النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقُرآن الكَرِيْمِ 2 عناصر الموضوع مفهوم النار ١٦٨ النار في الاستعمال القرآني ١٦٩ الألفاظ ذات الصلة ١٧٠ أسماء النار وصفاتها ١٧٢ ألوان العذاب في النار ١٨٩ ١٩٧ سبل الوقاية من النار ٢٠٥ أسباب دخول النار المُجَلَدَ الثَّانِى وَالثَّلاثُنْ حرف النون مفهوم النار أولًا: المعنى اللغوي: النار: ((النون والواو والراء، أصلٌ صحيحٌ يدل على إضاءةٍ واضطرابٍ وقلة ثباتٍ، ومنه النور والنار، سميا بذلك من طريقة الإضاءة؛ ولأن ذلك يكون مضطربًا سريع الحركة))(١). ونار نورًا وأنار واستنار ونور، بمعنى واحدٍ، أي: أضاء، والتنوير: الإنارة، يقال: نورت الشجرة تنويرًا، وأنارت: أي: أخرجت نورها. والنار مؤنثةٌ وهي من الواو؛ لأن تصغيرها نويرةٌ، وجمع النار على (أنيارٍ)، وأصلها (أنوارٌ)؛ لأنها من الواو، و(نورٌ) و(نيرانٌ) انقلبت الواو ياءً لكسرة ما قبلها، و(نيرةٌ)، و(نيارٌ)، وبينهم (نائرةٌ) أي: عداوةٌ وشحناء، وتنور النار من بعيدٍ: تبصرها(٢). ونار الحرب ونائرتها: شرها وهيجها. ونرته وأنرته: نفرته، وامرأة نوار: نافرة عن الشر والقبيح (٣). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: قيل: ((الدار التي أعدها الله للكافرين به، المتمردين على شرعه، المكذبين لرسله، وهي عذابه الذي يعذب به أعداءه، وسجنه الذي يسجن فيه المجرمين، وهي الخزي الأكبر، والخسران العظيم الذي لا خزي فوقه، ولا خسران أعظم منه» (٤). وقيل: ((هي دار العذاب والإهانة، أعدها الله لأعدائه الكافرين الذين كفروا به وعصوا رسله)»(٥). وهذه أقوال وتعاريف متقاربة، وبينهما نوع اشتراك في بعض، وعلاقة المعنى الاصطلاحي بالمعنى اللغوي ظاهر في الإضاءة. (١) مقاييس اللغة، ابن فارس ٣٦٨/٥. (٢) انظر: مختار الصحاح، الرازي ص ٣٢١، المصباح المنير، الفيومي ٢/ ٦٢٩، لسان العرب، ابن منظور ٥/ ٢٤٠ - ٢٤٢، القاموس المحيط، الفيروزآبادي ١ / ٤٨٨. (٣) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير ٥ / ١٢٦. (٤) الجنة والنار، عمر الأشقر ص١١. (٥) رسالة في أسس العقيدة، محمد السعوي ص٧٤. ١٦٨ جَوَسُولَة النفسية القرآن الكريم الناس النار في الاستعمال القرآني وردت مادة (نور) في القرآن الكريم (١٩٤) مرة، يخص موضوع البحث منها (١٤٥) ة(١). مرة والصيغ التي وردت، هي: الصيغة عدد المرات المثال الاسم ١٤٥ ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَنْ تَفْعَلُواْ فَأَتَّقُواْ النَّارَ الَّتِ وَقُودُهَا [البقرة: ٢٤] النَّاسُ وَالحِجَارَةٌ أُعِنَّتْ لِلْكَفِرِينَ ) وجاءت النار في الاستعمال القرآني على ستة أوجه (٢): الأول: العداوة: ومنه قوله تعالى: ﴿كَلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ﴾ [المائدة: ٦٤] يعني: عداوة. الثاني: الحرام: ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ﴾ [النساء: ١٠] يعني: حرامًا. الثالث: جهنم: ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَتَّقُواْالنَّارَ أَلَّتِى وَقُودُهَا النَّاسُ وَاِْجَارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤]. الرابع: الكفر: ومنه قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٢١] أي: إلى الكفر بالله. الخامس: النار التي لا دخان لها تنزل من السماء فتأكل القربان: ومنه قوله تعالى: ﴿حَقَّ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾ [آل عمران: ١٨٣] يعني: بنار تأكل القربان. السادس: النار المعروفة: ومنه قوله تعالى: يعني: النار التي تقدحون من الزند. اقْرَءِ يتَمُ النّارَ التى تَوَرُونَ ٧١ * [الواقعة: ٧١] (١) انظر: المعجم المفهرس الشامل لألفاظ القرآن الكريم، عبد الله جلغوم، باب النون، ص١٣٥٢- ١٣٥٥. (٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص٤٣٩ - ٤٤٠. www. modoee.com ١٦٩ حرف النون الألفاظ ذات الصلة جهنم: ١ جهنم لغةً: اسم من أسماء النار التي يعذب بها الله عز وجل عباده، وهو ملحق بالخماسي بتشديد الحرف الثالث منه، ولا يجرى للمعرفة والتأنيث، ويقال: هو فارسي معرب(١). وجهنم: من الجهنام، بئرٌ جهنمٌ وجهناٌ، بكسر الجيم والهاء: أي: بعيدة القعر، وبه سميت جهنم لبعد قعرها، ولم يقولوا: جهنام فيها(٢). جهنم اصطلاحًا: جهنم: ((اسم النار الآخرة، من الجهامة، وهي كراهة المنظر))(٣). الصلة بين النار وجهنم: النار: هي الملتهبة الحراقة، وأما جهنم: اسم من أسماء النار فيفيد من قولك: بئر جهنام إذا كانت بعيدة القعر (٤). اللهب: ٢ اللهب لغةً: اللام والهاء والباء أصل صحيح، وهو ارتفاع لسان النار، ثم يقاس عليه ما يقاربه، من ذلك اللهب: لهب النار، تقول: التهبت التهابا، وكل شيء ارتفع ضوؤه ولمع لمعانًا شديدًا فإنه يقال فيه ذلك، واللهب واللهاب: اشتعال النار(٥). اللهب اصطلاحًا: ((اشتعال النار إذا خلص من الدخان))(٦) الصلة بين النار واللهب: النار: هي المشتعلة بحد ذاتها، واللهب: ما يظهر ويمكن رؤيته بوضوح عند اشتعال النار. (١) انظر: الصحاح، الجوهري ٥/ ١٨٩٢، شمس العلوم، نشوان الحميري ١٢٠١/٢، مختار الصحاح، الرازي ص ٦٣. (٢) انظر: لسان العرب، ابن منظور ١٢ / ١١٢. (٣) التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص١٢٣. (٤) انظر: الفروق اللغوية، أبو هلال العسكري ص٣١١. (٥) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٢١٣/٥. (٦) لسان العرب، ابن منظور ٧٤٣/١. ١٧٠ القرآن الكريم الناس الإضاءة: ٣ الإضاءة لغةً: ضوء: الضاد والواو والهمزة أصل صحيح يدل على نور، من ذلك: الضوء، وهو بمعنى: الضياء والنور، قيل: أضاءت النار وأضاءت غيرها (١). الإضاءة اصطلاحًا: ((فرط الإنارة، من الضوء الذي هو النور البالغ القوي)) (٢). الصلة بين النار والضوء: النار: لابد من اشتعالها حتى تنتج عنها الإضاءة، أما الضوء فهو فرع النور، وهو الشعاع المنتشر. (١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٣٧٥/٣. (٢) التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص ٥٤. وانظر: الكليات، الكفوي ص١٣٧ . www. modoee.com ١٧١ حرف النون أسماء النار وصفاتها تحدث القرآن الكريم عن أسماء النار وصفاتها، وهذا ما سنبينه في النقاط الآتية. أولًا: أسماء النار: تعددت أسماء النار في القرآن الكريم تعددًا يؤذن بعظم شأنها، وأهمية أمرها، وكثرة أسماء النار توجب على العبد الأخذ بأسباب النجاة منها، وشدة الاحتياط والحذر؛ رغبة في توقي شرها. وفيما يأتي عرض لما ورد في القرآن من أسماء للنار: ١. لظى. قال عز وجل: ﴿كَلََّ إِنَّهَا لَظَى ١٥ نَزَّاعَةٌ لِلشَوَى﴾ [المعارج: ١٥-١٦]. وهذا الاسم لم يرد إلا في هذه الآية وسميت به لتلظيها وتلهبها(١) وللزوقها بالجلد، فـ ((التلظلظ واللظلظة من قولك: حيةٌ تتلظلظ، وهو تحريك رأسها من شدة اغتیاظها، وحيةٌ تتلظى من خبئها وتوقدها، والحريتلظى كأنه يلتهب مثل النار))(٢). وهي تسمية تشعر بعظم ما عليه النار من الاشتعال والتوهج والتغيظ، وشدة الإحراق والتلهب. (١) انظر: المفردات، الراغب ص ٧٤٠، مفاتيح الغيب، الرازي ٦٤٢/٣٠، التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب ١٥/ ١١٧٢. (٢) انظر: العين، الفراهيدي ١٥١/٨. ٢. الحطمة. قال تعالى: ﴿كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِ اَلْخُطَمَةِ )) وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا الخُطَمَةُ ث نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ﴾ [الهمزة: ٤- ٦]. وهذا الاسم لم يرد إلا في هاتين الآيتين. وسميت النار بالحطمة؛ لأنها تحطم كل ما ألقي فيها (٣). وفي هذه التسمية إشعار بشدة هذه النار وقوتها، وأنه لا يستعصي عليها أحد ولا شيء، فهي كفيلة بتحطیم کل ما يلقى فيها. ٣. السعير. قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْكُنَّا نَسْمَعُ أَوْنَعْقِلُ مَاكُنَافِ أَحَْبِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠]. وهذا الاسم ورد في القرآن معرفًا ثمان مرات، ومنکرًا سبع مرات. وسميت بذلك؛ لأنها توقد وتهيج، فهي (فعيل) بمعنى (مفعول) (٤). وهذا الاسم يدل على شدة اشتعال النار واتقادها وارتفاع ألسنة لهبها، فـ ((السين والعين والراء أصلٌ واحدٌ، يدل على اشتعال الشيء واتقاده وارتفاعه))(٥). وفي اللفظة إيماء أيضًا لشدة هيجان النار على أهلها، حيث يقال: ناقة مسعورة، نحو (٣) أضواء البيان، الشنقيطي ٩/ ١٠١. (٤) انظر: المفردات، الراغب ص ٤١١، وإرشاد العقل السليم، أبو السعود ١٤٨/٢. (٥) مقاييس اللغة، ابن فارس ٣/ ٧٥. ١٧٢ جَوَسُو ◌َرَ النَّقِينَ القرآن الكريم الناس موقدة ومهيجة (١). والسعير: اسم لأشد النار وسميت النار بذلك؛ لشدة تأجج نارها (٥). اشتعالًا، يقال: سعر فلان النار: إذا أوقدها بشدة(٢). ٤. سقر. قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِ النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُواْ مَسََّ سَقَرَ﴾ [القمر: ٤٨]. ورد هذا الاسم في القرآن أربع مرات. وسميت بذلك؛ لأنها تذيب الأجسام من قولهم: سقرته الشمس إذا أذابته (٣). وهذه التسمية توحي بشدة إحراق النار، فـ ((السين والقاف والراء، أصل يدل على إحراقٍ أو تلویح بنار»(٤). وفي هذا ما يشعر بهول العذاب، وبسخونة هذه النار، واشتداد حرها الذي لا يحرق فحسب، بل يبلغ من درجة قوته أن يذيب الأجساد، وتتلاشى فيه اللحوم والأبدان. ٥. الجحيم. قال تعالى: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِ أَصْلِ طَلْعُهَا كَنَّهُ، رُءُوسُ الشَّيَطِينِ﴾ الْجَحِيمِ ) [الصافات: ٦٤-٦٥]. ورد هذا الاسم في القرآن ثلاثًا وعشرين مرة. (١) الموسوعة القرآنية، إبراهيم الأبياري ٨/ ٢٦١. (٢) التفسير الوسيط، طنطاوي ١٤/١٥. (٣) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ٤/ ٢٠٣. (٤) مقاييس اللغة، ابن فارس ٨٦/٣. وفي تسمية النار بالجحيم إشارة إلى عظمتها، وشدة توقدها وحرها، وأنها نار جمع بعضها فوق بعض حتی اشتد حرها، وكل نار عظيمة في مهواة فهي جحيم(٦). ٦. الهاوية. قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَقَّتْ مَوَزِينُهُ. ا فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ ، وَمَا أَدْرَتِكَ مَا هِيَةْ ث نَأرْحَامِيَةٌ﴾ [القارعة: ٨-١١]. وهذا الاسم ورد في القرآن مرة واحدة في سورة القارعة. وسميت بهذا الاسم؛ لأن المعذب یھوی فيها مع بعد قعرها(٧)؛ أو لأنه یهوی فیها من علوٍ إلى سفل (٨). بحال المعذبين، وهي تسمية تشي وتصور حجم الإذلال والهوان الذي يعانونه ویکابدونه، فهي هاوية، یلقی الناس فيها مهانین، فيهوون فيها كما تهوي الحجارة. ٧. جهنم. قال تعالى: ﴿أَفَمَنِ أَتَّبَعَ رِضْوَنَ اللَّهِ كَمَن بَاءَ بِسَخَطٍ مِّنَ اَللَّهِ وَمَأْوَنَّهُ جَهَنَّمٌ وَيِئْسَ (٥) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ١٨٧، وإرشاد العقل السليم، أبو السعود ١ / ١٥٢. (٦) انظر: تفسير الراغب الأصفهاني ٣٠٥/١، تفسير ابن أبي حاتم ٢٧٨٤/٨، البحر المحيط، أبو حيان ١/ ٥٧٠. (٧) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٠/ ١٦٧. (٨) المفردات، الراغب الأصفهاني ص٨٤٩. www. modoee.com ١٧٣ حرفالنون المَصِيرُ﴾ [آل عمران: ١٦٢]. وهذا الاسم ورد في القرآن في اثنين وسبعين موضعًا، وجاء مضافًا إلى النار في تسعة مواضع، وسميت نار الآخرة بجهنم؛ لبعد قعرها(١). وفي هذه التسمية إشعار بعظم هذه النار، وبعد قعرها، ومدى عمقها، وهي تسمية تملأ القلب رعبًا والنفس فزعًا، وتستحث العبد نحو فعل ما ینجیه منها. فائدة المغايرة بين أسماء النار وأوصافها: بالتأمل في أسماء النار وصفاتها ومغايرة القرآن في التعبير عنها بأسماء مختلفة وصفات متنوعة يظهر لنا أن من أسباب تلك المغايرة، وفوائدها: التأكيد على أهمية الإيمان بها؛ فكثرة ذكرها توجه إلى أهمية الإيمان بها، وأهمية الحذر من عذابها، والاستعداد للنجاة من حرها. لشدة هولها وفظاعتها؛ إذ المغايرة في أوصافها وأسمائها تعطيها الكثير من المعاني والدلالات التي توحي بشدة هولها، وتظهر مدى فظاعتها. للإشعار بعظمتها وأهميتها؛ إذ الشيء كلما تعددت أسماؤه وأوصافه دلت على شدة عظمته، وأنه يستعصي على (١) مفاتيح الغيب، الرازي ٣٤٩/٥. وانظر: لسان العرب، ابن منظور ١٢/ ١٢٢. الحصر والإحاطة بمدلوله؛ ولذا يحتاج لعدد من الأسماء والأوصاف، وفي هذا ما يملأ النفس رهبة منها، وفيه مدعاة لحسن الاستعداد لها على الوجه الأكمل والنحو الأمثل. الصلة بين هذه الأسماء المتعددة: للنار عدد من الأسماء، ولكل منها مدلول خاص يظهره، وجانب من جوانب العظمة يبرزه، ووجه من وجوه الشدة يصوره، وهذا لا شك یدل على عظمة النار، و کان عظمتها مما يعجز الاسم الواحد عن تصويره، والصفة الواحدة عن الإحاطة به - كما مر، فيتحصل من مجموع تلك الأسماء تصور كثير من جوانب عظمتها وهولها. فاسم (السعير) يصور شدة التوقد، واسم (الحطمة) يبين القوة التي تمكنها من حطم كل ما يلقى فيها، واسم (الهاوية) يرسم صورة لعمقها وبعد قعرها، وهكذا في بقية الأسماء. ومجموع هذه الأسماء يوقع في حس المتلقي شدة هولها، ويظهر له عظيم خطرها، كما تتكامل أمامه مختلف ألوان عذابها، وترتسم في مخيلته صور المعذبين فيها، وصنوف آلامهم. وبالتأمل في أسماء النار نجد أن ثمة روابط وقواسم مشتركة، وهي كالآتي: عظم اشتعالها والتهابها: فهي نار لا ١٧٤ لِلْقُرْآن الكَرِيمِ الناس تنطفئ لها جذوة، ولا تخبو لها شعلة، ولا يهدأ لها توقد، ولا يبرد لها جمر، فاشتعالها دائم، وتلهبها في تعاظم. شدة حرها: فحرارتها بلغت الغاية والنهاية حتى بلغ من شدتها أن تذيب اللحوم مهما غلظت، والأبدان مهما قويت واشتدت. بعد قعرها: فهو قعر شديد البعد لا إلى شيخ الإسلام ابن تيمية (١). يعرف له قرار ولا نهاية. شدة عذابها: فهو عذاب يجمع شتی صور الإيلام، وتتكامل فيه مختلف صنوف الهوان، مما يجعل عذابها لا نظير له ولا مثيل، مهما عظم واشتد. ثانيًا: فناء النار: تمثل مسألة (فناء النار وبقائها) أهمية خاصة؛ لما لها من أهمية في تكوين معتقد المسلم؛ ولما لها من تعلقٍ بإيمان المسلم بالآخرة. وذكر الآخرة من الأمور المركزية في القرآن الكريم، وحق لما كان من أمورها أن يدرس ويبحث، ويظهر فيه الحق من الباطل؛ ليكون المسلم في ذلك على بينة من أمره. وسنتناول مسألة (فناء النار) من خلال الاختلاف الواقع فيها، وبيان أدلة المختلفين، ومناقشتها، وذكر الراجح من الأقوال في ذلك. اختلف الناس حول بقاء النار في الآخرة وفنائها على أقوال كثيرة، أهمها ثلاثة: الأول: القول ببقائها، وهو ما عليه جمهور أهل السنة والجماعة، ونقل بعضهم الإجماع عليه. الثاني: القول بفنائها، وهو محكي عن الجهم بن صفوان وأتباعه وغيرهم، ونسب الثالث: الإمساك عن ذلك(٢). وسنعرض أدلة القائلين ببقاء النار، وأدلة القائلين بفنائها، دون الفريق الثالث؛ لأنهم أمسكوا عن الخوض في المسألة. أدلة القائلين ببقاء النار في الآخرة: استدل القائلون ببقاء النار بأدلة كثيرة نذكر بعضها بحسب طبيعة البحث، فمنها: قوله تعالى: ﴿بَلَّ مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةٌ وَأَخَطَتْ بِهِ، خَطِينَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِّ هُمْ فِيهَا خَلِّدُونَ﴾ [البقرة: ٨١]. (١) والراجح أن نسبته له غير صحيحة، والصحيح عنه القول بأبديتها. انظر: كشف الأستار لإبطال ادعاء فناء النار المنسوب لشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، علي الحربي ص٥٨. (٢) انظر في الأقوال الثلاثة: الرد على من قال بفناء الجنة والنار، ابن تيمية ص ٤٢، حادي الأرواح، ابن القيم ص٣٢٩-٣٣٢، شرح الطحاوية، ابن أبي العز ٦٢٤/٢، فتح الباري، ابن حجر ٤٢١/١١-٤٢٢، كشف الأستار في إبطال قول من قال بفناء النار، الشوكاني ٢/ ٧٨٩. www. modoee.com ١٧٥ حرفالنون قال الطبري: ((وإنما هذه الآية إخبار من الله عباده عن بقاء النار، وبقاء أهلها فيها))(١). وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَرِينَ مِنْهَاْ وَلَهُمْ عَذَابٌ [المائدة: ٣٧]. مُقِـ فقد صرحت الآية بكون الكافرين غير خارجين من النار، وأن لهم فيها عذابًا مقيمًا لا يخرجون منه، قال القرطبي مبينًا معنی العذاب المقيم: ((و﴿مُقِيمٌ﴾ معناه دائم ثابت، لا يزول ولا يحول))(٢). وقوله تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَىِ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْرِى كُلَّ كَفُورٍ﴾ [فاطر: ٣٦](٣). فالآية مصرحة بكون العذاب لا يخفف عن الكفار، وفي هذا دليل على بقاء النار، وعدم فنائها. وقال رسول الله صلی الله عليه وسلم: (إذا صار أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار، جيء بالموت حتی یجعل بين الجنة والنار، ثم یذبح، ثم ينادي منادٍ: يا أهل الجنة لا موت، ويا أهل النار لا موت، فيزداد أهل الجنة فرحًا إلى فرحهم، ويزداد أهل (١) جامع البيان، الطبري ٢/ ٢٨٧. (٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٥٩/٦. (٣) شرح الطحاوية، ابن أبي العز ٦٢٩/٢، رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار، الصنعاني ١/ ١١٧. النار حزنًا إلى حزنهم) (٤). أدلة من قال بفنائها: فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِى استدل بقوله تعالى: النَّارِ لَهُمْ فِهَا زَفِيْرٌ وَشَهِيقٌ آ خَلِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ إِلَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَقَالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٦ -١٠٧]. ووجه الاستدلال من الآية: ﴿خَلِدِينَ فِيَهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ إِلََّ مَا شَآءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٧]. فالله جعل خلودهم في النار موقوفًا على مشيئته، فهذا يدل على أن عذاب الكفار منقطع، وله نهاية. الرد على هذا الاستدلال: أن الاستثناء عائد على العصاة من أهل التوحيد، ممن يخرجهم الله من النار بشفاعة الشافعين، كما رجحه بعض المفسرين (٥). ومن الأدلة قوله تعالى: ﴿لَّبِشِينَ فِيَهَا أَحْقَابً﴾ [النبأ: ٢٣]. ووجه الدلالة من الآية: أن أهل النار يمكثون فيها أحقابًا، والحقب لها نهاية، (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار، ١١٣/٨، رقم ٦٥٤٨، ومسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء، ٢١٨٩/٤، رقم ٢٨٥٠. (٥) انظر: جامع البيان، الطبري ١٥/ ٤٨١، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٥١/٤-٣٥٢، شرح الطحاوية، ابن أبي العز ص ٤٢٠. جَوَسُولَةُ النَّتِيَّة القرآن الكريمِ ١٧٦ الناس فهذا يدل على أن النار تفنى، ولا بقاء لها (١). الرد على هذا الاستدلال: أن الذي حدد بالأحقاب ليس هو العذاب، بل هو نوع من العذاب، وهو ما جاء بعد هذه الآية من قوله تعالى: ﴿لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ [النبأ: ٢٤ -٢٥].(٢). روی الطبري بسنده عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿النَّارُ مَثْوَنَّكُمْ خَالِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَآءَ اللّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٢٨]. أنه كان يتأول في هذا الاستثناء: ((أن الله عز وجل جعل أمر هؤلاء القوم في مبلغ عذابه إياهم إلى مشيئته))، وقال: ((إنه لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه، ولا ينزلهم جنة ولا نارًا﴾(٣). (١) انظر: شرح الطحاوية، ابن أبي العز ٦٢٦/٢، رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار، الصنعاني ص٨٧. (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٤/ ١٦٣، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٨ /٣٠٦. (٣) قال الألباني في تعليقه على رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار ص٧١: ((قلت: هذا أثر منقطع، لأن علي بن أبي طلحة لم یسمع عن ابن عباس، وإن کان معناه صحيحًا، على ما سيبينه المؤلف رحمه الله تعالى، ثم أن في الطريق إليه عبد الله بن صالح، وفيه ضعف، رواه عنه ابن جرير ١٣٨٩٢، وابن أبي حاتم أيضًا كما في تفسير ابن كثير، والأثر في الحادي ١٧٣/٢ غير معزو لابن تيمية صراحة، ولم يذكره الناقل عن ابن تيمية في وروی عبد بن حميد في تفسیره بسنده عن الحسن البصري عند قوله تعالى: ﴿َّبِثِينَ فِيَهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ: ٢٣]. قال: قال عمر رضي الله عنه: ((لو لبث أهل النار في النار كقدر رمل عالج (٤) لكان لهم على ذلك يوم يخرجون فيه»(٥). قال الطبري: قال ابن مسعود رضي الله عنه: «ليأتين على جهنم زمان تخفق أبوابها ليس فيها أحد؛ وذلك بعد ما يلبثون فيها أحقابًا))(٦). الرد على استدلالهم بهذه الآثار: الآثار السابقة التي استدل بها القائلون بفناء النار ضعيفة لا تقوم بها حجة، كما بينا ذلك في الحاشية. ومما استدلوا به قولهم: إن معصية الظلم متناهية، فالعقاب عليها بما لا يتناهى (٧) ظلم (٧). مخطوطة المکتب)). (٤) عالج: رمال معروفة بالبادية، وتطلق على ما تراكم من الرمل ودخل بعضه في بعض. انظر: لسان العرب، ابن منظور ٣٢٦/٢، معجم البلدان، ياقوت الحموي ٤/ ٧٠. (٥) ضعيف: للانقطاع بين الحسن البصري وبين عمر رضي الله عنه. وانظر: سلسلة الأحاديث الضعيفة، الألباني ٧٣/٢، رفع الأستار، الصنعاني ص ٦٥ مع تعليق الألباني عليه. (٦) جامع البيان، الطبري ١٣ /١٨. وانظر: الرد على من قال بفناء الجنة والنار ص٦٩. (٧) جلاء العينين في محاكمة الأحمدين، www. modoee.com ١٧٧ حرف النون الرد على هذا الاستدلال: أن الله علم في سابق علمه أن الخبث قد تأصل في هؤلاء الخبثاء، بحیث إنهم لو عذبوا القدر من الزمن الذي عصوا الله فيه، ثم عادوا إلى الدنیا لعادوا لما يستوجبون به العذاب، لا يستطيعون غير ذلك، قال الله: ﴿وَلَوْ تَرَّ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَلَيْنَنَا نُرَهُ وَلَّا تُكَذِّبَ ثَايَتِ رَيِّنَا وَتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( بَلْ بَدَا لَم مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلٌ وَلَّوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُّهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٧ - ٢٨](١). الرأي الراجح: الذي يترجح مما سبق من الأقوال هو القول ببقاء النار في الآخرة، وهو قول جمهور أهل السنة والجماعة؛ لصراحة الأدلة من الآيات والأحاديث، وعدم قوة الأدلة التي استدل بها المعارضون. ومن قرأ ما كتبه ابن القيم رحمه الله تعالی یظن أنه يرجح أن النار تفنى، وأن أهلها يخرجون منها، لكن في الحقيقة أن ابن القيم رحمه الله تعالى يكاد يميل إلى التوقف؛ لأنه بعد أن ذكر الخلاف الطويل، وذكر الأقوال في ذلك والأدلة، قال: ((فهذا نهاية أقدام الفريقين في هذه المسألة؛ ولعلك لا تظفر به في غیر هذا الكتاب؛ فإن قيل: فإلى أين أنتهى قدمكم في هذه المسألة العظيمة الألوسي ص٤٧٩. (١) رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار، الصنعاني ص١٢٦ . الشأن التي هي أكبر من الدنيا بأضعاف مضاعفة؟ قيل: إلى قوله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧]. وإلى هنا انتهى قدم أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب رضي الله عنه فیھا، حیث ذکر دخول أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، وما يلقاه هؤلاء وهؤلاء، وقال: ثم يفعل الله بعد ذلك ما یشاء، بل وإلی ها هنا انتهت أقدام الخلائق))(٢). ثالثًا: عظم النار وشدة حرها: ١. عظم النار. النار مخلوق من مخلوقات الله عز وجل العظيمة، التي يذهب العقل في تصور عظمتها وسعتها كل مذهب، وينتاب القلب الحي خوفٌ ووجلٌ مما یرد عليه من وصفها في القرآن والسنة، وقد أفصحت الآيات والأحاديث عن ذلك إفصاحًا يزجر كل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، ويمكن أن نستلمح شيئًا من عظمتها من خلال ما يأتي: ١. عظمة خالقها. الحديث عن عظم النار له أصل يقوم عليه، وهو أن الذي خلقها هو الله، وهذا هو الأصل الذي من عقله وانتفع به انتفع بوصف الله للنار، وذكره لأهوالها وحرها (٢) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح ص٣٨٧. ١٧٨ بَرُ النَّفْسِيَة جوببيو لِلْقُرآن الكَرِيْمِ الناس وعذابها، ومن غفل عنه فلن يقوم في قلبه بعضها إلى بعضٍ وتقول: قط قط، بعزتك وكرمك)(١). خوفٌ ولا فزعٌ من النار وأهوالها وعذابها، فالخوف من النار في حقيقته خوفٌ من خالقها، وتعظیم له وتقدیس؛ وذلك هو أعظم ما يطبع النفس بطابع الفزع من النار، ويلقي في أعماقها الخوف الرهيب من النار، والفرار الجاد عن مسالكها. وقد جاءت آيات كثيرة في القرآن مؤكدة لتلك الحقيقة الكبرى، حقيقة أن الذي خلق النار وأعدها للظالمين هو الله، منها قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا ﴾ [الكهف: ٢٩]. وقوله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِثَايَتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ٥٦]. وغير ذلك من الآيات. ٢. سعتها. الحديث عن سعة النار في القرآن حديث يطول، ولكننا نكتفي هنا بالإشارة إلى بعض الآيات والأحاديث التي تبین عظمتها وعمقها واتساعها بما يتناسب مع البحث، من خلال عدة عناصر على النحو الآتي: جهنم تطلب المزيد: قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ مَلِ أَمْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلَّ مِن مَّزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠]. قال رسول الله صلی الله علیه وسلم: (لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول: هل من مزيدٍ حتى يضع رب العزة فيها قدمه، فينزوي قال ابن کثیر معلقًا على هذه الآية: «یخبر تعالى أنه يقول لجهنم يوم القيامة: هل امتلأت؟ وذلك أنه وعدها أن سيملؤها من الجنة والناس أجمعين، فهو سبحانه يَأْمُرُ بمن يُأْمَرُ به إليها، ويلقى وهي تقول: ﴿هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ أي: هل بقي شيء تزيدوني؟))(٢). سعة قعرها وشدة عمقها: مما يدل على عظم جهنم وسعتها ما أخبر به رب العالمين بقوله: ﴿فَأُتُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة: ٩]. وسميت النار هاوية؛ لأن أهلها يهوون فيها مع بعد قعرها (٣)، وهذا الوصف لجهنم يبين لنا أن هذه النار عميقة القعر لا يعرف لها قرار ولا نهاية، یھوي أهل النار فیھا مهوی بعیدا. وقعر هذه النار يتبين لنا إذا علمنا أن الحجر إذا ألقي فيها احتاج إلى فترة زمنية طويلة حتى يصل إلى قعرها، كما جاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (كنا مع رسول الله صلى الله عليه (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء ٢١٨٨/٤، رقم ٢٨٤٨. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧/ ٤٠٣. (٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٦٧/٢٠. www. modoee.com ١٧٩ حرف النون وسلم، إذ سمع وجبةً (١)، فقال النبي صلى للزمام الواحد سبعين ألف ملك، وهو دليل على أن الزمام الواحد متعلق بشيء عظيم یحتاج إلى آلاف من الملائكة حتی یجروه. الله عليه وسلم: (تدرون ما هذا؟) قال: قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: (هذا حجرٌ رمي به في النار منذ سبعين خريفاً، فهو يهوي في النار الآن حتى انتهى إلى قعرها)(٢). فما أعظم هذه النار التي احتاج حجر سبعين خريفا حتى انتهى إلى قعرها !. جهنم تجر ولا تحمل: جهنم لعظمتها وشدة اتساعها تجر ولا تحمل، فقد بین الله عز وجل أن جهنم يؤتى بها يوم القيامة إلى أرض المحشر، فقال تعالى: ﴿وَجِاْىَّ يَوْمَيِذِيَجَهَنَّمَ ﴾ [الفجر: ٢٣]. وهذا المجيء بين لنا النبي صلى الله عليه وسلم کیفیته، فقال: (یؤتی بجهنم يومئذٍ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملكٍ يجرونها)(٢). ثم قرأ الآيةً. وإيثار (يجرونها) دون (يحملونها) أو غيره من الألفاظ، ليدل على عظم جهنم ومدى اتساعها؛ إذ من المعلوم أن الشيء کلما عظم واتسع صعب حمله فيجر. ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن (١) الوجبة: صوت سقوط الشيء. انظر: النهاية، ابن الأثير ١٥٤/٥. (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب في شدة حر نار جهنم ٤ / ٢١٨٤، رقم ٢٨٤٤. (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعیمها وأهلها، باب في شدة حر نار جهنم، ٢١٨٤/٤، رقم ٢٨٤٢. وإضافة إلى ما ذكر فإن من يتأمل هذه الآية يجد أنها جاءت في سياق التهويل لموقف القيامة، وتوضيح مشاهد الرعب والفزع فيه، حيث: دك الأرض، ومجيء الرب، واصطفاف الملائكة، ثم مجيء جهنم. وهذا يوحي لنا أن مجرد حضور النار ورؤيتها لهو هولٌ من أهوال هذا الموقف، فکیف بھول السوق إلیھا و دخولها؟! ٣. جسر جهنم. عن عائشة رضي الله عنها أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ, يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَتُ مَطْوِيَّتْ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]. قالت: قلت: فأين الناس يومئذٍ يا رسول الله؟ قال: (على جسر جهنم) (٤). فسبحان الله العظيم! إذا كان جسر جهنم (٤) أخرجه أحمد في مسنده، ٣٤٩/٤١، رقم ٢٤٨٥٦، والترمذي في سننه، أبواب تفسير القرآن، باب ومن سورة الزمر، ٣٧٢/٥، رقم ٣٢٤١. قال الترمذي: «هذا حديث صحيحٌ غريبٌ من هذا الوجه)). وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ١٠٤/٢. جَوْمُوَاعَةُ النَّفْسِيْ القرآن الكريمِ ١٨٠ الناس قد اتسع لحمل الناس جميعًا، فكيف بجهنم مََّكِنُونَ﴾ ويكفي للدلالة على أن غلظتهم وشدتهم بلغت الغاية في الغلظة والشدة أن نفسها؟! ٤. سرادقها. الله هو الذي وصفهم بذلك الوصف، وأنهم لا يخرجون عن طاعة الله، بل یبادرون إلى وصف الله تعالی جهنم بأن لها سرادقًا، قال الله عز وجل: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩]. مرضاته، وامتثال أمره، فغلظتهم وشدتهم على العصاة هي في حقيقتها تنفيذ وامتثال والسرادق ((هو كل ما أحاط بشيء من وإذعان لله. حائطٍ، أو مضرب، أو خباء))(١). وقد بين الله تعالى عظم هذا السرادق، فوصفه بأنه يحيط بأهل النار على كثرة عددهم، وضخامة حجمهم، فلا يستطيعون خروجًا ولا فرارًا. قال تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطٌ بِالْكَفِينَ﴾ [التوبة: ٤٩]. ٥. خزنتها. أخبر الله تعالى أن النار لعظمها تقوم عليها ملائكة وصفهم الله عز وجل بالغلظة والشدة. قال تعالى: ﴿عَلَيْهَا مَلَتِكَةُ غِلَاظٌ شِدَاءٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ ﴾ [التحريم: ٦]. هؤلاء الخزنة من شدتهم وغلظتهم أن قلوبهم لا تلین لکافٍ ولا ظالم، فحین یشتد العذاب بالمجرمين في النار، ويضجون منه ينادون: ﴿وَنَادَوْ يَمَلِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكٌ قَالَ إِنَّكُم مَّكِتُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧]. فيجيبهم مالك مقنطًا: ﴿قَالَ إِنَّكُم (١) النهاية، ابن الأثير ٣٥٩/٢. ٦. وقودها. إن هذه النار ليس وقودها الحطب والخشب کحال وقود نار الدنيا، وإنما وقودها الناس والحجارة، قال عز وجل: ﴿فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِ وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةَ أُعِدَتْ لِلْكَفِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤]. ((إنها نار فظيعة متسعرة، وقودها الناس والحجارة، الناس فيها كالحجارة سواء في مهانة الحجارة، وفي رخص الحجارة، وفي قذف الحجارة، دون اعتبارٍ ولا عنایة، وما أفظعها نارًا هذه التي توقد بالحجارة! وما أشده عذابًا هذا الذي يجمع إلى شدة اللذع المهانة والحقارة!))(٢). وهذه الحجارة التي تكون في جهنم ليست کأي حجارة، فقد ورد عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما أن المراد بالحجارة حجارة الكبريت توقد بها النار، ويقال: ((إن فيها خمسة أنواع من العذاب ليس في غيرها من الحجارة: سرعة الإيقاد، ونتن الرائحة، (٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ٣٦١٨/٦. www. modoee.com ١٨١ حرف النون وكثرة الدخان، وشدة الالتصاق بالأبدان، في الذهن، إنه شرر عظيم، غير مألوف لنا نحن البشر، شررٌ عظيم بقدر عظمة جهنم. وقوة حرها إذا أحمیت»(١). وصدق النبي صلی الله عليه وسلم إذ يقول: (ناركم هذه التي يوقد ابن آدم جزءٌ من سبعين جزءًا من حر جهنم) قالوا: (والله إن کانت لکافیةً یا رسول الله)، قال: (فإنها فضلت عليها بتسعةٍ وستين جزءًا، كلها مثل حرها)(٢). ٧. شررها. من أعجب ما يمكن الاستدلال به على عظم النار ما جاء وصفًا لأدق ما فيها وهو الشرر، يقول تعالى عن جهنم: ﴿إِنَّهَا تَرْبِى بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ ٦ كَنَّهُهُ جِمَلَتْ صُفْرٌ﴾ [المرسلات: ٣٢-٣٣]. فهذا وصف الشرر الذي هو أدق النار وأصغرها، يوضح لنا ربنا صفته فيبين أنه في عظمته كالقصر، أي: ((كالبناء المشيد في العظم والارتفاع)) (٣) وأنه في هيئته ولونه وتتابعه كـ ﴿جمَلَتُ صُفْرٌ﴾ أي: ((إبل سود يميل لونها إلى الصفرة))(٤)، فهو إذًا ليس الشرر المتبادر ذكره، أو المستحضرة صورته (١) جامع البيان، الطبري ٣٨١/١-٣٨٢، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٠١/١-٢٠٢، التخويف من النار، ابن رجب ص١٣٦. (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب في شدة حر نار جهنم، ٢١٨٤/٤، رقم ٢٨٤٣. (٣) التفسير الميسر ص ٥٨١. (٤) المصدر السابق. ٢. شدة حرها. جاء الإخبار عن حر النار وشدته وأثره الشدید في آیات کثیرة من کتاب الله تعالی، فمن ذلك: # أنها حامية: قال تعالى: ﴿تَصْلَ نَارًا حَامِيَةً﴾ [الغاشية: ٤]. وفي هذا مزيد تخويف وترهيب؛ يقول ابن عاشور رحمه الله: ((وصف النار بـ لإفادة تجاوز حرها المقدار المعروف؛ لأن الحمي من لوازم ماهية النار، فلما ـ كان دالاً على وصفت بـ شدة الحمي. قال تعالى: ﴿نَارُ اللَّهِ اٌلْمُوقَدَةُ﴾ [الهمزة: ٦]))(٥). أنها تلظى: قال تعالى: ﴿فَأَذَرْتٌُ نَارًا تَكَفَّى﴾ [الليل: ١٤]. أي: ((تتوهج وتتوقد)»(٦). فلا يخمد لهيبها، ولا تهدأ نارها. أنها نزاعة للشوى: قال تعالى: ﴿نَزَّاعَةٌ لِلْشَوَى﴾ [المعارج: ١٦]. وفيه تفظيع لشدة حرها، فهي «تنزع بشدة حرها جلدة الرأس وسائر أطراف البدن»(٧). قال مقاتلٌ: ((تنزع النار الهامة (٨) (٥) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٩٦/٣٠. (٦) معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٣٣٦/٥. (٧) التفسير الميسر ص٥٦٩. (٨) الهامة: أعلى الرأس، وفيه الناصية. جَوَسُو ◌َرُ النَّقِيَّة القرآن الكريم ١٨٢ الناس والأطراف، فلا تترك لحمًا ولا جلدًا إلا أحرقته))(١). وقال الفراهي في مفرداته: ((﴿فَزَّاعَةٌ لِّلِشَّوَى﴾ واختلفوا في معناه، ولكن المعنى الكثير الوقوع في كلام العرب هو لحم الساق»(٢). أنها: ﴿لَا نْقِى وَلَانَذَرُ﴾ [المدثر: ٢٨]. أي: ((لا تبقي لحمًا، ولا تترك عظمًا، ولا عصبًا إلا أحرقته»(٣)، ثم يعود كما كان ويستأنف أهل النار العذاب. أنها موقدة: قال تعالى: ﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ﴾ [الهمزة: ٦]. وهو وصف يشي بأنها نار ((لا تزال تلتهب ولا يزول لهيبها)»(٤). وهو وصف فيه تيئيس من فرجٍ، أو خلاصٍ، أو راحة من العذاب. أنها تحرق الجسد کله حتى تصل إلى فؤاد الإنسان فتحرقه. قال تعالى: ﴿الَِّ تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْدَةِ﴾ [الهمزة: ٧]. والفؤاد أرق شيء في الإنسان وألطفه، فحين تصله النار فتحرقه يتضاعف العذاب، ويشتد الألم. أنها تتغيظ وتزفر حنقًا على الكافرين والمجرمين. قال تعالى: ﴿إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَمَا تَغَيُّظًا وَزَفِيْرًا﴾ انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ٢٤٧/٦. (١) مفاتيح الغيب، الرازي ٦٤٣/٣٠. (٢) مفردات القرآن، الفراهي ص٢٠٠. (٣) التفسير الميسر ص ٥٧٦. (٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٥٤٠/٣٠. [الفرقان: ١٢]. أنها تشهق فتزعج أهل النار وترعبهم. قال تعالى: ﴿إِذَا أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُوا لَّمَا شَهِيقًا وَجِىَ تَفُورُ﴾ [الملك: ٧]. وشهيقها مزعج منكر مؤذنٌ بغضب شديدٍ، وعذابٍ ألیم. أنها تغلي من شدة الحر غيظًا على الكافرين. قال تعالى: ﴿إِذَا أَلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقًا وَهِىَ تَفُورُ ، تَكَادُ تَمَيِّرُ مِنَ الْفَيْظِ كُلَّمَا أَلْفِىَ فِيَهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَهَا أَلَمْـ يَأْتِكُنَذِيرٌ﴾ [الملك: النار لواحة للبشر: تحرق الجلود وتغيرها من شدة حرها. قال تعالى: ﴿لَوَّاسَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٩]. أي: ((مغيرة للبشرة، مسودة للجلود، محرقة لها)»(٥). جهنم هواؤها سموم، وظلها يحموم، وماؤها حميم(٦). قال تعالى: ﴿ وَآَمْحُ ◌َ فِي سَمُوَرٍ وَحَمِيدٍ ٤١ الشِّمَالِ مَا أَصْحَبُ الشِّمَالِ وَظِلّ مِّنْ يَجْهُومٍ لَّا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ﴾ ٤٢ [الواقعة: ٤١-٤٤]. ((فهواؤهم الذي يهب عليهم سموم، وماؤهم الذي (٥) التفسير الميسر ص٥٧٦. (٦) السموم: الريح الحارة التي تدخل في مسام البدن، واليحموم: دخان أسود شديد السواد، والحميم: ماء متناهي الحرارة. انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٧/ ٢١٣، محاسن التأويل، القاسمي ١٢٤/٩. www. modoee.com ١٨٣ حرف النون يستغيثون به حمیم، مع أن الهواء والماء رابعًا: دركات النار: أبرد الأشياء، وهما -أي: السموم والحميم- من أضر الأشياء، بخلاف الهواء والماء في الدنيا، فإنهما من أنفع الأشياء، فما ظنك بنارهم التي هي عندنا أيضًا أحر؟ ولو قال: هم في نار، كنا نظن أن نارهم كنارنا؛ لأنا ما رأينا شيئًا أحر من التي رأيناها، ولا أحر من السموم، ولا أبرد من الزلال، فقال: أبرد الأشياء لهم أحرها، فكيف حالهم مع أحرها؟!))(١). جهنم تصهر البطون وما فيها من أحشاء وأمعاء من شدة حرها. قال عز وجل: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ آَخْتَصَمُواْ فِ رَبِهِمَّ قَالَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِعَتْ لَهُمْ نِيَابٌ مِّن نَّارِ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (٦) يُصْهَرُ بِهِ، مَا فِي بُطُونِهِمْ وَلْجُلُودُ﴾ [الحج: ١٩ -٢٠]. جهنم تلفح الوجوه بلهيبها فتتركها عظامًا لا لحم فيها. قال تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٩]. (١) مفاتيح الغيب، الرازي ٤٠٩/٢٩ بتصرف يسير. ١. دركات النار. بین الله عز وجل في كتابه أن أهل النار متفاوتون في عذابهم، وأنهم ليسوا على منزلة واحدة؛ لأن النار ليست على دركة واحدة، بل هي على دركات، ويتبين هذا من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الُْفِقِينَ فِي الدَّرْكِ اَلْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٤٥]. إذ بين الله أن المنافقين في الدرك الأسفل من النار، مما يعني أنها «أدراك بعضها فوق بعض، طبقة على طبقة))(٢). قال ابن فارس: «درك: الدال والراء والكاف أصل واحد، وهو لحوق الشيء بالشيء ووصوله إليه، ومن ذلك: الدرك، وهي منازل أهل النار))(٣). فدركات النار هي: منازل النار وطبقاتها التي ينزل فيها أهلها، ويلحقون بها، ولم تخرج آراء المفسرين واللغويين عن هذا المضمون (٤). وقد بين العلماء الفرق بين الدركات والدرجات: (٢) المحرر الوجيز، ابن عطية ١٢٨/٢. وانظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١١ / ٢٥١. (٣) مقاييس اللغة، ابن فارس ٢٦٩/٢. (٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٩/ ٣٣٧، مفاتيح الغيب، الرازي ٢٥١/١١، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٤٤/٥، لسان العرب، ابن منظور ٤٢٢/١٠. ١٨٤ جوسين القرآن الكريمِ الناس قال الضحاك: الدرج إذا كان بعضها فوق درجتين مائة عام) (٦). بعض، والدرك إذا كان بعضها أسفل من بعض(١). ((درجات الجنة تذهب علوًا، ودرجات النار تذهب سفلًا))(٢). وقال الراغب الأصفهاني: ((الدرك کالدرج، لکن الدرج یقال اعتبارًا بالصعود، والدرك اعتبارًا بالحدور؛ ولهذا قيل: درجات الجنة، ودركات النار))(٣). وعلى ذلك: فدرجات الجنة: منازل ومراقٍ بعضها فوق بعض. ودركات النار: منازل بعضها تحت بعض. ويرجع هذا إلى أن الدرج في اللغة: مراتب بعضها فوق بعضٍ (٤)؛ فالشيء الذي يقصد أعلاه تکون منازل الرقي إليه درجات (٥). الجنة مائة درجة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (في الجنة مائة درجةٍ، ما بين كل (١) مفاتيح الغيب، الرازي ١١/ ٢٥١. (٢) التخويف من النار، ابن رجب ص٦٩. (٣) المفردات، الراغب ٣١١/١. (٤) لسان العرب، ابن منظور ٢٦٦/٢. (٥) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٤٤/٥. والدرك في اللغة: أقصى قعر الشيء(٧). فالدركة: المنزلة في الهبوط، فالشيء وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الذي يقصد أسفله تكون منازل التدلي إليه دركات (٨). فلذلك الدركات لأسفل. فنخلص من ذلك أن الدركات والدرجات يتفقان في أنهما منازل وطبقات. ويختلفان في أن الدركات لأسفل، والدرجات لأعلى. فائدة مهمة: ورد في الاستعمال القرآني إطلاق لفظ الدرجات على منازل الجنة والنار، وذلك في ثلاث آيات من كتاب الله، في قوله: ﴿ أَفَمَنِ أَتَّبَعَ رِضْوَنَ اَللَّهِ كَمَنُ بََّ بِسَخَطٍ مِّنَ اَللَّهِ وَمَأْوَنُ جَهَنٌَّ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( هُمْ دَرَجَتُ عِندَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٢ -١٦٣]. قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: ((أهل وقد ورد في السنة الصحيحة أن درجات الخير وأهل الشر درجات، يعني: متفاوتون في منازلهم ودرجاتهم في الجنة، ودركاتهم (٦) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب صفة الجنة، باب ما جاء في صفة درجات الجنة، ٤ / ٦٧٤، رقم ٢٥٢٩. قال الترمذي: «هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ)). وصححه الألباني في صحيح الجامع، ٧٨١/٢، رقم ٤٢٤٥. (٧) لسان العرب، ابن منظور ١٠/ ٤٢٢. (٨) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٤٤/٥. www. modoee.com ١٨٥ حرفالنون في النار))(١). وفي قوله: [الأنعام: ١٣٢]. قال الطبري في تفسير هذه الآية: ((ولكل عامل في طاعة الله أو معصيته منازل ومراتب من عمله يبلغه الله إياها، ويثيبه بها، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر))(٢). وفي قوله: ﴿وَلِكُلِّ دَرَحَتُ تِمَّا عَيِلُواْ وَلِيُوَفِيَهُمْ أَعْمَلَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الأحقاف: ١٩]. قال الشوكاني في تفسير هذه الآية: (أي: لكل فريق من الفريقين المؤمنين والكافرين من الجن والإنس مراتب عند الله يوم القيامة بأعمالهم))(٣). وعلى ذلك فيكون المقصود بالدرجات في الآيات الثلاث: هي المنازل دون اعتبارٍ لما توصف به من ارتقاءٍ أو هبوط، فإذا أضيفت إلى أصحابها صارت درجات الجنة، ودركات النار. أسماء الدركات وعددها وسكانها بين القرآن والسنة الصحيحة: لم يرد في القرآن ولا في السنة الصحيحة تسمية دركات النار ولا عددها، ولا تحديد أصناف أهل النار الذين يسكنون هذه الدركات إلا فيما ذكره القرآن عن الدرك الأسفل من النار، وبيان أن هذا الدرك منزل (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٥٨/٢. (٢) جامع البيان، الطبري ١٢ /١٢٥. (٣) فتح القدير، الشوكاني ٢٥/٥. المنافقين، وهذا في قوله: ﴿إِنَّ الْمَُفِقِينَ ﴿وَلِكُلِّ مَرَحَتٌ مِّمَّ عَمِلُواْ﴾ فِىِ الذَّرْكِ اَلْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٤٥]. ولكن ورد في السنة ما يدل على أن الدرك الأسفل فيه أشد العذاب. فعن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: (ما أغنیت عن عمك، فإنه كان يحوطك، ويغضب لك؟ قال: (هو في ضحضاحٍ من نارٍ، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار) (٤). ففي هذا الحديث ما يدل على أن الدرك الأسفل فيه أشد العذاب؛ لجعله صلى الله علیه وسلم إیاه ضدّا للضحضاح أو كالضد له ((والضحضاح أريد به القليل من العذاب، مثل الماء الضحضاح))(٥). وقد ورد عن الضحاك بیان عدد دركات النار وأسمائها والأصناف التي تسكن هذه الدركات. قال الضحاك: للنار سبعة أبواب، وهي سبعة أدرك بعضها على بعض، فأعلاها فيه أهل التوحيد يعذبون على قدر أعمالهم وأعمارهم في الدنيا، ثم يخرجون منها، (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المناقب، باب قصة أبي طالب، ٥٢/٥، رقم ٣٨٨٣، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب شفاعة النبي، ١٩٤/١، رقم ٢٠٩. (٥) لسان العرب، ابن منظور ١٠/ ٤٢٢. ١٨٦ مُوسُوبَةً القرآن الكريم