النص المفهرس
صفحات 41-60
النبوة وقام عليها أمر السموات والأرض، وخلقت ثانيًا: البشارة والنذارة: من أجلها الجنة والنار، وبعث لأجلها رسل الله عليهم الصلاة والسلام. والآيات الدالة على أن إرسال الرسل، وإنزال الكتب لأجل أن يعبد الله وحده كثيرة جدًا، ومنها قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِ كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنٍ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]. إلى غير ذلك من الآيات. يقول سيد رحمه الله: ((والواقع أن تلك القضية الكبرى هي قضية القرآن كله، وقضية القرآن المكي بصفة خاصة، فتعريف الألوهية الحقة، وبيان خصائصها من الربوبية والقوامة والحاكمية، وتعريف العبودية وحدودها التي لا تتعداها والوصول من هذا كله إلى تعبيد الناس لإلههم الحق، واعترافهم بالربوبية والقوامة والحاكمية له وحده، هذا هو الموضوع الرئيس للقرآن كله، وما وراءه إن هو إلا بيان لمقتضيات هذه الحقيقة الكبيرة في حياة البشر بكل جوانبها، وهذه الحقيقة الكبيرة تستحق عند التأمل العميق- كل هذا البيان الذي هو موضوع هذا القرآن، تستحق أن يرسل الله من أجلها رسله جميعًا، وأن ينزل بها کتبه جمیعًا»(١). (١) في ظلال القرآن ٣/ ١٧٥٣. من أشرف المهمات التي كلف بها الرسل هي البشارة والنذارة، وكثيرًا ما نلحظ في الآيات أن الله يجمع بين مهمة البشارة، فيقول: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَحِدَةٌ فَبَعَثَ اَللَّهُ النَّبِيْنَ مُبَشِرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ [البقرة: ٢١٣]. ﴿رُسُلَّا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِيَّلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]. وفي هذا إشارة إلى أن الجمع بينهما هو خير أنواع الحث والحض؛ وما ذلك إلا لأن ((النفس الإنسانية مطبوعة على طلب الخير لذاتها، ودفع الشر عنها، فإذا بصر الرسل النفوس بالخير العظيم الذي يحصلونه من وراء الإيمان والأعمال الصالحة؛ فإن النفوس تشتاق إلى تحصيل ذلك الخير، وعندما تبين لها الأضرار العظيمة التي تصيب الإنسان من وراء الكفر والضلال؛ فإن النفوس تهرب من هذه الأعمال))(٢). فالرسل إذًا مبشرون برحمة الله، وبما أعده الله لأهل الإيمان من السعادة في الدنيا، وعند الموت، وفي القبر وفي أرض الحشر، وفي دار السعداء في جنةٍ عرضها السماوات والأرض. (٢) الرسل والرسالات، عمر الأشقر ص ٤٨ بتصرف. www. modoee.com ٣٤٥ حرفالنون قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّنَ مُبَشِرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ [البقرة: ٢١٣]. وقال أيضًا: ﴿رُسُلَا مُبَشِرِينَ وَمُنذِرِينَ لِثَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]. ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ [الأنعام: ٤٨]. ففي هذه الآيات يظهر لنا كيف أن ((المقصود من بعثة الأنبياء أن يبشروا الخلق على اشتغالهم بعبودية الله))(١) یبشروا ((من أطاع الله بثمرات الطاعات من الرزق، والقوة في البدن والقلب، والحياة الطيبة، وأعلى ذلك، الفوز برضوان الله والجنة))(٢). والبشارة هي ((الإخبار بما يسر قبل أن يقع))(٣). ولما كان الأنبياء والرسل يأتون بما يخالف الأهواء وتأباه النفوس فلا غرو کان حاجتهم شديدة للبشارة، وما ذلك إلا لأنها تهيئ السامع بما تحويه من ترغيب، فيبادر إلى التنفيذ والامتثال بكل عزمه وطاقته. وتأمل کیف أن الإنسان شديد الحرص على المال ولنفسه تعلق كبير به، ولكنه حينما تأتيه بشارة كقوله تعالى: ﴿مَن ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اَللَّهَ قَّضًا حَسَنًا فَيُضَحِفَهُ لَهُ، وَلَهُ، أَجْرٌ ﴾ [الحديد: ١١]. (١) مفاتيح الغيب، الرازي ١١/ ٢٦٧. (٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٩٥. (٣) تفسير الشعراوي ٦/ ٣٦٢٧. حينما يسمع مثل هذه البشارة العظيمة والتي تعده بمضاعفة الأجر وزيادته، فلاشك أن أصابعه ستنبسط للعطاء، وسيقبل عليه بنفس منشرحة (٤). وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (لما نزلت هذه الآية: ﴿مَنْ ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اَللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَمِفَهُ لَهُ﴾ [الحديد: ١١]. (قال أبو الدحداح الأنصاري: يا رسول الله، وإن الله ليريد منا القرض؟ قال: (نعم يا أبا الدحداح). قال: أرني يدك يا رسول الله، قال: فناوله يده، قال: فإني قد أقرضت ربي حائطي، وله حائط فيه ستمائة نخلة، وأم الدحداح فيه وعيالها، قال: فجاء أبو الدحداح فناداها: يا أم الدحداح، قالت: لبيك، قال: اخرجي فقد أقرضته ربي عز وجل. وفي رواية أنها قالت له: ربح بيعك یا أبا الدحداح، ونقلت منه متاعها وصبيانها، فقال صلى الله عليه وسلم: (كم من عذقٍ رداح في الجنة لأبي الدحداح). وفي لفظ: (رب نخلة مدلاة عروقها در وياقوت لأبي الدحداح في الجنة)(٥). وهكذا تفعل البشارة في القلوب؛ ولذا کان النبي دومًا يوصي أصحابه بالتبشير؛ لأنه أعون على جذب القلوب فعن أبي موسى رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى (٤) انظر: بدائع التفسير ١٢٨/٣ فقد ذكر في الآية مرغبات عظيمة. (٥) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٧٠/٤. ٣٤٦ جوبيية القرآن الكريمِ النبوة الله عليه وسلم إذا بعث أحدًا من أصحابه في بعض أمره، قال: (بشروا ولا تنفروا، ويسروا ولا تعسروا)(١). والذي يتأمل في دعوات الرسل لأقوامهم يدرك حضور البشارة دومًا في ثنايا كلامهم. فهذا نوح عليه السلام يقول لقومه: ١٠ فَقُلْتُ أُسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَآَةَ عَلَيْكُ مِدْرَارًا ، وَيُمْدِذَّكُمْ بِأَمْوَلٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُجَنَّتٍ وَبَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَرًا﴾ [نوح: ١٠ - ١٢]. وهذا هود عليه السلام يقول لقومه: ﴿وَقَوْمِ أَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ نُوبُواْإِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَنَوَلَّوَأْمُجْرِمِينَ﴾ [هود: ٥٢]. والنبي صلى الله عليه وسلم في بيعة العقبة الثانية حيث بايع الأنصار على حرب الأحمر والأسود، نلحظ کیف أنه لما اشترط علیهم أن يمنعوه ويقاتلوا دونه، بشرهم بأن الجنة هي جزاء الوفاء(٢). وهكذا يظهر لنا كيف أن التبشير مهمة أصيلة من مهام الرسل. وكذلك النذارة فهي من أعظم مهمات (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب في الأمر بالتيسير وترك التنفير، ١٣٥٨/٣، رقم ١٧٣٢. (٢) أخرجه أحمد في مسنده، ٢٢/٢٣، رقم ١٤٦٥٣. وانظر: السيرة النبوية، ابن هشام ١ / ٤٥٤. الأنبياء التي کلفهم الله بها، أن يقوموا بإنذار الناس ما أعده الله من العذاب لمن خالف أمره وعصاه. قال تعالى: ﴿وَمَا تُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ [الكهف: ٥٦]. وقال تعالى: ﴿يُنَزِّلُّ الْمَلَبِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ، عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُواْ أَنَّهُ، لَآّ إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ [النحل: ٢]. والإنذار: ((هو الإعلام المقترن بتهديد وتخويف، وكل إنذار إعلام، وليس كل إعلام إنذارًا))(٣). والنذارة من أعظم وظائف الأنبياء، وهي من مظاهر رحمة الله بخلقه؛ إذ جعل أنبيائه منذرين عقوبته لمن عصاه؛ حتى يتلافى الإنسان أسباب الهلاك والخسارة. قال تعالى: ﴿إِنَّ أَرْسَلْتَكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًّاً وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَ فِيَهَا نَذِيِرٌ﴾ [فاطر: ٢٤]. وقال تعالى عن نبيه: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيِرٌ لَّكُمْ بَيْنَ يَدَیْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٤٦]. وقال: ﴿تَبَارَكَ اَلَّذِى نَزَّلَ اَلْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِه لِيَكُونَ لِلْعَلَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١]. ونلحظ في هذه الآية أنه قال: ﴿تَبَارَكَ﴾ و((هو من البركة)» (٤) ثم بين في ختام الآية أن عبده محمدًا (٣) أضواء البيان، الشنقيطي ٦/ ٣ بتصرف. (٤) معاني القرآن، الفراء ٢/ ٢٦٢. www. modoee.com ٣٤٧ حرف النون صلی الله علیه وسلم نذير، والإنذار -كما سبق- فیه تخویف، فکیف یجتمعان؟! هذا ما أجاب عنه الرازي رحمه الله بقوله: ((أن الإنذار يجري مجرى تأديب الولد، وكما أنه كلما كانت المبالغة في تأديب الولد أكثر كان الإحسان إليه أكثر؛ لما أن ذاك يؤدي في المستقبل إلى المنافع العظیمة، فکذا هاهنا کلما کان الإنذار کثیرًا كان رجوع الخلق إلى الله أكثر، فكانت السعادة الأخروية أتم وأكثر)) (١). فالمقصود أن هذا الإنذار المكلف به الرسل إنما هو من رحمة الله بخلقه وعنايته بهم. ولما كان الرسل يأتون الناس بأوامر ونواهي تكبح جماح النفس، وتروضها كان لابد لهم في ذلك من البشارة - كما مر - ولكن أيضًا يحتاجون كذلك وبشدة إلى النذارة، فبعض الناس يكفيه التبشير، وبعضهم لا يستجيب إلا بالتخويف والترهيب، من أجل ذلك كانت النذارة من صلب مهمات الرسل، حتى نجد القرآن قصر في بعض آياته مهمتهم عليه. يقول تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَى أَمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى ءَاتَّرِهِم مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣]. (١) مفاتيح الغيب، الرازي ٤٢٩/٢٤. وقال الله لنبيه: ﴿إِنَّمَآ أَنْتَ نَذِيرٌ﴾ [هود: ١٢]. وقال نوح عليه السلام: ﴿إِنْ أَنَا إِلََّ نَذِيرٌ ◌ُبِينٌ﴾ [الشعراء: ١١٥]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَرْسَلْنَكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًاْ وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيَهَا نَذِيِرٌ﴾ [فاطر: ٢٤]. فاقتصر سبحانه على الإنذار ((لأن أبرز جانب في حياة الرسل هو الجانب الإنذاري، حیث کانت حیاتھم جهادًا متصلًا لأهل الكفر والضلال»(٢). والمقصود أن البشارة والنذارة من أعظم مهمات الأنبياء، وأبرز جوانب حياتهم. ثالثًا: الحكم بما أنزل الله: الحكم بما أنزل الله ليس بالأمر الهين فهو من المقاصد العظيمة، والغايات الكبيرة التي تحتاج في سبيلها بذل الغالي والثمين والنفس والنفيس؛ وذلك لأنها تلقى معارضة شديدة من («الكبراء والطغاة وأصحاب السلطان الموروث؛ ذلك أنه سينزع عنهم رداء الألوهية الذي يدعونه، ويرد الألوهية لله خالصة، حين ينزع عنهم حق الحاكمية والتشريع والحكم بما يشرعونه هم للناس مما لم يأذن به الله، وستواجهه معارضة أصحاب المصالح المادية القائمة على (٢) التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب ٨٧٧/١١ بتصرف. ٣٤٨ القرآن الكريم النبوة الاستغلال والظلم والسحت؛ ذلك أن وفرط عنايتهم بهذا الأمر. شريعة الله العادلة لن تبقي على مصالحهم الظالمة، وستواجهه معارضة ذوي الشهوات والأهواء والمتاع الفاجر والانحلال؛ ذلك أن دين الله سيأخذهم بالتطهر منها، وسيأخذهم بالعقوبة عليها، وستواجهه معارضة جهات شتی غير هذه وتيك وتلك ممن لا يرضون أن يسود الخير والعدل والصلاح في الأرض))(١) فهي إذًا مهمة لا يقوى عليها إلا النفوس الكبيرة، والقلوب العظيمة؛ ولذا جعلها الله من مهمات رسله وأنبيائه الكرام. قال تعالى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَنَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّنِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا أَسْتُحْفِظُواْ مِنْ كِتَبٍ اَللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآءً فَلَا تَخْشَواْ النَّاسَ وَأَخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُواْ ◌ِكَايَتِى ثَمَنَّا قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ ﴾ [المائدة: ٤٤]. ففي هذه الآية يخبرنا المولى جل جلاله کیف أنه أنزل التوراة فیها هدی ونور، و کیف أنه قد ((حكم بها النبيون -الذين انقادوا لحكم الله، وأقروا به- بين اليهود، ولم يخرجوا عن حكمها ولم يحرفوها))(٢). وهذا يبين شدة التزام الرسل والأنبياء، (١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢/ ٨٩٧. (٢) التفسير الميسر ص ١١٥. وقال تعالى: ﴿يَدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِفَةً فِ الْأَرْضِ فَأَحْكُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَنَّعِ اَلْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُونَ عَن سَبِيلٍ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦]. وفي هذه الآية یظهر کیف أن الله جعل داود عليه السلام خليفة، وعرفه أن مهمته هي الحكم بما أنزل الله ﴿فَأَحْكُ بَيْنَ النَّاسِ ◌ِالحَقّ ﴾ أي: «فاحكم بينهم بالعدل وبشريعة الله التي أنزلها عليك))(٣) وتفريع أمره بالحكم بين الناس بالحق على جعله خليفة ((للدلالة على أن ذلك واجبه)) (٤). وهذا يوضح أن قضية الحكم بما أنزل الله من المهمات التي حملها الله لرسله. وقد جاءت آيات كثيرة تأمر النبي صلوات الله وسلامه عليه بالحكم بما أنزل، ومنها قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَآَ إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِلْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ اُلْكِتَبِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَأَحْكُمْ بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اَللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ هُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٤٨]. أي: فاحکم یا محمد (بما أنزل الله إليك في هذا الكتاب العظيم)» (٥) ومهمة الرسول في الحكم بما أنزل الحكم بما (٣) صفوة التفاسير، الصابوني ٣/ ٥٠. (٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٤٣/٢٣. (٥) صفوة التفاسير، الصابوني ٣١٩/١. www. modoee.com ٣٤٩ حرفالنون أنزل الله ليست لبعض الناس دون بعض، وإنما هي لعموم الناس، وتأمل كيف أنه قدم ﴿بَيْنَهُمِ﴾ [المائدة: ٤٨]. للاعتناء ببيان تعميم الحكم لهم(١). ومما يدل على شدة خطورة هذه المهمة لفظ الجلالة ﴿بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ﴾ [المائدة: إظهار ٤٨]. تحذير النبي من اتباع أهواء من يتحاكمون إليه، وفي هذا لاشك دلالة على أهمية هذه المهمة، وأنها لا تقبل التفريط فيها بحال. وبعد هذه الآية مباشرة جاء التأكيد على النبي في وجوب التزامه في أحكامه بما أنزل الله مرة أخرى ﴿وَأَنِ أَعْكُمْ بَيْنَهُم بِمَّ أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ هُمْ وَأَحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَآ أَنزَلَ اَللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٤٩]. وذلك لتأكيد هذا الأمر «لأن اليهود كانوا لا يكفون عن محاولتهم فتنته صلى الله عليه وسلم))(٣). عنهما قال: «قال کعب بن أسد و ابن صوريا وشاس بن قيس بعضهم لبعضٍ: اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه! فأتوه. فقالوا: یا محمد إنك قد عرفت أنا أحبار يهود وأشرافهم وساداتهم، وأنا إن اتبعناك اتبعنا يهود ولم يخالفونا، وأن بيننا وبين قومنا خصومة، فنحاكمهم إليك، فتقضي لنا علیهم، ونؤمن لك ونصدقك! فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله فيهم ﴿وَأَنِ أَحْكُمْ بَيْنَهُم بِمَا أَنْزَلَ اَللَّهُ ﴾ [المائدة: ٤٩]. إلى قوله: ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]))(٤). يريد بذلك بيان أن الحكمة في إنزال فهذا الإظهار ((لتربية المهابة))(٢) وكذا هذه الآية ((إقرار النبي على ما فعل، والأمر بالثبات على ما سار عليه من التزام حكم الله، وعدم الانخداع لليهود)) (٥). وهناك نماذج عملية كثيرة ذكرها القرآن لحکم نبيه محمد صلی الله عليه وسلم بما أنزل الله تعالى، منها الآتي: روى الإمام مسلم عن البراء بن عازبٍ رضي الله عنه قال: (مر على النبي صلى الله عليه وسلم بيهودي محممًا مجلودًا، فدعاهم صلی الله عليه وسلم، فقال: (هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟) قالوا: نعم، فدعا رجلًا من علمائهم، فقال: (أنشدك أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله بالله الذي أنزل التوراة على موسى، أهكذا تجدون حد الزاني في کتابکم؟) قال: لا، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجده الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، قلنا: تعالوا فلنجتمع على (١) روح المعاني، الألوسي ٣٢٠/٣. (٢) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٤٥/٣. (٣) التفسير الوسيط، طنطاوي ٤ / ١٨٥. (٤) جامع البيان، الطبري ١٠/ ٣٩٣. (٥) تفسير المراغي ١٣٢/٦. ٣٥٠ ◌َرُ النَّفِيَّة جوب القرآن الكريمِ النبوة التحميم والجلد مكان الرجم، فقال رسول الله صلی الله عليه وسلم: (اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه) فأمر به فرجم، فأنزل الله عز وجل: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ اُلَّذِينَ يُسَكِعُونَ فِ اُلْكُفْرِ) إلى قوله: ﴿إِنّ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ ﴾ [المائدة: ٤١]. یقول: ائتوا محمدًا صلی الله عليه وسلم، فإن أمركم بالتحمیم والجلد فخذوه، وإن أفتاکم بالرجم فاحذروا، فأنزل الله تعالی: ﴿وَمَنْ لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اَللَّهُ فَأُوْلَكَ هُمُ اُلْكَفِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]. ﴿ وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنَزَّلَ اللَّهُ فَأَوْلَئِكَ هُمُ اَلْفَسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] في الكفار كلها(١). وروى الإمام أحمد عن خولة بنت ثعلبة قالت: (في -والله- وفي أوس بن صامتٍ أنزل الله جل جلاله صدر سورة المجادلة، قالت: كنت عنده وكان شيخًا كبيرًا قد ساء خلقه وضجر، قالت: فدخل علي يومًا فراجعته بشيءٍ فغضب، فقال: أنت علي كظهر أمي، قالت: ثم خرج فجلس في نادي (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحدود، باب رجم اليهود أهل الذمة في الزناء ١٣٢٧/٣، ١٧٠٠. شيءٍ نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا قومه ساعةً، ثم دخل علي، فإذا هو يريدني علی نفسي، قالت: فقلت: کلا والذي نفس خویلة بیده، لا تخلص إلي وقد قلت ما قلت حتی یحکم الله ورسوله فينا بحكمه، قالت: فوائبني وامتنعت منه، فغلبته بما تغلب به المرأة الشيخ الضعيف، فألقيته عني، قالت: ثم خرجت إلى بعض جاراتي فاستعرت منها ثیابها، ثم خرجت حتى جئت رسول الله صلی الله عليه وسلم فجلست بين يديه، فذكرت له ما لقيت منه، فجعلت أشكو إليه ما ألقى من سوء خلقه، قالت: فجعل رسول الله صلی الله علیه وسلم يقول: (یا خويلة ابن عمك شيخٌ كبيرٌ فاتقي الله فيه). ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]. قالت: فوالله ما برحت حتى نزل في القرآن، فتغشی رسول الله صلى الله عليه وسلم ما کان یتغشاه، ثم سري عنه، فقال لي: (یا خویلة، قد أنزل الله فيك وفي صاحبك) ثم قرأ علي: ﴿قَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ آَلَّتِى تُجَدِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِنَّ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَاً إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١]. إلى قوله: [المجادلة: ٤] . فقال ﴿وَلِلْكَفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مريه فلیعتق رقبةً). قالت: فقلت: والله يا رسول الله ما عنده ما يعتق، قال: (فليصم شهرين متتابعین). قالت: فقلت: والله يا رسول الله إنه شيخٌ كبيرٌ ما به من صيام، قال: (فليطعم ستين مسكينًا، وسقًا من تمرٍ). قالت: فقلت: www. modoee.com ٣٥١ حرفالنون والله يا رسول الله ما ذاك عنده، قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فإنا سنعينه بعرقٍ من تمرٍ). قالت: فقلت: وأنا يا رسول الله سأعينه بعرقٍ آخر، قال: (قد أصبت وأحسنت، فاذهبي فتصدقي عنه، ثم استوصي بابن عمك خيرًا). قالت: ففعلت)(١). الله من مهمات الرسل العظيمة التي قام بها الرسل والتزموها، نسأل الله أن يوفقنا لحسن التزام أحكامه. رابعًا: الشهادة على الأمة: من مهمات الأنبياء الجليلة والخطيرة في آنِ الشهادة على أممهم؛ وذلك يوم القيامة، يوم يجمع الله الأولين والآخرين في موقف عظيم مهيب، فيشهد الأنبياء والمرسلون بأنهم بلغوا أممهم رسالات الله، ويشهدوا بما كان من أممهم من إيمان وكفر، وتصديق وتكذيب. قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمٍَّ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَثُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْنَبُونَ﴾ [النحل: ٨٤]. ((وشاهد كل أمة نبيها، يشهد عليها (١) أخرجه أحمد في مسنده، ٣٠٠/٤٥، رقم ٢٧٣١٩. وحسنه الألباني في التعليقات الحسان على صحیح ابن حبان. بتصدیقها و تكذيبها)»(٢). وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِ كُلِّ أُنَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [النحل: ٨٩]. قال القرطبي: ((هم الأنبياء شهداء على أممهم يوم القيامة بأنهم قد بلغوا الرسالة، ودعوهم إلى الإيمان))(٣). فإذا شهد الأنبياء بما بلغوا به أقوامهم، وبذلك يظهر كيف أن الحكم بما أنزل وبما كان من أقوامهم من تصديق وتكذيب؛ سقطت كل حجة للمكذبين، وبطل كل عذر، وفضحوا على رؤوس الأشهاد؛ ولذا قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَثُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْنَبُونَ﴾ [النحل: ٨٤]. فقوله: ((﴿لَا يُؤْذَثُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ في الاعتذار؛ لأن اعتذارهم بعدما علم يقينًا بطلان ما هم عليه اعتذار كاذب لا يفيدهم شيئًا ﴿وَلَ هُمْ يُسْتَعْنَبُونَ﴾ وإن طلبوا أيضًا الرجوع إلى الدنيا ليستدركوا لم يجابوا ولم يعتبوا، بل یبادرهم العذاب الشديد الذي لا يخفف عنهم من غير إنظار ولا إمهال من حین یرونه»(٤). ويقول صاحب الظلال رحمه الله: («الذين كفروا واقفون لا يؤذن لهم في حجة ولا استشفاع، ولا يطلب منهم أن (٢) زاد المسير، ابن الجوزي ٢/ ٥٧٧. (٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٠/ ١٦٤. (٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٤٦ بتصرف يسير. جَوَسُولَةُ النَّفْسِيّة القرآن الكريم ٣٥٢ النبوة يسترضوا ربهم بعمل أو قول، فقدفات أوان على الناس يوم القيامة، وشهداء للرسل صلوات الله عليهم وتسليماته. العتاب والاسترضاء، وجاء وقت الحساب والعقاب))(١). ولأجل هذا المعنى بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد جاء في الحديث الصحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: (اقرأ علي) قلت: يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: (نعم). فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّتِم ◌ِشَهِيٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]. قال: (حسبك الآن) فالتفت إليه، فإذا عيناه تذرفان (٢). فالنبي - لما أودع الله في قلبه من الرحمة- يبكي؛ لأنه يعلم أن بشهادته وشهادة إخوانه من الأنبياء يهلك كل من كذب و كفر. یشهد بين يدي ربه يوم القيامة بأنه بلغ قومه، وأدی رسالة ربه، فلا يجد المكذبون يومئذٍ مفرًا ولا مهربًا. ومن خصائص الأمة المحمدية أن الله جعلها ونبيها صلى الله عليه وسلم شهداء (١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٤ / ٢١٨٧. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل القرآن، باب قول المقرئ للقارئ حسبك، ٦/ ١٩٦، رقم ٥٠٥٠. وبشهادتهم يضيق على المكذبين كل سبیل للإنکار، ویزدادون إحراجًا وتیکیتًا. وقد جاء هذا في بعض آيات القرآن الحكيم، وفي بعض الآثار المروية عن رسول الله صلی الله علیه وسلم. قال تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطَّا لِنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. ((فمعنى ذلك: وكذلك جعلناكم أمة وسطًا عدولًا؛ لتكونوا شهداء لأنبيائي ورسلي على أممها بالبلاغ، أنها قد بلغت ما أمرت ببلاغه من رسالاتي إلى أممها، ویکون رسولي محمد صلی الله علیه وسلم شھیدا علیکم، پإیمانكم به، وبما جاءكم به من عندي»(٣). وروى الإمام أحمد عن أبي سعيد فكل نبي من الأنبياء شهيد على أمته، الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يجيء النبي يوم القيامة ومعه الرجل، والنبي ومعه الرجلان، وأكثر من ذلك، فيدعى قومه، فيقال لهم: هل بلغکم هذا؟ فيقولون: لا، فيقال له: هل بلغت قومك؟ فيقول: نعم، فيقال له: من یشهد لك؟ فيقول: محمدٌ وأمته، فيدعی وأمته، فیقال لهم: هل بلغ هذا قومه؟ فيقولون: (٣) جامع البيان، الطبري ١٤٥/٣-١٤٦. www. modoee.com ٣٥٣ حرف النون نعم، فيقال: وما علمكم؟ فيقولون: جاءنا الأنبياء يشهدون يوم القيامة على أممهم، كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَثٌ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْنَبُونَ﴾ [النحل: ٨٤]. نبينا فأخبرنا أن الرسل قد بلغوا، فذلك قوله: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ﴾ قال: يقول: عدلًا ﴿إِنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣].)(١). «فإذا قال قائل: کیف تشهد وهي لم تر؟ نقول: لکنها سمعت عمن خبره أصدق من المعاينة صلى الله عليه وسلم))(٢). ((فإن قيل: كيف يقبل حكمهم على غیرهم والحال أن كل مختصمين غير مقبول قول بعضهم على بعض؟ قيل: إنما لم يقبل قول أحد المتخاصمين لوجود التهمة، فأما إذا انتفت التهمة وحصلت العدالة التامة، كما في هذه الأمة فإنما المقصود الحكم بالعدل والحق، وشرط ذلك العلم والعدل وهما موجودان في هذه الأمة، فقبل قولها، فإن شك شاك في فضلها وطلب مزکیًا لها فهو أكمل الخلق نبيهم صلى الله عليه وسلم، فلهذا قال تعالى: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]))(٣). وجاء في أكثر من آیة - کما مر معنا- أن (١) أخرجه أحمد في مسنده، ١١٢/١٨، رقم ١١٥٥٨. وأصله في صحيحه، البخاري، كتاب تفسير القرآن، في باب قوله تعالى: (ويكون الرسول عليكم شهيدًا)، ٦/ ٤٤٨٧،٢١. (٢) تفسير القرآن الكريم، سورتي الفاتحة والبقرة، ابن عثيمين ١١٦/٢. (٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٧٠. وكقوله: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِمٌّ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ﴾ [النحل: ٨٩]. ولكن هناك آية قد توهم خلاف هذا، وهي قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اَللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُحِبْتُمْ قَالُواْ لَا عِلْمَ لَنَّا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّهُ اٌلْغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١٠٩]. ففي قولهم: ﴿لَا عِلْمَ لَنَّ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّهُ اٌلْغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١٠٩]. ما يوهم التعارض بين هذه الآية وما ذکر قبلها من الآيات الدالة على إثبات الشهادة لهم. وقد أجاب العلماء رحمهم الله عن هذا الاستشكال بأجوبة كثيرة، فقالوا: أولًا: لم يكن ذلك من الرسل إنكارًا أن يكونوا عالمين بما عملت أممهم، ولكنهم ذهلوا عن الجواب من هول ذلك اليوم، ثم أجابوا بعد أن ثابت إليهم عقولهم بالشهادة على أممهم، وهذا القول حكاه الطبري عن السدي والحسن ومجاهد (٤). ثانيًا: ((قيل: يعلمون أن الغرض بالسؤال توبيخ أعدائهم، فيكلون الأمر إلى علمه (٤) جامع البيان، الطبري ٢١٠/١١. ٣٥٤ القرآن الكريمِ النبوة وإحاطته بما منوا به منهم، وكابدوا من سوء إلا بما شوفهوا به مدة حياتهم، وينقصهم ما فى قلوب المشافهين من نفاق ونحوه، وما ينقصهم ما كان بعدهم من أمتهم، والله تعالى يعلم جميع ذلك على التفصيل والكمال)»(٥). إجابتهم، إظهارًا للتشکي واللجأ إلى ربهم في الانتقام منهم؛ وذلك أعظم على الكفرة، وأفت في أعضادهم، وأجلب لحسرتهم وسقوطهم في أيديهم، إذا اجتمع توبیخ الله، وتشكي أنبيائه عليهم))(١). ثالثًا: قيل: معنى قوله: ﴿مَاذَا أُجْتُرٌّ﴾ [المائدة: ١٠٩]. ماذا عملوا بعدكم؟ قالوا: ﴿لَا عِلْمَ لَنَّأَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّمُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١٠٩]. ويشبه هذا حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يرد علي أقوام الحوض فيختلجون، فأقول: أمتي فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك)(٢)(٣). رابعًا: قيل: معنى الآية: لا علم لنا إلا علمًا أنت أعلم به منا. وهو محكي عن ابن عباس (٤). وقال الطبري معلقًا: ((وقول ابن عباس أصوب هذه المناحي؛ لأنه يتخرج على التسلیم لله تعالى، ورد الأمر إلیه، إذ قوله: ﴿مَاذَّا أَجِبْتُمْ﴾ علم عندهم في جوابه (١) الكشاف، الزمخشري ١/ ٦٩٠. (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل باب إثبات حوض نبينا صلى الله عليه وسلم وصفاته، ١٧٩٤/٤، رقم ٢٢٩٤. (٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٦١/٦ بتصرف. (٤) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٢٥٧/٢ تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣/ ٢٢٢. (٥) جامع البيان، الطبري ١١/ ٢١١. www. modoee.com ٣٥٥ حرفالنون سنة الله في النبوة لله تعالى سنن في اصطفاء من يصلح لمقام النبوة نتناولها فيما يلي: أولًا: أن يكونوا من البشر: مما اقتضته سنة الله تعالى في أنبيائه المبعوثين إلى خلقه أن يكونوا بشرًا، قال جل جلاله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَىَ أَنَّآ إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحِدٌ﴾ [الكهف: ١١٠]. وقال تعالى: ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن تَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، ﴾ [إبراهيم: ١١]. وقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَىَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحِدٌ ﴾ [فصلت: ٦]. فكل الظروف التي تحيط بنا تحيط بالرسل، وكل الضغوط يتحملونها، والبيئات يعيشونها، والملابسات يمرون بها، فلذلك حينما ينتصرون على أنفسهم يكون الأنبياء حجة علينا، ولا يقنع الإنسان أن یکون النبي ملگا، فلا بد من أن یکون من بني البشر، يشتهي کما نشتهي، ویحب كما نحب، ویغضب کما نغضب، ولکنه انتصر على نفسه وسار على منهج الله، ودعا إلى الله. فالأنبياء ما هم إلا خلق من خلق الله، اصطفاهم الله لرسالاته، وأيدهم بوحيه، ورفعهم على خلقه بهذا الاصطفاء، لكنهم بشر يأكلون ويشربون وينكحون، ويصيبهم ما يصيب البشر من الأمراض، ويجري عليهم من أمر الموت ما يجري على البشر جميعًا. ولما كان الأنبياء بشرًا كسائر البشر نجد أنهم كانت تعتريهم أمور من مقتضيات البشرية التي كتبها الله على بني البشر، ومن هذه الأمور: ١. أنهم يجوعون ويأكلون. فالبشر جميعًا يجوعون ويأكلون فطرةً، وقد أخبر الله تعالى في أكثر من آية أن الأنبياء کانوا کذلك، يجوعون فیأکلون. قال تعالى: ﴿مَّا الْمَسِيحُ أَبْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولُ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأَنتُّهُ. صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامُّ أَنْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآَيَتِ ثُمَّ أَنْظُرْ أَ يُؤْفَكُونَ﴾ [المائدة: ٧٥]. وقال: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا تُوجِىّ إِلَيْهِمْ فَسْتَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُمْ لَا تَعْلَمُونَ وَمَا جَعَلْنَهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الَّعَامَ ٧ وَمَا كَانُواْ خَلِينَ﴾ [الأنبياء: ٧-٨]. وقال: ﴿وَقَالُواْ مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ اُلْطَّعَامَ وَيَمْشِ فِي الْأَتْوَاقِّ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكُ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ٧]. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ وقال: الْمُرْسَلِينَ إِلَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِ اَلْأَسْوَاقُ وَحَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِيَعْضٍ فِتْنَةُ أَنَصْبِرُونَُ وَكَانَ رَبُّكَ ٣٥٦ جَوَسُوء القرآن الكريمِ النبوة بَصِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٠]. ٢. يتزوجون. قال تعالى مبينًا أن الزواج سنة الأنبياء والمرسلين من قبل النبي محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِن قَبْلِكَ وَحَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَجًا وَذُرِّيَّةٌ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ ◌ِهَايَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ ڪِتَابٌ﴾ [الرعد: ٣٨]. يقول الطبري في تفسير الآية: ((يقول تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا﴾ يا محمد ﴿رُسُلًامِن قَبلِكَ ﴾ إلى أمم قد خلت من قبل أمتك، فجعلناهم بشرًا مثلك، لهم أزواج ينكحون، وذرية أنسلوهم، ولم نجعلهم ملائکة لا یأکلون ولا یشربون ولا ینکحون، فنجعل الرسول إلى قومك من الملائكة مثلهم، ولکن أرسلنا إليهم بشرًا مثلهم، كما أرسلنا إلى من قبلهم من سائر الأمم بشرًا مثلهم))(١). وقال تعالى عن زكريا: ﴿وَأَصْلَحْنَالَهُ, في ساحات المعارك من وقع الأسلحة زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء: ٩٠]. وقال عن أيوب: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُهُ أَهْلَهُ، وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَى لِأُوْلِىِ الْأَلْبَبِ﴾ [ص: ٤٣]. وقال الرجل الصالح لموسى: ﴿قَالَ تَأْجُرَبِ ثَمَنِىَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧]. (١) جامع البيان، الطبري ١٦/ ٤٧٥-٤٧٦. وقال الله أيضًا عن موسى: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾ [القصص: ٢٩]. وقال عن نبيه: ﴿ يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَجَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]. فهذه الآيات جمیعًا تبین أن الأنبياء کانوا يتزوجون وینکحون النساء کسائر البشر. ٣. يقومون بأعمال بشرية. الأنبياء بشر، كانوا يعملون كسائر البشر، ویزاولون ما کان البشر یزاولونه من أعمال. فموسى عليه السلام يستأجره الرجل الصالح ليعمل معه فيما عنده من أعمال: ﴿ قَالَتْ إِحْدَثُهُمَا يَتَأَبَتِ اُسْتَفْجِرَةٌ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اُسْتَفْجَرْتَ الْقَوِىُّ الْأَمِينُ ؟ قَالَ إِّ أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى أَبْنَتَىَّ هَنَّيْنِ عَلَى أَن تَأْجُّرَفِى ثَمَّنِىَ حِجَجُ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكٌ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَّ سَتَجِدُفِى إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [القصص: ٢٦ -٢٧]. وداود يصنع دروعًا لتحمي المحاربين علیهم. قال تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَهُ صَنْعَةَ لَبُوُسِ لَّكُمْ لِنُحْصِنَكُم مِّنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَكِّرُونَ﴾ [الأنبياء: ٨٠]. ونوح يصنع الفلك بنفسه، قال تعالى إِّ أُرِيدُ أَنْ أَنكِحَكَ إِحْدَى أَبْنَتَنَّ مَتَيْنِ عَلَى أَن عنه: ﴿وَأَصْنَعِ اَلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [هود: ٣٧]. وبينت السنة أن ما من أحد من الأنبياء إلا ورعى الغنم، قال النبي صلى الله عليه www. modoee.com ٣٥٧ حرفالنون وسلم: (ما بعث الله نبيًا إلا رعى الغنم) فقال المؤججة. أصحابه: وأنت؟ فقال: (نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة)(١). وهكذا كان الأنبياء يقومون بأعمال بشرية كسائر البشر. ٤. يتعرضون للبلاء. فإن الأنبياء كسائر الخلق يتعرضون للبلاء، وینالهم الأذى أحيانًا، بل إن أكثر الناس بلاء هم الأنبياء، قال صلى الله عليه وسلم: (إن من أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين یلونهم)(٢). وذكر القرآن الكثير من بلاءات الرسل، فیوسف علیه السلام سجن، قال تعالى عنه: ﴿فَلَبِثَ فِ السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف: ٤٢]. ويعقوب عليه السلام ذهب بصره، قال تعالى عنه: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ بَتَأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَأَبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ [يوسف: ٨٤]. وبیع ولده یوسف بعد خطفه. وإبراهيم عليه السلام ألقي في النار (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإجارة، باب رعي الغنم على قراريط، ٨٨/٣، رقم ٢٢٦٢. (٢) أخرجه أحمد في مسنده، ١٠/٤٥، رقم ٢٧٠٧٨. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، ٢٢٦/١، رقم ١٤٥. قال تعالى: ﴿قَالُواْ أَبْنُواْ لَهُ بُلْيَّنًا فَأَلْقُّوهُفِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٩٧]. ويونس عليه السلام التقمه الحوت، فلبث في بطنه ما شاء الله له، قال تعالى عنه: ﴿فَالْنَقَمَهُ أَلْحُوتُّ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٢]. وأيوب عليه السلام ابتلي بالمرض. قال تعالى: ﴿وَأَتُوبَ إِذْنَادَى رَبَّهُ( أَنِ مَسَّفِىَ الشُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّحِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣]. ومحمد عليه السلام أخرج من أحب البلاد إليه، قال تعالى عن نبيه محمد: ﴿ـ نَصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [التوبة: ٤٠]. إلی غیر هذا مما هو معروف ومشهور في القرآن والسنة. ٥. یموتون. قال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدُّإِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُّ أَفَإِيْنِ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ أَنْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَبِكُمْ وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِى اَللَّهُ الشَّكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤]. سبحانه لنبيه: ﴿إِنَّكَ مَيِّتُ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠]. وقال مخاطبًا نبيه أيضًا: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا لِيَشَرِ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدِّ أَفَإِيْنِ مِتَّ فَهُمُ الْخَلِدُونَ [الأنبياء: ٣٤]. ٣٥٨ مَشَوَمُ النَّسَةْ جوسين القرآن الكريمِ النبوة وقد مات كل الأنبياء عليهم صلوات الله وتسلیماته غیر أن أجسادهم لا تبلی کما أخبر رسول الله صلی الله علیه وسلم (١). الحكمة من جعل الرسل من البشر: ولقد اعترض أعداء الرسل وخصومهم على كون الرسل بشرًا، وكان هذا من أعظم ما صد الناس عن الإیمان واتباع هدی الله. قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُواْ إِذْ جَهُمُ الْهُدَىَ إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًّاً رَسُولًا ﴾ [الإسراء: ٩٤]. بل إنهم جعلوا من بشرية الرسل سببًا لتقبيح السير وراءهم أو اتباع هديهم ﴿وَلَيْنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذَا لَّخَسِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٤]. ﴿فَقَالُواْ أَبَرًا مِنَّا وَحِدًا نَّهُهُمْ إِنَّا إِذَا لَّفِى ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ [القمر: ٢٤]. وقد اقترح أعداء الرسل أن يكون الرسل الذين يبعثون إليهم من الملائكة يعاينونهم ويشاهدونهم، أو على الأقل يبعث مع الرسول البشري رسولًا من الملائكة ﴿وَقَالَ اَلَذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَكَتِكَةُ أَوْ نَرَىْ رَبَّنَا﴾ [الفرقان: ٢١]. (١) أخرجه أحمد في مسنده، ٨٤/٢٦، رقم ١٦١٦٢، ولفظه: (إن الله عز وجل حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء صلوات الله علیهم). ﴿وَقَالُواْ مَالِ هَذَا الرَّسُولِ بَأْكُلُ اَلَّعَامَ وَيَمْشِى فِي اْأَتْوَاقُ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَّكُ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ٧]. لكن حكمة الله شاءت أن يكون أنبياؤه بشرًا، وليسوا ملائكة، وجعل لهذه الحكمة العديد من الفوائد لمن تأمل نصوص الكتاب العزيز، ومن هذه الفوائد ما يلي: ١. يسهل اتباعهم والأخذ عنهم. فمن لطف الله ورحمته بعباده أن جعل الأنبياء المبعوثين إليهم رسلًا؛ لأنه لو جعل الأنبياء ملائكة مثلًا لما تيسر للبشر أن يأخذوا عنهم العلم والإيمان، ولما تمكنوا من فهمهم ومواجهتهم لاختلاف الجنس. یقول ابن كثير رحمه الله في تفسير قوله تعالى: ﴿قُل لَّوْكَانَ فِ آلْأَرْضِ مَلَبِكَةٌ [الإسراء: ٩٥]: ((يقول تعالى منبهًا على لطفه ورحمته بعباده: إنه يبعث إليهم الرسول من جنسهم؛ ليفقهوا عنه ويفهموا منه، لتمكنهم من مخاطبته ومکالمته، ولو بعث إلى البشر رسولًا من الملائكة لما استطاعوا مواجهته، ولا الأخذ عنه، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيِهِمْ رَسُولَا مِّنْ أَنْفُسِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤]؛ ولهذا قال ها هنا: ﴿قُل لَّوْ كَانَ فِى الْأَرْضِ مَلَتِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَيِنِينَ﴾ [الإسراء: ٩٥]. أي: كما أنتم فيها ﴿لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ وصححه الألباني في صحيح الجامع، السَّمَآءِ مَلَكًا زَّسُولًا ﴾ أي: من جنسهم، ٤٤٠/١، رقم ٢٢١٢. www. modoee.com ٣٥٩ حرف النون ولما كنتم أنتم بشرًا، بعثنا فيكم رسلنا منكم من الله وعون منه على وعثاء الطريق. لطفًا ورحمة))(١). ((فمن رحمة الله عز وجل بخلقه أنه يرسل إلى كل صنف من الخلائق رسلاً منهم؛ لیدعو بعضهم بعضًا، ولیمکن بعضهم أن ينتفع ببعض في المخاطبة والسؤال، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيِهِمْ رَسُولَا مِّنْ أَنفُسِمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِهِ، وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِنَبَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران: ١٦٤]))(٢). ٢. قدرة البشر على القيادة والتوجيه. فمن حکم جعل الأنبياء بشرًا ولیس ملائكة أن البشر أقدر على القيادة والتوجيه، وهم الأصلح ليكونوا قدوة وأسوة. يقول سيد قطب رحمه الله في هذا: ((وإنها لحكمة تبدو في رسالة واحد من البشر إلى البشر، واحد من البشر يحس بإحساسهم، ويتذوق مواجدهم، ويعاني تجاربهم، ويدرك آلامهم وآمالهم، ويعرف نوازعهم وأشواقهم، ويعلم ضروراتهم وأثقالهم، ومن ثم يعطف على ضعفهم ونقصهم، ويرجو في قوتهم واستعلائهم، ويسير بهم خطوة خطوة، وهو يفهم بواعثهم وتأثراتهم واستجاباتهم؛ لأنه في النهاية واحد منهم، يرتاد بهم الطريق إلى الله بوحي (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٢١/٥ بتصرف. (٢) المصدر السابق ٢٤١/٣-٢٤٢. وهم من جانبهم يجدون فيه القدرة الممكنة؛ لأنه بشر مثلهم، يتسامى بهم رويدًا رويدًا، ويعيش فيهم بالأخلاق والأعمال والتكاليف التي يبلغهم أن الله قد فرضها عليهم، وأرادها منهم، فيكون بشخصه ترجمة حية للعقيدة التي يحملها إليهم، وتكون حياته وحركاته وأعماله صفحة معروضة لهم، ينقلونها سطرًا سطرًا، ويحققونها معنی معنی، وهم يرونها بينهم، فتهفوا نفوسهم إلى تقليدها؛ لأنها ممثلة في إنسان)» (٣). ٣. صعوبة رؤية الملائكة. لقد مر بنا كيف أن الكفار اقترحوا أن يكون الرسل إليهم ملائكة؛ وذلك لأنهم لا يدركون طبيعة الملائكة، ولا يعلمون مدى المشقة والعناء الذي سيلحق بهم من جراء ذلك. فالاتصال بالملائكة ورؤيتهم أمر ليس بسهل أبدًا، فالرسول صلى الله عليه وسلم مع كونه أفضل الخلق، وهو على جانب عظيم من القوة الجسمية والنفسية عندما رأى جبريل على صورته أصابه هول عظيم (٤)، (٣) في ظلال القرآن ٢٥٥٣/٥. (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الوحي، كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ٧/١، رقم ٤، ولفظه: (بينا أنا أمشي إذ سمعت صوتًا من السماء، ٣٦٠ جَوَسُور القرآن الكريم النبوة وقد كان صلى الله عليه وسلم يعاني من يعاني ما يعانيه البشر، وتجري عليه كل خصائص البشر لما كان سيد البشر، ولما اتصال الوحي به شدة (١)، ولذلك قال تعالى في الرد عليهم: ﴿ يَوْمَ بَرَوْنَ الْمَلِكَةَ لَابُشْرَى يَوْمَيٍِّ لِّلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا تَحْجُورًا ﴾ [الفرقان: ٢٢]. کان حجة أمامنا، لو أن النبي ملك لا يشتهي، لا یتألم، لا يخاف، کیف یکون قدوة لنا؟ فلا بد من أن يكون هذا الرسول أو ذاك النبي من بني البشر، يعاني ما يعانيه البشر. ((ذلك أن الكفار لا يرون الملائكة إلا حين الموت أو حين نزول العذاب، فلو قدر أنهم رأوا الملائکة لکان ذلك الیوم یوم هلاکهم» (٢). ٤. أقوى في إقامة الحجة. إذ لو قدر أن کان الأنبياء ملائکة لأمکن للناس أن يحتجوا بعدم قدرتهم على اتباعهم، وتقليدهم لاختلاف جنسهم عن جنس الملائكة، ولقالوا هذا ملك له قدرات وطاقات تختلف عن طاقاتنا وقدراتنا، فالله عز وجل لو جعل أنبياءه ملائكة لسقطت الحجة، فلحكمة أرادها الله جعل أنبياءه ورسله من بني البشر، ولولا أن النبي بشرٌ فرفعت بصري، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فرعبت منه، فرجعت فقلت: زملوني زملوني، فأنزل الله تعالى: (قم فأنذر)). (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الوحي، كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ٦/١، رقم ٢، ولفظه: (أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشده علي، فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلًا فيكلمني فأعي ما يقول). (٢) الرسل والرسالات، عمر الأشقر ص ٧٢. ٥. أبلغ في التحدي. من حكمة جعل الله أنبياءه بشرًا أن يكون ذلك أكثر تحديًا للناس، فمن المعروف أن الأنبياء يأتون أقوامهم بآيات ومعجزات، وأنباء من الغيب يطلعهم الله عليها أحيانًا، فلو قدر أن كان الأنبياء ملائكة لكان ذلك أقل تحديًا للناس، لكن كونهم بشرًا لهم قدرات البشر وإمكاناتهم، ثم يأتون بما یعجز البشر عن الإتيان بمثله، فهذا دليل، ولاشك على أنهم رسل الله الموحى إليهم من قبله. يقول ابن كثير رحمه الله فى تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مِنْلُكُمْ﴾ [الكهف: ١١٠]: «فمن زعم أني كاذب فليأت بمثل ما جئت به، فإني لا أعلم الغيب فيما أخبرتكم به من الماضي، عما سألتم من قصة أصحاب الكهف، وخبر ذي القرنين، مما هو مطابق في نفس الأمر، لولا ما أطلعني الله عليه))(٣). هذا على أنه يجدر بنا أن نبين ختامًا أن الأنبياء مع طبيعتهم البشرية الخالصة (٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٠٥/٥. www. modoee.com ٣٦١ حرف النون إلا أنهم ((يعدون إعدادًا خاصًا لتحمل يَشَآءُ﴾ ممن اختصه برحمته))(٣). النبوة والرسالة، ويصنعون صنعًا فريدًا ﴿وَأَصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِى﴾ [طه: ٤١]. واعتبر في هذا بحال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كيف رعاه الله وحاطه بعنايته على الرغم من يتمه وفقره ﴿أَلَمْ يَدْكَ يَكِيمًا فَشَاوَى ﴾ وَوَجَدَكَ ضَالًا فَهَدَىْ )) وَوَجَدَكَ عَآَيْلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: ٦ - ٨]))(١). ثانيًا: أن يكونوا بلسان قومهم: جرت سنة الله تعالى في خلقه ألا يبعث نبيًا ولا رسولًا إلا بلسان قومه. قال تعالى: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ، لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤]. بلسان قومه: أي: بلغتهم(٢). وهذا من تمام منة الله وفضله على عباده ((أنه ما أرسل رسولًا ﴿إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ» لِمُبَيِّنَ لَمْ﴾ما يحتاجون إليه، ویتمکنون من تعلم ما أتى به، بخلاف ما لو كانوا على غير لسانهم، فإنهم يحتاجون إلى أن يتعلموا تلك اللغة التي یتکلم بها، ثم يفهمون عنه، فإذا بين لهم الرسول ما أمروا به ونهوا عنه وقامت عليهم حجة الله ﴿فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَآءُ ﴾ ممن لم ينقد للهدى ﴿وَيَهْدِی مَن (١) الرسل والرسالات، عمر الأشقر ص٧٠ بتصرف يسير. (٢) زاد المسير ٢/ ٥٠٤. جَوَسُولَةُ النَّفِيَّة القرآن الكريم فمن لوازم سنة الله في الأنبياء والمرسلين أن يكونوا بلسان قومهم؛ لأن المقصود من إرسالهم هداية الناس وإرشادهم إلى الحق والخير، وهذا لا يتأتى لهم على الوجه الأكمل والنحو الأفضل إلا إذا كانوا موافقين لأقوامهم في لغتهم. «وهذه نعمة شاملة للبشر في کل رسالة، فلكي يتمكن الرسول من إخراج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم، لم یکن بد من أن يرسل بلغتهم؛ ليبين لهم وليفهموا عنه، فتتم الغاية من الرسالة)) (٤). وهذا من تمام رحمة الله بخلقه -كما بينا- وهو كذلك من تمام الرسالة، وكمال حجة الله على خلقه، ومن تأمل كتاب الله يجد أن الأنبياء والمرسلين كثيرًا ما وصفوا أو وصفت معجزاتهم أو كتبهم بالبيان والوضوح والظهور، قال تعالى في حق الكتاب: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ بِبْيَئِنَّا لِكُلِّ شَىْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]. ﴿يَتَأَهْلَ الْكِتَبِ قَدْ وقال: جَآءُ كُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا ◌ِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ اُلْكِتَبِ وَيَعْفُواْ عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَ كُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَبُ تُبِينٌ﴾ (٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٤٢١. (٤) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٠٨٧/٤. ٣٦٢ النبوة [المائدة: ١٥]. وقال: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَتِ وَلِتَسْتَّبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٥]. وقال عن نبيه: ﴿إِنَّ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ [الأعراف: ١٨٤]. وقال في عصا موسى: ﴿فَأَلْقَى عَصَاءُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ﴾ [الأعراف: ١٠٧]. فقد جعل الله تعالى كتابه مبينًا، وآياته مبينة، ووصف نبيه بأنه مبين، ولاشك أن من أهم أدوات البيان اللغة، فهي أهم أدوات التواصل بين البشر؛ ولذا اقتضت سنة الله في رسله وأنبيائه أن يكونوا بلسان قومهم؛ ليكونوا في أعلى درجات البيان. فاكل رسول لله جل ثناؤه أرسله إلى قوم فإنما أرسله بلسان من أرسله إليه، و کل كتاب أنزله على نبي، ورسالة أرسلها إلى أمة فإنما أنزله بلسان من أنزله أو أرسله إليه))(١). وإرسال الرسل بلسان أقوامهم ((أبلغ في الحجة وأقطع للعذر، فربما كانوا يقولون عند اختلاف الألسنة: لا نفهم عنهم؛ إِذ قالوا ذلك مع اتفاق اللغات، فقد قال قوم شعيب عليه السلام: ﴿قَالُواْ يَشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ [هود: ٩١]. هذا وهو يخاطبهم بلسانهم، فکیف لو کان على خلاف ذلك؟!»(٢). (١) جامع البيان، الطبري ١/ ١١. (٢) نظم الدرر، البقاعي ٣٧٩/١٠. يقول ابن القيم: فـ«لم يرسل الله رسولًا إلا بلسان قومه ليبين لهم، فتقوم عليهم الحجة بما فهموه من خطابه لهم»(٣). كما أن إرسالهم بلسان قومهم أدعى للفهم وأعون عليه؛ لذا ما أرسل رسول ((إلى أمة من الأمم إلا بلغة قومه الذين أرسل إليهم، ليفهمهم ما أرسل به بسهولة ويسر)» (٤). استشکال و دفعه: من المعلوم أن الأنبياء قبل محمد صلى الله عليه وسلم كانوا يبعثون إلى قومهم خاصة، وأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد بعث إلى الخلق عامة، لكن رسالته جاءت بلسان قومه الذين بعث فيهم وهم العرب، فكان القرآن بلسان عربي مبين، وهنا قد يظن البعض أن لغير العرب حجة أو عذرًا في ترك الاهتداء بالقرآن لأنهم لا يفهمونه؟ وقد أجاب على هذه الشبهة القاسمي رحمه الله فقال: ((لا يخلو إما أن ينزل أو بواحد منها، فلا حاجة بجميع الألسنة إلى نزوله بجميع الألسنة؛ لأن الترجمة تنوب عن ذلك، وتكفي التطويل، فبقي أن ينزل بلسان واحد، فكان أولى الألسنة لسان قوم الرسول؛ لأنهم أقرب إليه، فإذا فهموا (٣) الصواعق المرسلة، ابن القيم ٧٤٣/٢. (٤) تفسير المراغي ١٢٦/١٣. www. modoee.com ٣٦٣ حرف النون التراجم ببيانه وتفهيمه، كما ترى الحال وتشاهدها من نيابة التراجم في كل أمة من أمم العجم، مع ما في ذلك من اتفاق أهل البلاد المتباعدة والأقطار المتنازحة والأمم المختلفة والأجيال المتفاوتة على كتاب واحد، واجتهادهم في تعلم لفظه وتعلم معانيه، وما يتشعب من ذلك من جلائل الفوائد، وما يتكاثر في إتعاب النفوس وكد القرائح فيه من القرب والطاعات المفضية إلى جزيل الثواب؛ ولأنه أبعد من التحريف والتبديل وأسلم من التنازع والاختلاف؛ ولأنه لو نزل بألسنة الثقلين كلها مع اختلافها وكثرتها، وكان مستقلًا بصفة الإعجاز في كل واحد منها، وكلم الرسول العربي كل أمة بلسانها، کما کلم أمته التي هو منها - يتلوه عليهم معجزًا- لكان ذلك أمرًا قريبًا من الإلجاء))(١) (٢). ثالثًا: تزويدهم بالآيات: لما كان الأنبياء سفراء الله إلى خلقه يدعون الناس إلى الإيمان بهم وتصديقهم فيما يخبرونهم عنه، ويسألونهم طاعتهم (١) الإلجاء: الإكراه والاضطرار، وقيل: إن الاضطرار أخص من الإلجاء، لاشتراط زوال الاختيار في الأول دون الثاني. انظر: معجم لغة الفقهاء ص ٨٦، الفروق اللغوية ص ٦٧. (٢) محاسن التأويل ٢٩٨/٦-٢٩٩. عنه وتبینوه وتنوقل عنهم وانتشر، قامت فیما یأمرون به وفیما ینهون عنه؛ ولما كان الأنبياء يأتون أقوامهم بما يخالف عادتهم، كان لزامًا أن يقيموا الأدلة والبراهين على صدق نبوتهم وبعثتهم من قبل الله تعالى؛ حتى يقطعوا عن الناس الشك والريب في أمرهم، وحتى تكون هذه الأدلة والبراهين دليلًا واضحًا على صدق نبوتهم، وأيضًا خطًا فاصلاً بين النبي حقًّا ومن يدعي النبوة. لهذه الأسباب وغيرها كان تأييد الله تعالی لأنبيائه بالآيات الواضحات التي تثبت لدی کل منصف صدقهم في دعوتهم. قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِلْبَيِّنَتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِنَبَ وَاَلْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ﴾ [الحديد: ٢٥]. ﴿بِالْبَيِّنَتِ﴾ أي: ((بالحجج والبراهين القاطعة على صحة ما يدعون إليه))(٣). وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِم ◌َاءُ وهُم ◌ِاَلْبَيْنَتِ﴾ [الروم: ٤٧]. ﴿يَلْبَيِّنَتِ﴾ يعني: ((بالواضحات من الحجج علی صدقهم، وأنهم لله رسل»(٤). فالله تعالى قد جعل ((دلائل الأنبياء وأعلامهم الدالة على صدقهم كثيرة متنوعة، كما أن دلائل كذب المتنبئين كثيرة متنوعة)»(٥) وما ذلك إلا لأنه أبلغ في إقامة الحجة على الناس بأن هؤلاء الأنبياء هم (٣) المصدر السابق ٩/ ١٥٣. (٤) جامع البيان، الطبري ٢٠/ ١١٣. (٥) الجواب الصحيح، ابن تيمية ١٢٩/١. ٣٦٤ مَوَسُولَة النَّة القرآن الكريمِ