النص المفهرس

صفحات 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
النَّوَّة
عناصر الموضوع
مفهوم النبوة
٣٠٦
النبوة في الاستعمال القرآني:
٣٠٧
الألفاظ ذات الصلة
٣٠٨
٣١٠
وجوب الإيمان بالأنبياء
٣٢٦
شروط النبوة
٣٤٤
مهمات النبوة
٣٥٦
سنة الله في النبوة
المُجَلَدَ الثَّانِى وَالثَّلاثُنْ

حرف النون
مفهوم النبوة
أولًا: المعنى اللغوي:
الأصل في كلمة النبوة أنها مأخوذة من مادة (نبأ)، والنون والباء والهمزة قياسه الإتيان
من مكان إلى مكان، يقال للذي ينبأ من أرض إلى أرض نابئ؛ لأنه يأتي من مكان إلى مكان،
والفعل نبأته، وأنبأته، واستنبأته، والنبي: الذي يأتي بالأنباء عن الله عز وجل (١)، فأخباره هي
ما أمره الله أن يخبرنا بها؛ فهي تأتينا من فوق العرش. والجمع: الأنبياء، والنبيون.
وقيل: إنها مشتقة من النبوة والنباوة، وهي الارتفاع، أي: إنه أشرف على سائر الخلق،
وأنه مفضل على سائر الناس برفع منزلته (٢)، والنبيء: الطريق الواضح (٣).
وقيل: من النبأ: الخبر، والمنبئ: المخبر، ومنه قراءة نافع: (النبيئين) و(الأنبثاء)
و(النبيئون) (٤)، ومفردها النبيء على وزن فعيل بمعنى فاعل للمبالغة؛ لأنه أنبأ عن الله
تعالى، أي: أخبر، ويجوز فيه تحقيق الهمز وتخفيفه، والاسم منها النبوءة، التي هي الإخبار
عن الله جل جلاله (٥).
وهذه المعاني الثلاثة تجتمع في النبي، يقول الإمام الخطابي رحمه الله: ((وإنما سمي
الأنبياء؛ لأنهم قد ارتفعت منزلتهم، واستعلت درجتهم على سائر الخلق، والنبي: الطريق،
وسمي رسل الله أنبياء لأنهم الطرق إلى الله)) (٦).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
النبي في الاصطلاح: «من أوحي إليه وحیًا خاصًّا من الله بتکلیم الله جل جلاله له، أو
بتوسط ملك، أو بإلهام في قلبه، أو بالرؤيا الصالحة، وقد ختمت النبوة، وانقطع الوحي
بخاتم الأنبياء محمد صلی الله عليه وسلم)»(٧).
(١) انظر: العين، الفراهيدي ٣٨٢/٨.
(٢) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٥/ ٣٨٥، لسان العرب، ابن منظور ١٦٣/١.
(٣) انظر: لسان العرب ١٦٤/١.
(٤) انظر: مجمل اللغة، ابن فارس ص ٨٥٣، معاني القراءات، الأزهري ١٥٣/١.
(٥) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير ٥/ ٣، القاموس المحيط، الفيروز آبادي ص٥٣،
القاموس الفقهي، سعدي أبو جیب ص٣٤٥.
(٦) غريب الحديث، الخطابي ١٩٣/٣.
(٧) معجم لغة الفقهاء ص ٤٧٤.
٣٠٦
جوبيبو
القرآن الكريم

النبوة
النبوة في الاستعمال القرآني:
وردت مادة (نبأ) في القرآن الكريم (١٦٠) مرة، يخص موضوع البحث منها (٨٠)
ة(١).
مرةُ
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
المصدر
٥
﴿وَجَعَلْنَا فِ ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَبَ﴾ [العنكبوت: ٢٧]
الأسماء
٧٥
إِنَّاللَّهَ وَمَلَ كَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦]
وجاءت النبوة في القرآن بمعنى: السفارة بين الله والخلق؛ لإزاحة عللهم في أمر معادهم
ومعاشهم، وهي إما من الفعل (نبا)، وهو: ما ارتفع من الأرض؛ لأن النبوة شرف على سائر
الخلق، فهو على هذا المعنى فعيل بمعنى مفعول. أو من الفعل (نبأ) و (نبّأ) و (أنبأ) بالهمز،
من الإخبار،؛لأنه مُنَّأُ ومُخْبِرُ من الله، فهو على هذا المعنى فعيل بمعنى مفعول أيضًا، أو لأنه
منبئٌّ ومخبر عن الله، فهو على هذا المعنى فعيل بمعنى فاعل(٢).
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٦٨٥- ٦٨٧، المعجم
المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، باب النون ص١٣٠٣ - ١٣٠٦.
(٢) انظر: عمدة الحفاظ، السمين الحلبي، ١٣٤/٤-١٣٦، بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي، ١٤/٥ -
١٥، المفردات، الراغب الأصفهاني، ص ٧٨٨-٧٨٩، مختار الصحاح، الرازي، ص٣٠٣.
www. modoee.com
٣٠٧

حرفالنون
الألفاظ ذات الصلة
الوحي:
١
الوحي لغة:
إلقاء علم من طرف لآخر في خفاء (١).
الوحي اصطلاحًا:
المعنى المبثوث إلى من أريد به في خفاء، لتنفيذه بحسب ما يقتضيه المعنى.
الفرق بين النبوة والوحي:
النبوة هي درجة يكرم الله بها من شاء من عباده، ولا تكون إلا بالوحي بمعناه الأخص،
وهي أن يرسل الله للنبي بالرسول الملكي، وهو جبريل عليه السلام، وقد ختمت النبوة
بمبعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم، إلا ما يكون من مبعث عيسى عليه السلام في آخر
الزمان، أما الوحي فقد بقيت صورة من صوره وهي الرؤيا الصالحة.
الرسالة:
٢
الرسالة لغة:
العبارات المؤلفة، والمعاني المدونة، المبعوثة من شخص لآخر بواسطة ناقل (٢).
الرسالة اصطلاحًا:
هي الشريعة التي يبعث الله بها من شاء من عباده إلى قومه أو الناس كافة، وهي متضمنة
لأحکام یکلف الله بها عباده، وأخبار وجب عليهم تصديقها.
الفرق بين النبوة والرسالة:
النبوة هي وحي من الله تبارك وتعالى لعبد من عباده في أمة كان الله قد بعث فيها رسولًا
بشريعة، وبعث هذا النبي لتجديد هذه الشريعة، أما الرسالة فهي وحي من الله جل جلاله
لعبد من عباده بشرع جديد، يتضمن أحكامًا مغايرة لمن سبقه من الرسل، وهذه الأحكام في
باب الأوامر والنواهي، وليس في باب العقائد والأخبار، وبذلك تكون الرسالة رتبة أعلى من
النبوة؛ فکل رسول نبي وليس كل نبي رسولًا.
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٦/ ٩٣.
(٢) الكليات، الكفوي ص٤٧٦.
٣٠٨
جَوَنُور
القرآن الكريمِ

النبوة
الصديقية:
٣
الصديقية لغة:
التصديق بكل أمر أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه، لا يتخالج قلب الصديق
شكٌّ في شيء منه.
الصدیقیة اصطلاحًا:
وصف يطلق على من يأتي بعد الأنبياء في قوة الإيمان، وحسن الطاعة (١).
الفرق بين النبوة والصديقية:
النبوة هي أعلى درجات الكمال البشري، ويأتي بعدها في الرتبة درجة الصديقية؛ وهي
درجة من أعلى درجات الولاية، وأدنى درجات النبوة (٢)، ولا واسطة بينها وبين النبوة، فمن
جاوزها وقع في النبوة بفضل الله تعالى في الزمان الأول، وذلك أن الصديق يؤمن بما جاء
به الرسول دون أن يطلب على ذلك برهان؛ بل يقبله بما أكرمه الله به من صحيح الفطرة
وسلامتها من الانحراف، فيصدقه ويناصره، فيكون الواسطة في الأخبار بين الله وبين النبي
الوحي، بينما الصديق واسطته في ذلك النبي، ويطلق على الصديق أيضًا الحواري.
الولاية:
٤
الولاية لغة:
النصرة والمحبة (٣).
الولاية اصطلاحًا:
درجة وكرامة من الله جل جلاله ينالها العبد بسبب إيمانه بالله، وتقربه له، وطاعته إياه.
الفرق بين النبوة والولاية:
الولاية صفة عامة لكل من آمن بالله وأطاعه واتقاه، وهي درجات أعلاها النبوة، ويأتي
بعد النبوة في الرتبة الصديقية كما سبق بيانه، ولكن بينها جميعًا عموم وخصوص، وعلى
ذلك تكون كالإسلام مع الإيمان؛ إذا اجتمعت اختلفت، وإذا افترقت اتفقت، وتكون الولاية
بذلك رتبة ثالثة بعد الصديقية (٤).
(١) انظر: الكليات ص ٥٥٧.
(٢) انظر: المصدر السابق.
(٣) انظر: المغرب في ترتيب المعرب، الخوارزمي ص٤٩٦.
(٤) انظر: الكليات، الكفوي ص٥٥٧.
www. modoee.com
٣٠٩

حرفالنون
وجوب الإيمان بالأنبياء
الإيمان بالأنبياء أصل عظيم من أصول
الإسلام، ولا يصح للعبد إيمان ولا تتحقق
له نجاة حتی یؤمن بأنبياء الله ورسله جمیعًا،
ولا يفرق بين أحد منهم في أصل الإيمان
بأنهم جميعًا من عند الله، وأنهم سفراء الله
إلى خلقه، وحملة رسالاته إليهم، وأنهم
جاؤوا بالهدى والحق المبين الذي من حاد
عنه فقد ضل، ومن التزم به هدي إلى صراط
مستقيم، وأنهم قد بلغوا هذا الحق إلى الناس
على الوجه الأكمل كما أمرهم الله.
والواجب على العبد المسلم أن يؤمن
بالأنبياء والمرسلين جملة وتفصيلاً، فيؤمن
إجمالًا بکل نبي أو رسول من عند الله جل
جلاله، وإن كان لا يعرف أسماء بعضهم أو
صفاتهم، أو ما كان بينهم وبين أقوامهم.
ويؤمن تفصيلا بمن سمى الله في كتابه
منهم، على النحو الذي أخبر الله به عنهم.
أولًا: الأنبياء الذين ذكروا بأسمائهم:
والأنبياء الذين سمى الله لنا أسماءهم
في كتابه خمسة وعشرون نبيًّا، وهم:
إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، ونوح،
وداود، وسليمان، وأيوب، ويوسف،
وموسى، وهارون، وزكريا، ويحيي،
وعيسى، وإلياس، وإسماعيل، واليسع،
ويونس، ولوط، وآدم، وهود، وصالح،
وشعيب، وإدريس، وذو الكفل، ومحمد
صلوات الله عليهم أجمعين.
وقد ذكر من هؤلاء الأنبياء ثمانية عشر
نبيًّا في موضع واحد، وهم المذكورون في
قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَاْ ءَاتَّيْنَهَا إِبْرَاهِيمَ
عَلَى قَوْمِهَ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمُ
عَلِيمٌ ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ: إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ"
كُلَّا هَدَيْنَأْ وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُّ وَمِنْ
ذُرِّيَّتِهِ، دَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ وَأَيُّوَبَ وَيُوسُفَ
وَمُوسَى وَهَرُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ
وَذَكَرِيَا وَيَحْبِى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَّ كُلٌّ مِّنَ
٨٤
الصَّلِحِينَ
وَإِسْمَعِيلَ وَالْبَسَعَ وَيُونُسَ
٨٥
وَلُوطَأْ وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَلَمِينَ﴾ [الأنعام:
٨٣ - ٨٦].
وذكر السبعة الباقين وهم آدم، وهود،
وصالح، وشعيب، وإدريس، وذو الكفل،
ومحمد عليهم صلوات الله أجمعين في
مواضع متفرقة من كتابه:
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَ ءَادَمَ﴾ [آل
عمران: ٣٣].
وقال: ﴿وَ إِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [هود:
٥٠].
﴿وَإِلَى تَمُودَ أَخَاهُمْ صَلِحًا﴾ [هود: ٦١].
وقال: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [هود:
٨٤].
﴿وَإِدْرِيِسَ وَذَا الْكِفْلِّ كُلُّ مِنَ
الصَّبِرِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٥].
٣١٠
جَوَسُوع
القرآن الكريمِ

النبوة
﴿مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ﴾ [الفتح: ٢٩].
وهؤلاء الأنبياء والمرسلون المذكورون
بأسمائهم في کتاب الله «علینا أن نؤمن بهم
تفصيلًا كما أخبرنا الله عنهم.
وأما من عدا هؤلاء من الرسل والأنبياء
فنؤمن بهم إجمالًا على معنى الاعتقاد
بنبوتهم ورسالتهم، دون أن نكلف أنفسنا
البحث عن عدتهم وأسمائهم، فإن ذلك
مما اختص الله بعلمه؛ قال تعالى: ﴿ وَرُسُلًا
قَدّ قَصَصْنَهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ
نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٤]))(١).
ثانيًا: من اختلف في نبوتهم:
الأنبياء السالف ذكرهم أثبت الله عز
وجل لهم النبوة في كتابه، وهناك من اختلف
العلماء في نبوتهم، هل هم من الأنبياء أم من
الصالحين؟ ومنهم:
١. الخضر.
اختلف العلماء في الخضر هل هو نبي،
أم ولي، أم ملك؟
قال القرطبي رحمه الله: ((الخضر نبي
عند الجمهور. وقيل: هو عبد صالح غير
نبي. وقیل: کان ملگا أمر الله موسی أن یأخذ
عنه»(٢).
ومَرَدُّ اختلاف العلماء إلى دلالات
(١) شرح العقيدة الواسطية، محمد خليل هراس
٦٣/١-٦٤ بتصرف.
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٦/١١.
الآيات المذكورة في حديث موسى مع
الخضر في سورة الكهف، كقوله تعالى:
﴿ءَانَيْنَهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَهُ مِن لَّدُنَّا
عِلْمًا ﴾ [الكهف: ٦٥].
وكقوله تعالى في شأنه: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى
هَلْ أَتَِّعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشِدًا﴾
[الكهف: ٦٦].
وقوله تعالى حكاية عن الخضر:
مَا
فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِى﴾ [الكهف: ٨٢].
والراجح قول الجمهور: أنه كان نبيًّا،
والدليل عليه ما يلي:
أولًا: أن الآيات في سورة الكهف تشهد
بنبوته؛ لأن بواطن أفعاله لا تكون إلا بوحي
من الله.
ثانيًا: أن موسى عليه السلام تبعه ليتعلم
منه، والإنسان لا يتعلم ولا يتبع إلا من فوقه،
وليس ولا يجوز أن يكون فوق النبي من
لیس بنبي.
ثالثًا: يفهم من قوله تعالى: ﴿مَانَيْنَهُ
رَحْمَةٌ مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَهُ مِن لَُّنَا عِلْمًا﴾
[الكهف: ٦٥].
أن هذه الرحمة المذكورة هنا رحمة نبوة،
وأن هذا العلم اللدني علم وحي(٣).
٢. ذو القرنين.
(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١١/
١٦، المحرر الوجيز، ابن عطية ٥٢٩/٣،
تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٨٧/٥،
أضواء البيان، الشنقيطي ٣٢٢/٣.
www. modoee.com
٣١١

حرف النون
اختلف العلماء في ذي القرنين: منهم من
قال: کان عبدًا صالحًا. ومنهم من قال: كان
نبيًّا. ومنهم من قال: كان ملگًا من الملائكة.
قال تعالى: ﴿قُلْنَا يَذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّ أَنْ تُعَذِّبَ
وَإِمَّ أَنْ نَتَّخِذَفِهِمْ حُسْنَا﴾ [الكهف: ٨٦].
(يستدل بهذا من يزعم أنه كان نبيًا،
فإن الله خاطبه بالوحي، ومن قال: إنه لم
یکن نبيًّا أوله بالإلهام، ویحتمل أن یکون
الخطاب على لسان نبي غيره))(١).
وفي هذه الآية اختلف العلماء: هل
هذا الخطاب كان خطابًا من الله له أم كان
بواسطة نبي معه؟
فمن قال: کان خطابًا من الله له أثبت له
النبوة، ومن قال: كان بواسطة نبي معه نفى
عنه النبوة.
٣. تبع.
ورد ذكر تبع في القرآن الكريم.
قال تعالى: ﴿أَهُمّ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعِ وَلَّذِينَ
مِن قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِنَ﴾ [الدخان:
٣٧].
وقال: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَبُ الرَّسّ
وَثَمُودُ ١٧ ) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَنُ لُوطٍ ) وَأَصْحَبُ
ـْ وَقَوْمُ تُبَّعَّ كُلُّ كَذَّبَ الرُّسُلَ لَقَّ وَعِيدِ﴾ [ق:
١٢-١٤].
فهل كان نبيًّا مرسلًا إلى قومه فكذبوه
(١) فتح البيان، القنوجي ٨/ ١٠٩.
فأهلكهم الله؟ الله أعلم بذلك (٢).
٤. الأسباط.
فالأسباط: جمع سبط؛ قيل: إنهم أولاد
يعقوب، ومنهم يوسف. وقيل: هم الأنبياء
الذين بعثوا في أسباط بني إسرائيل الذين لم
یذکروا بأسمائهم، وقيل غير ذلك.
قال ابن حجر: «اختلف في نبوتهم، فقيل:
کانوا أنبياء. وقيل: لم یکن فیھم نبي، وإنما
المراد بالأسباط قبائل من بني إسرائيل، فقد
كان فيهم من الأنبياء عدد كثير))(٣).
وممن صرح بنفي نبوتهم القاضي عياض
حیث قال: «وأما قصة يوسف وإخوته فليس
على يوسف منها تعقب، وأما إخوته فلم
تثبت نبوتهم، فيلزم الكلام على أفعالهم،
وذكر الأسباط وعدهم في القرآن عند ذكر
الأنبياء قال المفسرون: ((يريد من نُّبِّىءَ من
أبناء الأسباط)) (٤).
وقد قال تعالى في شأنهم: ﴿قُولُواْ ءَامَنًا
بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَهِمَ وَإِسْمَعِيلَ
وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ ﴾ [البقرة: ١٣٦].
وقال: ﴿أَمْ نَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِمَ وَإِسْمَعِيلَ
وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُواْ هُودًا
أَوْ نَصَرَى﴾ [البقرة: ١٤٠].
ثالثًا: عدد الأنبياء والمرسلين وحكم
(٢) العقيدة في ضوء الكتاب والسنة، الرسل
والرسالات، عمر الأشقر ص٢١-٢٢.
(٣) فتح الباري، ابن حجر ٦/ ٤١٩.
(٤) الشفا بتعريف حقوق المصطفى ٢/ ٣٧٣.
٣١٢
العضوي
جَوَسُولَةُ النَّفِيَّة
الْقُرآن الكَرِيمِ

النبوة
من فرق بينهم:
اقتضت حكمة الله تعالى ألا يعذب أمة
إلا بعد إرسال الرسول لها مبلغًا ومنذرًا.
قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ
رَسُولًا ﴾ [الإسراء: ١٥].
وهذا يدلنا على كثرة الأنبياء والمرسلين
إلى الأمم، فكل أمة لها رسول من لدن آدم
عليه السلام إلى نبينا محمد صلى الله عليه
وسلم.
والله تعالى قال: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كما
أَوْحَيْنَا إِلَى نُوجِ وَالنَّبْنَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَوْحَيْنَاً
إِلَى إِبْرَهِيمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ
وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوُبَ وَيُونُسَ وَهَرُونَ
وَسُلَيْمَنَّ وَءَاتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًاً ® وَرُسُلًا
قَدْ قَصَصْنَهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلَا لَّمْ
نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَّ وَكَلَّمَ اَللَّهُ مُوسَى وَكَانَ﴾
[النساء: ١٦٣- ١٦٤].
١. عدد الأنبياء.
«عدد الأنبياء لا یحصی؛ إذ یزید عددهم
على ما جاء في بعض الآثار مائة وعشرين
ألفًا، أما الرسل فهم قلة، والذين ذكروا في
القرآن الكريم يجب الإيمان بهم تفصيلاً،
وهم خمسة وعشرون، وهم من الرسل،
وهم كالآتي:
آدم، نوح، إبراهیم، إسماعيل، إسحق،
يعقوب، داود، سليمان، أيوب، يوسف،
موسی، هارون، زکریا، يحيي، إدريس،
يونس، هود، شعيب، صالح، لوط، إلياس،
اليسع، ذو الكفل، عيسى، محمد -صلوات
الله عليهم أجمعين-))(١).
فهؤلاء هم المذكورون في القرآن الكريم
بأسمائهم.
وهناك أنبياء ومرسلون لا نعرف
أسماءهم، ولم یقص الله علينا من أخبارهم،
كما في قوله تعالى: ﴿ وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَهُمْ
عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصّهُمْ
عَلَيْكَ ﴾ [النساء: ١٦٤].
وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ
مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ
عَلَيْكَ ﴾ [غافر: ٧٨].
فليس في القرآن حصر لعدد الأنبياء
والمرسلين، لكن الواضح من القرآن أنهم
كانوا أعدادًا كبيرة، يدلنا على هذا قوله
تعالى: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّ خَلَا فِيَهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر:
٢٤].
وقوله جل جلاله: ﴿وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ
إِلَّالَهَا مُنذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨].
حيث تبين هاتان الآيتان أن كل الأمم
وكل القرى التي أخذها الله تعالی كان لها
منذرون من قبل الله جل جلاله، وهذا إن دل
فإنما يدل على أن عدد الأنبياء والمرسلين
کان غفیرًا.
(١) النبوة والأنبياء، للصابوني ١٣/١ - ١٤.
www. modoee.com
٣١٣

حرفالنون
ويؤيد هذا بعض الآثار التي جاءت عن ببعض.
النبي صلى الله عليه وسلم، ففي المعجم
الكبير أن أبا ذر رضي الله عنه سأل النبي
صلى الله عليه وسلم فقال: قلت: يا نبي
الله کم وفاء عدة الأنبياء؟ قال: (مائة ألفٍ
وأربعةٌ وعشرون ألفًا، الرسل من ذلك
ثلاثمائةٍ وخمسة عشر جمًّا غفيرًا)(١).
وأيا ما كان الأمر فإننا نقول: إن الواجب
على المسلم -کما مر معنا- أن يؤمن إجمالًا
بكل الأنبياء والمرسلين دون أن يفرق بين
أحد منهم، وأن يؤمن تفصيلًا بمن ذكر
الله منهم، ونص عليهم بأسمائهم في كتابه
الکریم.
٢. حكم من فرق بينهم.
دين الله واحد وإن اختلفت أحكام
الشرائع، وأنبياء الله إخوة، كما في الحديث
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: (والأنبياء إخوةٌ
لعلاتٍ، أمهاتهم شتى، ودينهم واحدٌ)(٢).
فالواجب علينا أن نؤمن بجميع الأنبياء؛
لأن جميعهم جاء بالإيمان بالله، ولا نفرق
بين أحد منهم، فلا نؤمن ببعض، ونكفر
(١) أخرجه الطبراني في الكبير ٢١٧/٨.
وصححه الألباني في مشكاة المصابيح
١٥٩٩/٣، رقم ٥٧٣٧.
(٢) أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء،
باب قول الله: (واذكر في الكتاب مريم)،
٤ /١٦٧، رقم ٣٤٤٣.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ
وَرُسُلِهِ، وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اَللَّهِ
وَرُسُلِهِ، وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ
بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا
أُوْ لَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ
١٥٠
عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ١٥٠ - ١٥١].
فهذه الآيات تدلنا على أن ((من كفر بنبي
واحد فقد كفر بالأنبياء كلهم، ولم ينفعه
إيمانه به»(٣)
(وأن الكفر برسل الله هو كفر بالله)) (٤).
وما ذلك إلا لأن الإيمان بالله (يقتضي
الاعتقاد بصحة كل ما جاء من عند الله،
وصدق كل الرسل الذين يبعثهم الله،
ووحدة الأصل الذي تقوم عليه رسالتهم،
وتتضمنه الكتب التي نزلت عليهم، ومن
ثم لا تقوم التفرقة بين الرسل في ضمير
المسلم»(٥).
وقد أكد الله كفرهم فقال: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ
ج
اَلْكَفِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء: ١٥١].
فتعريف جزأي الجملة، والإتيان بضمير
الفصل يفيد ((قصر صفة الكفر عليهم)) (٦).
وهذا يظهر شدة كفرهم؛ لئلا ((يتوهم أن
(٣) إغاثة اللهفان، ابن القيم ٣٤٨/٢.
(٤) التفسير القرآني للقرآن، الخطيب ٩٥٧/٣.
(٥) في ظلال القرآن، سيد قطب ٣٤٢/١.
(٦) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١١/٦.
٣١٤
جوية
القرآن الكريمِ

النبوة
مرتبتهم متوسطة بين الإيمان والكفر»(١).
ومما يؤكد كفر من فرق بين الرسل
قوله تعالى: ﴿قُولُوَاْ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا
وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَهِمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ
وَالْأَسْبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ
النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ
لَهُ, مُسْلِمُونَ )﴾[البقرة: ١٣٦].
فهاهنا تبین الآية أن المؤمنین دیدنهم هو
عدم التفريق بين الرسل أبدًا، وبالتالي فهي
تقطع بأن «من آمن برسول من رسل الله ولم
يؤمن بجميع الرسل فليس من المؤمنين،
ومن تمسَّكَ بكتاب وكفر بما سواه من كتب
الله فهو من الكافرين)»(٢)
وكذا جاء نفس الأمر في قوله: ﴿ءَامَنَ
الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَّ كُلُّ
ءَامَنَ بِلَّهِ وَمَلَيْكَئِهِ، وَكُبِهِ، وَرُسُلِهِ، لَا نُفَرِّقُ
بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُلِهِ، وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَاً
غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ اَلْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥].
وهكذا يظهر لنا أن من فرق بين رسل
الله عز وجل فآمن ببعضهم، وكفر بالبعض
الآخر فهو كافر قطعًا ((وهذا لا يمنع
المفاضلة بينهم؛ إذ المقصود عدم التفرقة
بين الأنبياء في الإيمان ببعضهم))(٣). أو إذا
كان ذلك على سبيل العصبية والاستنقاص.
(١) تيسير الكريم الرحمن ص٢١٢.
(٢) التفسير القرآني للقرآن، الخطيب ١٤٥/١.
(٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٧٣٩/١
بتصرف.
رابعًا: التفاضل بين الأنبياء:
لله تعالى أن يصطفي من يشاء من عباده،
والرسل عليهم أفضل الصلاة وأتم السلام
هم ممن اصطفاهم الله لحمل الرسالة،
وإبلاغ الهداية إلى الناس، فجعلهم سفراءه
إلى خلقه بالرحمة والهدى، وهؤلاء
الرسل-على علو مقامهم وشريف منزلتهم-
درجات عند الله في الفضل، بعضهم أفضل
من بعض.
يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبْعِنَ عَلَى
بَعْضٌٍّ وَءَاتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [الإسراء: ٥٥].
تِلْكَ الرَّسُلُ فَضَّلْنَا
وكذا قال تعالى:
بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضُ مِنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ
دَرَجَاتٍّ وَءَاتَيْنَا عِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ اَلْبَيْنَتِ
وَأَيَّدْنَهُ بِرُوجِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة: ٢٥٣].
ففي هذه الآية يخبر المولى جل جلاله أنه
((فضل بعض الرسل على بعض بما خصهم
من بين سائر الناس بإيحائه وإرسالهم إلى
الناس، ودعائهم الخلق إلى الله، ثم فضل
بعضهم على بعض بما أودع فيهم من
الأوصاف الحميدة، والأفعال السديدة،
والنفع العام)» (٤).
خامسًا: أولو العزم من الرسل هم
أفضل الرسل:
إذا كان الرب جل وعلا فضل بعض
(٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص١٠٩.
www. modoee.com
٣١٥

حرفالنون
الرسل على بعض، فإن أفضل الرسل هم الرسل))(٣).
أولو العزم.
قال تعالى لنبيه: ﴿فَأَصّبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُّواْ
اَلْعَزْمِ مِنَ الرّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥].
فـ((أولو العزم من المرسلين سادات
الخلق أولو العزائم والهمم العالية الذين
عظم صبرهم، وتم يقينهم، فهم أحق الخلق
بالأسوة بهم، والقفو لآثارهم، والاهتداء
بمنارهم»(١).
وقد اختلف العلماء في تعداد أولي
العزم على أقوال ((وأشهرها، أنهم: نوح،
وإبراهيم، وموسى، وعيسى، وخاتم الأنبياء
کلهم محمد صلی الله عليه وسلم))(٢).
وقد ذکرهم الله في كتابه في أکثر من
موضع، فقال جل جلاله: ﴿شَرَعَ لَكُم
وَعِيسَىَّ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِىّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ
وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَهِيَمَ وَمُوسَى وَعِيسَىّ أَنْ أَقِيمُواْ
الدِّينَ وَلَا تَنَفَرَّقُواْ فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣].
وقال أيضًا: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَِّيْنَ
مِشَقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ تُوجِ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَحِيسَى
أَبْنِ مَرْيَمَ ﴾ [الأحزاب: ٧].
وتخصيص الخمسة المذكورين في الآية
مع اندراجهم مع النبيين «للإيذان بمزيد
مزيتهم وفضلهم، وكونهم من مشاهير
أرباب الشرائع، وأساطين أولي العزم من
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٧٨٤.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧/ ٣٠٥.
أسباب التفضيل:
أسباب التفضيل بين الرسل وأسرار
تفاوت الرتب بينهم لا يعلمها إلا الله عز
وجل «غير أنها ترجع إلى ما جرى على
أيديهم من الخيرات المصلحة للبشر، ومن
نصر الحق، وما لقوه من الأذى في سبيل
ذلك، وما أيدوا به من الشرائع العظيمة
المتفاوتة في هدى البشر، وفي عموم ذلك
الهدى و دوامه»(٤).
كذلك يتعلق التفضيل ((بالفضائل
والخصائص الراجعة إلى ما مَنَّ به علیھم من
الأوصاف الممدوحة، والأخلاق المرضية،
والأعمال الصالحة، وكثرة الأتباع، ونزول
الكتب على بعضهم المشتملة على الأحكام
الشرعية، والعقائد المرضية)»(٥).
وقد ذكر الله في كتابه مزايا كثيرة لبعض
الأنبياء فيها إظهار لمزيد فضلهم، وعظيم
شرفهم، وفيما يلي عرض لهذه المزايا:
١. آدم عليه السلام.
هو أبو البشرية، وقد ذكر القرآن له عددًا
من الخصائص:
# أن الله خلقه بيديه وسواه ونفخ فيه من
روحه.
وهذه من الفضائل العظيمة التي خصَّ
(٣) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٧/ ٩٢.
(٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٦/٣.
(٥) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٦٠.
٣١٦
صَوَس ◌َبُ النَّفسيد
القرآن الكريمِ

النبوة
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَئِكَةِ إِ خَلِقٌ بَشَرًا
مِّن صَلْصَلٍ مِّنْ حٍَ مَسْئُونٍ ﴿ فَإِذَا سَوَيْتُهُ.
وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُواْ لَهُ، سَجِدِينَ﴾
[الحجر: ٢٨-٢٩].
وهنا يخبر المولى جل جلاله عن خلقه
المباشر لسيدنا آدم عليه السلام، وهذه
خصيصة عظيمة لآدم حيث خلقه الله بيديه
مباشرة، فلم يكن له أب ولا أم، وفي هذا
((إيماء إلى شرف آدم عليه السلام، وعظم
مكانته))(١).
تعلیم الله له.
وهذه من الخصائص العالية القدر التي
ذكرت لآدم عليه السلام، فهي تدل على
عظیم رعایة الرب له، وشريف عنایته به.
قال الله عز وجل: ﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ الْأَسْمَآءَ
كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَئِكَةِ فَقَالَ أَنَِّثُونِ
قَالُواْ
بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إن كُنتُمْ صَدِقِينَ )
سُبْحَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَاْ إِنَّكَ أَنْتَ
الْعَلِيمُ اْحَكِيمُ ﴾ قَالَ يَقَدَمُ أَنْبِتْهُمْ بِأَسْمَاءِهِمَّ
فَلَمَّا أَنْبَهُمْ بِأَسْمِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِّ أَعْلَمُ
غَيْبَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا نُبْدُونَ وَمَا
كُنتُمْ تَكْثُمُونَ﴾ [البقرة: ٣١-٣٣].
ففي هذه الآيات يظهر المولى جل وعلا
فضل آدم عليه السلام من جهة أن علمه
مستمد من تعلیم الله له، فإن إمداد الله له
(١) تفسير المراغي ٢١/١٤.
بها سيدنا آدم عليه السلام، فقد قال تعالى: بالعلم يدل على أنه محاط منه برعاية ضافية،
ثم إن العلم الذي يحصل عن طريق النظر
والفكر قد يعتريه الخلل، ويحوم حوله
الخطأ، فيقع صاحبه في الإفساد من حيث
إنه يريد الإصلاح، بخلاف العلم الذي
يتلقاه الإنسان من تعليم الله، فإنه علم مطابق
للواقع قطعًا، ولا يخشى من صاحبه أن یحید
عن سبيل الإصلاح (٢).
* سجود الملائكة له.
وهذا من المواقف العظيمة التي ذكرها
القرآن في غير ما موضع والتي تشي بعظيم
فضل آدم عليه السلام.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَئِكَةِ أَسْجُدُواْ
لِلَّدَمَ فَسَجَدُوْاْ إِلَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَأَسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ
اَلْكَفِينَ﴾ [البقرة: ٣٤].
وفي حديث الشفاعة الطويل: (فيقولون:
يا آدم أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ
فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا
لك)(٣).
فَأَمْرُ الملائكة بالسجود لآدم -لاشك-
يدل على مدى رفعة هذا النبى وعلو مقامه،
وفي هذا «كرامة عظيمة من الله تعالى لآدم
عليه السلام)) (٤).
(٢) التفسير الوسيط، طنطاوي ١ / ٩٦.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث
الأنبياء، باب قول الله تعالى: (ولقد أرسلنا
نوحًا إلى قومه)، ١٣٤/٤، رقم ٣٣٤٠.
(٤) محاسن التأويل، القاسمي ٢٨٩/١.
www. modoee.com
٣١٧

حرف النون
٢. نوح عليه عليه السلام.
هو من الرسل الكرام، بل هو من أولي
العزم الذين فضلهم الله على بقية الأنبياء
والرسل، وقد ورد ذكره في القرآن کثیرًا،
ومن المزايا التي ذكرها القرآن له أنه:
أول الرسل إلى أهل الأرض.
وهذه مرتبة رفيعة، ومزية جليلة اختص
وهذا من المزايا الرفيعة التي اختص بها بها سيدنا إبراهيم عليه السلام.
سيدنا نوح.
قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الذِّينِ مَا وَصَّى
بِهِ نُوحًا وَالَّذِىّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ»
إِبْرَهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَىٌّ أَنْ أَقِيمُواْ الدِّينَ وَلَا نَنَفَرَّقُواْ
فِيهٍ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا نَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ
اَللَّهُ يَجْتَّبِىّ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِىّ إِلَيْهِ مَن
[الشورى: ١٣].
يُنِيبُ
أول رسول أرسله الله إلى الناس»(١).
وفي حديث الشفاعة يأتي بعض الخلق
(فيقولون: یا نوح، أنت أول الرسل إلى أهل
الأرض)(٢).
فالرسل موكب كريم شريف القدر عالي
المقام، وأن يكون نوح عليه السلام هو
مفتتح هذا الركب الميمون، فهذا تشريف
کبیر له.
٣. إبراهيم عليه السلام.
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٥١/٢٥.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث
الأنبياء، باب قول الله تعالى: (ولقد أرسلنا
نوحًا إلى قومه)، ١٣٥/٤، رقم ٣٣٤٠.
إبراهيم عليه السلام من الأنبياء الكبار
أصحاب الفضل العظيم، والمقام الرفيع،
وقد حفل القرآن بكثير من مزاياه وخصائصه،
وفيما يلي عرض لأبرزها:
* النبي الإمام.
قال تعالى: ﴿وَإِذٍ أَبْتَلَّ إِبْرَهِعَمَ رَبُّهُ بِكَلِمَتٍ
فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِّ جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامّا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّقٌ
قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِى الَّلِمِينَ
[البقرة: ١٢٤].
وهاهنا يخبر الرب الجليل أنه ابتلى نبيه
إبراهيم ((ببعض الأوامر والنواهي، فأداها
خير الأداء، وأتى بها على وجه الكمال)) (٣).
فجعله الله إمامًا للناس ((يتخذونه قدوة،
فإنه بدأ بذكر نوح عليه السلام ((لأن نوحًا ويقودهم إلى الله، ويقدمهم إلى الخير،
ویکونون له تبعًا، وتكون له فيهم قيادة)»(٤).
وبذلك يحصل له الثناء الدائم، والتعظيم
المستمر، والأجر الذي لا ينقطع.
٤ النبي الخليل.
وهذه من الدرجات الرفيعة، ومن المزايا
الجليلة التي ذكرها القرآن لإبراهيم.
قال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَنْ
أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَأَتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَهِيمَ
حَنِيفًا وَأَتَّخَذَ اَللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء:
١٢٥].
(٣) تفسير المراغى ٢٠٩/١.
(٤) في ظلال القرآن، سيد قطب ١/ ١١٢.
٣١٨
الْقُرْآن الكَرِيمِ

النبوة
فالخلة «تتضمن کمال المحبة ونهايتها،
بحيث لا يبقى في القلب سعة لغیر محبوبه،
وهي منصب لا يقبل المشاركة بوجه ما))(١).
ولشریف هذا المنصب فإنه لم يختص به
إلا إبراهيم ومحمد -صلوات الله وسلامه
عليهما-، كما قال صلى الله عليه وسلم:
(إن الله تعالی قد اتخذني خليلًا، كما اتخذ
إبراهيم خليلًاً)(٢).
ومنزلة الخلة ھذہ ◌ُظهِرُ - ولا شك- ما
لإبراهیم عند الله من مكانة، فهي «منزلة علیا
من منازل القرب من الله، لا تكاد تدانيها
منزلة)» (٣)
جعل النبوة والکتاب في ذريته.
النبوة شرف ما بعده شرف، فالأنبياء
والرسل هم منارات الهدى للبشر، وأدلاء
الناس على طريق خالقهم، فأن يكونوا في
ذرية إبراهيم فـ«هذه خلعة سنية عظيمة))(٤).
تدل على علو قدره.
قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَالَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ
وَجَعَلْنَا فِى ذُرِيَّتِهِ النُّهُوَّةَ وَالْكِتَبَ وَءَاتَيْنَهُ
أَجْرَهُ فِ الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِ الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾
[العنكبوت: ٢٧].
(١) الداء والدواء، ابن القيم ص١٩٠.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساجد
ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء
المساجد، على القبور، ٣٧٧/١، رقم ٥٣٢.
(٣) التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب
٠٩١٢/٣
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٧٥/٦.
فهذه الآية تبين كيف أن شرف النبوة قد
انحصر في سلالة إبراهيم عليه السلام ((فلم
یأت بعده نبي إلا من ذریته، ولا نزل کتاب
إلا على ذريته، حتى ختموا بالنبي محمد
صلی الله عليه وسلم)»(٥). وأن تكون مواد
الهداية والخير ((والرحمة والسعادة والفلاح
في ذریته، وعلی أیدیھم اهتدی المهتدون،
وآمن المؤمنون، وصلح الصالحون، فهذا
من أعظم المناقب والمفاخر التي أكرم الله
بها هذا النبي عليه الصلاة والسلام»(٦).
٤. موسى عليه السلام.
هو من الأنبياء الذين توسع القرآن في
ذكر خبرهم، وما كان من شأنهم مع أقوامهم،
ومن مزاياه التي أشار إليها القرآن:
# تکلیم الله له.
وهذه من المزايا العظيمة التي أكرم الله
بها موسى عليه السلام، وقد ذكرها القرآن
في أكثر من موضع.
قال تعالى: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْتَهُمْ
عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلَا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَّ
وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤].
فتكليم الله لموسى ((تشريف لموسى
عليه السلام بهذه الصفة؛ ولهذا يقال له:
الكليم»(٧).
وهذه خصيصة انفرد بها موسى عليه
(٥) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٦٣٠.
(٦) المصدر السابق بتصرف.
(٧) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ٤٧٣.
www. modoee.com
٣١٩

حرفالنون
السلام دون غيره من الأنبياء والرسل وهي إِنَّمَا أَلْمَسِيحُ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ
-حتمًا- تدل على مدى عظمة هذا النبي، وَكَلِمَتُهُ: أَلْقَنِهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ
وعلو قدره عند ربه؛ إذ ((وقف في أكرم
موقف يلقاه إنسان)) (١).
٥. عيسى عليه السلام.
احتفى القرآن بذكر عيسى عليه السلام،
وعدد له الكثير من المزايا والخصائص،
وفيما يلي عرض لها:
رسول الله و کلمته ألقاها إلى مريم.
الأنبياء جميعًا -عدا آدم عليه السلام
- لهم آباء وأمهات، ولكن سيدنا عيسى
اختص بميلاد عجيب، حيث إن ميلاده
جعله الله آية، فقد ولد بغير أب.
قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَتِكَةُ يَمَرْيَمُ
إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ أَسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ
مَرْيَمَ وَجِيهَا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [آل
عمران: ٤٥].
فقد سمي بكلمة الله («لأنه كان
بالكلمة من الله؛ لأن حالته خارجة عن
الأسباب، وجعله الله من آياته، وعجائب
مخلوقاته))(٢). وهذه مزية عظيمة لعيسى
عليه السلام.
ومن الآيات التي ذكرت هذا أيضًا قوله
﴿يَأَهْلَ الْكِتَبِ لَا تَغْلُواْ
تعالى:
فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقّ
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٥ / ٢٦٩٢.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ١٣١.
جَوَنُور
القرآن الكريمِ
فَاِنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِّهِ، وَلَا تَقُولُواْ ثَلَثَةٌ أَنْتَهُواْ
خَيْرً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ:
أَنْ يَكُونَ لَهُ، وَلَدٌّ لَّهُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى
الْأَرْضُِّ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: ١٧١].
وهاهنا يؤكد القرآن على كون عيسى
خلق خلقًا مغايرًا لما تجري عليه الأسباب؛
فقد كان بكلمة الله التي ﴿أَلْقَنْهَا إِلَى مَرْيَ)
[النساء: ١٧١].
أي: ((أوصلها إليها، وحصلها فيها
بنفخ جبريل عليه السلام ﴿وَرُوحٌ مِنَّةٌ﴾
أي: بتخليقه وتكوينه كسائر الأرواح
المخلوقة)»(٣).
* الكلام في المهد.
، من الخصائص التي أكرم الله بها
نبيه عيسى عليه السلام.
قال تعالى: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِ الْمَهْدِ
وَكَهْلًا وَ مِنَ الصَّلِحِينَ﴾ [آل عمران: ٤٦].
أي: إن عيسى عليه السلام سيدعو إلى
عبادة الله وحده «في حال صغره، معجزة
وآية، وفي حال كهولته حين يوحي الله إليه
بذلك)» (٤)
.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:
(لم يتكلم فى المهد إلا ثلاثةٌ: عيسى ... )(٥)
(٣) محاسن التأويل، القاسمي ٤٧٨/٣.
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٣/٢.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث
٣٢٠

النبوة
الحدیث.
وخص تکلیمه في حال کونه في المهد
وحال کونہ کھلا مع أنه یتکلم فيما بينهما
((لأن لذينك الحالين مزيد اختصاص
بتشريف الله إياه، فأما تكليمه الناس في
المهد؛ فلأنه خارق عادة إرهاصًا لنبوءته،
وأما تکلیمھم کهلا فمراد به دعوته الناس
إلى الشريعة))(١).
* رفعه إلى السماء ونزوله في آخر الزمان.
وهذه من المزايا التي تفرد بها هذا النبي
الكريم، قال جل جلاله: ﴿إِذْقَالَ اللّهُ يَعِيسَى
إِنِّ مُتَوَفِيكَ وَرَافِعَكَ إِلَىَّ وَمُطَهِرُكَ مِنَ الَّذِينَ
كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ أَتَبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوَا
إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ
بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [آل عمران:
٥٥].
ذهب جمهور أهل السنة والجماعة إلى
أن عیسی علیه السلام رفع بجسده وروحه.
قال ابن تیمیة: «عیسی علیه السلام حي،
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم
أنه قال: (والذي نفسي بيده، ليوشك أن
ينزل فيكم ابن مريم حكمًا عادلًا، وإمامًا
مقسطًا، يكسر الصليب، ويقتل الخنزير،
ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٤٧/٣.
أحدٌ)(٢).
وثبت في الصحيح عنه أنه ينزل على
المنارة البيضاء شرقي دمشق، وأنه يقتل
الدجال (٣). ومن فارقت روحه جسده لم
ينزل جسده من السماء، وإذا أحيي فإنه يقوم
من قبره.
وأما قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَعِيسَى إِنّ
مُتَوَفِيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ
كَفَرُواْ﴾ [آل عمران: ٥٥].
فهذا دليل على أنه لم یعن بذلك الموت؛
إذ لو أراد بذلك الموت لکان عیسی في ذلك
كسائر المؤمنين؛ فإن الله يقبض أرواحهم،
ويعرج بها إلى السماء، فعلم أن ليس في
ذلك خاصية، وكذلك قوله: ﴿وَمُطَهِّرُكَ
مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ ولو كان قد فارقت
روحه جسده لكان بدنه في الأرض كبدن
سائر الأنبياء.
وقد قال تعالى في الآية الأخرى:
﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَئِلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ
اللّهِ وَمَا قَثَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَنْكِنْ شُيّهَ لَهُمْ وَإِنَّ
الَّذِينَ آَخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِى شٍَّ مِنْهُ مَا لَهُم بِهِ، مِنْ عِلٍّ
إِلَّا أَنْبَاعَ الَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيَنًا (٦) بَل رَّفَعَهُ اللّهُ
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع،
باب قتل الخنزير، ٨٢/٣، رقم ٢٢٢٢،
ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب
نزول عيسى ابن مريم، ١٣٥/١، رقم ١٥٥.
الأنبياء، باب قوله: (يا أهل الكتاب لا تغلوا (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفتن
وأشراط الساعة، باب الدجال وصفته،
في دینکم)، ١٦٥/٤، رقم ٣٤٣٦.
٤/ ٢٢٥٠، رقم ٢٩٣٧.
www. modoee.com
٣٢١

حرفالنون
[النساء: ١٥٧-
إِلَيْهِ وَكَانَ اللّهُ عِزًا حَكِيمًا﴾.
١٥٨].
فقوله هنا: ﴿بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ يبين أنه
رفع بدنه وروحه، كما ثبت في الصحيح أنه
ینزل ببدنه وروحه؛ إذ لو أريد موته لقال: وما
قتلوه وما صلبوه بل مات(١).
٦. محمد صلى الله عليه وسلم.
نبينا محمد صلى الله عليه وسلم له فرسالته هي ((الرسالة الأخيرة، فهي الرسالة
الكثير من الفضائل والمزايا التي ذكرها الله
في کتابه، وفيما يلي عرض لها:
خاتم النبيين.
وهذه من الفضائل العظيمة التي كانت
من نصیب محمد صلی الله عليه وسلم،
فالنبوة سلسلة رفيعة القدر، فأن يكون هو
خاتمها وحلقتها الأخيرة فهذا يدل على
عظیم قدره.
قال تعالى: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدُ أَبَا أَحَدٍمِّن
رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّيْنَ وَكَانَ
اللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٠].
فكونه النبي الخاتم يدل على أنه صلى الله
عليه وسلم ((وارث النبيين جميعًا، والمهيمن
برسالته على رسالات الرسل كلهم، فلا
رسول بعده إلى يوم الدين؛ لقد ختمت
به رسالات السماء، وأضيفت شعاعاتها
كلها إلى شمس شريعته، فأصبحت تلك
الشعاعات مضمونًا من مضامينها، وقبسًا من
(١) مجموع فتاوى ابن تيمية ٣٢٢/٤-٣٢٣.
أقباسها، فلا هدی بعد هذا إلا من هداها،
ولا نورًا إلا من نورها ﴿وَمَن يَبْتَغْ غَيْرَ
الْإِسْلَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِ الْآَخِرَةِ مِنَ
اُلْخَسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥]))(٢)(٣).
# أرسل للناس عامة.
وهذه من المناقب العظيمة التي أكرم
الله بها نبيه محمد صلی الله عليه وسلم،
الشاملة التي لا تختص بقوم ولا أرض ولا
جيل، ولقد كانت الرسالات قبلها رسالات
محلية قومية، محدودة بفترة من الزمان»(٤).
وكان النبي في السابق يرسل لقومه
خاصة، ولكنه صلى الله عليه وسلم بعث
للناس عامة، قال صلى الله عليه وسلم:
(و کان النبي یبعث إلى قومه خاصةً وبعثت
إلى الناس عامةً)(٥).
فهو المبعوث للثقلين للإنس والجن،
(٢) التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب
٧٢٦/١١.
(٣) لا يقدح في كون النبي خاتم النبيين نزول
عيسى بعده، لأن معنى ختمه للنبوة أن لا ينبأ
أحد بعده، وعيسي ممن نبىء قبله، وحين
ينزل إنما ينزل عاملًا بشريعة محمد صلى الله
علیه وسلم، مصليًا إلى قبلته، كأنه بعض أمته.
انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود
٧/ ١٠٦ بتصرف.
(٤) في ظلال القرآن، سيد قطب ١٣٧٩/٣.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التيمم،
١/ ٧٤، رقم ٣٣٥ ومسلم في صحيحه،
كتاب المساجد ومواضع الصلاة، ٣٧٠/١،
رقم ٥٢١.
٣٢٢
جَوْبُو حَرَ النَّفِيَّة
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ

النبوة
قال عز وجل: ﴿قُلْ يَتَأَيُّهَا النَّاسُ إِنِ
رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف:
١٥٨].
أي: إن النبي بعث ((إلى كافة الإنس
وكافة الجن))(١).
وأن يكون النبي رسولًا للعالمين، فهذا
يدل على علو مقامه عند ربه »وهو مقام لا
يطاول، ومنزلة لا تنال، قد انفرد بها صلى
الله عليه وسلم من بین رسل الله وأنبيائه
جميعًا، فهو رسول الإنسانية كلها، والشمس
التي تملأ آفاقها، وتدخل كل مكان فيها)) (٢).
صاحب المقام المحمود.
وهذا مقام عظیم أشار إليه القرآن بقوله:
وَمِنَ الَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ، نَافِلَةٌ لَّكَ عَسَى أَن
يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا تَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩].
وكلمة ﴿عَسَى﴾ في كلام العرب
تفيد التوقع، أما في كلام الله فإنها تفيد
الوجوب والقطع، قال الإمام الرازي: ((اتفق
المفسرون على أن كلمة (عسى) من الله
واجبة؛ لأن لفظة (عسى) تفيد الإطماع،
ومن أطمع إنسانًا في شيء ثم حرمه كان
عارًا، والله تعالى أكرم من أن يطمع أحدًا في
شيء، ثم لا يعطيه ذلك))(٣).
(١) الكشاف، الزمخشري ١٦٦/٢.
(٢) التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب
١١/ ٨١٢.
(٣) مفاتيح الغيب، الرازي ٣٨٧/٢١ بحذف
يسير.
فالله عز وجل يقول لنبيه: داوم على ما
أمرت به من العبادة: «لنقيمك يوم القيامة
مقامًا يحسدك فيه الخلائق كلهم)) (٤).
قال ابن جرير: «أكثر أهل العلم على أن
المقام المحمود هو ذلك المقام الذي يقومه
صلى الله عليه وسلم يوم القيامة للشفاعة
للناس؛ ليريحهم ربهم من عظيم ما هم فيه
من شدة ذلك اليوم)»(٥). وهذا مقام عظيم
يوم القيامة يشي بعظم شأن النبي صلى الله
علیه وسلم عند خالقه.
# قسم الله به.
﴿لَعَمُكَ إِنَّهُمْ لَفِى سَكَهِمْ
قال تعالى:
يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢].
ففي هذه الآية ((شرف لمحمد صلى الله
عليه وسلم؛ لأن الله تعالى أقسم بحياته،
ولم يفعل ذلك مع بشر سواه))(٦).
وقسم الله بحياة نبيه يدل على ((تشريف
عظيم، ومقام رفيع، وجاه عريض))(٧).
* لم يخاطبه الرب باسمه المجرد.
خاطب الله أنبياءه بأسمائهم المجردة،
﴿قَالَ يَمُوسَىّ إِنِّ أَصْطَفَيْتُكَ عَلَ
فقال:
النَّاسِ بِسَلَكِ وَبِكَلَّمِى﴾ [الأعراف: ١٤٤].
[الصافات:
﴿وَنَدَيْنَهُ أَنْ يَكَإِبْرَهِيمُ﴾
١٠٤].
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٠٣/٥.
(٥) جامع البيان، الطبري ١٧/ ٥٢٦ بتصرف.
(٦) المحرر الوجيز، ابن عطية ٣٦٩/٣.
(٧) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤/ ٥٤٢.
www. modoee.com
٣٢٣

حرف النون
إِذْ قَالَ اللَّهُ يَعِيسَىّ إِنِّ مُتَوَفِيكَ وَرَافِعُكَ
إِلَىَّ وَمُطَهِرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ
أنَّهُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ [آل عمران: ٥٥].
﴿قِيلَ يَنُحُ أَهْبِطْ بِسَلَمٍ مِّنَّا وَبَرَّكَتٍ
عَلَيْكَ﴾ [هود: ٤٨].
ولكن لم يناد الله عز وجل نبيه باسمه
المجرد أبدًا، وما ناداه إلا بـ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ﴾
[المائدة: ٦٧].
﴿وَأَيُّهَا النَّبِىُّ﴾ [الطلاق:
فكون النبي لا يخاطب باسمه المجرد،
فهذا - لا شك- يشير ((إلى المحبة والقرب
من ربه، الذي يخلع عليه ما يخلع من
أوصاف التكريم، وینادیه بها، حتى لكأنها
علم عليه وحده))(١).
# الثناء عليه بجميع خلقه.
إن الله عز وجل اثنی علی أنبيائه کثیرًا،
ولكنه كان يمدحهم ومدحهم ببعض
أخلاقهم، فقال عن إبراهيم عليه السلام:
﴿إِنَّ إِتَهِيَمَ لَحَلِيمٌ أَّهُ مُِّيبٌ﴾ [هود: ٥٧].
ووصف موسى عليه السلام بأنه ﴿كَانَ
مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا بِيًّا﴾ [مريم: ٥١].
وأثنى على إسماعيل بأنه ﴿كَانَ صَادِقَ
اَلْوَعْدٍ وَكَانَ رَسُولَائِبِيًّا﴾ [مريم: ٥٤].
ولكنه لمَّا أثنى على محمد صلى الله
عليه وسلم أثنى عليه بجميع خلقه، فقال:
(١) التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب
٠١٠٠٢/١٤
﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤].
وتأمل كيف أنه عبر بـ(على) التي
هي «للاستعلاء المجازي، المراد به
التمكن)»(٢).
وهذا يشعر بمدی تمكن النبي ورسوخه
في كل خلق كريم، ((وحسب رسول الله
شرفًا وعزًّا بهذا الوصف الكريم من الله
تعالی حسبه بهذا، حیث توجه ربه عز وجل
بتاج الكمال كله؛ إذ ليس بعد حسن الخلق
حلية تتحلى بها النفوس، أو تاج تتوج به
الرؤوس)) (٣)
﴾ صلاة الله وملائكته علیه.
وهذه وحدها مزية عظيمة جليلة، تدل
على قدر النبي عليه الصلاة السلام عند
خالقه.
قال تعالى: ﴿إِنَّاللَّهَ وَمَلَبِكَتَّهُ يُصَلُونَ
عَلَى النَّبِيِّ بَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ
وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦].
وصلاة الله على النبي تعني ((ذكره بالثناء
في الملأ الأعلى، وصلاة ملائكته دعاؤهم
له عند الله تعالى)» (٤).
وهذه الآية «شرف الله بها رسوله صلى
الله عليه وسلم حياته وموته، وذكر منزلته
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٦٣/٢٩.
(٣) التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب
١٥/ ١٠٨١-١٠٨٢.
(٤) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٨٧٩/٥.
٣٢٤
لِلْقُرْآنِ الْكَرِيْمِ