النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ النساء عناصر الموضوع مفهوم النساء ٨ النساء في الاستعمال القرآني ٩ الألفاظ ذات الصلة ١٠ حكمة تسمية سورتين بهذا الاسم ١٣ خلق المرأة ١٤ تكريم المرأة ١٩ نماذج من قصص المرأة في القرآن ٢٨ ٤٨ أحكام المرأة في القرآن ٦٤ المرأة والفتنة ٦٩ شبهات حول المرأة المُجَلَّد الثَّالِثِ وَالثَّلاثُونْ حرف النون مفهوم النساء أولًا: المعنى اللغوي: الهمزة في (النساء) إما أصلية وإما منقلبة عن أصل، فإن كانت أصلية فهي من النسأ، ومادة النون والسين والهمزة تدور لغة حول معنى التأخير، فيقال: ((نسئت المرأة تنسأ نساً: تأخر حيضها عن وقته وبدأ حملها فهي نسءٌ ونسيٌّ، والجمع أنساءٌ ونسوءٌ ... ونسأ الشيء ينسؤه نساً وأنسأه: أخره، فعل وأفعل بمعنىّ، والاسم النسيئة والنسيء، ونسأ الله في أجله وأنسأ أجله: أخره(١). أما إن كانت منقلبة فهي منقلبة عن واو، كما نص العكبري على ذلك، فقال: ((الهمزة في نساء مبدلة من واو، لقولك -في معناه -: (نسوة) (٢)، أو لأنها جمع (نسوة) كما قال ابن سيده: ((والنسون والنساء جمع نسوة، ولذلك قال سيبويه في الإضافة إلى النساء نسويٌ ترده إلى واحده))(٣)، و((النِسْوة والنُسْوة والنِسوان جمع المرأة على غير قياس)) (٤). وهي وإن كانت منقلبة عن واو إلا أنها كما قال السمين الحلبي: ((يحتمل أن تكون ياءً اشتقاقًا من النسيان))(٥). وعلى هذا فتكون مأخوذة من النسيان، و((نسيت)) الشيء ((أنساه)) (نسيانًا)) مشترك بين معنيين؛ أحدهما: ترك الشيء على ذهول وغفلة، وذلك خلاف الذكر له، والثاني: الترك على تعمد» (٦). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: أما المعنى الاصطلاحي لـ(النساء) فهو غير بعيد عن المعنى اللغوي؛ إذ هو إما جمع (امرأة) أو جمع (نسوة) الذي هو جمع (امرأة) فهو جمع الجمع. وهو على أي حال: ((اسم لجماعة إناث الأناسي)»(٧). (١) لسان العرب، ١/ ١٦٦. (٢) التبيان في إعراب القرآن ١/ ١٥٤. (٣) المخصص ٣٣٥/١. (٤) المصدر السابق. (٥) الدر المصون ٢٢٠/١. (٦) المصباح المنير، الفيومي ص٣١١. (٧) المصدر السابق. ٨ جوبيـ القرآن الكريمِ النساء النساء في الاستعمال القرآني ورد الجذر (ن س و) في القرآن الكريم (٥٩) مرة (١). والصيغ التي وردت هي: الصيغة عدد المرات المثال ﴿فَإِن كُنَّ نِسَآءُ فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ نساء ٥٧ [ النساء: ١١] نسوة ٢ ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِ اٌلْمَدِينَةِ أَمْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَوِدُ فَنَنْهَا عَن نَّفْسِهِ﴾ [يوسف: ٣٠] وجاءت النساء والنسوة في القرآن بمعناها في اللغة وهو: جمع المرأة من غير لفظها(٢). (١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٦٦٩. (٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني، ص ٨٠٤. www. modoee.com ٩ حرفالنون الألفاظ ذات الصلة ١ المرأة: المرأة لغة: ويقال: مرة -بلا ألف -: تأنيث المرء(١)؛ ((والمرء: الرجل))(٢) فقد أنثوا فقالوا: مرأةٌ، وخففوا التخفيف القياسي فقالوا: مرةٌ -بترك الهمز وفتح الراء- وهذا مطرد، وقال سيبويه: وقد قالوا: مراةٌ . وذلك قليل ... وللعرب في المرأة ثلاث لغات: يقال: هي امرأته، وهي مرأته، وهي مرته(٣). المرأة اصطلاحًا: ((اسم للأنثى البالغة من أولاد آدم))(٤)، ولا يطلق عليها (امرأة) إلا بعد البلوغ، فـ((الصغيرة لا تسمى امرأة في عرف أهل اللسان»(٥)، وفي بعض الآثار في سبب تسميتها امرأة «أنها من المرء أخذت))(٦). الصلة بين المرأة والنساء: يتضح مما سبق إن المرأة مفرد (النساء) من غير لفظه، أو مفرد (نسوة) التي جمعها (نساء). ويمكن القول: أن المرأة لا تطلق إلا على الأنثى البالغة من بني آدم، أما النساء فيشمل البالغة وغير البالغة، فإن كانت استعملت في مواضع بمعنى المرأة البالغة فقد استعملت في مواضع أخرى بمعنى الأنثى الصغيرة. الزوجة: ٢ الزوجة لغة: ((الزاء والواو والجيم أصلٌ يدل على مقارنة شيءٍ لشيء، من ذلك الزوج: زوج المرأة. والمرأة زوج بعلها، وهو الفصيح. قال الله جل ثناؤه ﴿أَسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة ٣٥، (١) انظر: العين، الفراهيدي ٢٩٩/٨. (٢) بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي ٤ / ٤٩٦. (٣) لسان العرب، ابن منظور ١٥٤/١. (٤) نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي ص ٥٧١. (٥) تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة، البيضاوي ٢/ ٣٤٤، الكاشف عن حقائق السنن، الطيبي ٢٢٨١/٧. (٦) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٠١/١، إرشاد العقل السليم، أبو السعود ١/ ٩٠، اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ٥٤٩/١. ١٠ جوسين الْقُرآن الكَرِيمِ النساء الأعراف ١٩](١). فالزوج ((يطلق على كل واحدٍ من القرينين من الذكر والأنثى في الحيوانات المتزاوجة، ويقال لكل قرينين فيها وفي غيرها، كالخف والنعل»(٢). الزوجة اصطلاحًا: هي المرأة التي يقترن بها الرجل بموجب عقدٍ له أركانه وشروطه. وفي التسمية بالزوج -الذي هو بمعنى الاقتران- دلالة على أن الزوجية ينبغي أن تبنى على تواؤم واتفاق تام بين الزوجين، ولا يكون بينهما نفورٌ أو شقاقٌ، لذلك كان غالب التعبير القرآني عن المرأة التي لا يكون بينها وبين زواجها اتفاق تام بالمرأة دون الزوجة ﴿فَأَنَّنَهُ وَأَهْلَهُ وَإِلَّا أَمْرَأَتَهُ، كَانَتْ مِنَ الْغَيِينَ (٣)﴾ [الأعراف: ٨٣]. الصلة بين الزوجة والنساء: أن النساء يطلق على جماعة إناث الإنسان بصرف النظر عما إذا كن متزوجات أم لا، أما الزوجة فلا تطلق إلا على المرأة المتزوجة. الأهل: ٣ الأهل لغة: ((الهمزة والهاء واللام أصلان متباعدان: أحدهما الأهل، قال الخليل: أهل الرجل زوجه. والتأهل التزوج، وأهل الرجل أخص الناس به، وأهل البيت: سكانه، وأهل الإسلام: من يدين به. وجميع الأهل أهلون، والأهالي جماعة الجماعة»(٣). الأهل اصطلاحًا: صرح بعضهم بأن أهل البيت عبارة عن النساء، الواحد والجمع فيه سواء، ولكن الضمير الذي يرجع إليه يكون جمعًا ومذكرًا اجتنابًا عن التصريح، لأجل حرمة النساء)) (٤). وقيل: الأهل: من يجمع الفرد وإياهم نسب أو دين، أو ما يجري مجراهما من صناعة وبیت وبلد(٥) الصلة بين الأهل والنساء: أن لفظ (الأهل) في الأصل أعم من النساء، إذ يشمل عشيرة الرجل وأقاربه، رجالًا كانوا (١) مقاييس اللغة، ابن فارس ٣٥/٣. (٢) بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي ١٤٢/٣. (٣) مقاييس اللغة، ابن فارس ١/ ١٥٢. (٤) مفردات القرآن، الفراهي ص٢٥٩. (٥) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص٩٦. www. modoee.com حرف النون أو نساءً، فتكون (الأهل) أعم من (النساء) من هذه الجهة. وأما في العرف فتختص بالزوجة، فتكون أخص منها من هذه الجهة. الأنثى: ٤ الأنثى لغة: من أنث، فالألف والنون والثاء ما كان خلاف الذكر، والأنثيان أنثيا الإنسان(١). الأنثى اصطلاحًا: قال الراغب: ((خلاف الذكر من كل شيءٍ)) (٢)، ويقالان في الأصل اعتبارًا بالفرجين، قال عز وجل: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصََّلِحَتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أَنْتَى﴾ [النساء: ١٢٤]. ولما كان الأنثى في جميع الحيوان تضعف عن الذكر اعتبر فيها الضعف، فقيل لما يضعف عمله: أنثى))(٣). الصلة بين الأنثى والنساء: أن لفظ (الأنثى) أعم من (النساء) إذ إنه يشمل الإناث من جميع المخلوقات، أما (النساء) فيختص بالإناث من بني آدم. البنت: ٥ البنت لغة: ((الأنثى من الأولاد، الجمع: بنات))(٤)، والبنت ولدٌ، فلفظ الولد ((يقع على الذكر والأنثى))(٥). البنت اصطلاحًا: ((كل أنثى رجع نسبها إليك بالولادة بدرجةٍ أو درجاتٍ بإناثٍ أو ذكورٍ))(٦). الصلة بين البنت والنساء: أن لفظ (النساء) أعم من (البنت)؛ إذ لفظ (النساء) يشمل كل إناث الإنسان، أما (البنت) فتختص بالنسبة للوالدين أو أحدهما، فتخرج السيدة حواء؛ لأنها ليست بنتًا لأحد. (١) انظر: مجمل اللغة، ابن فارس ١٠٤/١. (٢) العين، الفراهيدي ٢٤٤/٨. (٣) المفردات ص٥١. (٤) المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ١/ ٧٢. (٥) الفروق اللغوية ص١٣. (٦) الكليات ص٣٧٦. وَضوري جَوَسُولَهُ النَّفِيَّة القرآن الكريم ١٢ النساء حكمة تسمية سورتين بهذا الاسم بالنظر في القرآن الكريم نجد سورتين تسميان (سورة النساء): إحداهما: السورة المشهورة بهذا الاسم، وتسمى (سورة النساء الكبرى). والثانية: سورة (الطلاق) تسمى (سورة النساء الصغرى) و(سورة النساء القصرى)(١). وذلك أن السورتين اشتملتا على كثير من الأحكام التي تتعلق بالنساء، فقد بدئت الأولى ببدء خلق النساء ﴿وَخَلَقَ مِنْهَازَوْجَهَا﴾ [النساء: ١]. ببيان أحكام میرائهن وختمت ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اَللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَلَةِ إِنِ آَمْرُؤُّ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَّهُ، أُخْتُ فَلَهَا نِصْفُ مَاتَرَكْ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَمَا وَلَّدٌ﴾ [النساء: ١٧٦]. وما بين هاتين الآيتين بيان أحكامهن بين النشأة والوفاة. وأما الثانية فقد ذكرت بعض أحكام (١) انظر: بصائر ذوي التمييز ١٦٩/١. رويت هذه التسمية عن ابن مسعود، فقد روي عن مالك بن عامر قال: كنا عند عبد الله، فقال: أتجعلون عليها التغليظ ولا تجعلون عليها الرخصة؟! لنزلت سورة النساء القصرى بعد الطولى: ﴿وَأَوْلِتُّ الْأَعْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ مَلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب سورة الطلاق، ٤/ ١٨٦٤، رقم ٤٦٢٦. الطلاق وما يتعلق به من عدة وسکنی ونفقة. وسميت الأولى بالكبرى مقارنة بسورة الطلاق. www. modoee.com ١٣ حرفالنون خلق المرأة تعددت نظرات الناس إلى المرأة وتناقضت، والسبب في خلقها، فنجد منهم -وهم كثرٌ في هذه الأيام- من ينظر إليها على أنها أداة للشهوة وإمتاع الرجل، حتى قال قائلهم: المرأة كالزهرة يشمها من يشاء. وبالتالي فإنهم بعد أن يقضوا حاجتهم منها يرمونها کما یرمون الزهرة بعد ذبولها. ومنهم من ينظر إليها على أنها مخلوقٌ حقيرٌ لا يستحق الحياة. ومنهم من ينظر إليها على أنها خادمة للطهي والغسل والتنظيف وغير ذلك. ومنهم من ينظر إليها على أنها لعوب غاوية في نفسها، لا هم لها إلا الشهوات. ومنهم من ينظر إليها على أنها حبل الشيطان الذي یغوی به عباد الله، بل منهم من ينظر إليها على أنها هي الشيطان نفسه. ومنهم من ينظر إليها على أنها السفيهة التي لا تقوم على شيء إلا أفسدته. ومنهم من ينظر إليها على أنها تلك الكنود التي لا تكافئ المعروف إلا بالنكران والكفران. ومنهم من ينظر إليها على أنها الخائنة التي تؤوى الخدين في دار السيد والأمير. ومنهم من ينظر إليها على أنها العورة والفضيحة والبلوة التي يطلب الخلاص منها. ومنهم من ينظر إليها على أنها إلهٌ يعبد من دون الله. إلى غير ذلك من نظرات إما جائرةٌ هاضمةٌ حق المرأة وإما مفرطةٌ في تقديسها. ولكنها في حقيقة الأمر ظلمت من الاتجاهين، اتجاه الإفراط والتفريط، والعدل في أمرها والوسط في شأنها والمكانة الحقيقية التي تستحقها هي المكانة التي جعلها الإسلام فيها، فلا هي ملاكٌ ولا هي شيطانٌ. بل هي مخلوقٌ من جنس الرجل، ومن نفسه لتكون شريكًا له في حياته، وعونًا له وسندًا لمواجهة أعباء الحياة وثقلها، يأوي إليها إذا عاد كالّا من تعب الحياة ولأوائها، كما قال سبحانه ﴿ وَمِنْ ءَايَتِهِ) أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَجًا لِتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا وَحَعَلَ بَيْنَكُمْ قَّوَدَّةً وَرَحْمَةٌ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَاتٍ لِّقَوْمِ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [الروم: ٢١]. وهي وسيلة لبقاء النوع الإنساني والحفاظ عليه، كما قال سبحانه: ﴿ وَاَللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةٌ﴾ [النحل: ٧٢]. وهي شريكٌ رئيسٌ في بناء المجتمع الإنساني، فهي شطر المجتمع، وهي شقيقة الرجال، کما قال رسول الله صلی الله علیه ١٤ جوبي القرآن الكريمِ النساء وسلم: (إنما النساء شقائق الرجال)(١) وتظهر الحكمة من خلق المرأة في لعمارة الأرض (٢). النقاط الآتية: أولًا: الحفاظ على النوع الإنساني: بين سبحانه أنه خلقنا من واحد، ثم خلق من الواحد زوجة له، ليتم التناسل والتكاثر. إذ إن استمرار بقائنا خاضعٌ لأمرين: الأمر الأول: استبقاء الحياة، وقد ضمنه سبحانه بما أنعم به علينا من الأرزاق، فنأكل ونشرب فنستبقي الحياة. الأمر الثاني: وهو استبقاء الحياة ببقاء ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ النوع، فقال سبحانه أَنْفُسِكُمْ أَزْوَجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةٌ ﴾ [النحل: ٧٢]. هذا الزوج اشترك معنا في أشياء واختلف عنا في شيء واحد، اتفقنا في أشياء: فالشكل واحد، والقالب واحد، والعقل واحد، والأجزاء واحدة: عينان وأذنان .. يدان ورجلان .. إلخ، وهذا الاشتراك يعين على الارتقاء والمودة والأنس والألفة. واختلفا في شيء واحد هو النوع: فهذا ذکر، وهذه أنثى. إذن جمعنا جنس وفرقنا (١) أخرجه أحمد في مسنده، ٢٥٦/٦، رقم ٢٦٢٣٨، وأبو داود في سننه، كتاب الطهارة، باب في الرجل يجد البلل في منامه، ١/ ٩٥، رقم ٢٣٦. وصححه الألباني في صحيح الجامع، ٤٦١/١، رقم ٢٣٣٣. النوع ليتم بذلك التكامل الذي أراده سبحانه (٢) فالله تعالى خلقنا جنسین، ذكرًا وأنثى، وخلق في كل جنس ميلًا فطريًا إلى الجنس الآخر، وذلك حتى تتم عملية التزاوج التي تؤدي إلى التناسل والتكاثر، وذلك حتى لا يعزف أحد الجنسين عن الزواج هروبًا من أعبائه وتكاليفه، يخبر تعالى عن ذلك بقوله ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ الْنِسَآءِ وَأَلْبَنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤]. ومعنى ﴿زُيِّنَ﴾ خلق حب هذه الأشياء في الإنسان، ((والمزين هو الله تعالى لأنه الخالق للأفعال والدواعي، ولعله زينه ابتلاءً، ولأنه يكون وسيلة إلى السعادة الأخروية إذا کان على وجه يرتضيه الله تعالى، ولأنه من أسباب التعيش وبقاء النوع)»(٣). هذا الميل الفطري وهذه الشهوة التي خلقت فیھما من أقوی الدوافع، لذلك كان إباحة قضائها بالطرق الشرعية من أعظم النعم، ومما زادها عظمًا أن جعل عملية التزاوج بين نوعين لجنس واحد؛ حتى يحصل المودة والرحمة بينهما. ((فالأزواج من جنسهم وشكلهم، ولو جعل الأزواج من نوع آخر ما حصل الائتلاف والمودة والرحمة، ولكن من رحمته خلق (٢) انظر: تفسير الشعراوي ٨٠٧٦/١٣. (٣) انظر: أنوار التنزيل ١٤/٢. www. modoee.com ١٥ حرفالنون من بني آدم ذكورًا وإناثًا، وجعل الإناث أزواجًا للذكور، وهذا من أعظم المنن، كما أنه من أعظم الآيات الدالة على أنه جل وعلا هو المستحق أن يعبد وحده)) (١). ((وهذه الحالة وإن كانت موجودة في أغلب أنواع الحيوان فهي نعمة يدركها الإنسان ولا یدرکها غيره من الأنواع. ولیس عليه))(٢). «والحفدة: جمع حافد، والحافد أصله المسرع في الخدمة. وأطلق على ابن الابن لأنه یکثر أن یخدم جده لضعف الجد بسبب الكبر، فأنعم الله على الإنسان بحفظ سلسلة نسبه بسبب ضبط الحلقة الأولى منها، وهي کون أبنائه من زوجه ثم کون أبناء أبنائه من أزواجهم، فانضبطت سلسلة الأنساب بهذا النظام المحكم البديع. وغير الإنسان من الحيوان لا يشعر بحفدته أصلًا ولا يشعر بالبنوة إلا أنثى الحيوان مدة قليلة قريبة من الإرضاع. والحفدة للإنسان زيادة في مسرة العائلة. قال تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَقَ يَعْقُوبَ ﴾ [هود: ٧١])(٣) وقريب من هذه الآية قوله تعالى: ﴿يَأَتُهَا النَّاسُ أَتَّقُواْ رَبَّكُمْ أَلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسِ وَلِدَةٍ (١) أضواء البيان ٢/ ٤١٢. (٢) التحرير والتنوير ١٧٥/١٣. (٣) المصدر السابق. وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءُ﴾ [النساء: ١]. هذا، ومما يلفت الأنظار أن خلق المرأة للرجل وعدم استغناء كلٍّ منهما عن الآخر أمر ضروري للتكاثر وبقاء الجنس البشرى، ولكن التناسل البشرى ليس كالتناسل في بقية الأجناس الأخرى، يجتمع فيه الذكر من قوام ماهية النعمة أن ينفرد بها المنعم مع الأنثى حيثما اتفق، وينتج عن ذلك نسل ضائع بينهما، بل إن الشرع الحنيف نظم هذا الأمر على أساس الزواج الشرعي الذي تحدد فيه الحقوق والواجبات بالنسبة لكل منهما وللنسل الذي ینتج عنهما. خلاصة الأمر أن خلق النساء وسيلة لاستبقاء النوع الإنساني على هذه الحياة إلى أن تقوم الساعة. ثانيًا: سكن للرجل: لما كان الإنسان يختلف عن غيره من الأجناس فليس الغرض من الزواج عنده مجرد قضاء شهوة، ولا التكاثر فقط، بل هناك أمور أسمى من ذلك، لذا كانت هناك أغراض سامية من وجود زوج للإنسان. من هذه الأغراض السكنَ، وقد دل على ذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَكُممِّن نَّفْسِ وَحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا [الأعراف: ١٨٩]. وقوله: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ أَنْ خَلَقَ لَّكُم مِّنْ جَوَسُو ◌َةُ الـ القرآن الكريمِ ١٦ النساء أَنْفُسِكُمْ أَزْوَجًا لِتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا﴾ [الروم: ٢١]. فـ«الزوج: ما لا يكمل المقصود إلا معه على نحو من الاشتراك والتعاون، وكانت المرأة زوج الرجل لما كان لا يستقل أمره في النسل والسكن إلا بها))(١). والسكن: ((السين والكاف والنون أصلٌ واحد مطرد، يدل على خلاف الاضطراب والحركة»(٢). فالسكن: ((ثبوت الشيء بعد تحرك))(٣). و((كل ما سكنت إليه))(٤). والمعنى هنا «لتألفوها، وتميلوا إليها، بعصمة الزواج قطعًا، أي: جعل بينكم وتطمئنوا بها، فإن المجانسة من دواعي التضام والتعارف، كما أن المخالفة من أسباب التفرق والتنافر)»(٥). والمراد بالسكن السكون القلبي لا الجسماني، فقد حكى الرازي أنه ((يقال (سکن إليه) للسکون القلبي، ویقال (سكن عنده) للسكون الجسماني، لأن كلمة (عند) جاءت لظرف المكان، وذلك للأجسام، و(إلى) للغاية، وهي للقلوب))(٦). (١) التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي هذه المراحل الثلاثة لوجدنا السكن بين ص٣٩٠. (٢) مقاييس اللغة، ابن فارس ٨٨/٣. (٣) المفردات، الراغب الأصفهاني ص٤٨٦. (٤) انظر: الصحاح، الجوهري ٤١٥/٦، المخصص، ابن سيده ٣١٩/٣. (٥) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٧ / ٥٦. وانظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ٣٣١/٤. (٦) مفاتيح الغيب ٢٥/ ٩٧. قال تعالى: ﴿ وَمِنْ ءَايَتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَجًا لِتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا وَحَعَلَ بَيْنَكُمْ قَوَدَّةٌ وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١]. ((بما رتب على الزواج من الأسباب الجالبة للمودة والرحمة، فحصل بالزوجة الاستمتاع واللذة والمنفعة بوجود الأولاد وتربيتهم، والسكون إليها، فلا تجد بین أحد في الغالب مثل ما بين الزوجين من المودة والرحمة»(٧). قال الألوسي: «المراد بهما ما كان منهما بالزواج الذي شرعه لكم توادًّا وتراحمًا من غير أن يكون بينكم سابقة معرفة، ولا مرابطة مصححة للتعاطف من قرابة أو رحم» (٨). الفرق بينهما: أن المودة: المحبة، والرحمة: الشفقة، أو المودة: حب الرجل امرأته، والرحمة: رحمته إياها أن يصيبها بسوء(٩)، إذ الود: ((محبة الشيء وتمني كونه»، والرحمة: ((رقة تقتضي الإحسان إلى المرحوم)»(١٠). يقول الشيخ الشعراوي: ((ولو تأملنا الزوجين، حيث يرتاح كلّ منهما إلى الآخر، ويطمئن له ويسعد به، ويجد لدیه حاجته. (٧) تيسير الكريم الرحمن ص٦٣٩. (٨) روح المعاني، الألوسي ٢١/ ٣١. (٩) انظر: الجامع لأحكام القرآن ١٧/١٤. (١٠) انظر: المفردات ص ٣٩١، ٤٩٩. www. modoee.com ١٧ حرف النون فإذا ما اهتزت هذه الدرجة ونفر أحدهما من الآخر جاء دور المودة والمحبة التي تمسك بزمام الحياة الزوجية وتوفر لكليهما قدرًا كافيًا من القبول. فإذا ما ضعف أحدهما عن القيام بواجبه نحو الآخر جاء دور الرحمة، فیرحم کل منهما صاحبه، يرحم ضعفه، يرحم مرضه .. وبذلك تستمر الحياة الزوجية، ولا تكون عرضة للعواصف في رحلة الحياة. فإذا ما استنفدنا هذه المراحل، فلم يعد بينهما سكن ولا مودة ولا حتى یرحم أحدهما صاحبه فقد استحالت بينهما العشرة، وأصبح من الحكمة مفارقة أحدهما للآخر)»(١). النبي صلى الله عليه وسلم في سفرٍ قالت: فسابقته، فسبقته على رجلي، فلما حملت اللحم سابقته فسبقني، فقال: (هذه بتلك السبقة)(٣). فالغرض من خلق المرأة أن تكون شریگًا للرجل في إعمار هذه الأرض، ولتكون مع الرجل وسيلة للحفاظ على النوع الإنساني، ولتكون عونًا له في هذه الحياة، فیسکن إليها ويطمئن إليها من تعب الحياة وعنائها، وليحصل بينها وبين الرجل ألفة ومودة ومحبة، ويحصل بينهما تراحم. وإذا نظرنا في حياة نبينا صلى الله عليه وسلم مع أزواجه نجدها حياة مملوءة بالسكن والمودة والرحمة، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: (كنت أشرب وأنا حائض، ثم أناوله النبي صلى الله عليه وسلم، فيضع فاه على موضع في فیشرب، وأتعرق العرق وأنا حائض، ثم أناوله النبي صلى الله عليه وسلم، فيضع فاه على موضع في)(٢). وعن عائشة رضى الله عنها أنها كانت مع (١) تفسير الشعراوي ١٣/ ٨٠٧٧. (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحيض، باب جواز غسّل رأس زوجها وترجيله وطهارة سؤرها والاتكاء في حجرها وقراءة القرآن فيه، ٢٤٥/١، رقم ٣٠٠. (٣) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الجهاد، باب في السبق على الرجل، ٣٣٤/٢، رقم ٢٥٨٠. وصححه الألباني في صحيح الجامع، ١١٧٥/٢، رقم ٧٠٠٧. جَوَسُور القرآن الكريم ١٨ النساء تكريم المرأة كان العرب في الجاهلية يمتهنون المرأة ويحتقرونها، ولا يجعلون لها أي حقوق، بل كانوا يقتلونها، فجاء الإسلام الحنيف فأكرمها أيما تكريمٍ، فساوى بينها وبين الرجل، وجعل لها حقوقًا، وأمر بالإحسان إليها، وسوف نوجز الحديث عن هذه النقاط فيما يأتي: أولًا: المساواة بينها وبين الرجل في الأعمال وثوابها: ربنا سبحانه خلق نوعي الإنسان الذكر والأنثى، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ, خَلَقَ اُلْزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىِ ﴾ [النجم : ٤٥]. وهيأ كل واحدٍ منهما للقيام بدوره ومهامه في هذه الحياة ﴿قَالَ رَبُنَا الَّذِىّ أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ( ٥)﴾ [طه: ٥٠]. وجعل لكل واحدٍ منهما مهمة یقوم بها في هذه الحياة، وشرع لكل واحد منهما من التكاليف ما يتناسب مع ما خلق له، ولم يفرق بينهما في الثواب على الأعمال، فعن أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت: قلت: يا رسول الله، يذكر الرجال ولا يذكر النساء. فأنزل الله عز وجل ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ﴾ وَالْمُسْلِمَتِ وَالْمُؤْمِنِينَ أضيع أنّ لَآَ [الأحزاب: ٣٥] الآية، وأنزل عَمَلَ عَمِلٍ مِّنْكُمْ مِنِ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىْ بَعْضُّكُم مِّنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ١٩٥](١). («فكلا الصنفين في الثواب على الطاعة سواء، لا فرق بينهم فيه إلا بقدر العمل وكيفيته، دون أن يكون للذكورة أو الأنوثة دخل فيه. وعلل هذه المساواة بقوله جل وعلا: ﴿بَعْضُّكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ فالذكر مفتقر في وجوده إلى الأنثى، والأنثى مفتقرة في وجودها إلى الرجل، فالأصل واحد))(٢). وأيضًا ساوى بينهما في الحقوق وَهُنَّ مِثْلُ والواجبات، كما قال سبحانه الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِالْمُعْرُوفِّ وَلِّجَالِ عَلَِّنَّ دَرَجَةٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. ((وقوله: ﴿وَ لِلِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ إثبات لتفضيل الأزواج في حقوق كثيرة على نسائهم لكيلا يظن أن المساواة المشروعة بقوله: ﴿وَنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِالْعْرُوفِ﴾ مطردة، ولزيادة بيان المراد من قوله: ﴿بِالْعْرُوفِ﴾، وهذا التفضيل ثابت على الإجمال لكل رجلٍ، ويظهر أثر هذا التفضيل عند نزول المقتضيات الشرعية والعادية))(٣). ((وليس معنى أن الواجبات على المرأة مساوية للحقوق التي لها على الرجل أن (١) أخرجه الحاكم في المستدرك، ٤٥١/٢، رقم ٣٥٦٠. وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ولم يتعقبه الذهبي. (٢) التفسير الوسيط ٢/ ٧٣٣. (٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٨١/٢. www. modoee.com ١٩ حرف النون المرأة مساوية للرجل من كل الوجوه، كل الظلم للمرأة. فإن الإسلام قرر فقط تساوى الحقوق والواجبات بالنسبة لها، وليس لذلك علاقة بشأن المساواة بينها وبين الرجل في نوع الحقوق والواجبات. ولكي لا يفهم أحد هذا المعنى قال الله متكاملتان كتكامل الليل والنهار، وهما آيتان سبحانه وتعالى: ﴿وَلِلِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ﴾ فالرجل ليس مساويًا للمرأة، وليست المرأة مساوية الرجل؟ لأن قانون المساواة یوجب أولًا تحقق المماثلة، ومن البداهة أنه لا مماثلة بينهما، فهما وإن كانا من جنس واحد إلا أنهما نوعان متقابلان غير متماثلين، وإن كان كلاهما متممًا للآخر، ومن ازدواجهما يتكامل النوع الإنساني ويسير في مدارج الكمال. وإذا كانت الأسرة لا تتكون إلا من ازدواج هذين العنصرين فلابد أن يشرف على تهذيب الأسرة ويقوم على تربية ناشئتها وتوزيع الحقوق والواجبات فيها أحد العنصرين، وقد نظر الإسلام إلى هذا الأمر نظرة عادلة، فوجد الرجل أملك لزمام نفسه، وأقدر على ضبط حسه، ووجده الذي أقام البيت بماله وأن انهياره خراب علیه، فجعل له الرياسة»(١). يقول الشيخ الشعراوي: ((وعجيب أن يرى البعض أن الذكورة نقيض الأنوثة، ويثيرون بينهما الخلاف المفتعل الذي لا معنى له، فالذكورة والأنوثة ضرورتان يستقبلهما الناس جميعًا، هل نجري مقارنة بين الليل والنهار، وهما آيتان يستقبلهما الناس جميعًا؟ هل نجري مقارنة بين الليل والنهار أيهما أفضل؟ لذلك تأمل دقة الأداء القرآني حينما جمع بين الليل والنهار، وبين الذكر والأنثى، وتدبر هذا المعنى الدقيق: ﴿وَالَّلِ إِذَايَفْشَىِ وَالنَّهَارِ إِذَا ◌َجَلَّى ) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَآلْأُفَ إِنَّ سَمْيَكٌ لَشَقَّن﴾ [الليل: ١-٤]. أي: مختلف، فلكلُّ منکما مهمته، كما أن الليل للراحة والسكون والنهار للسعي والعمل، ويتكامل سعيكما ينشأ التكامل الأعلى. فلا داعي إذن لأن أطلب المساواة بالمرأة، ولا أن تطلب المرأة المساواة بالرجل، لقد صدعت رؤوسنا من هؤلاء المنادين بهذه المساواة المزعومة، والتي لا معنى لها بعد قوله تعالى: ﴿إِنَّ سَمْيَكٌ تَشَقّ﴾﴾ [الليل:٤]، أي: مختلف، فلكلِّ أما المساواة المزعومة التي ينادي بها منكما مهمته، كما أن الليل للراحة والسكون أعداء الإسلام فليست مساواة، بل هي الظلم والنهار للسعي والعمل، ويتكامل سعيكما (١) زهرة التفاسير، أبو زهرة ٢/ ٧٦٨. ٢٠ جوببيو القرآن الكريمِ النساء ينشأ التكامل الأعلى)) (١). خلاصة الأمر أن الإسلام الحنيف ساوى بين الرجل والمرأة مساواة حقيقة لا جور فيه لأحدهما على الآخر، هذه المساواة لها مظاهر متعددة، منها: ساوى بينهما في الثواب والعقاب، فلا يفرق بينهما في الثواب والعقاب بسبب ذكورة أو أنوثة. ((وقد بين الله تعالى علة هذه المساواة بقوله ﴿بَعْضُكُمْ مِّنْ بَعْضٍ﴾ فالرجل مولودٌ من المرأة، والمرأة مولودةٌ من الرجل، فلا فرق في البشرية، ولا تفاضل بينهما إلا بالأعمال، أي: وما تترتب عليه الأعمال ويترتب هو عليها من العلوم والأخلاق))(٢). ساوى بينهما في أصل الخلقة، فكلاهما مخلوق لله، وینتهي أصلهما لآدم عليه السلام وآدم مخلوق من تراب. ساوی بینھما بأن شرع لكل منهما ما يناسب طبيعته التي خلقه عليها، فلم یکلف واحدًا منهما ما يتناقض وطبيعته أو يعجز عن القيام به. «فكان التفاوت في التكاليف والأحكام أثر التفاوت في الفطرة والاستعداد))(٣). (١) تفسير الشعراوي ١١٣٥٦/١٨. (٢) تفسير المنار ٤/ ٢٥٠. (٣) المصدر السابق ٥٦/٥. فإذا نظرنا إلى حقوق كلٍ منهما نجدها مساوية للواجبات المفروضة عليه للطرف الآخر. ثانيًا: حقوق المرأة: ومن مظاهر تكريم الله تعالى للمرأة أن أوجب لها حقوقًا كثيرة لم يقررها لها أي تشريعٍ آخر، هذه الحقوق منها حقوق مادية ومنها حقوق معنوية، نذكر بعضها: الحقوق المادية: ١. أن يدفع لها مهرًا للزواج بها. وهذا المهر واجب، (وليس ينبغي لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم أن ينكح امرأة إلا بصداق واجب، ولا ينبغي أن يكون تسمية الصداق كذبًا بغير حق. ومضمون كلامهم: أن الرجل يجب عليه دفع الصداق إلى المرأة حتمًا، وأن يكون طيب النفس بذلك، كما يمنح المنيحة ويعطي النحلة طيبًا بها، كذلك يجب أن يعطي المرأة صداقها طيبًا بذلك، فإن طابت هي له به بعد تسميته أو عن شيء منه فليأكله حلالًا طيبًا))(٤). يقول تعالى: ﴿وَءَاتُواْ أَلِسَآءُ صَدُقَئِنَّ ◌ِلَةٌ﴾ [النساء: ٤]. هذا الصداق إنما هو ملك خالص لها لا ساوى بينهما في الحقوق والواجبات، يحل لأحد أن يأخذ منه شيئًا إلا بطيب نفسٍ منها. (٤) تفسير القرآن العظيم ٢١٣/٢. www. modoee.com ٢١ حرف النون قال تعالى: ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِنْهُنَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيَنَامَّيِّئًا﴾﴾ [النساء: ٤]. أو يكون عن طريق الخلع ﴿وَلَا يَحِلُ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُواْ مِمَّآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّ أَنْ يَخَافَآ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. أما لو أراد الزوج من تلقاء نفسه أن يطلقها ليتزوج بغيرها فهذا لا يحل له أن يأخذ منها شيئًا ﴿وَإِنْ أَرَدَثُمُ أَسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَّوْجِ وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَدُهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًاْ أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَنَّا وَإِنْمَّا قُّبِينًا ﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُمْ مِيثَقًّا غَلِيظًا ﴾ [النساء: ٢٠-٢١]. هذا الصداق واجب حتى ولو كانت ﴿وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ الْمُؤْمِنَتِ الزوجة كتابية وَالْتُصَنَكُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَآَ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِىّ أَخْدَانٍ ﴾ [المائدة: ٥]. بل ((قال المالكية: شروط صحة النكاح أن يكون بصداقٍ، ولو لم يذكر حال العقد فلا بد من ذكره عند الدخول، أو تقرر صداق المثل))(١). ٢. النفقة عليها في حدود المعروف. ومن حقوقها أيضًا النفقة عليها، يقول تعالى: ﴿وَإِنَ كُنَّ أُوْلَتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حَقَّ يَضَعْنَ حَلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٢]. (١) الموسوعة الفقهية الكويتية ٣٠٤/٤١. نفقة المرأة على زوجها واجبة، ولا تسقط لشيء غير النشوز (٢)، بل إنه إذا لم يعطها ما یکفیها وولدها فلها أن تأخذ من ماله بدون علمه بالمعروف، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: دخلت هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجلٌ شحيحٌ لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ویکفي بني إلا ما أخذت من ماله بغير علمه، فهل علي في ذلك من جناح؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ویکفي بنيك)(٣). والنفقة لا تقتصر على الزوجة، بل يلزم الرجل أن ينفق على أمه وأخته وبنته، فـ«نفقة الأم تجب على ولدها في حالتين: الحالة الأولى: أن يكون والده عاجزًا عن الإنفاق عليها. الحالة الثانية: أن يكون والده متوفى، وهي خلية من الزوج (٤). يقول تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونٌ قُلْ مَآ أَنْفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرِبِينَ (٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٠١٧٤/٥ (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع، باب من أجرى أمر الأمصار على ما يتعارفون بينهم في البيوع والإجارة والمكيال والوزن وسنتهم على نياتهم ومذاهبهم المشهورة، ٧٦٩/٢، رقم ٢٠٩٧، ومسلم في صحيحه، واللفظ له، كتاب الأقضية، باب قضية هند، ١٣٣٨/٣، رقم ١٧١٤. (٤) الفقه المنهجي، مجموعة مؤلفين ٤ /١٧٦. جَوُوبَةُ النَّفْتَ القرآن الكريمِ ٢٢ النساء وَالْبَى وَالْسَلِكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلُ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ بِالْمُعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِ عَلِيمٌ (١٥)﴾ [البقرة: ٢١٥]. ((استدل بهذه الآية على وجوب نفقة الوالدين والأقربين على الواجد، وحمل بعضهم الآية على أنها في الوالدين إذا كانا فقيرين وهو غني))(١). أما نفقة البنت فهي واجبة مثلها مثل الابن في ذلك، ولا خلاف في ذلك. ٣. السكنى والكسوة والإطعام. سكنى الزوجة واجبة على زوجها اتفاقًا؛ لأن الله تعالى جعل للمطلقة الرجعية السكنى على زوجها ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَتُم مِّنِ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق:٢]؛ السكنی لغیر المطلقة أولى. ولأن الله تعالی أوجب المعاشرة بين الأزواج بالمعروف ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ ◌ِآلْمَعْرُوفِ ﴾ [النساء: ١٩ ]، ومن المعروف المأمور به أن يسكنها في مسکنٍ تأمن فيه على نفسها ومالها، كما أن الزوجة لا تستغني عن المسكن؛ للاستتار عن العيون والاستمتاع وحفظ المتاع. فلذلك کانت السكنی حقًا لها على زوجها، وهو حقٌّ ثابتٌ بإجماع أهل العلم(٢). والکسوة واجبة أيضًا، قال الماوردي«أما كسوة الزوجة فمستحقةٌ على الزوج؛ لقول الله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمُؤَلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ (١) البحر المحيط، أبو حيان ٢/ ١٥١. (٢) انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية ١٠٨/٢٥. ولأن اللباس مما لا تقوم الأبدان في دفع الحر والبرد إلا به، فجری في استحقاقه على الزوج مجرى القوت)) (٣). عن معاوية القشیری قال: قلت: يا رسول الله، ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: (أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت -أو اكتسبت- ولا تضرب الوجه ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت) (٤). وهناك اختلافات بين الفقهاء في بعض تفاصيل تطلب من مظانها في كتب الفروع. الحقوق المعنوية: ١. القوامة. قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنَفَقُواْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤]. قد يلفت الانتباه جعل القوامة حقًّا من حقوق المرأة مع أن المتبادر إلى أذهان كثير من الناس أن القوامة حق للرجل، ولكن يمكن القول: إن القوامة حق للمرأة، وذلك أن «القوام: المبالغ في القيام)»(٥). (٣) الحاوى الكبير، الماوردي ١١/ ٩٧١. (٤) أخرجه أحمد في مسنده، ٤ /٤٤٦، رقم ٢٠٠٢٥، وأبو داود في سننه، واللفظ له، كتاب النكاح، باب في حق المرأة على زوجها، ٢١٠/٢، رقم ٢١٤٤. وصححه الألباني في صحيح أبي داود الأم، ٣٥٩/٦، رقم ١٨٥٩. (٥) التفسير البسيط، الواحدي ٦/ ٤٨٥. www. modoee.com ٢٣ حرفالنون فكأنه مأمور بالمبالغة في القيام على توزيع التكليفات، فإذا كان للرجل رياسة عامة فللمرأة أيضا رياسة نوعية، ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها))) (٢) شؤون المرأة، لذلك كانت الآية الكريمة ﴿اَلْرِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى النِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَآ أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤]. فالقوام: ((الذي يقوم على شأن شيءٍ ویلیه ويصلحه، لأن شأن الذي يهتم بالأمر ويعتني به أن يقف ليدير أمره، فأطلق على الاهتمام القيام بعلاقة اللزوم، أو شبه المهتم بالقائم للأمر على طريقة التمثيل ... وقيام الرجال على النساء هو قيام الحفظ والدفاع، وقيام الاكتساب والإنتاج المالي))(١). فـ((ليست القوامة مطلق الرياسة، بل إن الرياسة تسمى قوامة إذا كان الرئيس يقوم على رعاية المرؤوس والمحافظة على حقوقه وواجباته. ومن هذا المعنى قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ فإن المعنى: أن الرجال يقومون على شؤون النساء بالحفظ والرعاية والكلاءة والحماية، فيقوم الآباء على رعاية بناتهم والمحافظة على أنفسهن وأخلاقهن ودينهن، والأزواج يقومون على شؤون زوجاتهم بالحفظ والرعاية والحماية والصيانة، ومن هنا تجيء الرياسة، بل إن قيام الرجل على شؤون الزوجة ليس فيه رياسة، إنما فيه حماية ورعاية وهو من قبيل (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤/ ١١٣. جوسين القرآن الكريمِ وهذا المعنى هو الذي يفهم من السياق، وذلك أن الآية قبلها تتحدث عن الميراث ﴿وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَلِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَلِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَّ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ فَشَاتُوُهُمْ نَصِيبَهُمّْ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدًا ﴾ [النساء: ٣٣]. فلما تكلم النساء ((في تفضيل الله الرجال عليهن في الميراث بين في هذه الآية أنه إنما فضل الرجال على النساء في الميراث؛ لأن الرجال قوامون على النساء، فهم وإن اشتركوا في استمتاع کل واحدٍ منهم بالآخر فالله أمر الرجال بالقيام عليهن والنفقة ودفع المهر إليهن)»(٣). فكأنها مسوقة لبيان السبب فى استحقاق الرجال أكثر من النساء من الميراث. ٢. المعاشرة بالمعروف. (٢) زهرة التفاسير، أبو زهرة ١٦٦٧/٣. والحديث أخرجه البخاري في صحيحه، واللفظ له، كتاب الجمعة، باب الجمعة في القرى والمدن، ٣٠٤/١، رقم ٨٥٣، ومسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل وعقوبة الجائر، ١٤٥٩/٣، رقم ١٨٢٩. (٣) اللباب في علوم الكتاب ٣٥٩/٦. ٢٤ النساء التعامل بالمعروف مأمور به في حياة الوداع قال: (فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف)(٣). المسلم کلها وفي تعامله مع کل الناس، وأولی الناس بهذا المعروف أقربائه، وأولى الأقرباء النساء عامة، لضعفهن، والزوجات خاصة. يقول تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ يِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]. على النساء أن يكون أدمة ما بينهم وصحبتهم على التمام والكمال، فإنه أهدا للنفس، وأقر للعین، وأهناً للعیش، وهذا واجبٌ علی الزوج)»(١). والمراد بالمعروف: ((ما تألفه الطباع السليمة ولا يستنكره الشرع ولا العرف ولا المروءة»(٢). بل حتى في حالة حدوث طلاق بين الزوجين يأمر الله تعالى الرجل أن يتعامل معها بالمعروف، سواء أراد أن يردها إلى عصمته أو أراد أن يفارقها، فقال: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ فَلَغْنَ أَجَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِحُوهُنَّ ◌ِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١]. ﴿فَإِذَا بَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ وقال: بِمَعْرُوفٍ أَوْفَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ [الطلاق: ٢]. وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بمعاشرتهن بالمعروف، ففي حجة (١) أحكام القرآن، ابن العربي ٢/ ١٩٦. (٢) التفسير المنير، الزحيلي ٢٩٩/٤. وهناك أمور تتنافى مع المعاشرة ((فأمر الله سبحانه الأزواج إذا عقدوا بالمعروف، ((فالتضييق في النفقة، والإيذاء بالقول، أو الفعل، وكثرة عبوس الوجه، وتقطيبه عند اللقاء، كل ذلك ينافي العشرة بالمعروف)» (٤) ٣. الإحسان إلى المرأة. من مظاهر تكريم الإسلام للمرأة أنه أمر بالرفق بها والإحسان إليها أمَّا وأختًا وبنتًا وزوجة، علی ما یأتي بيانه. أمر بالإحسان إلى الأم ضمن الأمر بالإحسان إلى الوالدين، بل جعل الإحسان إليهما حقًّا تاليًا لعبادة الله تعالى في قوله سبحانه: ﴿وَأَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ يِءَ شَيْئاً وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنًا وَبِذِى الْقُرْبَ﴾ [النساء: ٣٦]. وقوله: ﴿قُلْ تَعَالَوَاْ أَقْلُ مَا حَزَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُواْ بِهِهِ شَيْئاً وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنًا﴾ [الأنعام: ١٥١]. (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم، ٨٨٦/٢، رقم ١٢١٨. (٤) تفسير المنار، محمد رشيد رضا ٣٧٤/٤. www. modoee.com ٢٥ حرفالنون وخصها النبي صلى الله عليه وسلم بمزيد فضل عندما سأله رجل قائلا: (يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: ثم أمك. قال: ثم من؟ قال: ثم أمك. قال: ثم من؟ قال: ثم أبوك)(١). وأمر في الإعطاء أن يبدأ بها، فقال صلى الله عليه وسلم وهو يخطب الناس على المنبر: (يد المعطي العلیا، وابدأ بمن تعول: أمك وأباك وأختك وأخاك وأدناك وأدناك)(٢). وصلتها حتى ولو كانت غير مسلمة، فعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: قدمت علي أمي وهي مشركة في عهد رسول الله صلی الله عليه وسلم فاستفتیت رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: إن أمي قدمت وهي راغبة، أنأصل أمي؟ قال: (نعم صلي أمك)(٣). (١) أخرجه البخاري، واللفظ له، كتاب الأدب، باب من أحق الناس بحسن الصحبة، ٢٢٢٧/٥، رقم ٥٦٢٦، ومسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة، باب بر الوالدين، ٤ /١٩٧٤، رقم ٢٥٤٨. (٢) أخرجه الحاكم في المستدرك، ٢ / ٦٦٨، رقم ٤٢١٩. وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ولم يتعقبه الذهبي. (٣) أخرجه البخاري، واللفظ له، كتاب الهبة وفضلها، باب الهدية للمشركين، ٩٢٤/٢، رقم ٢٤٧٧، ومسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب فضل النفقة والصدقة على الأقربين والزوج والأولاد والوالدين ولو ولكن لا يجوز طاعتهما في معصية الله تعالى لقوله سبحانه ﴿وَإِن جَهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ [العنكبوت: ٨]. أمر بالإحسان إلى البنات، فقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم وكان العرب يقتلون البنات خشية العار وخشية الفقر، فنهى الله تعالى عن ذلك ﴿قُلْ تَعَالَوَا أَثْلُ مَا حَزَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَ تُشْرِكُوا بِ شَيْئًاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَنًا وَلَا تَقْتُلُواْ أَوْلَدَكُم مِّنْ إِمْلَقِّ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَاهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١]. وَلَ نَّقْتُلُواْ أَوْلَدَّكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَقٍّ ◌َّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ ﴾ [الإسراء: ٣١]. والولد يشمل الذكر والأنثى، بدليل قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَدِ كُمّ لِلذَّكْرِ مِثْلُ حَظِّ الْأَنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]. وذم من قتلها أشد الذم، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُردَةُ سُئِلَتْ ل ◌ِأَتِ ذَنْبٍ قُئِلَتْ [التكوير: ٨-٩]. وقد بَيَّنَ صلى الله عليه وسلم أن الإحسان إلى البنات من أسباب النجاة من النار، فعن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: جاءتني امرأة معها ابنتان تسألني، فلم تجد عندي غير تمرة واحدة، فأعطيتها، فقسمتها بين ابنتيها، ثم قامت كانوا مشركين، ٦٩٦/٢، رقم ١٠٠٣. ٢٦ لِلْعُرآن الكَرِيْمِ