النص المفهرس

صفحات 41-60

موسى عليه السلام
لعلهم يرجعون، فلم يجد موسى سوى ◌ِهِ، مِنْ ءَايَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ
فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الْتُلُوفَانَ وَالْجَرَادَ وَاَلْقُمَّلَ
وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ ءَايَتٍ مُّفَضَّلَتٍ فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ
قَوْمًا تُّجْرِمِينَ (٣)﴾ [الأعراف: ١٣٠ - ١٣٣].
مطالبة قومه بالصبر إلى يوم يفتح الله عز
وجل علیھم بالتمكين والنصر ﴿ قَالَ مُوسَى
لِقَوْمِهِ أَسْتَعِينُواْ بِاللَّهِ وَأَصْبِرُوَاْ إِنَّ الْأَرْضَ
لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَقِبَةُ
قَالُواْ أُوْذِينَا مِن قَبْلٍ أَنْ
لِلْمُتَّقِينَ (@)
تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَأَ قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ
أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ
فِ الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ
[الأعراف: ١٢٨- ١٢٩].
فاض الكيل بموسى عليه السلام ومن
في تحدٍ صارخ لنبوته ﴿مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ، مِنْ ءَايَةٍ
◌ِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ
(١٣٢
[الأعراف: ١٣٢].
معه من تكذيب فرعون وقومه الذين أعلنوا إِذَاهُمْ يَنْكُثُونَ ﴾ [الأعراف: ١٣٤ -٥
فأرسل الله تعالى على الفراعنة سوء
العذاب، وجاءتهم آيات العذاب الواحدة
تلو الأخرى لعلهم يرجعون، ويسجل لنا
القرآن الکریم صورًا شتى من هذه العذابات
التي ذكرنا بعضها عند الحديث عن آيات
موسی ومعجزاته.
يقول عز وجل: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاءَالَ
فِرْعَوْنَ بِلْسِنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ
يَذَكَّرُونَ ﴿ فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا
لَنَا هَذِهِ، وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى
وَمَن مَّعَةُ، أَلَا إِنَّمَا طَيْرُهُمْ عِندَ اللَّهِ وَلَكِنَّ
أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ( وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْيِنَا
ولما تضاعف عليهم العذاب لم يجدوا
إلا أن يلجؤوا إلى موسى ليكشف عنهم
الضر مع وعد منهم بأن يؤمنوا ﴿وَلَمَّا وَقَعَ
عَلَيْهِمُ الْرِجْزُ قَالُواْ يَمُوسَى أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا
عَهِدَ عِندَكْ لَبِن كَشَفْتَ عَنَّا الْرِجْزَ لَتُؤْمِنَنَّ
لَكَ وَلَنُرْسِكَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرِِّيلَ ) فَلَمَّا
كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُم بَلِفُوهُ
ضاقت السبل بفرعون ولم يجد وسيلة
لإيقاف الدعوة الجديدة، فالقتل والتشريد
والسحل والتعذيب لم يجد مع أتباع موسى
نفعًا، ومن ثم یحتاج إلی تغییر خطته، فكان
التفكير في وسيلة ناجعة يتخلص بها من هذا
الذي يؤرق ملكه وملك أبنائه من بعده، فكان
قراره بالتخلص من موسى نفسه متناسيًا أن
الفكرة لا تموت وأنه مهما تضافرت المحن
سيظل هناك مؤمنون يضحون من أجل الدين
بأغلى ما لديهم؛ فقال: ﴿ذَرُونِ أَقْتُلٌ مُوسَى
وَلَيَدْعُ رَبَّهٌُ إِّ أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن
يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ اَلْفَسَادَ ﴾ [غافر: ٢٦].
إنه يتحدث إلى قومه كأنهم أصحاب
قرار، والحقيقة أنهم لم يكونوا يومًا أصحاب
قرار في هذا الحكم الاستبدادي؛ إنما أراد
www. modoee.com
٤٧

حرف الميم
أن يحشد الرأي العام كله ضد النبي الجديد
ومن معه ليتوقفوا عن الإيمان به رغبًا أو
رهبًا .. إنه يستعدي جزءًا من الشعب على
جزءٍ آخر اختار الإيمان بالرسالة الجديدة.
ولأن الدنيا لا تعدم الخير مهما علا
شأن الباطل وأهله؛ فقد انبرى رجل مؤمن
في موطن الفساد ومعطن الاستبداد مدافعًا
عن موسى عليه السلام ومتحدثًا بلغة العقل
والمنطق، وقد قص القرآن ما كان منه.
يقول عز وجل: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ
ءَالٍ فِرْعَوْنَ يَكْتُهُ إِيمَنَهُ، أَنَقْتُلُونَ رَجُلًا
أَنْ يَقُولَ رَبَِّ اَللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُمْ بِالْبَيِّنَتِ مِن
زَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ، وَإِن يَكُ
صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِى يَعِدُّكُمْ إِنَّ اللَّهَ
لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَتَّابٌ ﴿ يَقَوْمِلَكُمْ
الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَهِرِينَ فِى الْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا
مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِن جَاءَنَاْ قَالَ فِرْعَوْنُ مَآ أُرِيَكُمْ إِلَّا
مَآ أَرَى وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ ) وَقَالَ
اُلَّذِىّ ءَامَنَ يَقَّوْمِ إِّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِّثْلَ يَوْمِ
مِثْلَ دَأْبٍ قَوْمِ نُوجِ وَعَادٍ وَثَمُودَ
الأَحْزَابِ
وَلَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ
ءَ
وَيَقَوْمِ إِنَّ أَخَافُ عَلَيْكُوْ يَوْمَ النَّنَادِ ) يَوْمَ تُولُونَ
مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِرٍ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ
◌ََّا لَهُ مِنْ هَادٍ { وَلَقَدْ جَآءَ كُمْ يُوسُفُ مِن
قَبْلُ بِالْبَيِّنَتِ فَا زِلْتُمْ فِى شَكِمِمَا جَآءَ كُم بٌِّ
حَّ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اَللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ،
رَسُولَاَ كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ
٣٤ ° [غافر: ٢٨-٣٤].
◌ُرْتَابُ
ضاق موسى عليه السلام بفرعون وقومه
فدعا قائلًا: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ ءَاتَيْتَ فِرْعَوْنَ
وَمَلَّهُ زِينَةً وَأَقْوَلَا فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ
عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا أَطْمِسْ عَلَى أَمْوَلِهِمْ وَأُشْدُدْ عَلَى
قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَقَّ يَرَوْ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ
٨٨
[يونس: ٨٨].
وفي النهاية لم يؤمن له ﴿إِلَّا ذُرِيَّةٌ مِن
قَوْمِهِ، عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَيْهِمْ أَن
يَفْئِنَهُمْ﴾ [يونس: ٨٣].
وقد اختلف في المراد بالذرية في الآية،
يقول البيضاوي: ﴿إِلَّا ذُرِيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ﴾ إلا
أولاد من أولاد قومه بني إسرائيل دعاهم
فلم يجيبوه خوفًا من فرعون إلا طائفة من
شبانهم، وقيل: الضمير لفرعون والذرية
طائفة من شبانهم آمنوا به، أو مؤمن آل فرعون
وامرأته آسیة وخازنه وزوجته وماشطته على
خوفٍ من فرعون وملائهم أي: مع خوف
منهم، والضمیر لفرعون وجمعه على ما
هو المعتاد في ضمير العظماء، أو على أن
المراد بفرعون آله كما يقال: ربيعة ومضر،
أو للذرية أو للقوم)) (١).
حانت ساعة النجاة فجاء الأمر الإلهي
إلى موسى عليه السلام ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِى لَيْلًا
إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ ﴾ [الدخان: ٢٣].
فالليل ستر لكل من فر من عدوٍ يتربص
(١) أنوار التنزيل ١٢١/٣.
٤٨
جوبيبو
القرآن الكريم

موسى عليه السلام
إن اتفاقًا جری علی أن یترك فرعون موسى
وقومه يخرجون من مصر حتی یتخلص من
العذابات التي أحاطت بقومه غير أن فرعون
حنث بعهده وأتبعهم هو وجنوده؛ ولو کان
هذا الرأي صحيحًا لما نصحوا بالخروج
ليلا كما نقل لنا القرآن الكريم، كما إن
الرواية التي تذهب إلى أنه تبعهم بعد أن
علم بأن نساء اليهود قد استعاروا الحلي من
المصريات على أن يعيدوه ثم خرجوا به(١).
هي رواية متهافتة تستحيل عقلا فكيف
يعير المصريون حليهم النفيسة اليهود
الممتهنين في ذلك الوقت؟!
وأمر موسى عليه السلام من قبل ربه
﴿ فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِى الْبَحْرِ يَسَا لَا تَخَفُ دَرًَّا
وَلَا تَخْشَى﴾ [طه: ٧٧].
وهكذا يكون للعصا دور آخر جديد،
فبعد أن كانت حية تسعى صار منوطًا بها شق
البحر بإذن الله تعالى، لكن فرعون وقومه
لم يكونوا ليذروهم يخرجون من مصر
دون ملاحقة، ﴿فَتْبَعُوهُمْ تُشْرِفِينَ ))
[الشعراء: ٦٠].
﴿فَأَنْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ، بَغْيَا وَعَدْوًّا﴾
[يونس: ٩٠].
ورغم أن الله عز وجل طمأن موسی بألا
(١) انظر: قصص الأنبياء، عبد الوهاب النجار،
ص ٢٥٧.
به، وقوله تعالى ﴿ليلًا﴾ يرد الرواية القائلة يخاف لحاق فرعون وجنوده إلا أن الخوف
قد عاوده مرة أخرى، لكن سرعان ما ازداد
ثقة بخالقه الذي كثيرًا ما لجأ إليه في ملماته؛
فصار مصدر اطمئنان لقومه بعد تسلل
الرعب إليهم، ويصور القرآن هذا المشهد.
يقول تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَّهَا الْجَمْعَانِ قَالَ
أَصْحَبُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴾ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِىَ
فَأَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَى أَنِ أَضْرِبِ
رَبِّ سَيَهْدِينِ )
بِعَصَاكَ الْبَحْرٌّ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَلَّوْرِ
اَلْعَظِيمِ ﴾ [الشعراء: ٦١ -٦٣].
وعندها مر موسى وقومه وخاطبه ربه
﴿وَأَتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًّاْ إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُّغْرَقُونَ
قائلا:
[الدخان: ٢٤].
«وفي ﴿رَهوًا﴾ وجهان: أحدهما ساكنًا
أي: لا تضربه ثانيةً واتركه على هيئته من
انتصاب الماء وكون الطريق بيسًا. وذلك
أن موسی أراد أن یضربه حتی ینطبق خوفًا
من أن يدركهم قوم فرعون، والله تعالى
أراد أن يدخل القبط البحر ثم يطبقه عليهم.
وثانيهما: أن الرهو الفجوة الواسعة أي:
اتركه مفتوحًا منفجرًا على حاله)» (٢).
في اللحظة التي بدأ البحر ينطبق فيها
على فرعون وجنوده بعد اجتياز موسى عليه
السلام ومن معه وبدأت المياه في الارتفاع
قال فرعون: ﴿مَامَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِىّ ءَامَنَتْ
◌ِه بَنُواْ إِسْرََّيلَ وَأَنْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٩٠]؟
(٢) غرائب القرآن، النيسابوري ١٠٥/٦.
www. modoee.com
٤٩

حرف الميم
لكن توبته المزعومة لم تكن لتنفعه في هذا الله عليه وسلم بصيامه ففي حديث ابن
عباس رضي الله عنهما قال: (قدم النبي
صلى الله عليه وسلم المدينة فرأى اليهود
تصوم يوم عاشوراء؛ فقال: ما هذا؟ قالوا:
هذا يومٌ صالح نجى الله فيه بني إسرائيل
من عدوهم فصامه موسى؛ قال: فأنا أحق
بموسى منكم؛ فصامه وأمر بصيامه) (٣).
الوقت؛ لأنها لم تكن عن إيمان وقناعة
وإنما كعادة قومه الذين طلبوا من موسى
أن یکشف عنهم الرجز ووعدوه بالإيمان
به حال كشفه، وسرعان ما عاودوا الكفر
وحنثوا بالعهد، وقد أراد من وراء ذلك أن
يدفع عن نفسه الغرق، ولا يلتفت إلى ما قاله
البعض من أن فرعون عندما رأى البحر قرر
عدم الولوج غیر أن جبريل مکر به، فأقبل
علی فرس أنثى، فأدناها من حصان فرعون،
فطفق فرسه لا يقر؛ فما ملك فرعون فرسه
أن ولج علی أثره(١)، فلو صدقت نية فرعون
في عدم متابعة موسی لصحت توبته، فالله لا
یظلم الناس شيئًا.
وهنا جاءه الرد الإلهي الحاسم ﴿ءَالْقَنَ
وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ
فَأَلْيَوْمَ نُنَجِيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ مَايَةٌ
وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ ءَايَئِنَا لَغَيْفِلُونَ (
٩٢
[يونس: ٩١-٩٢].
قال النيسابوري: ((لتكون دليلا على
کمال قدرتنا وعنایتنا. وإن من اتبع خواص
عبادنا نجعله من أهل النجاة والدرجات بعد
أن كان من أهل الهلاك والدركات)» (٢).
ونظرًا لأهمية ذلك اليوم الذي نجی الله
فيه موسى وقومه؛ فقد أوصى النبي صلى
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٩/ ٣٦٠.
(٢) غرائب القرآن ٦١٠/٣.
بل كان حريصًا على صيامه حرصه على
صيام الفريضة ففي حديث ابن عباس رضي
الله عنهما أيضًا قال: (ما رأيت النبي صلى
الله عليه وسلم يتحرى صيام فضله على
غيره إلا هذا اليوم يوم عاشوراء وهذا الشهر
یعني شهر رمضان) (٤).
إن نهاية فرعون وهامان وجنودهما
المستحقة تجعل المؤمنين يثقون بنصر ربهم
وصدق موعوده لهم بأن القهر والاستبداد
مهما طال بهم فسيأتي اليوم الذي يسعدون
به وتقر أعينهم ﴿وَثُرِيدُ أَنْ ثَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ
أُسْتُضْعِفُواْ فِ الْأَرْضِ وَنَجْمَلَهُمْ أَبِمَّةً
وَنَجْعَلَهُمُ الْوَرِثِنَ ﴾ [القصص: ٥].
وتلك هي سنة الله تعالى في خلقه
﴿ وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَاتِ
لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِ الْأَرْضِ كَمَا أُسْتَخْلَفَ
الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَمْ دِيْنَهُمُ الَّذِى
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصوم،
باب صوم يوم عاشوراء، رقم ٢٠٠٤.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصوم،
باب صوم يوم عاشوراء، رقم ٢٠٠٦.
جَوَبُو حَرَ النَّفِيَّة
القرآن الكريم

موسى عليه السلام
أَرْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَهُم مِّنْ بَعْدٍ خَوْفِهِمْ أَمْنَّأْ
يَعْبُدُونَفِى لَا يُشْرِكُونَ بِى شَيْئاً وَمَن كَفَرُ بَعْدَ
ذَلِكَ فَأَوْلَكَ هُمُ الْفَسِقُونَ ﴾ [النور: ٥٥].
موسى عليه السلام ورؤية ربه
واعد الله عز وجل موسى عليه السلام
ثلاثين ليلة وأتمها بعشر كانت بمثابة التهيئة
لتلقي التوراة.
ففي القرآن الكريم ﴿وَوَعَدْنَا مُوسَى
ثَلَيْثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَتُ رَبِّهِ.
أَرْبَعِينَ لَيْلَةُ﴾ [الأعراف: ١٤٢].
ولم يترك بني إسرائيل وحدهم فطلب
من أخيه هارون أن یکون خلیفة له ونائبًا
عنه ﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ مَرُونَ أَخْلُفْنِىِ
فِى قَوْمِى وَأَصْلِحْ وَلَا تَنَّعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ
[الأعراف: ١٤٢].
وقد فصلنا أمر الاستخلاف ووجه
استدلال الشيعة بحديث الإمام علي رضي
الله عنه قبل ذلك.
ظل موسى عليه السلام أربعين ليلة
اختلف حولها المفسرون؛ فقيل: ((إنها
ثلاثون ليلة من ذي القعدة وعشر ليال تتمة
أربعين ليلة))(١).
وقيل: إن المواعدة كانت في الأصل
ثلاثين غير أنه تعجل قبل الموعد بعشرة
أيام(٢)، حتى كان اليوم الموعود الذي جاء
لميقات ربه فطلب موسى من ربه أن يراه،
وربما يتساءل البعض: كيف لموسى أن
يتجاسر ويطلب من ربه طلبًا كهذا؟!
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٨٦/١٣.
(٢) نظم الدرر، البقاعي ٣٢١/١٢.
www. modoee.com

حرف الميم
يبدو -والله أعلم- أن كلام الله جل
جلاله لموسی قبل ذلك وتقريبه له نجیًا
جعله يطلب من ربه هذا الطلب، ويقص
علينا القرآن هذا الحدث: ﴿وَلَمَّا جَآءَ
مُوسَى لِمِيقَئِنَا وَكَلَّمَهُ( رَبُّهُ، قَالَ رَبِّ أَرِفِ أَنْفُرْ
إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣].
لكن جاء الرد الإلهي بأن ذلك لن
یحدث، فقال سبحانه: ﴿لَن تَرینی وَلَكِن أَنْظُرْ
إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ أَسْتَقَرَّ مَكَانَهُ، فَسَوْفَ تَرَنِىِ﴾
[الأعراف: ١٤٣].
ولپی موسی نداء ربه بانتظار ما سيكون؛
﴿فَلَمَّا تَجَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًا وَخَرَّ
مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣] من هول
الموقف.
﴿فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَنَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ
وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الأعراف: ١٤٣].
فبمجرد أن أفاق موسی نزه ربه تعالى عن
أن تحيط به الأبصار ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ
وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَرِّ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيُ
١٠٣
[الأنعام: ١٠٣].
وأحس موسی بالذنب عندما طلب رؤية
الله فطلب التوبة، وأقر بالإيمان الكامل بربه
وخالقه دون أن يراه.
ويبدو أن هناك من ذهب إلى أن موسی
عليه السلام سأل الرؤية لقومه لا لنفسه.
وهو ما رده الفخر الرازي وقال بفساده
لعدة اعتبارات:
((الأول: أنه لو كان الأمر كذلك لقال
موسى: أرهم ينظروا إليك ولقال الله تعالى:
لن يروني فلما لم يكن كذلك بطل هذا
التأويل.
والثاني: أنه لو كان هذا السؤال
طلبا للمحال لمنعهم عنه كما أنهم لما
قالوا: ﴿أَجْعَل لَّنَآَ إِلَّهَا كُمَا لَهُمْ ءَالِهَةُ﴾
[الأعراف: ١٣٨].
منعهم عنه بقوله: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ
◌َجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨].
والثالث: أنه كان يجب على موسى إقامة
الدلائل القاطعة على أنه تعالى لا تجوز
رؤيته وأن يمنع قومه بتلك الدلائل عن هذا
السؤال فأما أن لا یذکر شيئا من تلك الدلائل
البتة مع أن ذكرها کان فرضا مضیقا كان هذا
نسبة لترك الواجب إلى موسى عليه السلام
وأنه لا يجوز.
والرابع: أن أولئك الأقوام الذين طلبوا
الرؤية إما أن يكونوا قد آمنوا بنبوة موسى
علیه السلام، أو ما آمنوا بها، فإن كان الأول
كفاهم في الامتناع عن ذلك السؤال الباطل
مجرد قول موسى عليه السلام، فلا حاجة
إلى هذا السؤال الذي ذكره موسى عليه
السلام، وإن كان الثاني لم ينتفعوا بهذا
الجواب؛ لأنهم يقولون له: لا نسلم أن الله
منع من الرؤية، بل هذا قول افتریته على الله
تعالى، فثبت أن على كلا التقديرين لا فائدة
٥٢
جَوسُ
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

موسى عليه السلام
للقوم في قول موسى عليه السلام أرني أنظر وابتهال ودعاء ليكون منه ومنهم اعتذارٌ
إليك))(١).
ومسألة الرؤية هنا أثارت إشكالية كبيرة
ممتدة منذ قرون عديدة، وهناك جدل قدیم
دائر بين أهل السنة والمعتزلة حول إمكانية
رؤية الله تعالى، فهي ((عند الأشعرية وأهل
السنة جائزة عقلا، لأنه من حيث هو موجود
تصح رؤيته، قالوا: لأن الرؤية للشيء لا
تتعلق بصفة من صفاته أكثر من الوجود، إلا
أن الشريعة قررت رؤية الله تعالى في الآخرة
نصا ومنعت من ذلك في الدنيا بظواهر من
الشرع، فموسى عليه السلام لم يسأل ربه
محالا وإنما سأل جائزًا)) (٢).
ثمة رأي يذهب إلى أن الله تعالى
كلم موسى عليه السلام ومعه السبعون
رجلا مصداقًا لقوله: ﴿وَأَخْثَارَ مُوسَى قَوْمَهُ.
سَبْعِينَ رَجُلًاً لِّمِيقَئِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ
قَالَ رَبٍ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْنَهُم مِّن قَبْلُ وَإِنَّنِىَ﴾
[الأعراف: ١٥٥].
ومنهم من يذهب إلى أنهما ميقاتان
وليس ميقاتًا واحدًا(٣).
يقول ابن عطية الأندلسي: ((معنى هذه
الآية أن موسى عليه السلام اختار من قومه
هذه العدة ليذهب بهم إلى موضع عبادة
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ١٤/ ٣٥٥.
(٢) المحرر الوجيز ٢ / ٤٥٠.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ١٤٠/١٣،
التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٢٦/٩.
إلى الله عز وجل من خطأ بني إسرائيل في
عبادة العجل وطلبٌ لكمال العفو عمن بقي
منهم)) (٤).
نادى الله نبيه موسى عليه السلام: ﴿إنّ
أَصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِسَلَتِ وَبِكَلَِّى فَخُذْ مَآ
ءَاتَيْتُكَ وَكُن مِنَ الشَّكِرِينَ ﴿ وَكَتَبْنَا
لَهُ فِى الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَىْءٍ مَّوْعِظَةً
وَتَفْصِيلًاً لِكُلِّ شَىْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأَمُرْ قَوْمَكَ
يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا سَأُوْرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ
١٤٥
[الأعراف: ١٤٤ - ١٤٥].
وبصرف النظر عن عدد الألواح ونوع
مادتها؛ فقد قال القرآن إنها احتوت من كل
شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء، وهو ما
فسره ابن عاشور: «أي: كل شيء تحتاج
إليه الأمة في دينها ... والذي كتب الله
لموسی في الألواح هو أصول کلیات هامة
للشريعة التي أوحى الله بها إلى موسى عليه
السلام»(٥).
والتوراة كما وصفها القرآن تضمنت
تشریعات جدیدة أحلت بعض ما کان محرمًا
على بني إسرائيل.
يقول تعالى: ﴿وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ
مِنَ التَّوْرَةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِى حُرِّمَ
عَلَيْكُمْ وَجِشْتُكُم بِثَايَةٍ مِن رَّيِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ
(٤) المحرر الوجيز ٤٥٩/٢.
(٥) التحرير والتنوير ٩/ ٩٧.
www. modoee.com
٥٣

حرف الميم
وَأَطِيعُونِ (٥٠﴾ [آل عمران: ٥٠].
كما تضمنت أحكامًا تنظم حياة الناس
وَكَيْفَ يُحِكْمُونَكَ وَعِنْدَهُ التَّوْرَبَةُ فِيهَا حُكْمُ
اَللَّهِ ثُمَّ يَتَوَّلَّوْنَ مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ وَمَآَ
أُوْلَيْكَ بِالْمُؤْمِنِينَ ﴾ [المائدة: ٤٣].
وهي كتاب هداية وإرشاد ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا
التَّوْرَنَةَ فِيَهَا هُدَى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ﴾
[المائدة: ٤٤].
کما تضمنت التوراة بشارة بالنبي محمد
صلى الله عليه وسلم ﴿الَّذِينَ يَشَّعُونَ
الرَّسُولَ النَّبِىَّ الْأُمِنَّ الَّذِى يَجِدُونَهُ, مَكْثُوبًا
عِندَهُمْ فِ التَّوْرَةِ وَالْإِنِيلِ يَأْمُرُهُم
بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَنَّهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُ
لَهُمُ الطَّبَتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَيْثَ
وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَاَلْأَغْلَلَ أَلَّتِى كَانَتْ
عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِ، وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ
وَأَتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِىّ أُنْزِلَ مَعَهُ، أُوْلَئِكَ هُمُ
[الأعراف: ١٥٧].
الْمُفْلِحُونَ
وفي القرآن على لسان عيسى عليه
السلام: ﴿يَبَقِّ إِسْرَّهِ يلَ إِنَّ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُ مُصَدِّقًا
لِمَا بَيْنَ يَدَنَّ مِنَ النَّوْرَّةِ وَمُبَشِّرً بِرَسُولٍ يَأْتِ مِنْ بَعْدِى أَسْمُهُو
أَعْمَدُ﴾ [الصف: ٦].
وعاب القرآن على اليهود الذين تركوا
العمل بالتوراة وما جاء فيها وشبههم أسوأ
تشبيه، يقول: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُواْ النَّوْرَيَّةَ
ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾
[الجمعة: ٥].
ومن عجيب أمر بني إسرائيل أنهم لما
نجاهم الله عز وجل من فرعون مصر وأراهم
المعجزات والآيات واحدة تلو الأخرى
طلبوا من موسى أن يتخذ لهم إلها صنمًا،
ويحكي القرآن هذه المأساة الحقيقية.
يقول تعالى: ﴿وَجَنَوَزْنَابِبَنِي إِسْرَّهِ يلَ الْبَحْرَ
فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَاءٍ لَّهُمَّ قَالُواْ
يَمُوسَى أَجْعَل لَّنَّا إِلَهَا كُمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ
قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٨) إِنَّ هَؤُلَاءٍ مُتَبَرُمَا هُمْ فِيهِ وَنَطِلٌ مَّا
قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْفِيكُمْ
١٣٩
كَانُواْ يَعْمَلُونَ
١٤٠
إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَلَمِينَ
[الأعراف: ١٣٨ - ١٤٠].
ويبدو أن غياب موسى عنهم مدة
الأربعين يومًا جعلهم يتخبطون وفي غيهم
يترددون.
يقول البقاعي في تفسير قوله تعالى:
وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَمُوسَى
٨٣
[طه: ٨٣]: ((أي: أي شيء أوجب لك العجلة
في المجيء عن قومك وإن كنت بادرت
مبادرة المبالغ في الاسترضاء، أما علمت
أن حدود الملوك لا ينبغي تجاوزها بتقدم أو
تأخر؟!))(١).
لکن موسی کان حسن الظن أكثر مما
ينبغي فقال: ﴿هُمْ أُوْلَاءٍ عَلَى أَثَرِى وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ
رَبٍ لِتَّضَى ﴿ قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدَِ
﴾ [طه: ٨٤ - ٨٥].
وَأَضَلَّهُ السَّامِىُّ هـ
(١) نظم الدرر ١٢/ ٣٢٢.
٥٤
جوبيع
القرآن الكريمِ

موسى عليه السلام
الذین عبدوا العجل رغم نھي هارون لهم.
لكن ما سبب هذه الردة العقدية؟!
ويرجع الدكتور محمود مزروعة نزوع
بني إسرائيل إلى عبادة العجل وقت غیاب
موسى إلى عدة أسباب أهمها: القاعدة
التاريخية المعروفة بولع المغلوب بتقليد
الغالب، وميل بني إسرائيل بطبيعتهم إلى
تقديس المادية، وطول العهد الذي قضوه
بين المصريين مما أنساهم كثيرًا من أركان
دینهم(١).
وتصور الآيات عودة موسى غاضبًا من
فعلة قومه الشنيعة ﴿فَرَجَعَ مُوسَىَ إِلَى قَوْمِهِ،
غَضْبَنَ أَسِفَأَ قَالَ يَقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا
حَسَنَّا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدَتُّمْ أَنْ
يَحِلَ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفَتُم مَّوْعِدِى
قَالُواْ مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا
٨٦
◌ِّلْنَا أَوْزَارًاً مِّنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْتَهَا فَكَذَلِكَ
أَلْقَى السَّارِيُّ ◌َ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِبْلًا جَسَدًا لَّهُ.
خُوَارٌ فَقَالُواْ هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِىَ
أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ فَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ
(٨٨
ضَرَّ وَلَا نَفْعًا ﴾ وَلَقَدْ قَالَ لَّمْ هَرُونٌ مِن قَبْلُ
يَقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمِ بِهِ، وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَانَِّعُونِ
وَأَطِيعُوْ أَمْرِى ؟ قَالُواْ لَنْ تَبْرَحَ عَلَيَّهِ عَكِفِينَ
حَتَّى يَرْجَعَ إِلَيْنَا مُوسَى ﴾ [طه: ٨٦-٩١].
والسامري هو كلمة السر التي كان
(١) انظر: الدين وحاجة الإنسانية إليه، ص ١٥١.
لقد أخبره الله تعالى بما كان من قومه لها الأثر الأكبر في قوم موسى، فهو من
أقنعهم بأنهم في حاجة إلى إله يصنعونه
من الذهب الذي جاؤوا به عندما خرجوا
إِلى سيناء، ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ
سَبِيلاً اَخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَلِمِينَ
[الأعراف: ١٤٨].
وتلك آفة قدیمة أن يدعي البعض احتكار
الحقیقة دون غيره؛ فیسمع له من لا عقل له،
ويخضع من لا حيلة له.
ويبدو أن بعضهم قد آب إلى نفسه وأفاق
من سكراته قبل أن يرجع موسى عليه السلام
إليهم، ويصور لنا القرآن مشهد ندمهم على
هذا الضلال المبين.
يقول تعالى: ﴿ وَكَاسُقِطَ فِتْ أَيْدِيهِمْ
وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ قَالُواْ لَكِن لَّمْ يَرْحَمْنَارَبُّنَا
وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ
﴾ [الأعراف: ١٤٩].
(١٤٩)
ويسجل القرآن مشهد عودة موسى عليه
السلام الغاضب مما فعله قومه بجهلهم،
وكيف كان عتابه على قومه وأخيه هارون
شديدًا.
يقول عز وجل: ﴿وَلَنَّا رَجَعَ مُوسَقٍ إِلَى
قَوْمِهِ، غَضْبَنَ أَسِفًا قَالَ بِتْسَمَا خَلَفْتُونِي مِنْ بَعْدِىٌّ
أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ
أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ [الأعراف: ١٥٠].
﴿قَالَ فَهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْنَهُمْ ضَلُوَأ ) أَلَّا
﴾ [طه: ٩٢ - ٩٣].
٩٣
تَتَّعَنِّ أَفَعَصَيْتَ آَمْرِى
www. modoee.com

حرف الميم
وقد روج بعض من لا يجيدون التعامل من رفضوا عبادة العجل حتى لا يحدث
شرخًا بين بني إسرائيل، وربما اقتتلوا؛ ومن
ثم آثر أن ينتظر حتى يعود أخوه.
مع الخطاب القرآني أن هناك تواطؤًا من
جانب هارون عليه السلام بدليل غضب
موسى عليه السلام على النحو الذي أشارت
إليه الآيات، لكن هذا ما ينفيه القرآن في قول
الله تعالى: ﴿وَأَضَلَّهُ السَّامِىُّ﴾ [طه:٨٥].
فموسى يعلم قبل أن يرجع إلى قومه
أن سبب ضلال قومه هو السامري وليس
هارون، وقد شرح الأخير ما حدث معه
﴿قَالَ أَبْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اُسْتَضْعَفُونِ وَكَادُوا
يَقْتُلُونَنِ فَلَا تُشْمِتْ بِىَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَّجْعَلْنِى
مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٥٠].
﴿ قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَقِ وَلَا بِرَأْسِّ إِ
خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيّ إِسْرَّهِيلَ وَلَمْ
تَرْقُّبْ قَوْلِيِ ﴾ [طه: ٩٤].
فالآيات هنا تشير إلى أن القوم تكالبوا
عليه واستضعفوه وقت غياب أخيه،
وصمموا على عبادة العجل رغم نصحه لهم
﴿وَلَقَدْ قَالَ لَمْ هَرُونٌ مِن قَبْلُ يَقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُم
بِهِ وَ إِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَأَنَّبِعُونِ وَأَطِيعُواْ أَمْرِى
٩٠
قَالُواْ لَنْ تَبْرَحَ عَلَيَّهِ عَكِفِينَ حَتَّى يَرْجَعَ إِلَيْنَا مُوسَى
﴾ [طه: ٩٠ - ٩١].
إن هارون كما يبدو من قوله: ﴿إِنّ
خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيّ إِسْرَّهِيلَ وَلَمْ
تَرْقُبْ قَوْلی﴾ [طه:٩٤].
آثر أن يقدم النصيحة بلسانه للضالين من
قومه دون أن يغير المنکر بيده ومعه بعض
على أن الشيخ الطاهر ابن عاشور يقول:
((وأما أخذه برأس أخيه هارون يجره إليه،
أي: إمساكه بشعر رأسه، وذلك يؤلمه،
فذلك تأنيب لهارون على عدم أخذه بالشدة
على عبدة العجل، واقتصاره على تغيير ذلك
عليهم بالقول، وذلك دليل على أنه غير
معذور في اجتهاده الذي أفصح عنه بقوله:
﴿إِ خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيّ إِسْرَّهِيلَ
وَلَمْ تَرْقُّبْ قَوْليِ﴾ [طه: ٩٤].
لأن ضعف مستنده جعله بحیث یستحق
التأديب، ولم یکن له عذرًا، و کان موسی هو
الرسول لبني إسرائيل، وما هارون إلا من
جملة قومه بهذا الاعتبار، وإنما كان هارون
رسولًا مع موسى لفرعون خاصة، ولذلك لم
يسع هارون إلا الاعتذار والاستصفاح منه.
وفي هذا دليل على أن الخطأ في الاجتهاد
مع وضوح الأدلة غير معذور فيه صاحبه في
إجراء الأحكام عليه، وهو ما يسميه الفقهاء
بالتأويل البعيد، ولا يظن بأن موسى عاقب
هارون قبل تحقق التقصير))(١).
فهو يرى أن اجتهاد هارون كان في غير
محله، ومن ثم استوجب تعنيف أخيه.
وبعد أن توجه موسى بحديثه إلى قومه،
(١) التحرير والتنوير ١١٦/٩.
٥٦
صَوَنُو
الْقُرآن الكَرِيمِ

موسى عليه السلام
ثم ما کان منه مع هارون، وحتی تتضح
الصورة أكثر توجه بالخطاب إلى السامري
الذي أضل بني إسرائيل وسول لهم عبادة
العجل تشبهًا بالوثنيين ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ
يَسَمِرِىُّ ◌َ قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبُْرُوا بِهِ،
فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا
قَالَ
وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِ نَفْسِى
فَأَذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِ الْحَيَوِةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسِّ
وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَن تُخْلَفَةٌ، وَأَنْظُرْ إِلَى إِلَيْهِكَ
الَّذِى ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِّمًا لَتُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَفْسِفَنَّهُ,
﴾ [طه: ٩٥ - ٩٧].
فِي الْيَمِّ نَسْفَالأ
ويفسر صاحب الظلال هذا الترتيب
السليم في الاستجواب قائلا: ((عندئذ
يتجه موسى بغضبه وانفعاله إلى السامري
صاحب الفتنة من أساسها. إنما لم يتوجه
إليه منذ البدء؛ لأن القوم هم المسئولون
ألا يتبعوا كل ناعق، وهارون هو المسئول
أن يحول بينهم وبين اتباعه إذا هموا بذلك
وهو قائدهم المؤتمن عليهم. فأما السامري
فذنبه يجيء متأخرا؟ لأنه لم يفتنهم بالقوة
ولم يضرب على عقولهم، إنما أغواهم
فغووا، وكانوا يملكون أن يثبتوا على هدى
نبيهم الأول ونصح نبيهم الثاني. فالتبعة
علیهم أولا وعلی راعیهم بعد ذلك. ثم على
صاحب الفتنة والغواية أخيرًا))(١).
وهكذا ينتهي موسى من مساءلة قومه
(١) في ظلال القرآن ٤/ ٢٣٤٨.
وأخيه والسامري وذهب عنه الغضب
حمل الألواح ثانية ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُوسَى
الْغَضَبُ أَخَذَ اُلْأَ لْوَاحٌ وَفِي نُتَّخَتِهَا هُدَى وَرَحْمَةٌ
◌ِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِهِمْ يَرْهَبُونَ
﴾ [الأعراف: ١٥٤].
ثم إن الله تعالى توعد الذين أضلوا
بني إسرائيل بعبادة العجل، مع ترك الباب
مفتوحًا أمام من غرر بهم للتوبة والرجوع
إلى الله، فقال عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَمَّخَذُواْ
اَلْعِجْلَ سَيِّنَاهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَزِلَّةٌ فِ
الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْرِى الْمُفْتَرِينَ () وَالَّذِينَ
عَمِلُواْ السَّيْئَاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِنْ بَعْدِهَا وَءَامَنُواْ
إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾
[الأعراف: ١٥٢ - ١٥٣].
وقد تاب الله على من تاب منهم وعفا
عنهم كما أشارت الآيات ﴿وَإِذْ وَعَدْنَا مُوسَى
أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ أَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَنتُمْ
ظَالِمُونَ ، ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّنْ بَعْدِ ذَلِكَ
لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾
[البقرة: ٥١- ٥٢].
www. modoee.com
٥٧

حرف الميم
موسى عليه السلام والعبد الصالح
رغم تكرار كثير من تفاصيل حياة نبي الله
موسى عليه السلام في القرآن الكريم بشكل
لافت للنظر إلا أن قصته مع العبد الصالح لم
تذكر إلا في موضع واحد في سورة الكهف
رغم انطوائها على دروس تربوية واجتماعية
ونفسية ودعوية، لكن السورة لم تورد شيئًا
عن سبب هذا اللقاء الذي جمع بينهما.
ثمة أحاديث نبوية مطهرة تكفلت بهذه
الحلقة التي لم يتناولها القرآن، ففي الحديث
عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه قال:
«سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول: (بينما موسى في ملإٍ من بني إسرائيل
جاءه رجلٌ فقال: هل تعلم أحدًا أعلم منك؟
قال موسی: لا، فأوحى الله عز وجل إلى
موسى: بلى، عبدنا خضرٌّ، فسأل موسى
السبيل إليه)(١).
ويبدو أن حديث موسى عليه السلام كان
مفعمًا بالمشاعر الرقيقة الجياشة التي جعلت
العيون تدمع من صدق لهجته وصادق
موعظته، ففي حديث أبي بن كعب رضي
الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (موسى رسول الله ذكر الناس يومًا
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم،
باب ما ذكر في ذهاب موسى عليه السلام في
البحر إلى العبد الصالح، رقم ٢٤.
حتى إذا فاضت العيون، ورقت القلوب)(٢).
فسبب اللقاء كما في الحديث الشريف
هو إعجاب موسى عليه السلام بعلمه عندما
سئل إن كان هناك من هو أعلم منه أم لا؛
فأراد الله تعالى أن يعلم نبيه فجاء الأمر
الإلهي إليه أن يتوجه إلى لقاء رجل حاز من
العلم ما لم يحزه؛ فخرج موسی ومعه فتاه
یوشع بن نونٍ كما في الحديث السابق.
ولا يعول على ما ورد عن أهل الكتاب أن
موسى هنا ليس موسى بن عمران النبي عليه
السلام إنما هو موسى بن ميشا بن يوسف
بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل؛
فليس في القرآن إلا ابن عمران النبي، ولو
كان الأمر خاصًا بغيره لنبه القرآن على ذلك،
ومن ثم فالسياق القرآني حاكم، فضلا عن
أحاديث صحيحة منها ما روي عن سعيد بن
جبير، قال: ((قيل لابن عباسٍ: إن نوفًا يزعم
أن موسی الذي ذهب يلتمس العلم ليس
بموسی بني إسرائيل، قال: أسمعته يا سعيد؟
قلت: نعم، قال: كذب نوفٌ))(٣).
وفي ذلك يقول ابن كثير: ((والصحيح
الذي دل عليه ظاهر سياق القرآن، ونص
الحديث الصحيح الصريح المتفق عليه، أنه
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير
القرآن، سورة الكهف، رقم ٤٣٨٢.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل،
باب من فضائل العبد الصالح عليه السلام،
رقم ٢٣٨٠.
٥٨
جَوَسُو ◌َرُ النفسية
القرآن الكريم

موسى عليه السلام
موسى بن عمران، صاحب بني إسرائيل»
واختلف المؤرخون والمفسرون حول
العبد الصالح اختلافا لا يتسع له المقام
حول اسمه ونسبه ونبوته؛ بل ذهب البعض
إلى القول إنه حي لم يمت حتى الآن(٢).
كما اختلفوا في المكان الذي سماه
القرآن ﴿مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾ لكننا لن نتوقف
كثيرًا أمام تفاصيل سكت عنها القرآن لحكم
إلهية يعلمها الله، ونحاول ما استطعنا إلى
ذلك سبيلا أن نحلق حول حزمة الآيات
التي تناولت القصة والوقوف على ما تيسر
من المقاصد والعبر.
تبدأ القصة ببيان حرص موسى عليه
السلام ودأبه على طلب العلم امتثالا لأمر
ربه ﴿لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَالْبَحْرِنِ أَوْ
أَمْضِىَ حُقُبًا ﴾ [الكهف: ٦٠].
قال الفخر الرازي: ((يعني: ألزم المسير
والطلب ولا أتركه ولا أفارقه حتى أبلغ كما
تقول: لا أبرح المكان)) (٣).
ثم يمضي موسى عليه السلام مع فتاه إلى
المكان المقصود ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا
(١) البداية والنهاية ٢ / ١٧٠.
وانظر: صحيح البخاري، كتاب العلم، باب
ما يستحب للعالم إذا سئل: أي الناس أعلم؟
فيكل العلم إلى الله، رقم ١٢٢.
(٢) انظر :: جامع البيان، الطبري ٣٦٥/١، البداية
والنهاية، ابن كثير ٢٤٣/٢، الكامل في
التاريخ، ابن الأثير ١/ ١٢١.
(٣) مفاتيح الغيب ٤٧٩/٢١.
فَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِ الْبَحْرِ سَرَّبًا فَلَمَّا
جَاوَزَا قَالَ لِفَتَنَهُ مَائِنَا غَدَآءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن
سَفَرِ نَا هَذَا نَصَبًا ﴾ [الكهف: ٦١ -٦٢].
يقول ابن قيم الجوزية: ((لما سافر موسى
إلى العبد الصالح وجد في طريقه مس
الجوع والنصب؛ فقال لفتاه: ﴿َائِنَا غَدَآءَنَا
لَقَدْ لَقِینَا مِن سَفَرِنَاهَذَا نَصَبًا﴾ فإنه سفرٌ إلی
مخلوق. ولما واعده ربه ثلاثين ليلة وأتمها
بعشر فلم یأکل فيها لم يجد مس الجوع ولا
النصب فإنه سفرٌ إلى ربه تعالى، وهكذا
سفر القلب وسیرہ إلی ربه لا يجد فيه من
الشقاء والنصب ما يجده في سفره إلى بعض
المخلوقين)) (٤).
كانت المفاجأة التي ينتظرها موسى عليه
السلام؛ فقد قال له يوشع: ﴿أَرَءَيْتَ إِذْ أَوَيِّنَاً
إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِ نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَآ أَنَسَنِيهُ إِلَّا
الشَّيْطَانُ أَنْ أَذَكْرَهُ، وَالَّخَذَ سَبِيلَهُ فِ الْبَحْرِ عَبًا
﴾ [الكهف: ٦٣].
لكن موسى ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغَّ فَأَرْتَدًا
عَلَىءَاثَارِ هِمَا قَصَصًا ﴾ [الكهف: ٦٤].
وهنالك كانت اللقيا، وفي الحديث
الشريف بعض تفاصيلها: (وانطلق بفتاه
یوشع بن نونٍ، وحملا حوتًا في مکتلٍ، حتی
كانا عند الصخرة وضعا رؤوسهماً وناما،
فانسل الحوت من المكتل فاتخذ سبيله
في البحر سربًا، و کان لموسى وفتاه عجبًا،
(٤) بدائع الفوائد ٣/ ٢٠٣.
www. modoee.com
٥٩

حرف الميم
فانطلقا بقية ليلتهما ويومهما، فلما أصبح عَلى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِخُبْرً ﴾ [الكهف: ٦٨].
قال موسى لفتاه: آتنا غداءنا، لقد لقينا من
سفرنا هذا نصبًا، ولم يجد موسى مسًا من
النصب حتى جاوز المكان الذي أمر به،
فقال له فتاه: ﴿أَرَءَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّ
نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَآ أَنَسَئِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ﴾ قال
موسى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغَّ فَأَرْتَدًا عَلَى ءَاثَارِهِما
قَصَصًا﴾).
لقد وجد موسى عليه السلام ويوشع
رجلا وصفه الله تعالی بأنه كان ﴿عَبْدًا مِنْ
عِبَادِنَآءَانَيْنَهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَهُ مِن لَّدُنَا
عِلْمًا﴾ [الكهف: ٦٥].
فمن العلم ما يكون بالاجتهاد
والتحصیل، ومنه ما یکون لدنيًا يهبه الله من
يشاء من عباده، وفي كل الأحوال لابد أن
يقترن العلم بالرحمة؛ بل تتقدم الرحمة على
العلم؛ لأن المتعلم أسیر عند معلمه، فكان
الرفق به واجبًا.
استأذن موسى عليه السلام العبد الصالح
في تحصيل العلم على يديه ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى
هَلْ أَتَِّعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا
[الكهف: ٦٦].
وهذا من آداب المتعلم أن يقدم الإذن بین
یدي شيخه ومعلمه في تواضع وإخبات لا
في كبر واستعلاء، لكن الرجل قال له: ﴿إِنَّكَ
لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرً ﴾ [الكهف:٦٧].
لكن موسى الذي جعله ربه في موضع
المتعلم قال للرجل: ﴿سَتَجِدُفِىّ إِن شَآءَ اللَّهُ
صَابِرًا وَلََّ أَعْضِى لَكَ أَمْرًا﴾ [الكهف: ٦٩].
فأعطاه بذلك عهدًا أن يطيعه فلا يعصي
أمره، وهو ما جعل الرجل يشترط عليه مرة
أخرى إمعانًا في التأكيد ﴿فَإِنِ أَتَّبَعْتَنِى فَلَا
تَسْتَلْنِى عَنْ شَىْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًاً
[الكهف: ٧٠].
وفي الحديث: (فلما انتهيا إلى الصخرة،
إذا رجل مسجّی بثوبٍ، أو قال تسجی بثوبه،
فسلم موسى، فقال العبد الصالح: وأنى
بأرضك السلام؟ فقال: أنا موسى، فقال:
موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم، قال: هل
أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدًا
قال: إنك لن تستطيع معي صبرًا، يا موسى
إني على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه
أنت، وأنت على علم علمکه لا أعلمه، قال:
ستجدني إن شاء الله صابرًا، ولا أعصي لك
أمرًا).
ثم انطلقا لتبدأ رحلة الأعاجيب التي
حكاها القرآن في قالب مشوق يجعل القارئ
شغوفًا بما تؤول إليه الأحداث.
وفي الحديث (فانطلقا يمشيان على
ساحل البحر، ليس لهما سفینةٌ، فمرت بهما
سفينةٌ، فكلموهم أن يحملوهما، فعرف
وبرر ذلك بقوله متسائلا: ﴿ وَكَيْفَ تَصْبِرُ العبد الصالح فحملوهما بغير نولٍ، فجاء
٦٠
جوبي
لِلْقُرآن الكَرِيمِ

موسى عليه السلام
عصفورٌ، فوقع على حرف السفينة، فنقر نقرةً فخرقتها لتغرق أهلها؟ قال: ألم أقل إنك لن
أو نقرتين في البحر، فقال العبد الصالح: يا تستطيع معي صبرًا؟ قال: لا تؤاخذني بما
نسيت ولا ترهقني من أمري عسرًا، فكانت
الأولى من موسى نسيانًا).
موسى ما نقص علمي وعلمك من علم الله
إلا كنقرة هذا العصفور في البحر).
وهنا الدرس الأول لموسى: قصور علمه
وضآلته أمام علم الله تعالى.
كان من الطبيعي وبسبب عدم إحاطة
موسى بحقيقة الأمر أن تؤرقه تصرفات
الرجل المفاجئة، وكانت الصدمة الأولى
عنيفة عندما ﴿رَكِبَا فِ السَّفِينَةِ خَرَقَهَاْ قَالَ
أَخْرَقْنَهَا لِنُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾
[الكهف: ٧١].
فقد خان موسى عليه السلام ثباته
الانفعالي ونسي عهده بعدم السؤال عن
شيء؛ فاستنكر عليه خرق السفينة لإغراق
أهلها رغم إكرام أصحابها لهما وحملهما
بدون أجرة، فهل جزاء الإحسان إلا
الإحسان؟! فذكره الرجل بالاتفاق ﴿ قَالَ
أَلَمَّ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا
٧٢
[الكهف: ٧٢].
وسرعان ما آب موسی إلی نفسه وقدم
الاعتذار بين يدي المعلم ملتمسًا:
ولا
تُؤَاخِذْنِ بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِ مِنْ أَمْرِى عُسْرًا
[الكهف: ٧٣].
٧٢
في الحديث: (فعمد العبد الصالح إلى
لوح من ألواح السفينة، فنزعه، فقال موسى:
ثم إنهما انطلقا فقابلا غلاما فقتله العبد
الصالح؛ فارتاع موسى عليه السلام وقال في
استهجان: ﴿أَقَلْتَ نَفْسًا زَّكِيَّةٌ بِغَيْرِ نَفْسِ لَّقَدْ
جِثْتَ شَيْئًا تُكْرًا ﴾ [الكهف: ٤
عندها رد العبد الصالح: ﴿أَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ
لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا ﴾ [الكهف: ٧٥].
تذكر موسى العهد فأعاد الاعتذار مرة
أخرى طالبًا الصفح؛ بل اشترط على نفسه
قائلا للخضر: ﴿إِن سَأَلْئُكَ عَن شَىْءٍ بَعْدَهَا
فَلاَ تُصَحِبْنِى قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّكُنِ عُذّرًا ()﴾
[الكهف: ٧٦].
في الحديث: (فانطلقا، فإذا غلامٌ يلعب
مع الغلمان، فأخذ العبد الصالح برأسه من
أعلاه فاقتلع رأسه بيده، فقال موسى: أقتلت
نفسًا زکیةً بغير نفسٍ؟ قال: ألم أقل لك إنك
لن تستطيع معي صبرًا؟).
ثم كان الموقف الثالث الذي جعله يفارق
موسى، يحكي القرآن ﴿فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَنْيَاً
أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْ أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا
فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَقَامَهُ﴾
[الكهف: ٧٧].
ويبدو أن مالهما قد نفد أو كاد، أو أن
قومٌّ حملونا بغير نولٍ عمدت إلى سفينتهم موسى أراد للخضر أن يأخذ أجرة بعد
www. modoee.com
٦١

حرف الميم
عدم تضييفهما في القرية، ومن ثم اقترح
عليه قائلا: ﴿لَوْ شِئْتَ لَنَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾
[الكهف:٧٧].
ولكن العبد الصالح رأى في ذلك إخلالا
بالاتفاق المرسوم بينهما فبادر إلى الفراق
﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِ وَيَّنِكَ سَأُنَبِّتُكَ بِنَأْوِيلِ مَا لَمْ
تَسْتَطِع عَلَيْهِ صَبْرًا (٥)﴾ [الكهف: ٧٨].
ولم ينس أن يخبر موسى عليه السلام عن
الحقائق الغائبة عنه حتی یحسن الظن به.
وفي الحديث: (فانطلقا، حتى إذا أتيا أهل
قريةٍ استطعما أهلها، فأبوا أن يضيفوهما،
فوجدا فيها جدارًا یرید أن ینقض فأقامه، قال
العبد الصالح: بيده فأقامه، فقال له موسى:
لو شئت لاتخذت عليه أجرًا، قال: هذا فراق
بيني وبينك) قال النبي صلى الله عليه وسلم:
پرحم الله موسی، لو ددنا لو صبر حتى بقص
علينا من أمرهما).
بدأ العبد الصالح بيان الأسباب التي
دعته إلى هذه التصرفات التي رآها موسى
جرائم لا يمكن السكوت عنها، فأي عقل
هذا الذي يجعله يصدق أن خيرًا خفیًا یکمن
وراء خرق السفينة بدلا من الوفاء لهم جزاء
إحسانهم، أو قتل الغلام الذي لم يروا منه
بأسًا، أو ترميم جدارٍ دون أخذ أجرة عليه
رغم سوء معاملة أهل القرية لهما؟!
لقد نسي موسی علیه السلام أنه ذهب
متعلمًا، ومن ثم أنكر عليه أفعاله؛ وهكذا
النفوس المجبولة على الخيرية لا يمكنها
أن تتغاضى عن إنكار المنكر مهما تكلفوا؛
لكن الواقع أثبت أن موسی لم یکن یعلم
من الأمور إلا ظاهرها، لا كما العبد الصالح
الذي أطلعه الله على بعض الغيبيات
فتصرف على هذا الأساس.
قال: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَكِينَ
يَعْمَلُونَ فِى الْبَحْرِ فَأَرَدِّثُ أَنْ أَعِبَهَا وَكَانَ وَرَآءَ هُمْ
وَأَمَّا الْغُلَمُ
مَّلِكُ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَضْبًا ()
فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَنًا
وَكُفْرَا فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِ لَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ
زَّكَوَةٌ وَأَقْرَبَ رُخْمَان ◌َ وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَمَيْنِ
يَتِيمَيْنِ فِىِ الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ، كَزْ لَّهُمَا وَكَانَ
أَبُوهُمَا صَلِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَآَ أَشُدَّهُمَا
وَيَسْتَخْرِحَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِكَّ وَمَا فَعَلْنُهُ.
عَنْ أَمْرِىَّ ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَالَمْ تَسْطِعِ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾
[الكهف: ٧٩-٨٢].
وهكذا تكشفت المقاصد الخفية وراء
هذه الأحداث الغريبة التي أصابت موسى
بالقلق والاضطراب طيلة الرحلة؛ فأدرك
حينها قصور علمه ووجوب التواضع وعدم
نسيان نعمة الله عليه.
٦٢
جوي
الْقُرآن الكَرِيمِ

موسى عليه السلام
الدروس المستفادة من قصة موسى
١. إن عناية الله تعالى بموسى عليه السلام
تجعل العاقل في اطمئنان لقضاء الله،
فمن يتخيل أن ينجو الرضيع بالإلقاء في
البحر، ويربى في بيت عدوه وعدو قومه
الذي سیزول ملکه علی يده، ويجعل
زوجة الفرعون هي مربيته وحاضنته،
والمصریون هم حاشيته وخدمه، وأمه
هي مرضعته، فلا امتدت يد الذبح إلیه،
ولا هو فارق أمه، وقد رباه حتی شب
من سیقف في وجهه يومًا؛ يدعوه إلى
عبادة الله الواحد، ورفع نير العبودية
عن بني إسرائيل.
٢. عاش موسى عليه السلام في بيت
فرعون پرفل في النعيم لكنه لم ينس
أصله وقضيته، فرعاية الله تعالى له
وحفظه في بیت عدوه لم تکن من أجل
حفظ موسى؛ بل لرسالة سيحملها
ويكلف بتبليغها إلى فرعون للخروج
ببني إسرائيل إلى الأرض المقدسة التي
کتب الله لهم.
٣. على المؤمن أن يستعين دومًا بربه
لیهدیه، فموسی علیه السلام کان دائمًا
معتمدًا على ربه، محتاطًا في أمره،
متخذًا الوسائل والأسباب المناسبة،
استعان بربه وقت خروجه من مصر،
وساعة دخوله مدين، وأثناء عودته،
ووقت مواجهته لفرعون لما دعاه ثم
آذاه وتبعه حتی أغرق، وطول مخالطته
لبني إسرائيل.
٤. المروءة من أخلاق العظماء التي تتجلى
حينما يبذل الإنسان من وقته وجهده
وماله ولا ينتظر جزاءً أو شكورًا من
أحد، ولا يجرمن النبلاء أن المروءة قد
تصل بأصحابها إلى حد إهلاك المال
والأنفس.
٥. للعمل قيمةٌ عظيمة أدركها الأنبياء،
فموسی علیه السلام لم یرض أن یکون
عالةً على أحد، فعمل أجيرًا لسنوات
طويلة، وقضى من عمره عقدًا كاملًا
-أو أقل قليلا- في خدمة صهره؛
لزواجه من ابنته، وهو الذي عاش
في القصور لم يأنف خدمة الآخرين،
ولكنه وطن نفسه لتحمل المشاق،
وتغير أحوال الزمان، ودار مع أحواله
جميعًا بالرضی.
٦. وفاء موسى عليه السلام مع الشيخ
نموذج يحتذى به، فقد أدى ما عليه،
ولم تزده الأيام إلا وفاءً لصهره ورب
عمله؛ وكان من المحتمل بعد زواجه
من ابنته أن یتبرم أو ینکث، ولکنه صبر
علی العمل حتى وفی ما علیه، وربما
زاد علیه.
www. modoee.com
٦٣

حرف الميم
٧. كثيرٌ من الناس لا يؤمن إلا بما هو
محسوس وملموس، وينكر ما لا يقع
تحت حواسه، وهذا مجاف للواقع،
وما لا يراه الإنسان أكثر بكثير مما يراه،
ولو أنكر ما لا يقع تحت حسه لأنكر
ضروريات، ولخسر خسرانًا مبينًا؛
فالجنة والنار غيب، والقيامة غيب،
والملائكة غيب، فإذا أنکر الإنسان ما
جاءت به الرسل لعدم وقوعها تحت
حسه، فالخسران والبوار في انتظاره
عند تحقق ما کان ینکره.
المذموم؛ فطبيعة الإنسان قد تخاف
وترهب بعض الأمور، فالإنسان يخشى
على نفسه التلف والهلكة، ويخشى من
بعض الحيوانات المفترسة، ويخاف
على أولاده وذويه فيضعف عند الضغط
عليه ومساومته، فهذه فطرة في معظم
البشر، ولكن أصحاب الهمم العالية
يتجاوزون خوفهم، ويستمدون القوة
من الله تعالی، ولا یجبنون، ويواجهون
الشدائد بعزم وثبات.
٩. النسب غير مانع من الاستعانة في
العمل لا سيما الدعوي طالما كان
الشخص مهيئًا لذلك، فبه یکون شد
العزم والتثبيت، وهو الخليفة والقائد
في الغياب، وعليه يكون التعويل
في الشدائد، وقد حاول موسى عليه
السلام الاستفادة من قدرات أخيه في
خدمة الدعوة.
١٠. تحول سحرة فرعون في لحظات
من خندق الکفر إلی خندق الإيمان،
وهكذا يفعل الإيمان بالقلوب النقية
الصافية، بينما يستمر الجاحدون على
جحودهم لا يؤمنون رغم وضوح
الآيات وإبهارها، ولهذا على الداعية
ألا پیأس من مدعویه، فما يدريك لعل
عدو الأمس يصبح صديق اليوم.
٨. فارق بين الخوف المشروع والخوف ١١. لا يجد المستبدون بدًا من اللجوء
إلى سلطتهم وقوتهم الغاشمة التي
لا يعرفون غيرها، وتلك عادة الطغاة
الذين لا يحتكمون إلى قواعد العقل
والمنطق؛ وإنما تتجاوز أحلامهم سقف
المعقول، فیبطشون بمن يعارضهم ولا
ينزل على رأيهم، ويظنون أن قوتهم
غالبة، ولكنهم يكونون في أضعف
حالاتهم؛ إذ إن من يقف في وجوههم
یکون أقوى منهم بإيمانه ویقینه وثباته.
١٢. ضاقت السبل بفرعون ولم يجد وسيلة
لإيقاف الدعوة الجديدة، فالقتل
والتشريد والسحل والتعذيب لم يجد
مع أتباع موسى عليه السلام نفعًا،
وبالتالي یحتاج إلی تغییر خطته، فكان
التفكير في وسيلة ناجعة یتخلص بها
٦٤
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ

موسى عليه السلام
ممن يؤرق ملکه وملك أبنائه من بعده،
فكان قراره بالتخلص من موسى نفسه
متناسيًا أن الفكرة لا تموت، وأنه مهما
تضافرت المحن سيظل هناك مؤمنون
يضحون من أجل الدين بأغلى ما
لدیھم.
١٣. الدنيا لا تعدم الخير حتى في أشد
الأماکن فسادًا وعطنًا فقد انبری رجل
مؤمن في بلاط فرعون المستبد مدافعًا
عن موسى عليه السلام ومتحدثًا بلغة
العقل والمنطق، محاولًا الأخذ بيد
قومه إلى الحق والرشد، ومحذرًا لهم
من عاقبة التكذيب والعناد، وضاربًا
لهم المثل بالأمم السابقة وما حدث
لها جراء تجاهلهم للحق وتكذيبهم
أنبياءهم.
١٤. الحكام الجائرون لا يتركون طريقًا إلا
سلکوها في سبیل تثبيت أركان ملکهم
العضوض، فيسلكون سبيل الحوار إن
كان يؤدي إلى ما يريدون، فإذا خاب
سعیھم بحثوا عن وسائل أخرى تحقق
مبتغاهم، حيث الترهيب والترغيب،
ویکون في سیوفهم رهق دائمًا.
١٥. إن نهاية فرعون وهامان وجنودهما
المستحقة تجعل المؤمنين يثقون بنصر
ربهم وصدق موعوده لهم بأن القهر
والاستبداد مهما طال بهم فسيأتي اليوم
الذي یسعدون به وتقر أعینھم ﴿ وَثُرِيدُ
أَنْ ثَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ أُسْتُضْعِفُواْ فِي الْأَرْضِ
وَنَجْعَلَهُمْ أَيِنَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَرِثِنَ
[القصص: ٥]. وتلك هي سنة
الله تعالى في خلقه ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ
فِي الْأَرْضِ كَمَا أَسْتَخْلَفَ الَّذِينَ
مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَمْ دِينَهُمُ الَّذِى
أَرْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِلَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ
أَمْنَأَ يَعْبُدُونَنِى لَا يُشْرِكُونَ بِ شَيْئًا وَمَنْ
كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأَوْلَيْكَ هُمُ الْفَسِقُونَ
:[النور:٥٥].
١٦ . الطبع يغلب التطبع، فقد عاود بنو
إسرائيل التمرد بدلا من شكر النعم،
ويحكي القرآن ما دار بين موسى عليه
السلام وقومه وكيف تبدلوا الخبيث
بالطيب؛ فطلبوا عبادة العجل، واشتهاء
الدون من الطعام، كأنهم يتمردون
على ربهم الذي أنجاهم ممن كاد أن
يهلكهم، وقد نال موسى من قومه
شدائد عظامًا لا يقدر عليها إلا أمثاله
من أولي العزم.
١٧. أحس موسى عليه السلام بالذنب
عندما طلب رؤية الله فطلب التوبة،
وأقر بالإيمان الكامل بربه وخالقه دون
أن يراه، وهكذا المؤمن يؤمن بالغيب
إيمانًا لا يتزعزع، ويثق فيما غاب عنه
www. modoee.com
٦٥

حرف الميم
كأنه يعاينه طالما جاء به الخبر الصادق. ٢١. قد يعلو صوت الباطل مدة تطول أو
تقصر، لكن يأتي اليوم الذي يتكشف
وإذ لكل حادث حديث؛ فإن هناك من
الأمور ما لم يأت وقته، فلا يصح أن
نعجل علیها.
فيه زيفهم، وينتصر الحق الذي كان
مستضعفًا، ويندحر الباطل الذي كان
منتفشًا، وعندها يفرح المؤمنون بنصر
الله، ويخزى أهل الباطل لا ريب.
١٨. كان من العجب أن يتجه بنو إسرائيل
إلى عبادة العجل، بعد أن رأوا إهلاك
الله لعدوهم، وإنجاءه لهم، وانفلاق
البحر، وکلها مشاهد عجيبة لا تحدث
في تاريخ البشرية إلا مرة واحدة، ثم
يكون انطماس البصائر، والحنين إلى
الشرك الذي كان عليه المصريون من
عبادة الأوثان وترك توحيد الدیان.
١٩. عصيان بني إسرائيل لموسى وعدم
دخول الأرض المقدسة أوجب عليهم
أن يقعوا في التیه جيلًا كاملًا؛ حتى
يأتي جیل جدید یفعل ما أمره الله به،
ولا يخاف أحدًا إلا الله، ويتبع أنبياءه
وقادته الذين هم الأدلاء لهم إلى طريق
الحق والنصر، فالعقوبة شديدة على
قدر الذنب، والنصر يأتي مع الطاعة
وبها.
٢٠. المسلم مطالب بالتأمل في مصير
الأولين وأخذ العبرة والموعظة بعيدًا
عن التفاصيل التي سكت عنها القرآن،
وهو الأمر الذي عودنا القرآن إياه
مع الأمور التي قد لا ينفع العلم بها،
والجهل بها لا يضر.
موضوعات ذات صلة:
بنو إسرائيل، التوراة، فرعون، الكتب
المنزلة، مدين، النبوة
٦٦
جوبي
القرآن الكَرِيمِ