الإسلام والمخدوعون بهم. أن القرآن الكريم حرص على الستر على المرأة، ليس إنقاصًا من شأنها، بل لأنها في نظر الإسلام جوهرة ثمينة يجب المحافظة عليه وسترها عن القاذورات والمدنسات، فلذلك لا يتعرض للحديث عنها كثيرًا، فما دام الحکم أو العبرة یمکن تأديتها بدون ٤٦ فَضْو مَوْ قَ الَرَ النَّفْسِيْ جوسين القرآن الكريمِ