النص المفهرس
صفحات 21-40
النبوة منه))(١). فيا لها من منزلة كريمة. اختصاصه بمعجزة القرآن. الأنبياء السابقون آتاهم الله عز وجل عددًا من المعجزات، ولكنها كانت مخصوصة بزمنهم، وموقوتة بحياتهم، ولكن المولى تبارك وتعالى اختص حبيبه ومصطفاه بمعجزته الكبرى، والتي ستبقى خالدة على امتداد الزمان. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَكَ سَبْعًا مِّنَ آلْمَثَانِ وَالْقُرْءَانَ الْعَظِيمَ﴾﴾ [الحجر: ٨٧]. وهنا يمتن الحق سبحانه على رسوله («بأنه يكفيه أن أنزل عليه القرآن الكتاب المعجزة، والمنهج الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، فالقرآن يضم كمالات الحق التي لا تنتهي)» (٢). إن معجزة القرآن معجزة لها خصوصيتها وتفردها عن كل ما تقدمها من معجزات، فهي معجزة ((مفتوحة للأجيال، وليست كالخوارق المادية التي تنقضي في جيل واحد، ولا يتأثر بها إلا الذين يرونها من ذلك الجيل))(٣). فأن يختص بها النبي محمد صلى الله عليه وسلم فهذه - لا شك- مزية عظيمة. النصوص التي تنهى عن التفضيل بين الأنبياء: (١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٣٢/١٤. (٢) تفسير الشعراوي ١٣/ ٧٧٦١. (٣) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٣٧٠/٤. قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُم مَن كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَءَاتَيْنَا عِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ الْبَيْنَتِ وَأَيَّدْنَهُ بُوح اٌلْقُدُسِ ﴾ [البقرة: ٢٥٣]. وهذه الآية تقطع بوجود التفاضل بين الأنبياء والرسل، ولكن هناك أحاديث ثابتة تنهى عن التفضيل، ومن ذلك قوله: (لا تخيروني على موسى) (٤)، و(لا تفضلوا بين أنبياء الله)(٥) أي: لا تقولوا: فلان خير من فلان، ولا فلان أفضل من فلان؛ ولكن هذه الأحاديث لا تعارض بينها وبين الآية. قال الإمام القرطبي: يمكن الجمع بين الآية والأحاديث من وجوه: # أن هذا كان قبل أن يوحى إليه بالتفضیل، وقبل أن يعلم أنه سيد ولد آدم، وأن القرآن ناسخ للمنع من التفضيل. أو أن قوله هذا من باب الهضم والتواضع. * أو أن المراد النهي عن الخوض في ذلك؛ لأن الخوض في ذلك ذريعة إلى الجدال، والجدال قد يؤدي إلى أن يذكر بعضهم بما لا ينبغي أن يذكر به، (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الخصومات، باب ما يذكر في الأشخاص والخصومة بين المسلم واليهود، ٣/ ١٢٠، رقم ٢٤١١. (٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: (وإن يونس لمن المرسلين)، ١٥٩/٤، رقم ٣٤١٤. www. modoee.com ٣٢٥ حرف النون وقد يؤدي إلى قلة احترامهم، والعصبية المقيتة لبعضهم. ثم قال: وأحسن من هذا القول من قال: إن المنع من التفضيل إنما هو من جهة النبوة التي هي خصلة واحدة، لا تفاضل فيها، وإنما التفضيل في زيادة الأحوال والخصوص والكرامات والمعجزات، وأما النبوة في نفسها فلا تتفاضل، وإنما تتفاضل بأمور أخرى زائدة علیھا؛ ولذلك فهم رسل وأولو عزم، ومنهم من كلمه الله، فالقول بتفضيل بعضهم على بعض إنما هو بما منح من الفضائل، وأعطي من الوسائل؛ وبذلك نكون قد جمعنا بين الآية والأحاديث من غیر نسخ(١). (١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٦١/٣-٢٦٣، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦٧١/١، فتح الباري، ابن حجر ٤٤٦/٦. شروط النبوة لمرتبة النبوة شروط نتناولها في النقاط الآتية: أولًا: الصدق: لما كانت النبوة هي أداء رسالة، وتبليغ شريعة، وتوجيه للناس نحو الخير، كان من أهم شروط هذه الوظيفة العظيمة الصدق؛ لأن النبي مبلغ عن الله، أمين على وحيه، والكذب في حقه عظيم؛ لأنه كذبٌ على الله، وافتراء عليه، وتضليل للناس: ﴿وَمَنْ ◌َظْلُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ ◌ِكَايَتُِّ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٢١]. ثم إن النبي قدوة للناس، وأنموذج حي لتعاليم الله في الأرض؛ لذا اشترط فيه أن یکون صادقًا فيما يقوله أو يبلغه حتى يهتدي الناس به. لذا كان الصدق من أخص صفات الأنبياء، ومن أهم الشروط التي جعلها الله فيمن اصطفاه لهذا المقام الكريم، ومن جعل القرآن نصب عينيه بانت له أمارات صدقهم في أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم. فهذا موسى عليه السلام يبين التزامه بالصدق خلقًا ومقامًا وحالًا لا يتجاوزه، فيقول: ﴿حَقِيقُ عَلَى أَنْ لَّ أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا اُلْحَقِّ قَدْ حِثْنُكُمْ بِبَيْنَكِ مِّن رَّيَّكُمْ فَأَرْسِلْ مَّعِىَ بَقِّ إِسْرَائِيلَ﴾ [الأعراف: ١٠٥]. ٣٢٦ مَقَةُ التَّقَـ جوببيو القرآن الكريمِ النبوة أي: ((جدير بأن لا أقول على الله إلا البناء ينبئ عن ذلك، يقال: رجل خمير الحق، وحريٌّ بي أن ألتزمه))(١). والمعنى: «أن الرسول لا يقول إلا الحق، فصار نظم الكلام كأنه قال: أنا رسول الله، ورسول الله لا يقول إلا الحق)»(٢). فرسول الله خليق بألا يقول على الله إلا صِدِّيقًا نِّيًا﴾ [مريم: ٥٦]. الحق والصدق. وجاء في آخر سورة المائدة قول عيسى وأثنى الله على إسماعيل عليه السلام عليه السلام لربه: ﴿مَاقُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِى بِهُ أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ رَبِى وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ١١٧]. بصدق الوعد. قال تعالى: ﴿وَأَذَّكُرْ فِ الْكِتَبِ إِسْمَعِيلٌ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولُاَ نِيًّا﴾ [مريم: ٥٤]. ففي هذه الآية ((يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: واذكر يا محمد في الكتاب إسماعيل بن إبراهيم، فاقصص خبره إنه كان لا یکذب وعده، ولا یخلف، ولكنه كان إذا وعد ربه أو عبدًا من عباده وعدًا وفَّى به))(٣). وبالصدق الکثیر وصف الله نبيه إبراهيم علیه السلام فقال سبحانه: ﴿وَاذكُرْ فِآلْكِنَبِ إِبْرَهِيَمْ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نِّيًّا﴾ [مريم: ٤١]. («كان من أهل الصدق في حديثه وأخباره ومواعيده لا يكذب)» (٤) وصدِّيقٌ لفظ فيه «مبالغة في كونه صادقًا، وهو الذي يكون عادته الصدق؛ لأن هذا (١) التفسير الميسر ص١٦٤. (٢) مفاتيح الغيب، الرازي ١٤/ ٣٢٥. (٣) جامع البيان، الطبري ٢١١/١٨. (٤) المصدر السابق ٢٠٢/١٨. وسكير للمولع بهذه الأفعال)» (٥). فالصديق: کثیر الصدق. وبذات الوصف ذكر الله نبيه إدريس أيضًا، فقال: ﴿وَأَذَّكُرُ فِي الْكِتَبِ إِدْرِسَّ إِنَّهُ كَانَ وهو واضح جدًّا في التزام عيسى عليه السلام بما أمره الله به فقط، لم يزد عليه شيئًا، ولم ينقص منه شيئًا، وإنما هو الصدق في التبليغ، والامتثال في الأداء. وكذا لما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان بن حرب -قبل إسلامه- عن أمر محمد صلی الله عليه وسلم وقال له: هل کنتم تتهمونه بالكذب قبل أن یقول ما قال؟ فرد عليه: ما جربنا عليه كذبًا قط (٦). وهذه وهذا النص يظهر أنها صفة أصيلة في الرسل حتی قبل مبعثهم. ولقد بین سبحانه وعید من كذب على الله من أنبيائه أو تَقَوَّلَ عليه ما لم يأمر به، (٥) مفاتيح الغيب، الرازي ٢١/ ٥٤٢. (٦) انظر: تفصيل القصة في صحيح البخاري في بدء الوحي، كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلی الله عليه وسلم؟ ٨/١، رقم ٧، وصحيح مسلم، كتاب المغازي، باب كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل، رقم ١٧٧٣. www. modoee.com ٣٢٧ حرفالنون ﴿وَلَوْ نَقَوَلَ عَلَيْنَابَعْضَ فقال في وعيد شديد: اُلْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِأَلْيَمِينِ ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ اَلْوَتِنَ فَمَا مِنكُم مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَجِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤- ٤٧]. والتّقوّلُ: «أن يقول الإنسان عن آخر أنه قال شيئًا لم يقله))(١). و ﴿لَأَخَذْنَا مِنَّهُ بِأَلْيَمِينِ﴾ أي: ((بالقوة والقدرة، أي: لأخذناه بالقوة))(٢). والوتين: «نياط القلب، وهو حبل الوريد: إذا قطع مات صاحبه))(٣). والمعنى: ((ولو ادعى علينا شيئًا لم نقله لقتلناه صبرًا (٤)، كما يفعل الملوك بمن يكذب عليهم معاجلة بالسخط والانتقام، فصور قتل الصبر بصورته لیکون أهول: وهو أن یؤخذ بیده، وتضرب رقبته»(٥). وما دامت هذه العقوبة لم تقع بأحد منهم، فهذا یبین أنهم كانوا صادقين فيما بلغوه عن الله تعالى، وأن أحدًا منهم لم يفتر على الله كذبًا. ثانيًا: الأمانة: وهذه صفة قرينة لصفة الصدق التي (١) المحرر الوجيز، ابن عطية ٣٦٢/٥. (٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٧٥/١٨. (٣) الكشاف، الزمخشري ٤ / ٦٠٧. (٤) يقال للرجل يقدم فتضرب عنقه: قتل صبرًا، يعني أنه أمسك على الموت. انظر: تهذيب اللغة ١٢ / ١٢١. (٥) الكشاف، الزمخشري ٤ / ٦٠٧. سبقت، فلا يكون الكاذب أمينًا، كما أن الخائن يستحيل أن یکون صادقًا؛ لذا يلزم أن یکون الصادق أمینًا والأمین صادقًا، ومن ثم كانت هذه من الصفات الواجب توافرها في الأنبياء. وأن یکون النبي أمينًا، فهذا يعني أنه «يبلغ أوامر ربه ونواهيه إلى العباد دون زيادة أو نقص، كما قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِفُونَ رِسََّتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ، وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّ اللّهُ وَكَفَ بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [الأحزاب: ٣٩]))(٦). والأنبياء جميعًا مؤتمنون على الوحي، يبلغون أوامر الله كما أنزلها إليهم، ولا يمكن لهم أن تجري عليهم الخيانة أبدًا «فهل يليق بنبي أن يكتم أمانته، فلا ينصح الأمة، ولا يبلغ رسالة الله))(٧). وهذا تجده واضحًا فيما جاء على لسان أغلب الرسل في القرآن الكريم، فكل واحد منهم قال لقومه: ﴿إِنِّ لَكُمْ رَسُولُ أَمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٠٧]. فها هو نوح عليه السلام يقول لقومه: فَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ ﴿إِ لَكُمْ رَسُولُ أَمِينٌ () [الشعراء: ١٠٧٠-١٠٨]. وتأمل كيف أنه استخدم حرف التوكيد ﴿إِنٍ﴾ مع أن أحدًا لم ينكر عليه أمانته ((لأنه توقع حدوث الإنكار، فاستدل عليهم (٦) النبوة والأنبياء، الصابوني ص ٤٤-٤٥. (٧) المصدر السابق. ٣٢٨ صَوْسُور القرآن الكريمِ النبوة بتجربة أمانته قبل تبليغ الرسالة))(١)؛ لأنها دليل الصدق، فالأمانة ((تقتضي ألا يكذب على الله، فيدعي عليه الرسالة وهو لم يرسله، وتقتضي الأمانة فيما يخبرهم، ومع الأمانة الرعاية والمحبة والإخلاص لهم، والبربهم)) (٢). وها هو صالح عليه السلام يقول لقومه فَاتَّقُواْ اللَّهَ أيضًا: ﴿إِنْ لَكُمْ رَسُولُ أَمِينٌ ) وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٤٣ -١٤٤]. وكذا قالها لوط وهود وشعيب وغيرهم. وأن تكون هذه مقالة الأنبياء لأقوامهم، فهذا يبين أن الله ((لا يبعث الرسول إلا إذا كان معروفًا بالأمانة، وحسن الخلق قبل الرسالة»(٣) إذ لو کان الرسول خائناً «لغیر في الشرائع الإلهية، ولأفسد في الأحكام التي يتلقاها عن الله تعالى، فيضيع بذلك الغرض من رسالته، وهو الصلاح والعمل بأوامر الله -تعالى وحده-، والله تعالى لا يحب المفسدين، ولا یؤید الخائنين، فکیف يؤيد من خانه وينصره ويظهره؟! فلا بد إذًا أن رسل الله تعالى قد كانوا جميعًا أمناء في تبليغ ما حملوا، ومن كمال صفة الأنبياء تبلیغهم کل ما أرسلهم الله تعالى به، وأداء رسالتهم ووظيفتهم المتمثلة في ذلك، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّ الْبَغُ (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٥٨/١٩. (٢) زهرة التفاسير، أبو زهرة ١٠/ ٥٣٧٧. (٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٦٤/١٩. • [العنكبوت: ١٨]. الْبِيكُ نماذج عملية من أمانة النبي صلى الله علیه وسلم: من صور الأمانة النبوية ما جاء ذكره في القرآن من عتابه تعالى لنبيه. قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِىّ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اَللَّهَ وَتُخْفِى فِى نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاَللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَنَهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧]. تقول السيدة عائشة رضي الله عنها: (لو کان محمدٌ صلی الله عليه وسلم كاتمًا شيئًا مما أنزل عليه لكتم هذه الآية) (٤). ولكتم أيضًا عتاب الله له في قوله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيِّ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ أَسْرَى حَتَّى يُشْخِنَ فِى اٌلْأَرْضِّ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الَخِرَةَ وَاَللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٧]. وفي قوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَ ال) أَنْ جَهُ الْأَعْمَى﴾ [عبس: ١-٢]. فعدم كتمانه لشيء يدل على شدة أمانته. وهكذا يظهر لنا كيف أن الأمانة من الشروط التي يجب توافرها في الرسل والأنبياء (لتظل النفس مطمئنة إلى سلامة الوحي، وإلى كل ما جاء به النبي إنما هو أنه من عند الله، وصدق الله إذ يقول عن نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿وَمَا يَنطِقُ (٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب معنى قول الله عز وجل: (ولقد رآه نزلة أخرى)، ١/ ١٦٠، رقم ١٧٧. www. modoee.com ٣٢٩ حرف النون عَنِ الْمَوََّ (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى﴾ ٣-٤]»(١). ثالثًا: التبليغ عدم الكتمان: وهذه صفة عظيمة من صفات الرسل الكرام ويقصد بها «أن يبلغ الرسل أحكام الله، ويبلغوا الوحي الذي نزل عليهم من السماء، فلا يكتموا شيئًا مما أوحاه الله إلیهم، حتی ولو کان في تبليغه للناس إيذاء الأشرار والفجار))(٢). وقد أخبرنا تعالى أن نوحًا عليه السلام قال لقومه: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ، إِنَّ أَخَافُ قَوْمِهِ» إِنَّا لَغَرَكَ فِ ضَلَالٍ مُّبِينٍ ® عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ قَالَ الْعَلَأُ مِن قَالَ يَنْقَوْمِ لَيْسَ بِىِ ضَلَلَةٌ وَلَكِنِّى رَسُولٌ مِّن رَّبِّ أُبَلِّغُكُمْ رِسَلَتِ رَبِى وَأَصَحُ ٦١ الْعَلَمِينَ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٥٩-٦٢]. فها هنا نلحظ كيف أن نوحًا عليه السلام بعد أن نفى عن نفسه الضلالة ((وصف نفسه بأربع صفات كريمة)) (٣)، كانت الثانية بعد إخباره أنه رسول هي أنه مبلغ لرسالات ربه عز وجل. (١) النبوة والأنبياء، الصابوني ص ٤٥. (٢) المصدر السابق. (٣) التفسير الوسيط، طنطاوي ٢٩٨/٥. [النجم: وقد وردت هذه الصفة في أکثر من حوار للرسل مع أقوامهم. فنبي الله صالح عليه السلام قال: ﴿فَتَوَلَى عَنْهُمْ وَقَالَ يَقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةٌ رَبِّ وَنَضَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لَّا تُحِبُونَ النَّصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٧٩]. وكذا شعيب عليه السلام قال: ﴿فَنَوَلَى عَنْهُمْ وَقَالَ يَقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْنُكُمْ رِسَلَتِ رَقِّ وَنَصَحْتُ لَكُمَّ فَكَيْفَ ءَاسَى عَلَى قَوْمِ عظيم لهم، أو شر مستطير يلحقهم من كَفِرِينَ﴾ [الأعراف: ٩٣] ومما يظهر شدة وضوح هذه الصفة عند الرسل هو ما نلحظه من بدء بعض السور بـ(قل) كسورة الجن والكافرون والفلق والناس، فهي ((أمر موجه للنبي صلى الله علیه وسلم ليبلغه لأمته»(٤)، فأن يقول ذلك دونما زيادة أو نقص مما يدل على شدة الحرص على البلاغ وعدم الكتمان. قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ [الفلق: ١]. وقال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: ١]. لقد كان بوسع النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول: ((أعوذ برب الفلق، أعوذ برب الناس)) دون اللفظة التى خوطب بها، ولكن تبليغه العبارات كما هي يظهر شدة الحرص على البلاغ. (٤) النبوة والأنبياء، الصابوني ص ٤٥. ٣٣٠ البيـ مُوسُون لِلْقُرآن الكَرِيمِ النبوة کعب عن المعوذتين؟ فقال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (قيل لي فقلت) فنحن نقول کما قال رسول الله صلی اللە علیه وسلم))»(١). وقدمر بنا قول عائشة رضي الله عنها: (لو کان محمدٍ صلی الله علیه وسلم کائمًا شيئًا مما أنزل عليه لكتم هذه الآية ﴿ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِىّ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَأَتَّقِ اللّهَ وَتُخْفِى فِ نَفْسِكَ مَا اَللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاَللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧])(٢) ومما يظهر أيضًا شدة الحرص على البلاغ، أن النبي برغم ما كان يخشى في بدايات الدعوة من المواجهات الشديدة مع أهل قريش إلا أنه ما أن أنزل الله عليه قوله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِنَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]. حتى (صعد النبي صلى الله عليه وسلم على الصفا، فجعل ينادي: يا بني فهرٍ، يا بني عدي - لبطون قريشٍ- حتى اجتمعوا فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولًا لينظر ما هو، فجاء أبو لهبٍ وقريشٌ، فقال: (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب قوله: (الله الصمد)، ١٨١/٦، رقم ٤٩٧٦. (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب معنى قول الله عز وجل: (ولقد رآه نزلة أخرى)، ١/ ١٦٠، رقم ١٧٧. عن زر بن حبيشٍ قال: (سألت أبي بن (أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تغير عليكم أکنتم مصدقي؟) قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقًا، قال: (فإني نذيرٌ لكم بين يدي عذابٌ شديدٌ) فقال أبو لهبٍ: تبّا لَك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟ فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِىِ لَهَبٍ وَتَبَّ ل مَآ أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ، وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد: ١-٢](٣). وهكذا يظهر لنا أن التبليغ وعدم الكتمان من صفات الرسل. رابعًا: العصمة: ومن الشروط التي ذكرها الله للأنبياء العصمة؛ ولهذه العصمة في حياة الأنبياء وجوه كثيرة، منها ما يلي: ١. العصمة في التبليغ. الشرع والعقل يلزمان بعصمة الأنبياء في التبليغ؛ لأن القول بعدم عصمة الأنبياء يفضي إلى القدح في تبليغهم الرسالة، حيث يمكن نسبة الكذب أو الخطأ أو الزيادة أو النقص في التشريع، وهذا غير ممكن في حقهم؛ لأن الله قد عصمهم من ذلك. فهم معصومون في تحمل الوحي، وفيما يخبرون عن الله تعالى، فقد اتفقت الأمة أن الرسل معصومون في تحمل الرسالة (٤)، فلا (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب (وأنذر عشيرتك الأقربين)، ٦/ ١١١، رقم ٤٧٧٠. (٤) نقل الإجماع على العصمة في هذا أكثر من واحد. www. modoee.com ٣٣١ حرفالنون ینسون شيئًا مما أوحاه الله إليهم إلا شيئًا قد نسخ، وقد تكفل الله لرسوله بأن يقرئه فلا ینسی شیئا مما أوحاه الله إليه، إلا شيئًا أراد الله أن ینسیه إياه. قال تعالى: ﴿سَنُفْرِكُكَ فَلَا تَنسَ إِلَّامَا وأحوالهم الدنيوية قبل البعثة وبعدها. شَآءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٦-٧]. ويدل على هذا مبادرة الصحابة إلى وتكفل بأن يجمعه له في صدره فقال: تصديق الرسول في جميع أقواله، والثقة ﴿لَا تُحَرِّكَ بِهِ، لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ ◌ِ (١) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ. وَقُرْءَانَهُ ، فَإِذَا قَرَأْنَهُ فَاتَّبِعْ قُزْءَانَهُ﴾ [القيامة: ١٦- ١٨]. وهم أيضا معصومون في التبليغ، فالرسل لا یکتمون شيئًا مما أوحاه الله إليهم؛ وذلك لأن الكتمان خيانة، والرسل يستحيل أن يكونوا كذلك. قال تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ, •[المائدة: ٦٧]. ولو حدث شيء من الكتمان أو التغيير فإن عقاب الله يحل بهذا الكاتم المغير، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ ﴿ الَأَخَذْنَا مِنْهُ بِلْيَمِينِ ، ثُمَّ نَقَطَعْنَا مِنْهُ أَلْوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٦]. ومما يدل على العصمة في التبليغ، قوله تعالى: ﴿ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْمَوَىَ ) إِنْ هُوَ إِلَّا رَحْىٌ يوج [النجم: ٣-٤]. انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ١٠/ ٢٩١، لوامع الأنوار البهية، السفاريني ٢/ ٣٠٤. ومن عصمته عصمتهم في هذا الشأن فعصمته عصمتهم من الكذب مطلقًا في أي حال من الأحوال سواء في تبليغ الرسالة، أو في غيره من أخباره وأخبارهم وأحواله بجميع أخباره دون تردد أو توقف، بل قد أقرت قريش بصدقه عندما دعاهم في الصفا، كما جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: (لما نزلت: ﴿ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَيِنَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]. خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صعد الصفا، فهتف: (يا صباحاه). فقالوا من هذا؟ فاجتمعوا إليه، فقال: (أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلا تخرج من سفح هذا الجبل أكنتم مصدقي؟) قالوا: ما جربنا علیك کذبًا، قال: (فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد)(١). وقد قال أبو جهل للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا لا نكذبك ولكن نكذب ما جئت به، فأنزل الله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ اُلظَّلِينَ بِشَايَتِ اَللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب قوله: (فسبح بحمد ربك واستغفره)، ١٧٩/٦، رقم ٤٩٧١، ومسلم في صحيحه، الإيمان، باب في قوله: (وأنذر عشيرتك الأقربين)، ١/ ١٩٣، رقم ٢٠٨. ٣٣٢ القرآن الكريمِ النبوة ٣٣](١). وكذلك حين سأل الأخنس بن شريق أبا جهل: ((يا أبا الحکم أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب؟ فإنه ليس هاهنا من قريش أحد غيري وغيرك يسمع كلامنا! فقال أبو جهل: ويحك، والله إن محمدًا لصادق، وما كذب محمد قط، ولکن إذا ذهب بنو قصي باللواء والحجابة والسقاية والنبوة، فماذا يكون لسائر قريش؟))(٢). ومما يدل على ذلك قول أبي سفيان لهرقل عندما سأله عن النبي صلى الله عليه وسلم وکان مما سأل عنه: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا، فقال هرقل: لم یکن لیذر الكذب على الناس ويكذب على الله (٣). وقوله لخديجة بعد أن لقیه جبريل في حراء: (قد خشیت على نفسي). فقالت له: كلا، أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، (١) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب تفسير القرآن، باب ومن سورة الأنعام، ٢٦١/٥، رقم ٣٠٦٤. وضعفه الألباني في ضعيف الترمذي ص٣٧٤. (٢) جامع البيان، الطبري ٣٣٣/١١، تفسير القرآن العظیم، ابن كثير ٢٥٢/٣. (٣) أخرجه البخاري في بدء الوحي، ٨/١، رقم ٦، ومسلم في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب كتاب النبي إلى هرقل، ٢٣٥/٩، رقم ٣٣٢٢. وتصدق في الحديث)(٤). ویکفیه في هذا الباب شهادة الله له بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]. فإنه متصف بكل خلق فاضل من الصدق والأمانة وصلة الرحم والجود وغيرها، فقد جمع الله له خصائل الخير كلها، فلم يدع إلا بالصادق الأمين. قال القاضي عياض: «وأما أقواله الدنيوية من إخباره عن أحواله وأحوال غيره، وما يفعله أو فعله، فقد قدمنا أن الخلف فيها ممتنع عليه في كل حال وعلى أي وجه، من عمد أو سهو أو صحة أو مرض أو رضا أو غضب، وأنه معصوم منه صلى الله عليه وسلم)»(٥) . وهذا الحكم فيما طريقه الخبر المحض مما يدخله الصدق والكذب، فأما المعاریض الموهم ظاهرها خلاف باطنها فجائز ورودها منه في الأمور الدنيوية، لا سيما لقصد المصلحة كتوريته عن وجه مغازيه؛ لئلا يأخذ العدو حذره، وكممازحته ومداعبته لبعض أصحابه؛ لكي يطيب قلوبهم، ويدخل المحبة والمسرة إلى نفوسهم. ومن هذا قوله لأحد أصحابه: (إني حاملك على ولد الناقة). فقال: يا رسول (٤) أخرجه الحاكم في المستدرك، ١٦٣/٤، رقم ٤٨٣٠. (٥) الشفا ٢/ ١٨٧. www. modoee.com ٣٣٣ حرف النون الله، ما أصنع بولد الناقة؟ فقال رسول الله ونسي آدم فنسيت ذريته، وخطئ آدم فخطئت صلى الله عليه وسلم: (وهل تلد الإبل إلا ذريته) (٢). النوق؟)(١). وكما وقع لنبينا محمد صلى الله عليه أما النسيان في غير البلاغ وفي غير أمور وسلم في حديث ذي اليدين الذي رواه التشريع فهي من الأغراض البشرية الجبلية التي تجوز على الأنبياء ولا تنافي العصمة في التحمل والتبليغ، ومن ذلك: - نسیان آدم وجحوده، كما قال عليه الصلاة والسلام: (لما خلق الله آدم عليه السلام مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة، وجعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصًا من نور، ثم عرضهم على آدم فقال: أي رب من هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذريتك، فرأى رجلاً منهم فأعجبه وبيص ما بين عينيه، فقال: أي رب من هذا؟ فقال: هذا رجل من آخر الأمم من ذريتك، يقال له: داود، فقال: رب کم جعلت عمره؟ قال: ستين سنة، قال: أي رب زده من عمري أربعين سنة، فلما قضي عمر آدم جاءه ملك الموت، فقال: أولم يبق من عمري أربعون سنة؟ قال: أولم تعطها ابنك داود؟ قال: فجحد آدم فجحدت ذریته، (١) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب البر والصلة، باب ما جاء في المزاح، ٣٥٧/٤، رقم ١٩٩١. قال الترمذي: حديث صحيح غريب. وصححه الألباني في تعليقه على المشكاة رقم ٤٨٨٦. البخاري ومسلم حيث سلم النبي صلى الله عليه وسلم من ركعتين في صلاة الظهر(٣). وقد صرح الرسول صلى الله عليه وسلم بطروء النسيان عليه كعادة البشر، ففي حديث ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ولكن إنما أنا بشر مثلكم أنسی کما تنسون، فإذا نسيت فذكروني)(٤)، قال هذا بعد نسيانه في إحدى الصلوات. أما حديث: (إني لا أنسى، ولكن أُنَسَّى لأسن)(٥) فلا يعارض به الحديث السابق؛ (٢) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب التفسير، باب ومن سورة الأعراف، ٢٦٧/٥، رقم ٣٠٧٦. وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم ٥٢٠٨. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجمعة، باب إذا سلم في ركعتين، ٦٨/٢، رقم ١٢٢٧، ومسلم في صحيحه، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب السهو في الصلاة والسجود له، ٤٠٤/١، رقم ٥٧٣. (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة، باب التوجه نحو القبلة حيث كان، ١/ ٨٩، رقم ٤٠١، ومسلم في صحيحه، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب السهو في الصلاة والسجود له، ٤٠٤/١، رقم ٥٧٣. (٥) موطأ مالك ٣٠٢/١. جَوْسُورُ القرآن الكريم ٣٣٤ النبوة لأن هذا الحديث كما يقول ابن حجر: ((لا رسالتي، وأنا حافظك وناصرك ومؤيدك أصل له، فإنه من بلاغات مالك التي لم توجد موصولة بعد البحث الشدید»(١). وخلاصة القول في هذه المسألة: أن من الأمور الجائزة على الأنبياء السهو والنسيان فيما ليس طريقه البلاغ مطلقًا، وفيما طريقه البلاغ بشرطين: الأول: أن ذلك يقع منه بعد تبليغه لا قبل التبليغ. الثاني: أنه لا یستمر علی نسیانه، بل يحصل له التذكر إما بنفسه وإما بغيره. وفائدة جواز السهو والنسيان في حقه صلى الله عليه وسلم بيان الحكم الشرعي فيما وقع فيه النسيان إذا وقع مثله لغيره. العصمة من تسلط الناس عليهم وتسلط السحرة: وأما ما هو سوى ذلك من الإيذاء والضرر وهذا النوع من العصمة قد وعد الله به فذلك مما نال الرسول («ليكون ممن أوذي فى الله، فقد رماه المشركون بالحجارة حتى أدموه، وشج وجهه»(٦). أنبياءه ورسله. ٢. العصمة من تسلط الناس. ونعني بهذا عصمتهم من تسلط الناس عليهم بالقتل. قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ. وَاَللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِِّ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ اَلْكَفِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٧]. ففي هذه الآية يقول الله لنبيه: ((بلغ أنت (١) فتح الباري ٢٤٩/٤. على أعدائك ومظفرك بهم، فلا تخف ولا تحزن، فلن يصل أحد منهم إليك بسوء يؤذيك))(٢). يقول أبو بكر الجصاص: ((قد دل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ﴾ على صحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ كان من أخبار الغیوب التي وجد مخبرها على ما أخبر به؛ لأنه لم يصل إليه أحد بقتل ولا قهر ولا أسرٍ مع كثرة أعدائه»(٣). فالمراد إذًا عصمة النبي ((من القتل أو الإهلاك»(٤)؛ لأن ذلك هو الذي كان يهم النبي صلى الله عليه وسلم، ((إذ لو حصل ذلك لتعطل الهدى الذي كان يحبه النبي للناس؛ إذ كان حريصًا على هدايتهم)»(٥). ومما يؤيد ذلك ما رواه أنس رضي الله عنه أن امرأةً یھودیةً أتت رسول الله صلی الله عليه وسلم بشاةٍ مسمومةٍ، فأكل منها، فجيء بها إلى رسول الله صلی الله علیه وسلم، (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٥١/٣. (٣) أحكام القرآن، الجصاص ٢/ ٥٦٢. (٤) التفسير الوسيط، طنطاوي ٤ /٢٢٥. (٥) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٦/ ٢٦٣. (٦) المصدر السابق. www. modoee.com ٣٣٥ حرف النون فسألها عن ذلك؟ فقالت: أردت لأقتلك، قال: (ما كان الله ليسلطك على ذاك) قالوا -أو قال عليٌّ -: ألا نقتلها؟ قال: (لا) قال: (فما زلت أعرفها في لهوات(١) رسول الله صلى الله عليه وسلم)(٢). فهاهنا يظهر كيف أن الله عصم رسوله من تسلط هذه المرأة عليه بالقتل. وكذلك تظهر عصمة الله لرسوله من القتل فيما جاء في قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ يَمْكُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُقْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُولٌ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠]. فهذه الآية تشير إلى ما كان من تشاور قريش بمكة في شأن النبي صلى الله عليه وسلم؛ وذلك بعد أن رأوا أمره قد اشتهر، وأن غيرهم قد آمن به، فقال بعضهم: إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق، وقال بعضهم: بل اقتلوه، وقال: بعضهم بل أخرجوه، وكيف أنهم في النهاية اتفقوا على قتله، ولكن الله (١) اللهاة من كل ذي حلق: اللحمة المشرفة على الحلق، وقيل: هي ما بين منقطع أصل اللسان إلى منقطع القلب من أعلى الفم. انظر: المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده ٤ / ٤٢٤. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها، باب قبول الهدية من المشركين ١٦٣/٣-٢٦١٧، ومسلم في صحيحه، كتاب السلام، باب السلام، ٤ /١٧٢١، رقم ٢١٩٠. نجاه وعصمه من تسلطهم عليه بالقتل (٢). وتظهر عصمة الله لرسله من تسلط الناس عليهم من تتبع ما جاء عن الرسل وأقوامهم في القرآن. قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُدُنَ فِى مِلَتِنَّاً فَأَوْحَىَ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَتُهُلِكَنَّ الظَّالِمِينَ ﴿ وَلَنُسْكِنَتَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِى وَخَفَ وَعِيدٍ} [إبراهيم: ١٣ -١٤]. «فها هنا یخبر الرب الجلیل کیف أنه لما تمادت الأمم في الكفر، وتوعدوا الرسل بأخذهم بالشدة، والإيقاع بهم أوحى الله إليهم بإهلاك من كفر بهم، ووعدهم بالنصر والغلب على أعدائهم)» (٤). وكذلك حدثنا القرآن عن عصمته لنبيه نوح عليه السلام من القتل لما توعده قومه ﴿ قَالُواْ لَيْنِ لَّْتَنْتَهِ يَلْنُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُوبِينَ قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِى كَذَّبُنِ ، فَافْنَحْ بَيِّ وَيَبْنَهُمْ فَتْحًا وَتَّجْنِى وَمَن مَِّىَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ! ١١٨ فَأَنَهُ وَمَن مَّعَدُ فِ الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [الشعراء: ١١٦- ١١٩]. والأمر نفسه مع نبي الله صالح عليه السلام حين تآمر عليه تسعة من المفسدين ليقتلوه، فأهلكهم الله وقومهم أجمعين، (٣) انظر: السيرة النبوية، ابن هشام ١/ ٤٨٠. (٤) تفسير المراغي ١٣٨/١٣. ٣٣٦ جوية القرآن الكريمِ النبوة يُفْسِدُونَ فِ اْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (٨) قَالُواْ تَقَاسَمُواْ بِاللَّهِ لَتُبَسِنَّنَّهُ, وَأَهْلَهُ، ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَ لِّهِ. مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ، وَإِنَّا لَصَدِّقُونَ وَمَكَرُواْ مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَقَّرْنَهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَِينَ﴾ [النمل: ٤٨-٥١]. وكذلك نجّى الله عيسى عليه السلام من اليهود، ومنعهم من قتله، ورفعه تعالی إليه، كما قال عز وجل: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَثَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُيِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧]. وهكذا يظهر لنا كيف أن الله يعصم رسله، ويمنعهم من تسلط الناس عليهم (١). ٣. العصمة من تسلط السحرة. وقبل أن نوضح هذا نحب أن نوضح مذهب أهل السنة في مسألة السحر وحقيقته: ذهب أهل السنة أن السحر حقيقة وأثرًا ثابتًا بالكتاب والسنة، قال النووي: ((مذهب أهل السنة وجمهور علماء الأمة على إثبات السحر، وأن له حقيقة كحقيقة غيره من الأشياء الثابتة))(٢). وقال القرطبي رحمه الله: ((ذهب أهل (١) لا يعكر على هذا قتل بني إسرائيل لبعض الأنبياء، فالعبرة بالأغلب. (٢) شرح صحيح مسلم، النووي ١٤/ ١٧٤. كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ فِ الْمَدِينَةِ نِسْعَةُ رَهٍْ السنة إلى أن السحر ثابت وله حقيقة))(٣). وقال أيضًا: ((وعندنا أنه حق، وله حقيقة يخلق الله عندها ما يشاء)) (٤). وقال الإمام ابن القيم: ((وقد دل قوله تعالى: ﴿وَمِن شَرِّ النَّفَّشَتِ فِى الْعُقَدِ﴾ [الفلق: ٤]. وحديث عائشة رضي الله عنها (٥) على تأثير السحر، وأن له حقيقة))(٦). ٤. العصمة من تسلط السحرة عليهم. وقد عصم الله رسله وأنبياءه من أن تتسلط عليهم السحرة فتتلاعب بهم، فيكون في ذلك ما یکون من إعراض الناس عنهم، وتشککهم في حقيقة وحيهم، وما يبلغونه عن رب العزة. قال الليث: كتب إلي هشامٌ أنه سمعه ووعاه عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: (سحر النبي صلى الله عليه وسلم حتى كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء وما یفعله، حتی کان ذات یوم دعا ودعا، ثم قال: (أشعرت أن الله أفتاني فيّما فيه شفائي، أتاني رجلان: فقعد أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي، فقال أحدهما للآخر: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوبٌ، قال: ومن طبه؟ قال لبيد بن الأعصم، قال: في ماذا؟ قال: في مشطٍ ومشاقةٍ، وجف طلعةٍ ذکرٍ، قال فأین (٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢/ ٤٤. (٤) المصدر السابق ٤٦/٢. (٥) سيأتي ذكر الحديث. (٦) بدائع الفوائد، ابن القيم ٢٢٧/٢. www. modoee.com ٣٣٧ حرفالنون هو؟ قال: في بئر ذروان) فخرج إليها النبي صلى الله عليه وسلم، ثم رجع فقال لعائشة حین رجع: (نخلها كأنه رؤوس الشياطين). فقلت: استخرجته؟ فقال: (لا، أما أنا فقد شفاني الله، وخشيت أن يثير ذلك على الناس شرًّا) ثم دفنت البتر)(١). فها هنا يظهر كيف أن الله عصم نبيه من تسلط السحرة عليه، وكيف أن السحر الذي أصيب به صلی الله عليه وسلم إنما كان متسلطًا على جسده وظواهر جوارحه فقط، لا على عقله وقلبه واعتقاده، فمعاناته من آثاره كمعاناته من آثار أي مرض من الأمراض التي يتعرض لها الجسم البشري لأي سبب كان، وقد سبق أن عصمة الرسول صلی الله عليه وسلم لا تستلزم سلامته من الأمراض والأعراض البشرية المختلفة. قال القاضي عياض: «وأما ما ورد من أنه کان یخیل إلیه أنه فعل الشيء ولا یفعله، فليس في هذا ما يدخل عليه داخلة في شيء من تبليغه أو شريعته، أو يقدح في صدقه؛ لقيام الدليل والإجماع على عصمته من هذا(٢). وإنما هذا فيما يجوز طروؤه عليه في (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده، ١٢٢/٤، رقم ٣٢٦٨. (٢) أي: مما يدخل أي داخلة نقص في تبليغ الشريعة. أمر دنياه التي لم يبعث بسببها، ولا فضل من أجلها، وهو فيها عرضة للآفات كسائر البشر، فغیر بعید أن یخیل إلیه من أمورها ما لا حقيقة له، ثم ینجلي عنه كما كان»(٣). للأنبياء لا يتعارض ووقوع السحر أبدًا مع حماية الله لهم «فإنه سبحانه كما يحميهم ويصونهم ويحفظهم ويتولاهم، فيبتليهم بما شاء من أذى الكفار لهم ليستوجبوا کمال كرامته، وليتسلى بهم من بعدهم من أممهم وخلفائهم إذا أوذوا من الناس، فرأوا ما جرى على الرسل والأنبياء، صبروا ورضوا، وتأسوا بهم، ولتمتلئ صاع الكفار، فيستوجبون ما أعد لهم من النكال العاجل، والعقوبة الآجلة، فيمحقهم بسبب بغيهم وعدوانهم، فيعجل تطهير الأرض منهم، فهذا من بعض حكمته تعالى في ابتلاء أنبيائه ورسله بإيذاء قومهم، وله الحكمة البالغة، والنعمة السابغة لا إله غيره، ولا رب سواه)»(٤). وهكذا يظهر لنا عصمة الله لرسله وحمايته لهم من تسلط الناس والسحرة علیهم. ٥. العصمة من الذنوب. الذنوب منها صغائر وكبائر، وفيما يلي عرض لعصمة الأنبياء في كل منهما: (٣) الشفاء القاضي عياض ٢/ ٤١٢. (٤) بدائع الفوائد، ابن القيم ٢٢٦/٢. ٣٣٨ جَوَبُوعـ القرآن الكريمِ النبوة أولا: العصمة من الكبائر: الرسل معصومون من الكبائر باتفاق(١). ثانيًا: العصمة من الصغائر: ذهب أکثر علماء الإسلام إلى أن الأنبياء ليسوا معصومين من الصغائر. يقول ابن تيمية: ((القول بأن الأنبياء معصومون من الكبائر دون الصغائر هو قول أکثر علماء الإسلام، وجميع الطوائف، حتى إنه قول أکثر أهل الكلام، کما ذکر أبو الحسن الآمدي أن هذا قول أكثر الأشعرية، وهو أيضًا قول أكثر أهل التفسير والحديث والفقهاء، بل لم ينقل عن السلف والأئمة والصحابة والتابعين وتابعيهم إلا ما يوافق هذا القول))(٢). وللعلماء عدد كبير من الأدلة على ذلك منها ما يلي: معصية آدم بأكله من الشجرة التي نهي عنها. وهذه معصية لآدم عليه السلام صرح بها القرآن، فقال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَتَبِكَةِ أُسْجُدُواْ لِأَدَمَ فَسَجَدُوّا إِلَّ إِبْلِسَ أَبَ () فَقُلْنَا يََّادَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُاَ مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَ إِنَّ لَكَ أَلَّا تَّجُعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَؤُأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (٧) فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ (١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٠٨/١. (٢) مجموع فتاوى ابن تيمية ٣١٩/٤. الشَّيْطَانُ قَالَ يَتْعَادَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ اْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى ﴿ فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَمُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ اَلْجَنَّةِ وَعَصَىَ ءَادَمُ رَبَّهُ، فَعْوى﴾ [طه: ١١٦ - ١٢١]. فقوله تعالى: ﴿وَعَصَىّ ءَادَمُ رَبَُّ، فَغَوَى﴾ يوضح «تعمد آدم مخالفة نهي الله تعالى إياه عن الأكل من تلك الشجرة))(٣). تسرع داود عليه السلام في الحكم. أخبر القرآن عن أن داود عليه السلام أتاه خصمان، ولكنه تسرع في الحكم قبل سماع حجة الخصم الآخر، فسارع إلى التوبة والاستغفار ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَئِكَ إِلَى نِعَاجِهِ، وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَِّ لَبْغِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَقَلِلٌ مَّاهُمّ وَظَنَّ دَاوُرِدُ أَنَّمَا فَنَّهُ فَأَسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِمَا وَأَنَابَ ﴾ ٤ فَفَفَرْنَا لَهُ, ذَلِكٌ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَشَابٍ﴾ [ص ٢٤ -٢٥]. * خروج يونس عليه السلام من قومه بدون إذن ربه. وهذا مما حدثنا القرآن عنه، فقال: ذًا التُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَضِبًا فَظَنَّ أَنْ أَنْ نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: ٨٧]. أي: أنه ظن «أن الله لن يضيق عليه ويؤاخذه بهذه المخالفة»(٤). (٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٢٧/١٦. (٤) التفسير الميسر ص٣٢٩. www. modoee.com ٣٣٩ حرف النون مأذون له فیه من الله»(١). وكذلك ذكر القرآن عتاب الرب جل جلاله لمحمد عليه الصلاة السلام في أمور، كقوله تعالى: ﴿يَأَتُهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحُرِّمُ مَآ أَصَلَّ اللّهُ لَكٌّ [التحريم: تَبْتَغِى مَرْضَاتَ أَزْوَجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ١]. وقوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَ ) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى )) وَمَايُدْرِبِكَ لَعَلَّهُ يَزَّكْ﴾ [عبس: ١ -٣]. وهکذا یظهر لنا جواز وقوع الصغائر من الأنبياء والرسل، وهذا لا شك لا يزري أبدًا بمناصبهم، ولا يحط من أقدارهم، ولا يقدح في رتبتهم، فهم لا يصرون على معصية، ويبادرون إلى التوبة والاستغفار، وهم بعد التوبة أكمل منهم قبلها. ٦. العصمة من الآفات والأمراض المنفرة. وهذه من خصائص الرسل الكرام، فإنه لا يمكن أن تصيبهم الأمراض والآفات التي تجعل الناس ينفرون من مجالستهم والاجتماع بهم، فهم وإن كانوا بشرًا («تصيبهم العوارض التي تصيب البشر إلا أن الله عز وجل قد صانهم من العيوب المنفرة، وسلمهم من الأمراض الشائنة التي تجعل النفوس تنفر منهم))(٢). وذلك لأن وظيفة الرسل تقوم على (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٣١/١٧. (٢) النبوة والأنبياء، الصابوني ص٥٠. وهذا يقتضي أنه ((خرج خروجًا غير الاختلاط بالناس وملاقاتهم؛ ولذا كانوا على أكمل الصور وأحسنها، وقد وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم موسى عليه السلام بقوله: (ليلة أسري بي رأيت موسى وإذا هو رجلٌ ضربٌّ رجلٌ (٣)، كأنه من رجال شنوءة)(٤)(٥)، وكذلك وصف عيسى عليه السلام بأنه (رجلٌ ربعةٌ (٦) أحمر، كأنما خرج من ديماسٍ)(٧) (٨). وقد جاء وصف الرسول صلى الله عليه وسلم في كتب السنة والسيرة فلم يرد فيها شيء مما ينفر، فقد کان سوي الخلقة، حسن الصورة، بأكمل ما يكون (٩). (٣) أي: لم يكن شديد الجعودة ولا شديد السبوطة، بل بينهما. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير ٢/ ٢٠٣. (٤) قبيلةً من اليمن. انظر: لسان العرب ابن منظور ١/ ١٠٢. (٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: (وهل أتاك حديث موسى)، ١٥٢/٤، رقم ٣٣٩٤ ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السماوات، وفرض الصلوات، ١٥١/١، رقم ١٦٥. (٦) بين الطويل والقصير. انظر: النهاية، ابن الأثير ٢ / ١٩٠. (٧) أي: كأنما خرج من حمام. (٨) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: (وهل أتاك حديث موسى)، ١٥٢/٤، رقم ٣٣٩٤. (٩) انظر: وصف سيدنا أنس له في البخاري في كتاب المناقب، باب صفة النبي صلى الله ٣٤٠ البيـ جوبيـ القرآن الكريم النبوة وقد أخبر القرآن أن النسوة لما رأين يوسف عليه السلام قلن: ﴿حَشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكُ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١]. ومن هذا يظهر أن ما يذكر عن الرسل عليهم السلام أو ما ينسب إليهم من عيوب إنما هو كذب مفترى؛ لذلك أنكر الله جل جلاله على الذين آذوا موسى عليه السلام، ونسبوا إليه بعض العيوب. قال تعالى: ﴿يَأَيُهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَكُونُواْ كَذِينَ ءَاذَوْا مُوسَى فَبَرََّهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُواْ وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَحِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩]. وهذه الأذية المشار إليها ((هي قول بني إسرائيل لموسى لما رأوا شدة حيائه، وتستره عنهم: إنه ما يمنعه من ذلك إلا أنه آدر)» أي: كبير الخصيتين، واشتهر ذلك عندهم، فأراد الله أن يبرئه منهم، فاغتسل يومًا، ووضع ثوبه على حجر، ففر الحجر بثوبه، فأهوى موسى عليه السلام في طلبه، فمر به على مجالس بني إسرائيل، فرأوه أحسن خلق الله، فزال عنه ما رموه به))(١) (٢). وبذلك يظهر كيف أن «الأنبياء في خلقهم وخلقهم على غاية الكمال))(٣). عليه وسلم، ٤ /١٨٧، رقم ٣٥٤٧. (١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٦٧٣. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الغسل، باب من اغتسل عريانًا وحده في الخلوة، ومن تستر فالتستر أفضل، ٦٤/١، رقم ٢٧٨. (٣) فتح ٤٣٨/٦. حجر ابن الباري، وكون الأنبياء على غاية الكمال في خلقتهم فهذا لا يمنع أبدًا من أنهم يمرضون ويصحون، ويشعرون بما يشعر به البشر من أوجاع عارضة كالصداع والحمى. فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يوعك، فوضعت يدي عليه فوجدت حره بين يدي فوق اللحاف، فقلت: يا رسول الله ما أشدها عليك! قال: (إنا كذلك يضعف لنا البلاء، ويضعف لنا الأجر) قلت: يا رسول الله أي الناس أشد بلاءً؟ قال: (الأنبياء) قلت: يا رسول الله ثم من؟ قال: (ثم الصالحون، إن كان أحدهم ليبتلى بالفقر حتى ما يجد أحدهم إلا العباءة یحوبها، وإن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء)(٤). وهكذا یظهر لنا کیف أن الأنبياء مبرؤون ومعصومون من الأمراض المنفرة، وهذا لا یمنع تعرضهم للأمراض و «لکن بمرض غیر منفر)» (٥). خامسًا: الذكورة: الذكورة من شروط الأنبياء والمرسلين، فلا يكون النبي إلا رجلًا، وقد أشار القرآن (٤) أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الفتن، باب الصبر على البلاء، ١٣٣٤/٢، رقم ٤٠٢٤. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ١/ ٢٧٥. (٥) تفسير الشعراوي ١٥/ ٩٦١٦. www. modoee.com ٣٤١ حرف النون إلى هذا في غير ما موضع. قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِيّ إِلَيْهِمَّ فَتْشَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْلَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]. وقال أيضًا: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِىّ إِلَيْهِم﴾ [يوسف: ١٠٩]. ففي هذه الآية ((پخبر تعالی أنه إنما أرسل رسله من الرجال لا من النساء، وهذا قول جمهور العلماء، كما دل عليه سياق هذه الآية الكريمة أن الله تعالى لم يوح إلى امرأة من بنات بني آدم وحي تشريع»(١). وهذا يدل على أن الذكورة شرط للرسالة. قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِىّ إِلَيْهِمْ فَسْتَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُتُمْلَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧]. فقوله: ﴿إِلَّا رِجَالًا﴾ يقتضي ((أن ليس في النساء رسلًا، وهذا مجمع عليه))(٢). الحكمة من کون النبوة في الذکور: أنیکون کون الرسل ذکورًا فهذا لأسباب له حکم کثيرة، منها: ١. الرسالة كثيرة الأعباء والمهمات، وتقتضي مقابلة الناس في مختلف الأوقات، والتنقل في أماكن عدة، ومجادلة أهل العناد والتكذيب، وكذا (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٢٢/٤. (٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٨/١٧. إعداد الجيوش وقيادة الجند، و کل هذا يناسب الرجال دون النساء. ٢. المرأة يطرأ عليها ما يقطعها، ويعطلها عن كثير من الوظائف والمهمات، كالحيض والحمل والولادة والنفاس، وكل هذا لا شك يمنع من القيام بأعباء الرسالة على الوجه الأكمل، والنحو الأمثل. وقد ذهب بعض العلماء إلى نبوة بعض النساء ومن هؤلاء أبو الحسن الأشعري، والقرطبي، وابن حزم(٣). وقد رد جماهير العلماء هذه الأدلة بعدد من الوجوه، منها: القول بنبوة كل من خاطبته الملائكة غیر مسلم، ففي الحديث أن الله أرسل ملگا لرجل يزور أخّا له في الله في قرية أخری، فسأله عن سبب زيارته له، فلما أخبره أنه يحبه في الله، أعلمه أن الله قد بعثه إليه ليخبره أنه يحبه(٤)، وقصة الأقرع والأبرص والأعمى معروفة (٥). الرسول صلى الله عليه وسلم توقف (٣) انظر: لوامع الأنوار البهية، السفاريني ٢٦٦/٢، فتح الباري، ابن حجر ٦/ ٤٤٧. (٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب فضل الحب في الله، ١٩٨٨/٤، رقم ٢٥٦٧. (٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب ما ذكر عن بني إسرائيل، ١٧١/٤، رقم ٣٤٦٤. ٣٤٢ جَوَسُوعَةُ النَّفْسِير لِلْقُرآن الكَرِيمِ النبوة في نبوة ذي القرنين مع إخبار القرآن بأن الله أوحى إليه ﴿قُلْنَا يَذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّآ أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَنْ نَتَّخِذَ فِهِمْ حُسْنًا﴾ [الكهف: ٨٦] (١). اصطفاء الله لمريم لا يقطع بنبوتها، فالله قد صرح بأنه اصطفى غير الأنبياء: ثُمَّ أَوْرَقْنَا الْكِنَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، وَمِنْهُم مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣٢] وكذلك اصطفى الله آل إبراهيم وآل عمران على العالمين ﴿إِنَّ اللّهَ اصْطَفَ عَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَلَمِينَ﴾ [آل عمران: ٣٣] ومن آلهما من لیس بنبي جزمًا. الكمال الوارد في الحديث الذي احتجوا به لا يلزم منه النبوة؛ لأنه يطلق لتمام الشيء، وتناهيه في بابه، فالمراد بلوغ النساء الكاملات النهاية في جميع الفضائل التي للنساء، وعلى ذلك فالكمال هنا غیر کمال الأنبياء وقد ورد في بعض الأحاديث النص على أن خديجة من الكاملات(٢) وهذا يبين أن (١) أخرجه الحاكم في المستدرك، ٩٢/١، رقم ١٠٤. وصححه الألباني في صحيح الجامع ٢/ ٩٦٩. (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، باب فضائل خديجة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها، الكمال هنا ليس كمال النبوة. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فاطمة سيدة نساء أهل الجنة إلا ما كان من مريم بنت عمران)(٣)، فكون السيدة فاطمة كذلك، يبطل القول بنبوة من عدا مريم كأم موسى وآسية؛ لأن فاطمة ليست بنبية جزمًا، وقد نص الحديث على أنها أفضل من غيرها، فلو كانت أم موسى وآسية نبيتين لكانتا أفضل من فاطمة. وصف مريم بأنها صديقة في مقام الثناء عليها والإخبار بفضلها. قال تعالى: ﴿مَّا الْمَسِيحُ أَبْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأَتُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: ٧٥]. فلو كان هنا وصف أعلى من ذلك لوصفها به، ولم يأت في نص قرآني ولا في حديث نبوي صحيح فيه إخبار بنبوة واحدة من النساء (٤). وقد نقل عن جمهور الفقهاء أن مريم ٤ /١٨٨٦، رقم ٢٤٣٠ ولفظه: (خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد). قال: أبو كريب، وأشار وكيع إلى السماء والأرض. (٣) أخرجه أحمد في مسنده، ٢٧٩/١٨، رقم ١١٧٥٦. وصححه الألباني في صحيح الجامع، ٧٧١/٢، رقم ٤١٩٠. (٤) انظر: الرسل والرسالات، عمر الأشقر ص٨٧. www. modoee.com ٣٤٣ حرفالنون ليست بنبية، وذكر النووي في (الأذكار)(١) عن إمام الحرمين أنه نقل الإجماع على أن مريم ليست نبية، وجاء عن الحسن البصري: ليس في النساء نبية ولا في الجن(٢). وهكذا يظهر أن الذكورة شرط لتحمل الرسالة، وأن الرسل ما كانوا إلا ذكورًا. (١) الأذكار، النووي ص ١١٩. (٢) انظر: فتح الباري، ابن حجر ٦/ ٤٧١. مهمات النبوة للنبوة مهمات عظيمة نتناولها في النقاط الآتية: أولًا: الدعوة إلى التوحيد: من أعظم مهمات الأنبياء التي كلفهم الله بها الدعوة إلى توحيد الله، وإفراده بالعبادة. قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيّ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَآ إِلَإِلَّآ أَنَاْ فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: ٢٥]. أي: فكل الرسل الذين من قبلك مع كتبهم، زبدة رسالتهم وأصلها، الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، وبیان أنه الإله الحق المعبود، وأن عبادة ما سواه باطلة(٣). فهذه الآية دالة على إجماع الرسل عليهم الصلاة والسلام على الدعوة إلى التوحيد، وأنهم أرسلوا به جميعًا، فهو مهمة جميع الرسل من نوح عليه السلام إلى رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، فكل واحد من الأنبياء والرسل عليهم السلام جاء يقول لقومه: ﴿أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩]. فهذه هي الغاية التي بعث الأنبياء والرسل من أجلها، والشرائع كلها تدعو إلى هذه الغاية العظيمة، وهي أعظم غاية من أجلها خلق الخلق، وأوجدت الكائنات؛ (٣) تيسير الكريم الرحمن ص٥٢١. ٣٤٤ فَضْو ـَالنَّسَبـ جوية القرآن الكريمِ