النص المفهرس
صفحات 41-60
الجارة قيل: إن ((أوحش ما يكون الخلق في ثلاثة مواطن: یوم یولد فیری نفسه خارجًا مما كان فيه، ويوم يموت فیری قومًا لم یکن عاینهم، ويوم يبعث فیری نفسه في محشر عظيم» (١). وتذكر لنا السنة النبوية جملة من الأسباب والوسائل المنجية من تلك الأهوال وما ينشأ عنها من فزع عظيم وجاء في الأثر في فضل البكاء من خشية الله أن نبي الله موسى عليه السلام سأل ربه: ((قال إلهي فما جزاء من بکی من خشیتك حتی تسیل دموعه على وجهه؟ قال جزاؤه أن أحرم وجهه على النار وأن أؤمنه يوم الفزع الأكبر))(٢). وبالجملة فإن أي عمل يقوم به الإنسان بنية الإحسان، یکون له جنة من فزع القيامة، ويقيه جانبًا من أهوالها ومشاهدها المذهلة، وقد وعد الله سبحانه عباده المحسنين بالنجاة من ذلك الفزع والأمن منه بقوله: ﴿مَنْ جَ بِالْحَسَنَةِ فَهُ, خٌَّ مِّنْهَا وَهُمْ مِّن فَزَعَ يَوْمَيِدٍ مَامِنُونَ﴾ [النمل: ٨٩]. ٣. الحساب. قد ذكر أهل التفسير أن الحساب في القرآن الكريم يرد على وجوه خمسة هي: العدد والكثير والمحاسبة والتقتير والجزاء(٣). (١) جامع البيان ١٦ / ٧٤. (٢) الدر المنثور ٣٠٨/٥. (٣) تأويل مشكل القرآن، ابن قتيبة ص ٥١٣. وانظر: نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي ص وما يهمنا من هذه الوجوه في هذا المبحث هو الجزاء الذي يشير إليه الثعلبي بقوله: ((الحساب تعريف الله عز وجل الخلائق مقادير الجزاء على أعمالهم وتذكيره إياهم ما قد نسوه من ذلك))(٤)، فالحساب إذن ((علة للوصول إلى الجزاء)) (٥). ويروى عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من نوقش يوم الحساب عذب، قالت: قلت أليس يقول الله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٨]. قال: ذلك العرض)(٦). وتختلف كيفيات الحساب وأحواله، فمنه العسير ومنه اليسير ومنه العدل والجهد ومنه التكريم ومنه التوبيخ والتبكيت ومنه الفضل والصفح والعفو والغفران (٧). ويمكن الاهتداء إلى سبل النجاة من الحساب باتباع ما جاء في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم والتزام الآتي: أولًا: التوحيد ونبذ الشرك: قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَاهَا ءَاخَرَ لَا بُرْهَنَ لَهُ بِهِ، فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ: إِنَّهُ، لَا يُفْلِحُ اَلْكَفِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧]. ٢٥٠. (٤) لوامع الأنوار البهية ٢/ ١٧١. (٥) فتح القدير ٤٣٨/٤. (٦) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب من نوقش الحساب عذب، ٤ /١٩٨، رقم ٦٥٣٦. (٧) انظر: لوامع الأنوار البهية ١٧٢/٢. www. modoee.com ٤١٣ حرفالنون ثانيًا: اجتناب الكفر: قال تعالى: ﴿وَلَّذِينَ عَمِلَ صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [غافر: ٤٠]. كَفَرُواْ أَعْمَلُهُمْ كَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ اٌلَّمْنَانُ مَآءَ حَقَّى إِذَا جَلَهُهُ، لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ، فَوَقَّنُهُ حِسَابَهُ, وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور:٣٩]. ثالثًا: طاعة الله واتباع سنته: قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَسْتَجَابُواْ لِرَبِهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِ اَلْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ, مَعَهُ، لَافْتَدَوْاْ بِهِ= أُوْلَئِكَ لَمْ سُوَّهُ اَلْحِسَابٍ وَمَأْوَنَّهُمْ جَهَنَّمُ وَيِئْسَ لِلْهَادُ﴾ [الرعد: ١٨]. رابعًا: مواصلة الأرحام: قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ اللّهُ بِهِءَ أَنْ يُؤْصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوَءَ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: ٢١]. قال القرطبي في قوله: ﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾: ((قيل: في قطع الأرحام))(١). خامسًا: اتباع سبيل الله وعدم الانقياد إلى الهوى: قال تعالى: ﴿يَدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةً فِ الْأَرْضِ فَأَحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِاِّْ وَلَا تَنَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ الَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ اِْسَابِ﴾ [ص: ٢٦]. سادسًا: الصبر: قال تعالى: ﴿إِنََّا يُوَقَّ الصَِّرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابِ﴾ [الزمر: ١٠]. سابعًا: العمل الصالح: قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةٌ فَلَا يُجْزَىَ إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ (١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٩/ ٣١٠. جوسين الْقُرآن الكَرِيمِ ٤. الصراط. الصراط: ((جسر ممدود على متن جهنم يرده الأولون والآخرون، فهو قنطرة جهنم بين الجنة والنار وخلق من حين خلقت جهنم»(٢). وجاء فيه أنه (یمر الناس عليه على قدر أعمالهم ومنهم من يمر كالريح ومنهم من يمر كالفرس الجواد، ومنهم من يمر کركاب الإبل، ومنهم من يعدو عدوًا، ومنهم من يمشي مشيًا ومنهم من يزحف زحفًا، ومنهم من يخطف فيلقى في جهنم، فإن الجسر عليه كلاليب تخطف الناس بأعمالهم فمن مر على الصراط دخل الجنة)(٣). ومن صفاته أنه أدق من الشعر وأحد من السيف، مدحضة، مزلة؛ أي: زلق لا تثبت عليه الأقدام ولا تستقر إلا ما شاء الله، وله جنبتان وحافتان، ويموج بالسائرين عليه إلا من ثبته الله تعالى. يروى أن هذا الصراط يضرب بين ظهري جهنم بعد أن ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَتُ ﴾ [إبراهيم: ٤٨]. (٢) لوامع الأنوار البهية ١٨٩/٢. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: (وجوه يومئذٍ ناضرة إلى ربها ناظرة)، ٣٩٢/٤، رقم ٧٤٣٩. ٤١٤ الجارة يقول النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم: وَرَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورَّ فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍلَّه ◌َبُ بَالِتُوفِهِ الرَّحْمَةُ وَظَهِرُهُ، مِن قِبَلِ الْعَذَابُ ﴾ [الحديد: ١٣]. (فأكون أنا وأمتي أول من يجيز) (١). وربما كان ((المرور على الصراط من أخطر كرب يوم القيامة إن لم يكن هو أخطرها، ففيه من الأهوال والفزع والخوف والرعب ما لا تتحمله عقول الخلق ولا نفوسهم)) (٢)، يدل على ذلك أربعة أمور هي: أنه لا یذکر الإنسان عنده إلا نفسه، وأن الملائكة تشفق من هوله على الرغم من أنهم غیر محاسبین، وأنه واحد من ثلاثة مواطن يقف عندها النبي صلى الله عليه وسلم للشفاعة وأنه لا یتکلم عنده يومئذ إلا الرسل(٣). أما أحوال الناس على الصراط، فالله سبحانه يبعثهم في ظلمة شديدة إذا أخرج الإنسان یدہ لم یکد یراها فیجمع الله تعالى الناس فيعطون نورهم على قدر أعمالهم ليستجيزوا الصراط. قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيِهِمْ وَيِأَيْمَتِهِ﴾ [الحديد: ١٢]. أما المنافقون فلا يسعفهم نورهم عند الصراط، إذ يسلبه الله منهم، فينادون على المؤمنين: ﴿أَنْظُرُونَا نَقْنَيِسْ مِن ◌ُّوْرِكُمْ قِيلَ أَرْجِعُواْ (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤيا، رقم ٢٩٩. (٢) كيف تنجو من كرب الصراط، محمد النعيم ص٤. (٣) انظر: المصدر السابق. في هذا الموضع يفترق المؤمنون الناجون من الصراط عن المنافقين المعذبين، وتتوقف نجاة المؤمنين على مقدار ما تبلغ بهم أعمالهم من الصراط المستقيم الذي لا یمکن بلوغه إلا بتوافر أسباب عدة یمکن التماسها في القرآن الكريم منها: أولًا: الإيمان بالله تعالى والاعتصام به واجتناب الكفر: قال تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُّرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ ءَايَتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُ، وَمَن يَعْنَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِىَ إِلَى صِرَطِ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٠١]. ثانيًا: الإيمان بالآخرة: قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِلْأَخِرَةِ عَنِ الْصِرَطِ لَكِبُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٤]. ثالثًا: عبادة الله وحده: قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّ وَرَبُّكُمْ فَلْبُدُوهُ هَذَا صِرَطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [آل عمران: ٥١]. رابعًا: الدعاء بالهداية: قال تعالى: ﴿ أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٧]. والهداية مرة تكون برحمة مباشرة من الله تعالى، كما في قوله: ﴿وَاللهُ يَهْدِی مَن يَشَكَةُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ٢١٣]. ومرة تكون بوساطة كتابه: قال تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ الَّذِىّ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقِّ وَيَهْدِىّ إِلَى صِرَطِ الْعَزِيزِ www. modoee.com ٤١٥ حرف النون اٌلْحَمِيدِ﴾ [سبأ: ٦]. ومرة بوساطة نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم، كما في قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِىّ إِلَى صِرَّطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]. خامسًا: اتباع مرضاة الله: قال تعالى: ﴿يَهْدِى بِهِ اَللَّهُ مَرْنٍ أَتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ، وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٦]. سادسًا: التصديق بآيات الله: قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِشَايَتِنَا صُرٌ وَبُكْمٌ فِ الظُّلُمَتِ مَن يَشٍَ اَللَّهُ يُضْلِلَّهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطِ تُسْتَقِيمٍ ﴾ [الأنعام: ٣٩]. سابعًا: الأمر بالعدل: قال تعالى: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاَ تَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَىْءٍ وَهُوَ كَلُّ عَلَى مَوْلَنَةُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِى هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ٧٦]. ثامنًا: شكر النعم: قال تعالى في نبيه إبراهيم عليه السلام: (شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَنَهُ وَهَدَنَهُ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيٍ﴾ [النحل: ١٢١]. تاسعًا: اجتناب الشرك بالله والظلم: قال تعالى: ﴿أَحْشُرُواْ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزْوَجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ (٢) مِن دُونِ اللّهِ فَأَهْدُوهُمْ إِلَى صِرَطِ [الصافات: ٢٢-٢٣]. اَْحِيمِ﴾ عاشرًا: الاقتداء بسيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم: فقد خصه الله تعالى بالقول: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ) عَلَى صِرَطِ مُسْتَقِيمٍ﴾[يس:٣- ٤]. ٥. النار. النار هي دار الكافرين أعدها الله لهم جزاء بما خالفوا عن أمره. قال تعالى: ﴿وَأَثَّقُواْ النَّارَ أَلَِّيَ أُعِدَّتْ لِلِكَفِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١]. فالنار «خلق من خلق الله تعالى خلقها وجعلها عذابًا للمجرمين الذين خرجوا على دينه وتمردوا على رسله، فهي عذاب حسي، تختلف في قوة عذابها الحراري والزمهريري. فلكل من يدخلها مكان يتلاءم مع جرمه، وعذاب على قدر ذلك، لأن الجزاء من جنس العمل))(١). وقد نقلت لنا آيات القرآن الکریم صورًا مختلفة لعواقب أهلها وسوء أحوالهم وهم يصطرخون فيها، ويقابل ذكر النار ذكر الجنة وهي دار النعيم «فكل واحدة من الجنة والنار حق ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، و کل ما هو كذلك فالإيمان به واجب واعتقاد وجوده حق لازب، والمراد من الجنة دار الثواب ومن النار دار العقاب» (٢). وتستدعي النجاة من النار التأمل في فلسفة (١) يوم القيامة ومشاهده في الكتاب والسنة، دوخي الحارثي، ص ٣١١. (٢) المصدر السابق ص٢١٩. ٤١٦ جوبيبو القرآن الكريم الجارة وجودها وهول أحوالها والأسباب الموجبة لورودها أو المعاقبة بها فمن المتعارف أن الله سبحانه خلق الخلق ((ليعرفوه ويعبدوه ويخشوه ويخافوه، ونصب لهم الأدلة الدالة على عظمته وكبريائه ... ووصف لهم شدة عذابه ودار عقابه التي أعدها لمن عصاه ليتقوه بصالح الأعمال، ولهذا كرر تعالى في كتابه ذكر النار وما أعده فيها لأعدائه من العذاب والنكال، وما احتوت عليه من الزقوم والضريع والحميم والسلاسل والأغلال ... ودعا عباده بذلك إلى خشيته وتقواه، والمسارعة إلى امتثال ما يأمر به ويحبه ويرضاه، واجتناب ما ينهى عنه ويكرهه ويأباه)) (١). وفي الوقت الذي حدد الله تعالى فيه لعباده سبل نجاتهم من النار فقد بين لهم في مقابل ذلك ما ينتظرهم من نعيم جناته الذي أعده للناجين منهم والفائزين بمرضاته، فالمنجي من النار هو الله تعالى وحده، وذلك بقوله: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةِ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَّكُمْ مِّنْهَا﴾ [آل عمران: ١٠٣]. أما الأنبياء عليهم السلام والصالحون فهم يدعون إلى النجاة قال تعالى على لسان مؤمن آل فرعون: ﴿وَيَقَوْمِ مَا لِيّ أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَوَةِ وَتَدْعُونَنِى إِلَى النَّارِ﴾ [غافر: ٤١]. (١) التخويف من النار والتعريف بحال دار البوار، ابن رجب الحنبلي ص ٧- ٨. وأما من حقت عليه كلمة العذاب فلا منجاة له من النار. قال تعالى: ﴿أَفَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَن فِ النَّارِ﴾ [الزمر:١٩]. ولن تشفع للكافر منزلته مهما عظمت. قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ أَمْرَأَتَ نُوحٍ وَأَمْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَلِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَاعَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ أَدْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّارِينَ﴾ [التحريم: ١٠]. ولن ينجيه ماله ولا ولده. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَنْ تُغْنِىَ عَنَّهُمْ أَمْوَلُهُمْ وَلَاَ أَوْلَدُهُم مِّنَ اَللَّهِ شَيْئًا وَأُوْلَبِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيَهَا خَلِدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٦]. في مقابل ذلك تحفل آيات الله البينات بمواقف ومشاهد وإشارات تجسد دعوة الله عز وجل عباده إلى الخلاص من عذاب السعير والفوز بالجنة. قال تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْرِجَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥]. وقد ذكر القرآن الكريم جملة من الوسائل الكفيلة بنجاة الإنسان من النار منها: أولًا: نبذ الشرك والكفر بالله تعالى: قال تعالى في شأن المشركين: ﴿إِنَّهُ, مَن يُشْرِكَ ◌ِاَللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَنُ النَّارُ وَمَا لِلَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارِ ﴾ [المائدة: ٧٢]. www. modoee.com ٤١٧ حرف النون فلا ناصر ینجيه من ذلك المأوى، وقال في شأن الكافرين: ﴿ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَفِرِينَ عَذَابَ النَّارِ ﴾ [الأنفال: ١٤]. ثانيًا: الإيمان بالله ووقاية النفس: قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ قُواْ أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيَكُوْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦]. فلم يكتف بالإيمان بل دعا إلى العمل على وقاية النفس والأهل من النار. ثالثًا: تقوى الله: قال تعالى: ﴿وَإِن مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا. ٧١ ثُمَّ تُنَجِى الَّذِينَ أَتَّقَواْ وَّنَذَرُ اُلَّلِمِينَ فِيهَا حِنَّا﴾ [مريم: ٧١- ٧٢]. وتجدر الإشارة إلى أن المفسرين مختلفون في معنی الورود فمنهم من ذهب إلى أن الخلق جمیعًا من بني آدم یمرون على النار، ومنهم من ذهب إلى أنهم يدخلونها، ومنهم من قال: يطلعون عليها (١)، قال الطبري: «ثم يصدر عنها المؤمنون فينجيهم الله ويهوي فيها الكفار))(٢). ﴿وَيُنَجِّى اللَّهُ الَّذِينَ قال تعالى: أَثَّقَوْاْ بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوْءُ وَلَا هُمّ يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر: ٦١]. رابعًا: عبادة الله وحده: قال تعالى: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا أَّخَذْتُ مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَنَّا قَوَدَّةً بَيْنِكُمْ فِ الْحَيَوِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ (١) انظر: التذكرة بأحوال الموتى والأمم الغابرة، ص ٧٦٠. (٢) جامع البيان ١٤١/١٦. اٌلْقِيَمَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَنَكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِّن نَّصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٥]. فهؤلاء الأنداد والأوثان لن يحولوا بينهم وبين النار ولن يخلصوهم من عذابها ما عكفوا عليها ساجدين. خامسًا: التصديق بآيات الله: قال تعالى: ﴿وَاَلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِعَايَتِنَآ أُوْلَبِكَ أَصْحَبُ النَّارِهُمْ فِيَهَا خَلِدُونَ﴾ [البقرة: ٣٩]. فإنكار الآيات والصد عنها يقطع السبيل إلى النجاة من النار يوم القيامة. سادسًا: الدعاء إلى الله: قال تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ يَقُولُ رَيَّنَاْ ءَاتِنَا فِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ التَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١]. وقد مضى الحديث عن فضل الدعاء فى بلوغ رضا الله تعالى والظفر بنصره ونجاته سابعًا: الثبات على الدين: قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَنْ دِينِهِ، فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأَوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فِيِ الدُّنْيَا وَالْأَخِرَةِ وَأُوْلَبِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧]. ثامنًا: ذكر الله والتفكر في خلقه: قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَتِ وَاْلْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا سُبْحَنَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١]. ٤١٨ القرآن الكريم الجارة تاسعًا: طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والتزام حدوده: قال تعالى: ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَإِنَّلَهُ نَارَجَهَنَّمَ خَلِدِينَ فِيَهَا أَبَدًا﴾ [الجن: ٢٣]. عاشرًا: النأي بالنفس عن حمل الظلم: قال تعالى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِينَ نَارًا أَحَاطٌ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩]. حادي عشر: الاحتراز من الجرم والفسق وَرَءَا الْمُجْرِمُونَ والإسراف: قال تعالى: النَّارَ فَظَنُّواْ أَنَّهُم ◌ُّوَافِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ [الكهف: ٥٣]. وقال: ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَبُ النَّارِ﴾ [غافر: ٤٣]. ثاني عشر: الابتعاد عن النفاق: قال تعالى: ﴿إِنَّ الْتَفِقِينَ فِىِ الذَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٤٥]. ثالث عشر: عدم التفكير في معاداة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم: قال تعالى: ﴿أَمْ يَعْلَمُوَاْ أَنَّهُ, مَن يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيَهَا ذَلِكَ الْخِزْىُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ٦٣]. وبالجملة فإن جميع الأعمال الصالحة التي يقدمها المرء بين يدي ربه سواء ما ينفع بها نفسه أو مجتمعه يمكن أن تحول بينه وبين النار إذا ما كان الله تعالى قد رضي بها وادخرها له ليقيه بشفاعتها من السعير. نماذج من الناجين في القرآن الكريم لم تكن مهمة أنبياء الله ورسله عليهم السلام باليسيرة في الدعوة إلى الله عز وجل وإخراج الناس من ظلمات معتقداتهم وضلالة أفكارهم، وقد توارثوها عن آبائهم وعهدوا بها إلى أجيالهم، حتى استقر عليها منهاج حياتهم واطمأنت بها نفوسهم التي لم يخطر ببالها أن تتأمل في حقيقتها، أو تطمح إلى تغييرها؛ لأنها جاءت موافقة لرغبات مجتمعاتهم أو طبقاتهم الحاكمة أو المتحكمة على مدى العصور. فكانت دعوة الأنبياء والرسل عليهم السلام تحدث صدمة وزعزعة واضطرابًا في نفوس الأفراد أو الجماعات الذين يتلقونها؛ لأنها تخاطب عقولهم التي غيبت عن التفكر في حقيقة الوجود وصانعه، وتبصرهم بزيف معتقداتهم التي لا أساس لها من الصحة، غير أن النظام الفكري والعقائدي غالبًا ما يكون مبنيًا على أسس ومفاهيم ضيقة، ولا يمكن أن يستوعب ذلك الفضاء الرحب من الهدى، ولا طاقة له بالتخلص من ذلك الموروث المقدس المهيمن على وعيه الذاتي والاجتماعي، فينشأ الصراع الفكري بين الإرادات المختلفة وسرعان ما تندحر وتنحسر المناهج الضالة وتضعف دفاعاتها أمام حقيقة الرسالات السماوية وقوة حجتها www. modoee.com ٤١٩ حرفالنون وعظیم برهانها وتحدیات معاجزها، فیھرع إلى اعتناقها من شرح الله صدره للهدى، وينقم منها المعاندون الذين استحوذ عليهم الشيطان، لتتسع دائرة الصراع ويتجه باتجاه المواجهة المادية بعد أن هزمت الأفكار الضالة والمعتقدات الزائفة وتكشف بطلانها وأصبحت الرسالة السماوية تسفه الآراء وتهدد النفوذ وتقوض السلطان، فتتحد القوى الضالة والمضللة وتجتمع لمحاربة النبيين ووأد دعواتهم وطمس معالمها ومحو آثارها. وفي خضم هذه المواجهات المستمرة يبتلي الله ما في صدور المؤمنين ليمحص قلوبهم، ويمهل الكافرين حتى تحق عليهم كلمة العذاب، ثم يهلكهم بذنوبهم وينجي رسله والذين آمنوا معهم. قال تعالى: ﴿حَّى إِذَا أَسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَآءَ هُمْ نَصْرُنَا فَنُِّجِىَ مَن نَّشَآءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يوسف: ١١٠]. وتحمل لنا آيات الله البينات صورًا ومشاهد عدة لعباد الله تعالى الذين من عليهم بالنجاة من مواقف مختلفة. وفيما يأتي نسلط الضوء على مواقف الناجين من الأفراد، ومواقف الناجين من الجماعات. أولًا: الناجون من الأفراد: ١. النبيون. أولًا: نجاة نبي الله إبراهيم عليه السلام: لقد بعث الله نبيه إبراهيم عليه السلام في قومه، وكانوا يعبدون الكواكب والأصنام، و کان أول دعوته لأبيه آزر فلما استيأس من أن يستجيب لدعوته اعتزله وتوجه إلى قومه يدعوهم ویحاججهم فلم يؤثر فيهم نصحه فأقسم على أن يكيد أصنامهم، فلما خرجوا لأداء مراسم عيدهم لم يخرج معهم، وانطلق مسرعًا إلى آلهتهم ﴿فَجَعَلَهُمْ ◌ُذَاذَا إِلََّ كَبِيرً ا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٨٥]. ولما رجعوا من عيدهم ووجدوا ما حل بمعبودهم، جيء بإبراهيم عليه السلام، وقد دار بينه وبينهم ما دار من جدال ألزمهم فيه الحجة، فعدلوا عن الجدال والمناظرة إذ لم يبق لهم سبيل إلى استعمال قوتهم وسلطانهم لينصروا ما هم عليه من سفههم وطغيانهم، وكان عليهم الإسراع في وأد الفتنة، غير أنهم اختلفوا بين مطالب بقتله وراغب بتعذيبه وهلاكه بالنار كما يخبرنا الله تعالى بقوله: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّ أَن قَالُواْ أُقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ﴾ [العنكبوت: ٢٤]. ثم اختاروا الأخير، ربما ليشهد هلاكه الناس ويعتبروا به فلا يتجرأ أحد منهم على المساس بالأصنام ثانية. فحبس إبراهيم ٤٢٠ وَضوري البََّّ صَوْسُو القرآن الكريمِ الجارة عليه السلام وشرعوا يجمعون حطبًا من إلى النار من وصول إبراهيم عليه السلام إليها جيء بالفعل (أنجى) الذي يدل على حدوث الفعل لمرة واحدة وبسرعة أكبر مما لو استعمل الفعل (نجى). أماكن عدة، ثم عمدوا إلى جوبة عظيمة فوضعوا فيها ذلك الحطب، وأطلقوا فيه النار فاضطرمت وتأججت والتهبت وعلا نستشف من هذه المواقف أن الله سبحانه قريب من عباده لا يبطئ في مساعدتهم وإنقاذهم من محنھم حین یجد فیھم ثباتًا وعزمًا وإيمانًا راسخًا، وأن على العبد أن يجعل كل ثقته بالله تعالى وبقدرته على أن يغير نواميس الكون لقاء خلاصه من شدته، وأن التوكل على الله وتسبيحه هو السبيل الأمثل لتحقيق النجاة من الشدائد. لها شرر لم ير مثله قط، فانتشرت حرارتها في الفضاء بحيث لم يكن يحلق طائر في تلك الأجواء إلا سقط محترقًا، ثم أخذوا يقيدونه ويكتفونه وهو يقول: لا إله إلا أنت سبحانك لك الحمد ولك الملك لا شريك لك، فلما وضع الخليل عليه السلام في كفة المنجنيق مقیدا مکتوفًا ثم القوه منه إلى النار قال: حسبنا الله ونعم الو کیل، وذکر بعض السلف أن جبريل عرض له في الهواء فقال: ألك حاجة فقال: أما إليك فلا. وعن ابن عباس وسعيد بن جبير أنه قال: جعل ملك المطريقول: متى أؤمر فأرسل المطر (١). ولكن الله سبحانه خص نجاة إبراهيم عليه السلام بنفسه فقال: ﴿قُلْنَا يَنَاؤُكُنِ بَرْدًا وَسَلَمَا عَلَ إَِّهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩]. فكانت النجاة بأمره هو وبقوله هو لذا لم يتحدث النص القرآني عن الذات المقدسة (بالمضمر) بل جاء باسمه الأعظم (صريحًا) في قوله: ﴿فَأَنْجَنَهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ﴾[العنكبوت: ٢٤]. ولما كان أمره سبحانه أسرع في الوصول من هذه الشدة التي أنت فيها ولتخبرن (١) انظر: انظر: جامع البيان، الطبري ١٧١/٢٠، البداية والنهاية، ابن كثير ١ / ١٦١ . ثانيًا: نجاة نبي الله يوسف عليه السلام: وردت قصة نبي الله يوسف عليه السلام في القرآن الكريم كاملة في سورة واحدة من سوره المباركة لتعرض لنا صورة عن مسيرة حياته الحافلة بالشقاء والتعذيب، واللحظات الحياتية الحرجة التي لم يكن أحد ليستطيع إنقاذه منها لولا تدخل العناية الإلهية التي كانت سببًا رئيسًا في نجاته سبع مرات من مواقف مختلفة: الموقف الأول: إجماع إخوته على إلقائه في قعر الجب، فلما ألقوه فيه أوحى الله تعالی إلیه أنه لابد لك من فرج ومخرج أخوتك بصنيعهم هذا، وكانت نجاته من البئر بمعجزة، إذ جاءت سيارة ((يسيرون من www. modoee.com ٤٢١ حرف النون الشام فأخطؤوا الطريق وهاموا حتى نزلوا رَوَدَتْنِى عَن نَّفْسِى﴾ [يوسف: ٢٥ -٢٦]. قريبًا من الجب، وكان الجب في قفرة بعيدة من العمران، إنما هو للرعاة والمجتاز، وكان ماؤه ملحًا فعذب حین ألقي فیه یوسف»(١). فأرسلوا واردهم فلما أدلى بدلوه في الجب تعلق فيه يوسف، فاستخرج من البئر ونجا من غیاهبه بتوفيق من الله تعالی. الموقف الثاني: مراودة امرأة العزيز له عن نفسه و طلبها منه ما لا يليق بحاله ومقامه، فأعدت واستعدت وهیأت وتهیأت، فصرفها الله عنه وأنجاه برؤية برهانه. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ، وَهَمَّ يِهَالَوْلًا أَن رَّهَا بُرْهَنَ رَبِّهِ، كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوَّهُ وَالْفَحْشَآءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤]. واختلف في ذلك البرهان فقيل في تفسيره ستة أقوال(٢) حاصل فكرتها جمیعًا أن نجاته عليه السلام كانت بمعجزة إلهية خصه بها. الموقف الثالث: مصادفة العزيز لدى الباب، حيث كادت امرأته بيوسف عليه السلام لتبرئ عرضها وتنزه ساحتها ولتنكل به جراء عدم امتثاله لإرادتها، فتبادلا التهمة عند سيدها: ﴿قَالَتْ مَا جَزَّآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوَّمًا إِلَّ أَن يُسْجَنَّ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ قَالَ هِىَ (١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٩/ ١٥٢. وانظر: البداية والنهاية، ابن كثير ٢٣٢/١. (٢) انظر: زاد المسير ١٥٩/٤. في هذه الأثناء تتدخل العناية الإلهية مرة أخرى لتخلص يوسف عليه السلام من مأزقه هذا بشهادة شاهد من أهلها قال ابن عباس کان صغيرًا في المهد(٣) فهداهم إلى تحكيم العقل والمنطق في التحقق من مسألة قد قميصه، فأنجاه الله بأن تيقن العزيز أن أمرأته هي التي راودت يوسف عليه السلام بعد أن رأی أن قمیصه قد من دبر. الموقف الرابع: حين شاع خبر امرأة العزيز وافتضح أمرها فكثر اللغط والطعن بعفتها فأرسلت إلى نسوة المدينة وأعتدت لهن متكأ وأخرجته عليهن، فأعظمنه وأجللنه، ثم مدحته بالعصمة وتوعدته بالسجن إن لم يطع أمرها، فأخذن يحرضنه على السمع والطاعة لسيدته (٤). فخشي يوسف عليه السلام من أن تضعف نفسه أمام ما يتعرض له من تحريضهن فدعا ربه: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَّ مِمَّا يَدْعُونَنِىّ إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّ كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَِّنَّ وَأَكْنُ مِّنَ الْجَهِلِينَ﴾ [يوسف: ٣٣]. فكان له ما أراد إذ كتب الله له النجاة بدعائه الصادق قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُد رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [يوسف: ٣٤]. (٣) انظر: قصص الأنبياء، ابن كثير ١/ ٣٢٠. (٤) انظر: البداية والنهاية، ابن كثير ٢٣٢/١. ٤٢٢ جَوَسُورَةُ النَّفِيَّة القرآن الكريم الجارة المواقف الخامس والسادس والسابع: أودع يوسف عليه السلام السجن وأنزل به العذاب وضيق عليه، وكان من شدة ما نزل به من الأمر أنه أوصى من نجا من صاحبي السجن أن یذکر أمره عند ربه ويخبره أنه سجن بغير جرم، فأنساه الشيطان، فمكث في سجنہ بین ثلاث إلی تسع سنين حتى کان ما کان من أمر رؤيا الملك التي فسرها فكان ذلك التفسير سببًا في نجاته من السجن وشدته من التهمة التي سجن حين برئ بقولها: ﴿أَنَا رَوَدَتُّهُ عَن نَّفْسِهِ، وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّدِقِينَ﴾ [يوسف: ٥١]. من الرق إلى السيادة حين أمر الملك فقال: ﴿أَثْتُونِي ◌ِّ أَسْتَخْلِصَّةُ لِنَفْسِ فَلَمَّا كَّمَّهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِيْنُ أَمِينٌ﴾ [يوسف: ٥٦]. ثالثًا: نجاة نبي الله عيسى عليه السلام : بعث عيسى عليه السلام في زمن الطبائعية الحكماء، فأرسله الله تعالى بمعجزات لا يستطيعونها ولا يهتدون إليها وعلى الرغم من أنه أقام عليهم الحجج، إلا أن أكثرهم استمسك بالضلالة والكفر، فانتدب الله تعالى من بينهم طائفة صالحة ينصرونه ويعينونه. قال تعالى: ﴿قَالَ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِعِنَ مَنْ أَنْصَارِيّ إِلَى اللَّهِ قَالَ الْمَوَّارِقُونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَمَنَت ◌َّائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَِّيلَ وَكَفَرَت ◌َِّنَةٌ فَأَّنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُواْ ظَهِنَ ١٤ [الصف: ١٤]. فلما أعلن عن دعوته ورسالته مكروا به ووشوا به إلى ملك ذلك الزمان وكان اسمه داود بن يورا، فقالوا: إن هناك رجلًا يضل الناس ويصدهم عن طاعتك، ويفسد رعاياك، ويفرق بين الأب وابنه، فأمر بقتله وصلبه، فحصروه في دار ببيت المقدس، فلما حان وقت دخولهم ألقى الله شبهه على بعض أصحابه الحاضرين عنده ورفع عيسى من روزنة من ذلك البيت إلى السماء، فلما دخلوا البيت وجدوا ذلك الشاب الذي ألقي عليه شبهه، فأخذوه ظانين أنه عيسى فصلبوه(١). وفي ذلك يقول تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَعِيسَىَّ إِّ مُتَوَقِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ أَبُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوَاْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾[آل عمران: ٥٥]. ولا يهمنا هنا أن نبحث في كيفية التوفي والرفع بقدر ما يهمنا أن نصل إلى أن الله تعالى تدارك نبيه عيسى عليه السلام ونجاه بقدرته وحده، حیث القی شبهه على شخص آخر، فلم یصل إليه شرهم، بل كان عاقبة أمرهم أن الله تعالى مكر بهم وتركهم في (١) انظر: البداية والنهاية، ابن كثير ١٠٨/٢، قصص الأنبياء، ابن كثير ٢/ ٣٦٧. www. modoee.com ٤٢٣ حرفالنون وَمَا ضلالهم يعمهون ظانين أنهم قتلوه قَثَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُيّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِى شَكٍ مِنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلٍَّ إِلَّا اُنْبَاعَ الظَِّنّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا ) بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اَللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٥٧ -١٥٨]. ٢. غير النبيين. أولًا: نجاة مؤمن آل فرعون: قیل: هو ابن عم فرعون کان یکتم إيمانه بالله من قومه خوفًا منهم على نفسه، ولکنه حين هم فرعون بقتل موسى عليه السلام وقال: ﴿ذَرُوِيِّ أَقْتُلُ مُوسَى وَلَيَدْعُ رَبَّهُ﴾ [غافر: ٢٦]. خاف، فتلطف في رد فرعون بكلمة حق جمع فيها الترغيب والترهيب وألقاها على مسامع ذلك السلطان الجائر، قال: ﴿ وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِّنْ ءَالٍ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيَمَنَهُ: أَنَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبَِّ اللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُمْ بِالْبَيْنَتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ، وَ إِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُبِ الَّذِى يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر: ٢٨]. ثم توجه إلى قومه مخاطبًا ومحذرًا أن یسلبوا ملکھم ویذلوا بتعرضهم لدین موسی عليه السلام ودعوته، مذكرًا بأحوال الأمم السالفة وما حل بأقوام نوح وعاد وثمود ومن بعدهم من هلاك بسبب عنادهم وكفرهم وصدهم عن سبيل الحق، وما ناله أولياء الله الذين صدقوا الرسل من رحمة ونجاة بسبب إخلاصهم الدین، فبالغ فرعون في الدفاع عن ألوهيته المزعومة وسخر من دعوة موسى عليه السلام وسعى إلى تكذيبه ليصد الناس عن الافتتان بدينه، ثم عاد مؤمن آل فرعون متوجهًا بالخطاب إلى قومه مطالبا إياهم باتباع ما نهجه هو من سبيل الهدى مبينًا لهم فضل الدار الآخرة على الدنيا ومتاعها الذي يتمسكون به، ومبشرًا من يعمل صالحًا منهم بالجنة(١). غير أن خطابه ودعوته الإيمانية هذه جوبهت بمحاولات قومه صده عن سبيل الهدى والعودة به إلى اتباع ربهم الأعلى والتسليم له بالربوبية، حرصًا على حياته من جهة، وذودًا عن سلطان فرعون الذي يخافون بطشه ويطمعون في جائزته من جهة أخرى، فكان مؤمن آل فرعون يشتد بأسه ويتصلب موقفه كلما احتدم الجدال ليعود فيخاطب عقولهم ويعقد مقارنة بين دعوته لهم التي يريد بها إخراجهم من الظلمات إلى النور، ودعوتهم له التي لن تودي به إلا إلى النار فيقول: ﴿وَيَقَوْمِ مَا لِىّ أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَوَةِ وَتَدْعُونَفِىَ إِلَى النَّارِ (٦) تَدْعُونَنِى لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأَشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِى بِهِ، عِلَمٌ وَأَنَاْ أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْفَفَّرِ لَا جَرََّ (١) انظر: البداية والنهاية، ابن كثير ٣٠٢/١ - ٣٠٥، الدر المنثور، السيوطي ١٢٣/٥. مَوَسُولَةُ النَّ القرآن الكريم ٤٢٤ الجارة أَنَّمَا تَدْعُونَفِىّ إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فى لأنهما أغریا بتسمیمه، فأمر بحبسهما، و کان يوسف عليه السلام معروفًا بإحسانه وتقواه، اُلْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر: ٤١-٤٣]. فقصده الفتيان ليعبر لهما رؤياهما، إذ ﴿قَالَ أَحَدُهُمَآ إِيَ أَرَبِيّ أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآَخَرُّ إَِّّ أَرَبِيّ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزَا تَأْكُلُ اَلَّيْرُ مِنْهُ﴾ [يوسف: ٣٦]. فلما استيأسوا منه خافوا أن يتشجع العامة من الناس على أن يحذوا حذوه، فيرتدوا عن عبادة فرعون ويلتحقوا بدعوة موسى عليه السلام ، فمكروا به للخلاص منه، وكان مكر الله بهم أكبر ﴿ فَوَقَتُهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُواْ وَحَاقَ بِثَالِ فِرْعَوْنَ سُوءُ اَلْعَذَابِ ﴾ [غافر: ٤٥]. وبنجاته من آل فرعون التحق بنبي الله موسی علیه السلام لیکون سببًا في خروجه من مصر ونجاته من القوم الظالمين، إذ أخبره بما يدبر له آل فرعون ﴿قَالَ يَمُوسَىّ إِنَّ اُلْمَلَأَ يَأْتَمِّرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوَكَ فَأَخْرُجْ إِّ لَكَ مِنَ النَّصِحِينَ﴾ [لقصص: ٢٠]. وبهذا يقدم لنا مؤمن آل فرعون صورة عظيمة للموقف الإيماني الراسخ المتسلح بالعقيدة الصادقة التي منحته القوة في مواجهة فرعون وملأه والتصريح بالدعوة إلى الله الواحد الأحد، فوهب الله له الخلاص وكتب له الخلود لشجاعة موقفه وصدق إيمانه. ثانيًا: نجاة صاحب نبي الله يوسف عليه السلام : وهو أحد الفتيين اللذين دخلا معه السجن، وكان الملك قد غضب منهما، فعبرها لهما بقوله: ﴿يَصَحِىِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُ كُمَا فَيَسْقِى رَبَّهُ، خَمْرًا وَأَمَّا الْآَخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ﴾ [يوسف: ٤١]. وتفسير ذلك أنه قال للساقي: إنك ترد على عملك الذي كنت عليه من سقي الملك، وقال للخباز: وأما أنت فتصلب فتأكل الطير من رأسك(١). وما هي إلا أيام حتى تحقق تعبير الرؤيتين، فصلب الخباز حتى هلك، ونجا الساقى بعفو الملك، وكما کانت نجاة مؤمن آل فرعون سببًا في خلاص موسی علیه السلام، کانت نجاة الساقي سببًا في خلاص يوسف عليه السلام ولو بعد حين، فقد طلب من ذلك الناجي أن يذكره عند ربه بعد خروجه من السجن فأنساه الشيطان ذكر ربه، حتى كانت رؤيا الملك التي ذكرته بعهده ليوسف عليه السلام فكان ما کان من أمر تأويله لرؤيا الملك التي کتب الله بها له النجاة من السجن، ولمصر النجاة من الهلاك. (١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٩٣/٩. www. modoee.com ٤٢٥ حرفالنون ثانيًا: الناجون من الجماعات: أولًا: نجاة نبي الله هود عليه السلام والذين آمنوا معه: کان من قبيلة یقال لهم: عاد، کانوا عربًا يسكنون الأحقاف، وهم عاد الأولى الذين كانوا أول من عبد الأصنام بعد الطوفان، وأصنامهم ثلاثة صدا وصمودا وهرا، فبعث الله فيهم أخاهم هودًا عليه السلام ، قيل: إنه أول من تكلم بالعربية، وثاني الأنبياء - بعد نوح عليه السلام - الذين جابهوا فكرة الوثنية ودعوا إلى عبادة الله الواحد الأحد، فدعا قومه إلى تقوى الله تعالى وإلى إفراده فَأَتَّقُواْ اللّهَ بالعبادة والإخلاص له بقوله: وَأَطِيعُونِ ) وَأَتَّقُواْ الَّذِىّ أَمَذَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ أَمَذَّكُمْ بِأَنْعَمٍ وَيَنِينَ (١٦) وَحَتَّتٍ وَعُيُونٍ ١٣٢ إِّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٣١ - ١٣٥]. فكذبوه وخالفوه وتنقصوه وحاجوه أنك ما جئتنا بمعجزة تشهد لك بصدق دعوتك، وما نحن بتاركي عبادة أصنامنا، إن نظن إلا أصابك بعض آلهتنا بغضب فاعتراك جنون، فما كان منه إلا أن تبرأ من إشراكهم مفوضًا أمره إلى الله، أما قومه فقد ترقوا في عداوتهم له من رفضهم لنصائحه ودعواته واتهامهم له في عقله إلى تحديه: ﴿فَأَنْنَا بِمَا تَمِدُنَا﴾ [الأعراف: ٧٠]. واستبعدوا المعاد وأنكروا قيام الأجساد بعد صيرورتها ترابًا وعظامًا وقالوا ﴿هَتْهَاتَ مَّهَاتَ﴾؛ أي: بعيد بعيد هذا الوعد ﴿إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَفَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾[المؤمنون: ٣٧]. ثم عارضوا عبادة الله تعالى بعبادة أصنامهم التي نحتوها وسموها من تلقاء أنفسهم فتوعدهم بالعذاب بقوله: ﴿قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسُ وَغَضَبُ أَتْجَدِلُونَنِى فِى أَسْمَآءِ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَءَابَاؤُكُمْ مَّا نَزَّلَ اَللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ فَأَنَظِرُواْ إِ مَعَكُم مِّنَ الْمُتَظِرِينَ﴾ [الأعراف: ٧١]. فاستجار بربه منهم واستعان به عليهم ودعاه إلى أن ينصره وینجيه: ﴿قَالَرَبِّ أَنْصُرْنِىِ بِمَا كُنَّبُونِ ) قَالَ عَمَّا قَلِلٍ لَيُصْبِحُنَّ تَدِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٩-٤٠]. يذكر أن عادًا كانوا ممحلين مسنتين، ويسبب رفضهم دعوة هود عليه السلام أمسك الله تعالى عنهم المطر ثلاث سنين حتى جهدهم ذلك فطلبوا الفرج والسقيا ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَنِهِمْ قَالُواْ هَذَا عَارِضُ مُطِرُنَا بَلْ هُوَّ مَا أَسْتَعْجَلْتُم بِهِ، رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأحقاف: ٢٤]. فسخرها الله علیهم سبع ليال و ثمانية أيام متواصلة، فلم تدع من عاد أحدًا إلا هلك. قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا غَيْنَا هُودَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍمِنَّا وَغَيْنَهُم مِّنْ عَذَابٍ ٤٢٦ الْقُرآن الكَرِيمِ جوبي الجارة غَلِيظٍ ﴾ [هود: ٥٨]. قيل: اعتزل هود عليه السلام في حظيرة هو ومن معه من المؤمنین ما يصيبهم إلا ما يلين عليهم الجلود ويلتذ الأنفس، وإنها لتمر على عاد بالطعن فيما بين السماء والأرض وتدمغهم بالحجارة(١). قال تعالى: ﴿فَأَنْجَيِّنَهُ وَالَّذِينَ مَعَدُ بِرَحْمَةٍ مِّنَا وَقَطَّعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِعَايَوِنَّاً وَمَا كَانُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ٧٢]. فكانت نجاة هود عليه السلام ومن معه برحمة من الله تعالی خصھم بها. ثانيًا: نجاة نبي الله صالح عليه السلام والذين آمنوا معه: هو من قبيلة يقال: لها ثمود أو عاد الثانية، كانوا عربًا من العارية يسكنون الحجر، و کانوا يعبدون الأصنام کأسلافهم من قوم عاد الأولى، فبعث الله فیھم صالحًا عليه السلام يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له وأن يخلعوا الأصنام التي يعبدونها، قال لهم: ﴿وَأَذْكُرُواْ إِذْ جَمَلَكُتْ خُلَفَآءُ مِنْ بَعْدٍ عَادٍ وَبَوََّكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَنَنْحِثُونَ اَلْجِبَالَ بُيُوتًا فَأَذْكُرُوَاْ ءَالَآءَ اللَّهِ وَلَا نَعْثَوْاْ فِى اٌلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ٧٤]. فآمنت طائفة منهم وكفر جمهورهم (١) انظر: البداية والنهاية، ابن كثير ١٣٨/١- ١٤٩، قصص الأنبياء، ابن كثير ١/ ١٢٠. قَالُواْ يَصَلِحُ قَدْ ونالوا منه بالمقال والفعال كُنْتَ فِنَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا﴾ [هود: ٦٢]. لأنهم يرون أنه أصبح مسحورًا لا يدري ما يقول، ثم طالبوه بأن يأتيهم بآية على صدقه فقالوا له هلا أخرجت لنا من هذه الصخرة - وأشاروا إلى صخرة هناك- ناقة ذكروا أوصافًا لها كثيرة، فقال لهم النبي صالح عليه السلام: أرأيتم إن أجبتكم إلى ما سألتم، أتؤمنون بما جئتكم به وتصدقوني ورسالتي؟ قالوا: نعم. فأخذ مواثيقهم على ذلك ثم قام فصلی لله تعالى ما قدر له ثم دعا ربه أن يجيبهم إلى ما طلبوا، فأمر الله تعالى تلك الصخرة أن تنفطر عن ناقة عظيمة عشراء، على الوجه الذي طلبوه، قال: ﴿قَدْ جَآءَنْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَذِهِ، نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ ءَايَةٌ فَذَرُوهَا تَأْكُلُ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوْءٍ فَيَأْخُذُكُمْ عَذَابٌ أَلِيٌِّ ﴾ [الأعراف: ٧٣]. فلما عاينوها كذلك رأوا أمرًا عظيمًا ودليلًا قاطعًا، فآمن كثير منهم واستمر أكثرهم على كفرهم، فاتفق الحال على أن تبقى هذه الناقة بين أظهرهم ترعى حيث شاءت من أرضهم وترد الماء يومًا بعد يوم، فلما طالت عليهم الحال هذه اجتمع ملؤهم واتفق تسعة رهط من المفسدين منهم على أن يعقروا هذه الناقة ليستريحوا منها ويتوفر عليهم ماؤهم، وزين لهم الشيطان أعمالهم www. modoee.com ٤٢٧ حرف النون ﴿فَعَقَرُواْ النَّاقَةَ وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُواْ يَصَلِحُ أَثْتِنَا بِمَا تَعِدُنَّ إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٧٧]. فأوعدهم بالعذاب، قال: ﴿تَمَتَّعُوا فِ دَارِكُمْ ثَثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدُ غَيْرُ مَكَذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥]. فلم يصدقوه في وعیده هذا، بل هموا بقتله وأرادوا فيما زعموا أن يلحقوه بالناقة ﴿قَالُواْ تَقَاسَمُواْ بِاللَّهِ لَتُبَسِّتَنَّهُ، وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لَوَلِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ، وَإِنَّا لَصَدِقُونَ﴾ [النمل: ٤٩]. فأرسل الله تعالى على أولئك الرهط حجارة رضختهم سلفًا وتعجيلًا قبل قومهم، وبينا بقية القوم ينتظرون ماذا يحل بهم من العذاب ولا يدرون ما سیفعل بهم ولا من أي جھہ یأتیھم جاءتهم مع شروق اليوم الرابع صيحة من السماء من فوقهم ورجفة شديدة من أسفل منهم، ففاضت الأرواح وزهقت النفوس وخشعت الأصوات، فأصبحوا في دارهم جائمين جثثًا لا أرواح فيها ولا حراك بها(١)، إلا صالح عليه السلام ومن آمن معه قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا جَاءَ أَقْرُنَا نَيِّنَا صَلِحًا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْي يَوْمِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِىُّ الْعَزِيزُ﴾ [هود: ٦٦]. قال الطبري قوله: ﴿بَرَحْمَةٍ مِنَّا﴾ أي: (١) انظر: البداية والنهاية، ابن كثير ١/ ١٥٠- ١٦٠، زاد المسير، ابن الجوزي ٤ / ١٠٠. (بنعمة وفضل من الله، ﴿وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِيدٍ} يقول: ونجيناهم من هوان ذلك اليوم وذلة ذلك العذاب»(٢) ثالثًا: نجاة نبي الله لوط عليه السلام وأهله: هو ابن أخي نبي الله إبراهيم عليه السلام وکان لوط قد نزح عن محلة بأمر عمه وإذنه، فنزل بمدينة سدوم ولها أهل من أفجر الناس وأردأهم سريرة وسيرة، وكانوا مع ذلك يقطعون الطريق ويأتون في ناديهم المنكر، ثم إنهم ابتدعوا فاحشة لم يسبقهم إليها أحد من بني آدم، فدعاهم لوط عليه السلام إلى عبادة الله تعالى وحده لا شريك له ونهاهم عن تعاطي هذه المحرمات والأفاعيل المستقبحات، فتمادوا في طغيانهم واستمروا على فجورهم وكفرانهم، فلم يستجيبوا له ولم يؤمن به رجل واحد منهم، وهموا بإخراجه من بين ظهرانيهم واستضعفوه وما كان حاصل جوابهم له إلا أن قالوا: ﴿أَخْرِجُوَاَ ءَالَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسُ يَنَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: ٥٦]. فجعلوا غاية المدح ذمًا يقتضي الإخراج، فطلبوا من لوط عليه السلام وقوع ما حذرهم به من العذاب الأليم، فدعا عليهم سائلًا ربه أن ينصره على القوم المفسدين فَتَجَيْنَه ٦٩ قال: ﴿رَبِّ ◌َجِىِ وَأَهْلِى مِمَّا يَعْمَلُونَ (٢) جامع البيان، الطبري ١٢/ ٨٤. ٤٢٨ جُوْسُورَةُ النَّفِيَّة لِلْقُرْآن الكَرِيْمِ الجارة وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٩ - ١٧٠]. إذ أرسل الله تعالى رسله فمروا بإبراهيم عليه السلام وبشروه بالغلام العليم وأخبروه أنهم مرسلون إلى قوم لوط عليه السلام فجادلهم في أمر عذابهم، فقالوا له: بَإِبْرَهِيُمُ أَعْرِضِ عَنْ هَذَاْ إِنَّهُ قَدْ جَآءَ أَمْهُ رَيْكَ وَإِنَّهُمْ ءَاتِهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَنْ دُوٍ﴾ [هود:٧٥]. فقال لهم: ﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُواْ ◌َحْبُّ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِيَنَّهُ وَأَهْلَهُ: إِلَّا أَمْرَأَتَهُ. كَانَتْ مِنَ الْغَيِينَ﴾[العنكبوت: ٣٢]. وانطلق الملائكة إلى أرض سدوم في صورة شبان حسان اختبارًا من الله تعالى لقوم لوط عليه السلام وإقامة الحجة عليهم، فاستضافوه فخشي إن لم يضفهم يضيفهم غيره، وحسبهم بشرًا وسيء بهم وضاق ذرعا بهم واشتد عليه بلاء يومه، وقد كان قومه نهوه أن یضیف رجلًا، فجاء بضيوفه فلم يعلم بهم أحد إلا أهل البيت فخرجت امرأته فأخبرت قومها فقالت: إن في بيت لوط رجالًا ما رأيت مثل وجوههم قط فجاءه قومه يهرعون إليه. حاول أن يرشدهم إلى عدم تعاطي ما لا يليق من الفاحشة، فأبوا إلا أن يمضوا إلى ما يبتغون فقال لهم: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِ بِكُمْ قُوَّةً أَوْ ءَاوِىّ إِلَى ؤُكْنِ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠]. قالت الملائكة: ﴿قَالُواْ يَلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُواْ إِلَيْكَ﴾ [هود: ٨١]. ثم بثوا في نفسه الطمأنينة ووعدوه بالنجاة قائلين: ﴿لَا ◌َخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّ أَمْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَيِنَ﴾ [العنكبوت: ٣٣]. وأخبروه بأن يسري هو وأهله من آخر الليل قال تعالى: ﴿إِلَّءَالَ لُوطٍ لََّيْنَهُم بِسَحَرٍ﴾ [القمر: ٣٤]. ﴿وَلَا يَلْثَفِتْ مِنكُمْ أَحَدُّ﴾ يعني: عند سماع صوت العذاب إذا حل بقومه أما قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَمْرَأَتَكَ﴾ فيحتمل أن يكون مستثنى من قوله: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾، كأنه يقول إلا امرأتك فلا تسر بها. ويحتمل أن يكون من قوله: ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدُّ إِلَّا أَقْرَأَتَكَ﴾ (١). فلما خرج لوط عليه السلام وخلصوا من بلادهم مع شروق الشمس ﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِيلٍ مَّنْضُورٍ﴾ [هود: ٨٢]. وهكذا كتب الله تعالى لنبيه لوط عليه السلام وأهله الخلاص وطهرهم منهم قال تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا أَمْرَأَتَهُ، قَذَّرْنَهَا مِنَ الْغَبِينَ﴾ [النمل: ٥٧]. فأخرجهم منها أحسن إخراج وتركهم في محلتهم خالدين وخصهم في القرآن (١) انظر: البداية والنهاية، ابن كثير ٢٠٣/١ - ٢١٠. وانظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٩ / ٦٢. www. modoee.com ٤٢٩ حرفالنون الكريم بتكرار ذكر نجاتهم سبع مرات ليؤكد وطرقاتهم فآمن به بعضهم وكفر أكثرهم. خلاصهم من تلك القرية وفواحشها وما ترتب عليها من عقوبة وهلاك خارق ليس له نظير منذ بدء الخليقة. قال تعالى: ﴿وَ إِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَآءَتَكُم بَيِّنَةٌ مِّنْ رابعًا: نجاة نبي الله شعيب عليه السلام رَّيِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٨٥]. والذين آمنوا معه: أرسل شعیب بن میکیل في قبيلة مدین التي استوطنت مدينة مدين وهي قرية من أرض معان من أطراف الشام مما يلي ناحية الحجاز قريبًا من بحيرة قوم لوط عليه السلام ، كان أهلها قومًا عربًا سكنوا بعد قوم لوط عليه السلام بمدة قريبة. وعن وهب ابن منبه أنه قال: شعيب وملغم ممن آمن بإبراهيم يوم أحرق بالنار وهاجرا معه إلى الشام فزوجهما بنتي لوط عليه السلام ، وكان بعض السلف يسمي شعيبًا خطيب الأنبياء يعني: لفصاحته وعلو عبارته وبلاغته في دعاية قومه إلى الإيمان برسالته. وكان أهل مدين كفارًا يقطعون السبيل ويخيفون المارة ويعبدون الأيكة، وكانوا من أسوء الناس معاملة يبخسون المكيال والميزان ويطففون فيها، يأخذون بالزائد ويدفعون بالناقص، فبعث الله فيهم رجلًا منهم وهو رسول الله شعيب عليه السلام فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له ونهاهم عن إتیان کل ما هو قبيح من بخس الناس أشياءهم وإخافتهم لهم في سبلهم أي: دلالة وحجة واضحة وبرهان قاطع على صدق ما جئتكم به وهو ما أجرى الله على يديه من المعجزات التي لم تنقل إلينا تفصيلًا وان كان هذا اللفظ قد دل عليها إجمالًا ﴿فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَاَلْمِيزَانَ وَلَا نَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَآءَ هُمْ وَلَا نُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَحِهَا ذَلِكُمْ خَيرٌ لَكُمْ إِن كُنتُم ◌ُؤْمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٥]. فأمرهم بالعدل ونهاهم عن التطفيف وحذرهم سلب نعمة الله عليهم في دنياهم وتوعدهم بالعذاب على خلاف ذلك فما كان جوابهم إلا أنهم استهزؤوا بصلاته فرد عنادهم ذاك بالدعوة إلى الإصلاح مرة وبالترهيب مرة أخرى والتذكير بمصير أسلافهم من الأقوام التي هلكت بصدها عن سبيل الله، فتجاهلوا دعوته واستضعفوه ﴿قَالُواْ يَشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَا تَقُولُ وَإِنَّا لَغَرَكَ فِينَاضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْلُكَ لَرَجَمْنَكَ وَمَآ أَنْتَعَلَيْنَا بِعَزِيزِ﴾[هود: ٩١]. وهذا من بليغ كفرهم أنهم لا يخافون الله بقدر ما يخافون قبيلته، فتوعدهم بعذاب الله وتوعدوه بأن يخرجوه والذين ٤٣٠ جوبيـ القرآن الكريم الجارة آمنوا معه أو يعودون في ملتهم، فأجابهم شعیب علیه السلام بلسان حاله ومن آمن به: ﴿قَالَ أَوَّلَوْ كُنَا كَثِمِينَ (٥) قَدِ أَفْتَرَتْنَا عَلَى اللّهِ كَذِّبًا إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّيِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَنَا ◌َللَّهُ مِنْهَا﴾ [الأعراف: ٨٨-٨٩]. يذكر لهم فضل الله عليه في الإيمان والنجاة من فسادهم ونهجهم الظالم، والنجاة هنا كانت من الله لأنه هو من يهدي من يشاء ويضل من يشاء. ثم استفتح على قومه واستنصر ربه عليهم في تعجيل ما يستحقونه إليهم فقال: ﴿رَبَّنَا أَفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَئِينَ ﴾ [الأعراف: ٨٩]. فاستجاب له ربه وأنزل فيهم ألوان العذاب فقال تعالى في عذاب الرجفة: فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِى دَارِهِمْ جَئِمِينَ﴾ [الأعراف: ٩١]. أي: رجفت بهم أرضهم وزلزلت زلزالا شديدًا أزهقت أرواحهم من أجسادها وصيرت حيوانات أرضهم كجمادها وأصبحت جثثهم جائية لا أرواح فيها ولا الصيحة: حركات بها ولا حواس لها، وقال في عذاب ﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَرِهِمْ جَثِمِينَ﴾ [هود: ٩٤]. وقال في عذاب يوم الظلة: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابٌ يَوْمِ اْلُلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٨٩]. ردًا على طلبهم أن يسقط شعيب عليهم كسفًا من السماء. فقد أصابهم حر شدید فهربوا إلى البرية، فأظلتهم سحابة، فاجتمعوا تحتها ليستظلوا بها فلما تكاملوا أرسلها الله تر میهم بشرر وشهب. قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا ◌َيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَا﴾ [هود:٩٤]. والنجاة هنا كانت بفعل رحمة الله تعالى التي حلت بهم في مقابل نقمته على القوم الظالمين. وهكذا كانت سير الصالحين من عباد الله من أنبيائه ومن آمن معهم من أهلهم وأقوامهم الذين آلوا على أنفسهم أن لا يغادر وا طاعة الله ولا يركنوا إلى الذين كفروا وصدوا عن سبيله مهما أوذوا في جنب الله ومهما استضعفتهم قوى الظلم والضلالة، فما كان الله تعالى ليضيع إيمانهم وهم يرجون رحمته ويرقبون نصره، بل خصهم بعنایته فکف أیدیھم عنهم ووقاهم برحمته عذاب الخزي في الحياة الدنيا، ذلك بأنهم آمنوا بربهم وصدقوه عهدهم واتقوه حق تقاته فلم يهنوا ولم يرتابوا فاستحقوا النجاة في الدنيا والآخرة. لقد ساقت لنا آيات الله البينات تلك المواقف الخالدة في تاريخ البشرية لنتعرف على منهاج الصالحين الذين اختاروا طريق الله تعالى واستمسكوا بهديه فلم يرعبهم www. modoee.com ٤٣١ حرفالنون ظلم العباد ولم تضلهم فتنة الظالمين، ولتقتدي سيرنا بسيرهم فينقطع رجاؤنا إلی الله وحده فنصدقه العهد ونرخص له الأرواح والمهج في سبيل إعلاء كلمته ونصرة دينه، فلعلنا نبلغ رضاه ونفوز برحمته التي نجى بها عباده الصالحين. موضوعات ذات صلة: الحذر، الخسران، العذاب، الفلاح، الهداية، النار، النصر ٤٣٢ ◌َالنَّسَبـ قَضوري جوبي القرآن الكريم