النص المفهرس

صفحات 21-40

الجارة
عليه نعمته من جديد فأرسله إلى مائة ألف أو منهما جميعًا))(٥).
يزيدون، فهذه الأمور الثلاثة مجتمعة كانت
تؤلف حالة الغم التي رافقت يونس عليه
السلام ، وكانت وراء مجيء اللفظة بصيغة
نجيناه دون أنجیناه.
وترد النجاة من الغم في موضع آخر من
القرآن الكريم، وذلك في قوله تعالى مخاطبًا
موسى عليه السلام: ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَيْنَكَ
مِنَ الْغَمِّ وَفَنَّكَ فُونًا﴾ [طه: ٤٠].
فأحس بالندامة على فعلته و تملكه شعور
فالمقصود بالنفس التى قتلها ذلك الرجل
بأنه
القبطي الذي وكزه فقضى عليه، وكان قتله له
خطأ في ما تذكر الروايات(١).
ظلم نفسه وأنه كان ظهيرًا للمجرمين
وأنه فقد نعمة الله عليه بذلك القتل وأنه
معاقب عليه من الله لا محالة، فتوجه إلى ربه
وتكاد تتفق التفاسير على تأويل معنی
قوله تعالى: ﴿فَنَجَّيْنَكَ مِنَ الْغَمْ﴾ قال بالاعتراف بخطئه والدعاء بالمغفرة ﴿قَالَ
رَبِّ إِنِّى ظَلَمْتُ نَفْسِى فَأَغْفِرْ لِ﴾ [القصص: ١٦].
مجاهد: ((من غم قتل النفس))(٢).
وقال ابن الجوزي: «كان مغمومًا مخافة
أن يقتل به فنجاه الله بأن هرب إلى مدين))(٣).
وقال القرطبي: ((أي: آمناك من الخوف
والقتل والحبس)) (٤).
فيما ذهب الشوكاني إلى أن معناه:
نجيناك من «الغم الحاصل معك من قتله
خوفًا من العقوبة الأخروية أو الدنيوية أو
(١) انظر: جامع البيان ٢٠٥/١٦، فتح القدير
٣٦٥/٣.
(٢) تفسير مجاهد ٣٩٦/١.
(٣) زاد المسير ١٩٨/٥.
(٤) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٩٨/١١.
غير أننا نرى أن نجاة موسى عليه السلام
من الغم هي غير نجاته من الخوف والقتل
التي سنأتي على ذكرها، فحين وكز ذلك
القبطي، فوجئ به وقد فاضت روحه بین
یدیه، فأدرك أن ما أقدم عليه كان من عمل
الشيطان وأنه اتبع عدو الله حین أضله من
حيث لا يقصد: ﴿قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ.
عَدُوٌ مُضِلٌّ مُّبِينٌ﴾ [القصص: ١٥].
فاستجاب الله له دعاءه من فوره فغفر
له ورفع عنه الغم فحين ذكر الله سبحانه
لموسى عليه السلام مننه عليه كان من
جملتها قوله: ﴿فَنَجَّيْنَكَ مِنَ الْغَمِّ﴾ [طه: ٤٠].
أي: من شعورك بالحزن والندامة وظلم
النفس ومخافة عقوبة الله إذ غفرنا لك.
٢. الکرب.
الأصل في الكرب ((الشدة والقوة .. ومن
الباب الكرب وهو الغم الشديد)»(٦)، وهو
كذلك عند الراغب الأصفهاني (٧).
(٥) فتح القدير ٣٦٥/٣.
(٦) مقاييس اللغة ١٦٤/٥.
(٧) المفردات ص٥٥٣.
www. modoee.com
٣٩٣

حرف النون
أما ابن حجر فيعرف الكرب بأنه:
(ما يدهم المرء مما يأخذ بنفسه فيغمه
ویحزنه)»(١).
وقد وردت النجاة من الكرب في
القرآن الكريم في أربعة مواضع، ثلاثة منها
اختصت بأنبياء الله وجاء (الكرب) فيها
بصيغة التعريف، وقد لازم الكرب صفة
واحدة هي كونه عظيمًا، وجاء في الموضع
الرابع في سياق عام بصيغة التنكير من غير
تخصیص.
وقد ارتبطت مواقف النجاة من قَدْ قُّدِرَ ا وَحَلْنَهُ عَلَى ذَاتِ أَوَجِ وَدُسُرٍ﴾
[القمر: ١١- ١٣].
(الكرب) في القرآن الكريم بمواقف
الخوف والشدة التي تعصف بالنفوس
وتحملها على الاغتمام، فنوح عليه السلام
کان يتملكه الخوف على قومه من عذاب
الله، قال: ﴿يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهِ
غَيْرُهُ إِ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾
[الأعراف: ٥٩].
وقد لبث فيهم ((ألف سنة إلا خمسين
عامًا يدعوهم إلى الله عز وجل فلم يؤمن
به منهم إلا القليل وكانوا يتصدون لأذاه
ويتواصون قرنًا بعد قرن وجيلا بعد جيل
على خلافه))(٢) ويمعنون في السخرية منه
وتكذيبه واتهامه بالجنون.
قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُواْ
(١) فتح الباري، ابن حجر ١٢٢/١١.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣/ ١٩٤.
عَبْدَنَا وَقَالُواْ مَجْنُونٌ وَأَزْدُجِرَ﴾ [القمر: ٩].
فنادی نوح عليه السلام ربه بندائه الأول
الذي جاء بسبب شعوره بالبؤس مما يفعله
قومه: ﴿قَالَ رَبٍّ إِنَّ قَوْمِى كَذَّبُونِ (٢) فَأَفْنَحْ بَيْنِ
وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَجْنِى وَمَن مَّعِىَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾
[الشعراء: ١١٧-١١٨].
فاستجاب الله تعالى لندائه إذا طلب
(الفتح والنجاة) فأجابه أولًا بالفتح وذلك
بقوله:
﴿فَفَتَحْنَاً أَبْوَبَ السَّمَآِ بِلْ مُهَمٍ
﴿ وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْنَقَى الْمَآءُ عَلَىَ أَمْرٍ
ثم أجابه ثانية بالنجاة مما كان يخيم عليه
وأهله من حزن وكرب عظيم ومن الأذى
والمكروه الذي كان يصيبهم من الكافرين
والعذاب الذي أحل بالمكذبين من طوفان
وغرق(٣)، وذلك بقوله: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى
مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ، فَنَجَيْنَهُ وَأَهْلَهُ مِنَ
اُلْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنبياء: ٧٦].
حتى إذا جرت بهم الفلك في البحر
تملكه وأهله الحزن والغم ثانية من أمر
ابنه الذي لم یرکب معھم وآوی إلی جبل
يعصمه، وحال بينه وبين أبيه وأهله الموج،
فجاء النداء الثاني: ﴿وَنَادَىْ نُوحُ رَّبَّهُ، فَقَالَ
رَبِّ إِنَّ أَبْنِ مِنْ أَهْلِى وَ إِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ
أَعَكُمُ الْحَكِينَ ﴿ قَالَ يَنُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ
(٣) ينظر جامع البيان ٦٦/١٧، ٧٩/٢٣.
٣٩٤
صَوَسُو ◌َرَ النَّفْسَيد
القرآن الكريم

الجارة
إِنَّهُ, عَمَلُ غَيْرُ صَِحٍ فَلَا تَسْتَلْنِ مَا لَيْسَ لَّكَ بِهِ، عِلْمٌ إِنَّ
[هود: ٤٥-
أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَهِلِينَ ﴾
٤٦].
فرفع الله بجوابه هذا الغم والحزن الشديد
عن نوح عليه السلام وأهله وخلصهم مما
كان يعتصر قلوبهم من هم وکرب.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَادَلَنَا تُوعُ فَلَنِعْمَ
الْمُجِيبُونَ ) وَغَيْنَهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ
الْعَظِيمِ﴾ [الصافات: ٧٥-٧٦].
يلاحظ أن هناك اختلافًا واضحًا في
صورتي النجاة الآنفتين من جهتين: أن
النجاة في الأولى جاءت في شكل استجابة
لنداء نوح عليه السلام وطلبه النجاة، فقال
تعالى: ﴿فَأَسْتَجَبْنَا﴾، وأنها جاءت
متصلة بـ(الفتح) فقال ((فنجيناه)) بالفاء على
الترتيب.
في حين جاءت النجاة في الثانية في
شكل جواب على سؤال نوح عليه السلام
في شأن ابنه وليست استجابة، فقال تعالى:
﴿فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ فجاءت النجاة من الله
متصلة بالنجاة الأولى فقال: ((ونجيناه))
بالواو، أي: مرة أخرى.
وقد وقع الخلط عند كثير من المفسرين
بین نداءات نوح عليه السلام و دعائه ففسروا
هذي بتلك، والفرق واضح بينهما في
سياقات كل منهما وفي طبيعة الاستجابة
الإلهیة إلی کل منهما.
وترد النجاة من الكرب في موضع
آخر من القرآن الكريم وهو قوله تعالى:
﴿ وَلَقَدْ مَنَنَّا عَ مُوسَى وَمَنُونَ ()
وَنَّنَهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾
[الصافات: ١١٤- ١١٥].
قيل في معنى ﴿الْكَرْبِ اَلْعَظِيمِ﴾: من
الغرق(١).
وقال ابن كثير: أي ((من قهر فرعون
وقومه، وما كان يعتمد في حقهم من الإساءة
العظيمة من قتل الأبناء واستحياء النساء
واستعمالهم في أخس الأشياء)»(٢).
غير أن المتتبع لقصة موسى عليه السلام
يجد أن النجاة هنا توحي بالخلاص من
مواقف شديدة وعصيبة، فحين أمر الله
تعالى موسى وهارون (عليهما السلام)
فقال: ﴿أَذْهَبَآ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ) فَقُولَا لَهُ.
فَوْلاً لَِّنَا لَعَلَّهُ يَتَذَّكَّرُ أَوْ يَخْشَى ◌ْ قَالَا رَبَّآَ إِنَّنَا
تَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْأَنْ يَطْغَى﴾ [طه: ٤٣ -٤٥].
فقد کان الخوف یخیم علیھما وبالأخص
موسى عليه السلام الذي تعددت أسباب
الخوف عنده ﴿قَالَ رَبِّ إِّ أَخَافُ أَنْ
يُكَذِبُونِ ﴿ وَيَضِيقُ صَدْرِى وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِ
فَأَرْسِلْ إِلَى هَرُونَ ﴿ وَهُمْ عَلَىَّ ذَتْبٌ فَأَخَافُ أَنْ
يَقْتُلُونِ﴾ [الشعراء: ١٢ - ١٤].
(١) انظر: جامع البيان ١٠٧/٢٣، زاد المسير
٣٠٧/٦، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٠١١٤/١٥
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢١/٤.
www. modoee.com
٣٩٥

حرفالنون
ثم إذا انتهيا إلى فرعون وحدثاه بما وشدتهم وأنقذهم من فرعون وجنوده، فلما
أراد الله تعالى أن يذكر منه على موسى
وهارون جمع كل مواقف النجاة الآنفة في
قوله: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَمَرُونَ (١)
وَنَّنَهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ اَلْعَظِيمِ﴾
[الصافات: ١١٤-١١٥].
أمرهما الله به أمعن فرعون في جدال موسی
عليه السلام والسخرية منه وتهديده ﴿قَالَلپنِ
اَّخَذْتَ إِلَهَا غَيْرِى لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾
[الشعراء: ٢٩].
فأنجاه الله من هذا الموقف بما أظهره
لفرعون من معجزات، غير أن الموقف أفضی
إلى اتساع رقعة التحدي فجمع السحرة فلما
ألقوا حبالهم وعصيهم ﴿سَحَرُواْ أَعْيٌُ
النَّاسِ وَأَسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُ و بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾
[الأعراف: ١١٣].
فخيل إليه من سحرهم أنها تسعى
﴿فَأَوْجَسَ فِی نَفْسِهِ،خِفَةٌ مُوسَى﴾ [طه:٦٧].
فأنجاه الله ثانية من الخوف ومن
هول ذلك الموقف، ثم توعد فرعون قوم
موسى عليه السلام ﴿قَالَ سَنُقَئِلُ أَهُمْ
وَنَسْتَحِيِ نِسَآءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَِهِرُونَ﴾
[الأعراف: ١٢٠].
فبلغ ذلكِ الوعيد بني إسرائيل ﴿فَمَا كُلِ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٦٣ - ٦٤].
ءَامَنَ لِمُوسَىَ إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ، عَلَى خَوْفٍ مِّن
فِرْعَوْنَ وَمَلَيْهِمْ أَنْ يَفْئِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي
اٌلْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ [يونس: ٨٣].
وکانوا في شدتهم تلك يتوجهون إلى الله
تعالى بالدعاء بالنجاة: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةٌ
لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴿ وَجْنَا بِرَحَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ
اَلْكَفِرِينَ﴾ [يونس: ٨٥-٨٦].
فاستجاب الله لهم وخلصهم من خوفهم
أي: أنجيناهما وقومهما المرة تلو
الأخرى من لحظات الخوف والرعب التي
كانت ترافقهم في تلك المواقف الشديدة.
ولم تكن النجاة من الكرب مختصة
بالمواقف التي يواجهها الأنبياء ومن آمن
معهم بالله، بل لقد جاء في كتاب الله تعالى
ما يثبت أنها رحمة الله التي لا تستثني أحدًا
من الناس يخلصهم بها من خوفهم وما
يعتصر قلوبهم من حزن وغم.
قال تعالى: ﴿قُلْ مَن يُنَجِّيَكُم مِّنِ ظُلْمَتِ الْبَرِّ
وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَّيِنْ أَنْجَنْنَا مِنْ هَذِهِ.
لَتَكُونَنَّ مِنَ الشَّكِينَ ﴿ قُلِ اَللَّهُ يُنَبِّكُمْ مِنْهَا وَمِن
قيل: إن الله سبحانه خاطب بهذه الآية
أهل الشرك (١) يسائلهم عن من يكون وراء
نجاتهم إذ يدعونه في شدائدهم التي تصيبهم
أو حين يحاطون بظلمات البر والبحر
والليل والغيم فيخطئون الطريق ويخافون
الهلاك(٢)، ويعدونه بأن يشكروا نعمته إن
(١) انظر: جامع البيان ٢٩٤/٧.
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٨/٧.
٣٩٦
جَوَسُو
القرآن الكريمِ

الجارة
نجاهم من تلك الشدائد، ثم يجيبهم بأنه الأسرية وتفتيتها، فالفقر سبب رئيس في
نشوء كثير من الخلافات الأسرية والمشاكل
المؤدية إلى التفكك والتشرد وأحيانا إلى بيع
الأبناء أو قتلهم.
هو من ينجيهم من تلك الشدائد، ویذکرهم
بأن نعمته علیهم بالنجاة لا تقف عند حدود
المواقف العصيبة التي يدعونه بها، بل هي
أوسع من ذلك بکثیر.
حاصل ذلك أنه ما من کرب نمر به إلا
و کان الله تعالی وراء خلاصنا ونجاتنا وفك
أسرنا من ضيقه وشدته سواء دعوناه للنجاة
منه أم لم ندعه، وعدناه بالشكر أم لم نعده،
شکرناه بعد نجاتنا أم لم نشكره، فالله تعالى
رحیم بالعباد، ذو مغفرة للناس على ظلمهم،
فحري بنا أن ننقاد إليه في شدتنا ورخائنا.
٣. الفقر.
الفقر مشكلة إنسانية فردية كانت أم
مجتمعية لها تبعاتها وتأثيراتها النفسية التي
يمكن من خلالها أن يتولد الضعف في
العقيدة والشك والارتياب في عدالة التوزيع
الإلهي للرزق، ما قد يؤدي إلى الانحراف
العقائدي(١)، أو الانجراف مع التيارات
الفكرية الخطيرة التي تحيد بالمرء عن
عقيدته من جراء ما يعانيه من ضنك الفقر
ومرارته، وتدفع به إلى الكفر أحيانًا. ويقينًا
أن للفقر تأثيرات عدة في تقويض شخصية
الفرد وتشتيت أفكاره وتقیید إبداعه، فضلاً
عن تأثيره البالغ في هشاشة العلاقات
(١) انظر: مشكلة الفقر وكيف عالجها الإسلام
يوسف القرضاوي ص ١٤ .
ولم يغفل كتاب الله تعالى عن هذه
المشاكل الاقتصادية والاجتماعية الخطيرة
التي تسهم إلى حد كبير في تهديد الأفراد
والمجتمعات وتقوض أمنها واستقرارها،
فسعی في کثیر من آياته إلى وضع حلول
وسبل كفيلة بالنجاة من هيمنة الفقر
وسطوته، ليؤكد بذلك أن الفقر ليس قدرًا
محتومًا على الناس، ولیس أمرًا مقسومًا ((لا
راد له ولا حيلة في دفعه، وأن غنى الغني
بمشيئة الله وفقر الفقير بمشيئة الله، ومشيئته
تعني رضاه، فليرضى كل واحد بوضعه لا
يطلب له تبديلًا أو تغييرًا))(٢).
بل لقد وضع الله تعالى حلولًا ناجعة
لكل مشكلة تهدد صلاح الإنسان وصلاح
مجتمعه، فمن أراد الخلاص من الفقر سلك
طريق الله الموصلة إلى النجاة منه، ومن
رغب عن ذلك الطريق فقد رضي بالخضوع
والاستسلام إلى هيمنة الفقر وتبعاته.
والجدير بالذكر أن لفظة النجاة لم ترد
صريحة بأية صيغة من صيغها في الآيات
التي تحدثت عن سبل الخلاص من الفقر،
بل یمکننا أن نفهم من سياقات تلك الآيات
(٢) المصدر السابق ص ١٩.
www. modoee.com
٣٩٧

حرف النون
ما ترمي إليه من غرض يقصد به موضوعه وطلبه والهجرة إليه إن اقتضى الأمر قال
النجاة.
وأولى تلك السبل هي تقوى الله.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ.
مَخْرَجًا ﴾ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾
[الطلاق: ٢- ٣].
فقد جعل التقوى شرطًا في تحقيق
النجاة من الشدائد والفقر، والتقوى -كما
مر بنا سابقًا- تتحقق بأمور عدة كالتورع
عن المحارم واحترام حدود الله وشرائعه
وعدم تجاوزها وكثرة الذكر والاستغفار أما
المراد بالمخرج في الآية الكريمة: فالنجاة
من كل كرب سواء في الدنيا أو الآخرة،
وأما الرزق: فالخلاص من ضائقة الفقر
وضنکه، فقد قيل: إن الآية «نزلت في عوف
بن مالك الأشجعي، أسر العدو ابنًا له فذکر
ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم وشكا إليه
الفاقة، فقال اتق الله واصبر وأكثر من قول
لا حول ولا قوة إلا بالله ففعل الرجل ذلك،
فغفل العدو عن ابنه، فساق غنمهم وجاء بها
إلى أبيه وهي أربعة آلاف شاة»(١).
فالملاحظ أن أول ما أوصى به رسول
الله صلى الله عليه وسلم الأشجعي تقوى
الله، ثم الصبر على البلاء، وقرن ذلك كله
بالانقطاع إلى الله بالذكر والدعاء المستمر.
والسبيل الأخرى هي السعي إلى العمل
تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا
فَأَمْشُواْ فِى مَنَاكِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ، وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾
[الملك: ١٥].
فالله تعالى وإن جعل الأرض ذلولا
لعباده إلا أن ذلك التذليل لا يمثل إلا
جزءًا من مهمة تحصيل الرزق التي لا تتم
إلا بتحقق الجزء الآخر وهو السعي والكد
والعمل الدؤوب الذي أمر الله تعالى به،
فالسعي هو الذي يفضي بنا إلى أن ننعم
بخيرات الله وناكل من رزقه، وعلى النقيض
منه يكون القعود والاتكال الذي لا يفضي
إلا إلى الفقر والذلة والمسكنة.
فإذا ضاقت سبل العيش في البلاد
وشحت فرص العمل فلا سبيل للعبد إلى
النجاة من الفقر غير الهجرة إلى مكان
آخر طلبًا للرزق قال تعالى: ﴿وَمَن يُّهَاجِرْ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِىِ الْأَرْضِ مُرَغَمَا كَثِرًّاً وَسَمَةٌ﴾
[النساء: ١٠٠].
وقال أيضًا: ﴿وَءَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِى
اُلْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضِّلِ اللَّهِ ﴾ [المزمل: ٢٠].
فهذه النصوص وغيرها تقدم دروسًا
بليغة للعباد في تحدي صعوبة الظروف
وقساوتها، وإيجاد الحلول البديلة لمواجهة
خطر الفقر، وتدعونا إلى عدم الاستسلام
إلى تلك الظروف أو انتظار الفرج من غير
سعي، فالسعي يمثل خطوة أساسية في
(١) زاد المسير ٨/ ٤٠.
مَوْشَو ◌َرُ النَفسِيد
الْقُرْآن الكَرِيمِ
٣٩٨

الجارة
طريق الخلاص من آفة الفقر.
والسبيل الثالثة للنجاة من الفقر هي
الإنفاق وتحقيق التكافل الاجتماعي بين
أفراد المجتمع، فقد أمر الله تعالى عباده
بالإنفاق في كثير من آياته من ذلك قوله
تعالى: ﴿وَأَنِفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُ تُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾
[الحديد: ٧].
ثم جعل لتلك النفقات أبوابًا كالزكاة
والصدقات وغيرها، وشرع لها أحكامها،
وحدد المكلفين بها والقائمين عليها
وميز مستحقيها من الفقراء من ذوي
القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل
وغيرهم، وبين للناس أهمية الإنفاق في
بناء المجتمعات وصلاح أمورها، وما ينتظر
المنفقين من أجر عظيم في الدنيا والآخرة،
وما يجازى به من تخلف عن أداء واجبه
الشرعي من الإنفاق.
قال تعالى: ﴿فَمَّا مَنْ أَعْطَى وَأَنَّقَى( ٥) وَصَدَّقَ
وَأَمَّا مَنْ بَحِلَ
٧
بِالْحُفَ
فسنيسره, لليسرى
وَأَسْتَغْفَى وَكَذَّبَ بِالْصُنْفَ ل فَسَنُيَسْرُ لِلْمُسْرَى﴾
[الليل: ٥ -١٠].
والإنفاق بالنسبة إلى المؤمن يمثل
سلاحًا ذا حدین، ففي الوقت الذي يسهم فيه
بنجاة المجتمع وخلاص أفراده من الفقر،
يعمل على وقاية النفس ونجاتها من كرب
الدنيا والآخرة.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُعَّنَفْسِهِ.فَأُوْلَئِكَ
هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [التغابن: ١٦].
في مقابل ذلك نرى من ينأون بأنفسهم
عن مجتمعهم لا يهمهم شيء من إصلاح
شأنه، ولا يفكرون في إنقاذ أفراده ونجاتهم
من الفقر، وبسبب ضعف إيمانهم نجدهم لا
يتصدقون ﴿وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَرِهُونَ﴾
[التوبة: ٥٤].
وبعد ذلك كله يحسبون أنهم بمفازة من
عذاب الله، إن هم إلا يظنون قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ يَكْفِرُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ
وَلَا يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ اَللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَاپٍ
أَلِمِ ﴾ [التوبة : ٣٤].
فالإنفاق في سبيل الله فريضة على
المسلمين؛ لبناء مجتمع قائم على إشاعة
المحبة والإخاء والمساواة والعمل على
القضاء على الطبقية باتباع المنهج الإسلامي
الداعي إلى تحقيق التكافل ووحدة الصف
في مكافحة آفة الفقر.
٤. الظالم.
يزخر كتاب الله تعالى بمشاهد مختلفة
تصور لنا مواقف الظلم في مختلف مراتبه
وأحواله منذ بدء الخليقة وتعرض لنا
أحداثًا وقصصًا شهدت صراعات مستمرة
جسدت أدوار الظلم التي خاضها الإنسان
بغروره وكبره ودور عدالة السماء في
إيقاف تجاوزاته والحد من ظلمه لیعتبر بها
المعتبرون.
www. modoee.com
٣٩٩

حرفالنون
في الوقت نفسه تطرح آيات الكتاب
المبين حلولًا وسبلًا شتى لاجتناب الوقوع
في الظلم بإتيانه أو الإعانة عليه أو السكوت
عنه، أما وسائل النجاة من الظالمین فیمکن
تلخيصها في ثلاثة أمور:
الأول: عدم الركون إلى من يظلم أو
مجالستهم: قال تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ
ظَلَمُواْفَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: ١١٣].
فالنهي هنا يتناول كل ما من شأنه أن
يؤدي إلى الانحطاط ((في هواهم والانقطاع
إليهم ومصاحبتهم ومجالستهم وزيارتهم
ومداهنتهم والرضا بأعمالهم والتشبه بهم
والتزبي بزيهم ومد العين إلى زهرتهم
وذکرهم بما فیه تعظیم لهم»(١). من جانب
آخر نهانا الله تعالى بما نهى عنه نبيه
المصطفى صلى الله عليه وسلم عن القعود
مع الذين يخوضون في آياته ووجوب
الإعراض عنهم.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيَّ
ءَايَئِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِ حَدِيثٍ غَيْهِ،
وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَنُ فَلَا نَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى
مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِينَ﴾ [الأنعام/ ٦٨].
فالإعراض عن مجالس الظالمين هو
إجراء وقائي يمثل وسيلة من وسائل النجاة
من مظاهرتهم والاتصاف بصفتهم ورفضًا
قاطعًا لما يصدر عنهم من ظلم، أما المكوث
بينهم فلن يؤدي إلا إلى التفاعل مع ذلك
الخوض واستطابته بمرور الزمن والانحدار
بالنفس إلى القناعة بما يصدر عن أصحابه
من ظلم.
الثاني: اجتناب إعانة الظالمين على
ظلمهم: فالظالم لا یقوی إلا بأعوانه الذين
يتنافسون في التودد إليه من خلال ما يزينونه
له من الحق في تبریر ظلمه وجبروته، فمثل
هؤلاء الأعوان لا يقلون شأنًا عند الله من
الظالم نفسه لأن «الظالم والمعين على
الظلم والمحب له سواء»(٢).
ولا أدل على ذلك من قصة فرعون
والملأ من حوله الذين كانوا يحرضونه على
موسى وقومه، الذين يذكرهم الله تعالى
بقوله: ﴿ وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى
وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِىِ الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَ
قَالَ سَنُقَيِّلُ أَهُمْ وَنَسْتَحْيِ نِسَآءَهُمْ وَإِنَّا
فَوْقَهُمْ قَهِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٧].
فلما شاء الله أن ينزل عقابه بفرعون لم
يخصه وحده به، بل بمن ناصره وأعانه على
ظلمه قال تعالى: ﴿فَأَخَذْنَهُ وَجُنُودَهُ.
فَنَبَذْنَهُمْ فِ الْبَيِّ فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ
عَقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٤٠].
لذا لا يتصور الخلاص من الظلم وفتنته
ما لم يسع المرء إلى النجاة بنفسه من
(٢) تهذيب الكمال، المزي ٢٩١/٢٩، والقول
للإمام میمون بن مهران.
(١) الكشاف ٢٤١/٣.
جَوَسُولَة النفسية
القرآن الكريمِ
٤٠٠

الجارة
مناصرته أو إتیانه.
الثالث: الدعاء إلى الله: وقد سبقت
منا الإشارة إلى فضل الدعاء في النجاة
عمومًا، ونقف هاهنا لنسلط الضوء على
أهمية الدعاء في الخلاص من الظالمين
وظلمهم، إذ لا شك أن الله سبحانه كرم
بني آدم وخلقهم أحرارًا یحیون في ملكوته
ويبتغون من فضله، وزرع فيهم بذرة الرفض
لمظاهر الظلم، وقد لا يكون الرفض وحده
کافیًا للنجاة من الظلم، فیحتاج إلى تدخل
إرادة الله ونصره ولا يتم ذلك إلا بإخلاص
النية والتوجه إليه بالدعاء إلى النجاة من
الظالمين.
ويمكننا بالعودة إلى قصتي نبي الله نوح
وموسى (عليهما السلام) أن نرصد أهمية
(دعائهما) في نجاتهما من القوم الظالمين
بعد أن استعرضنا في ما مضى من الكلام
أهمية (ندائهما) في النجاة من الكرب
العظيم. فقد شكا نبي الله نوح عليه السلام
قومه إلى الله تعالى: ﴿قَالَ نُوحٌ رَّبٍّ إِنَّهُمْ
عَصَوْنٍ وَأَتَّبَعُواْ مَن لَّوْيَزِدُهُ مَالُهُ, وَوَلَدُهُمْ إِلَّ خَسَارًا﴾
[نوح: ٢١].
ثم دعا ربه بدعاءين رغبة في الخلاص
من ظلمهم كان أحدهما حين أحاط به
قومه ليقتلوه إذ طلب النصرة لنفسه مستغيئًا
﴿ فَدَعَا رَبَّهُ أَنِى مَغْلُوبٌ فَأَنْتَصِرْ﴾ [القمر: ١٠].
آمنوا معه من القوم الكافرين قال تعالى:
﴿فَأَنْجَيِّنَهُ وَالَّذِينَ مَعَدُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَقَطَعْنَا
دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِشَايَئِنَا﴾ [الأعراف: ٧٢].
فقوله: ﴿فَأَنْجَيَّنَهُ﴾ دال على أن الله
تعالى هدى نوحًا عليه السلام والذين آمنوا
معه إلى سرعة النجاة من العذاب استجابة
لدعائه، ثم إذا استأصل شوكة الذين كذبوه
فلم يصلوا إليه قال تعالى: ﴿فَإِذَا أُسْتَوَيْتَ أَنتَ
وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْقُلْكِ فَقُلِ الْحَدُ لِلَّهِالَّذِى نَجْنَا مِنَ الْقَوْمِ
اَلَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٨].
ثم إذا غمرهم الطوفان دعا نوح عليه
السلام ربه بدعائه الآخر ﴿ وَقَالَ نُحُ رَّبِّلَانَذَرْ
عَلَى اْأَرْضِ مِنَ الْكَفِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦].
فاستجاب له ربه فأغرقهم ونجاه ومن
معه (منهم ومن الطوفان).
قال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَيْنَهُ وَمَن مَعَدُ
فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَهُمْ خَلَيِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ
كَذَّبُواْ بِشَايَتِنَا فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْنُذِّرِينَ﴾
[يونس: ٧٣].
فدل بقوله: (نجيناه) على حصول النجاة
أكثر من مرة ومن أکثر من شيء، و دل بالاسم
الموصول (من) على الشمول، فالنجاة هنا
لم تختص بنوح علیه السلام والذين معه من
المؤمنين، بل به وبجميع من معه في السفينة
من بشر ودابة.
فهذه المشاهد القرآنية البليغة تدعونا
فاستجاب له ربه، فأنجاه والنفر الذين إلى التفكر في أهمية الدعاء في الانتصار من
www. modoee.com
٤٠١

حرف النون
الظالمین والنجاة منهم ومن ظلمهم وتؤكد
لنا بالدليل القاطع أن الله قریب یجیب دعوة
الداعي إذا دعاه.
أما نبي الله موسى عليه السلام فقد قيل
إنه لما عرف ما هو عليه من الحق في دينه،
عاب ما عليه قوم فرعون من عبادته وعبادة
الأصنام، وفشا ذلك منه فأخافوه وخافهم،
فكان لا يدخل المدينة إلا خائفًا مستخفيًا(١).
فدخلها يومًا على حين غفلة من أهلها
وجرى ما جرى من أمر الإسرائيلي الذي
استغاثه على القبطي الذي قتله، فأصبح
في المدينة خائفًا يترقب، فجاءه رجل من
شيعته، قال: ﴿يَمُوسَىَ إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ
◌ِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَأَخْرُجْ إِّ لَكَ مِنَ النَّصِحِينَ
◌َجَ مِنْهَا خَلِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبٍ نَجْنِ مِنَ الْقَوْمِ
٢٠
اُلَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢٠-٢١].
يلاحظ أن نبي الله موسى عليه السلام
استعان بالدعاء للنجاة من قوم فرعون بعد
أن تملكه الخوف من بطشهم به، وإنما
وصفهم بالظالمین في ما یبدو لأحد أمرین:
إما أنھم ظالمون لأنهم لم يهتدوا إلى الحق
لما دعاهم إليه بادئ الأمر أو لأنهم أرادوا
أن يقتلوه ظلمًا بفعلة لم يتعمد إتيانها، فلما
كان قصاصهم غير مكافئ لفعلته وصفهم
بالظالمين وفي ذلك يقول الرازي في قوله:
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٢٥٩/١٣-٢٦٠.
﴿َِّ مِنَ الْقَوْمِ الَّالِمِينَ﴾ ((وهذا يدل على أن
قتله لذلك القبطي لم یکن ذنبًا وإلا لكان هو
الظالم وما كانوا ظالمين له بسبب طلبهم إياه
ليقتلوه قصاصًا»(٢).
فلما بلغ أرض مدين ولقي النبي شعيب
عليه السلام وقص عليه القصص، جاءه
جواب الله على لسانه حين قال له: ﴿فَجَوْتَ
مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢٥].
وإنما كانت نجاة موسى عليه السلام
بصدق دعائه وعظیم ثقته بالله.
الصدق إذن منجاة العباد، فمهما بلغت
مستويات الظلم والتنكيل، تبقى إرادة
الإنسان الصادقة أقوى في مواجهتها إذا
استندت إلى قوة الله وعقدت الصلة بين
القوتين بحبل من الإيمان والتقوى، فقوى
الظلم التي تهدد العباد وتستبيح البلاد لم
تسطع على مر العصور والأزمان أن تحافظ
على أمنها ولم تتمكن من الاستمرار في
نهجها الظالم، إذ لا زالت هنالك في كل
مكان وزمان قوى إيمانية رافضة للاستبداد
ترخص الأنفس في سبيل إعلاء كلمة الحق
والدفاع عن كرامة الإسلام والمسلمين أينما
خيم الظلم على الأمة.
٥. الضلال.
وقد ورد الضلال بصيغه المختلفة
في القرآن الكريم بمعان عدة منها الغواية
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٤/ ٢٣٧.
٤٠٢
جوبيبو
القرآن الكريمِ

الجارة
والاستنزال عن الشيء والخسران والشقاء دفع نبي الله إبراهيم عليه السلام إلى إنكار
إقدام أبيه آزر وقومه على تأليههم الأصنام،
كونه باطلًا بينًا واضح البطلان لكل ذي
لب قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَهِيمٌ لِأَبِهِ ءَازَرَ
أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا ءَالِهَةَّ إِّ ◌َرَنِكَ وَقَوْمَكَ فِ ضَاَلٍ
مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٧٤].
والهلاك والإبطال والخطأ والنسيان
والجهل فضلًا عن المعنى الرئيس الذي
يدل عليه أي: نقيض الهدى(١). ويفهم
من ذلك أن الإنسان كلما نهج سبيل الحق
والعدل والصواب كان على هدى، وكلما
وقع في الخطأ عمدًا أو سهوًا أو جهلًا كان
علی ضلال، ولکن لکل ضلال رتبته ونسبته
کما يصف لنا القرآن ذلك فالضلال بذاته منه
المبین والبعید والکبیر، ویقینًا أن لكل واحد
منها درجاته ونسبه، أما النجاة منه فتتحقق
بأمور عدة يمكن إجمالها بما يأتي:
أولًا: الإيمان المطلق بوحدانية الله
تعالی والتسليم له بالعبودية: فالشرك بالله لا
يؤدي إلا إلى الضلال.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرُ بِاللَّهِ وَمَلَئِكَتِهِ.
قال تعالى: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ وَكُنُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَاَلْيَّوْمِ الْآَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلًا
ضَلَلاَ بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦].
ثانيًا: إخلاص الدين والموالاة لله: فقد
أمر الله الناس بعبادته وحده، فهو الخالق
القاهر فوق عباده.
قال تعالى: ﴿أَلَِلَّهِ الدِّينُّ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ
أَّخَذُواْ مِن دُونِ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا
لِيُقَرِيُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِ مَا
هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: ٣].
فهذا الجهل بمعرفة سبيل الله هو ما
(١) إصلاح الوجوه والنظائر ص ٢٩٢-٢٩٣.
وانظر: نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي
٤٠٧- ٤٠٩.
ثالثًا: اجتناب الكفر بكل أشكاله
وعناوينه: لأن الكفر يمثل صورة من صور
حجب الحقيقة وسترها وتختلف مراتبه
باختلاف مستويات المعرفة بتلك الحقيقة
والاعتراف بها، ويشترط بمعرفة الله سبحانه
الإيمان به وبملائكته و کتبه ورسله واليوم
الآخر، ولا تقود المعرفة من دون إيمان إلا
إلى الضلال.
بَعِيدًا﴾[النساء: ١٣٦].
رابعًا: إلزام النفس بعدم العصيان:
فمعلوم لنا أن معنى العصيان هو خلاف
الطاعة، والعبد ملزم بحكم الشارع المقدس
بطاعة الله ورسوله صلی الله عليه وسلم .
قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ
إِذَا قَضَى اللَّهُ وَ رَسُولُ: أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ
مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلًا
قُّبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦].
خامسًا: الوقاية من الظلم والإجرام: فمن
سعی بنفسه إلى اتباع هذه السبل فقد انتهى
www. modoee.com
٤٠٣

حرفالنون
بها إلى الضلال، ومن وقاها منه فقد أدرك سَبِيلِ اللّهِ﴾ [ص: ٢٦].
النجاة.
قال تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اَللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا
خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ، بَلِ الظَّالِمُونَ فِ ضَلَلِ
تُبِينٍ ﴾ [لقمان: ١١].
وقال في موضع آخر: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِ
ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ [القمر: ٤٧].
سادسًا: الثقة بالله والاعتقاد بوجود
رحمته وقربها: فمن أسلم نفسه إلی یأسه
وضیق أفقه الفكري فقد أدخل نفسه في نفق
الضلال ومتاهته.
قال تعالى: ﴿قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ
رَبِّهِ: إِلَّا الصَّالُونَ﴾ [الحجر:
سابعًا: دوام الذكر: فقد أوصى الله عباده
بإعمار القلوب بذكره.
قال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَعْمَيْنُّ
الْقُلُوبُ ﴾ [الرعد: ٢٨].
فالاطمئنان يجعلها رقيقة رطبة مهتدية
بنور ربها، وعلى النقيض من ذلك تكون
القلوب القاسية قلقة ومتخبطة.
قال تعالى: ﴿فَوْلٌ لِلْقَسِيَةِ قُلُوبُهُم ◌ِّن ذِكْرِ
اللَّهِ أُوْلَكَ فِي ضَلَلٍ مُّبِينٍ ﴾ [الزمر: ٢٢].
ثامنًا: عدم الانقياد وراء الأهواء: لأن
الأهواء تميل بالنفس إلى شهواتها وإلى
الاعتقاد بما يخالف الحق ما يوهم المرء
فیشط به عن سبيل الله.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَنَّبِعِ اَلْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن
تاسعًا: رفض طاعة المضل: فمن صدق
عليه الضلال وجب ترك طاعته.
قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا
وَكْبَ نَافَأَ ضَلُّونَا السَّبِيلَأْ﴾ [الأحزاب: ٦٧].
فطاعة الله وحده هي الهدى.
لقد جاء کتاب الله تعالى لإرشاد الناس
إلى طريق الهدى وإيقاظهم من غفلتهم
وإنقاذهم من ضلالتهم التي كانوا عليها قبل
مجيء الإسلام، غير أن قوى الضلالة والذين
في قلوبهم زيغ لا يزالون يتبعون ما تشابه منه
ابتغاء الفتنة وشق الصفوف، وبدل أن يكون
القرآن الكريم مصدر وحدتنا أصبحنا نجد
الأصوات تتعالى من كل ناحية لتضل الناس
وتحرضهم على الفتن والفرقة والاحتراب
وتقول برأيها في آيات الله تعالى وتتخذ
منها وسيلة لإقناع الناس بسلامة نهجها، وما
ذاك من الكتاب في شيء وقد قال تعالى في
محكمه: ﴿وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا
تَفَرَّقُواْ﴾ [آل عمران: ١٠٣].
فديننا يأمرنا بالهدى، وبالهدى وحده
نبلغ النجاة، وننقذ أمتنا الإسلامية من
المخاطر التي تحيط بها من كل جانب
ونسهم في خلاصها من الأفكار الظلامية
التي تنخر في جسدها وتغرر بالبسطاء من
أبنائها لتضلهم عن سواء السبيل.
٦. المخاطر.
٤٠٤
جوبي
مَضوري
القرآن الكريم

الجارة
كثيرة هي المخاطر التي يتعرض لها الخلاص والنجاة، ففي الحال ينسى تلك
النعمة ويرجع إلى ما ألفه واعتاده من العقائد
الباطلة والأخلاق الذميمة))(١).
الناس في مسيرة حياتهم سواء ما تهدد
استقرارهم العقائدي أو الوجودي ولله
تعالى حكمة بالغة في إحاطتهم بتلك
المخاطر ليبلوهم أيهم یثوب إليه داعيًا
ومنییًا، ثم إذا کشف عنهم البلاء ونجاهم،
ينظر من منهم سیعترف بفضله ویشکر آلاءه
ومن سیجعل له شركاء في حكمه ؟.
فمن الناس من لا يعتبر بتلك الشدائد
والمخاطر التي تصيبهم باستمرار، فما إن
يخرجوا من شدتهم وينجوا من مخاطرها
حتى يعودوا إلى شركهم أو كفرهم أو ولا فرق في أن يكون في البحر أو في البر
لیتهدده خطرها.
فسادهم في الأرض.
قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى يُسَبِّكُ فِ الْبَرِّوَالْبَحْرِ
حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيجِ طَنِبَةِ
وَفَرِحُواْ بِهَا جَمَتَّهَا رِيحُ عَاصِفٌ وَجَآءَهُمُ
الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوَاْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ
دَعَوُاْللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَبِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ،
لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَِّكِينَ ﴿ فَلَمَّا أَنْجَنُهُمْ إِذَا
هُمْ يَبْغُونَ فِ اَلْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ﴾ [يونس: ٢٢-
٢٣].
يلاحظ أن الإنسان في مثل هذه الحالة
«لا یطمع إلا في فضل الله ورحمته، ویصیر
منقطع الطمع عن جميع الخلق ويصير بقلبه
وروحه وجميع أجزائه متضرعًا إلى الله
تعالى، ثم إذا نجاه الله تعالى من هذه البلية
العظيمة، ونقله من هذه المضرة القوية إلى
ويعود كتاب الله العزيز ليسوق لنا هذا
المثال في مناسبات أخرى ليدلل به على
أنه ما من خطر يتهدد الإنسان في حياته إلا
وكان الله وحده هو المنجي منه، ولكن
الإنسان تجده بعد نجاته مرة یعرض عن ذکر
الله أو أنه يقتصد في الذكر، جهلًا منه بأن
المخاطر تلك تصيبه في ظرف دون آخر،
وما علم أنه معرض لها في كل زمان ومكان
قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ اَلِضُّرُّ فِي الْبَحْرِ
ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَّجَّنْكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ
وَكَانَ اَلْإِنسَنُ كَفُورًا ﴾﴿ أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ
جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا
تَجِدُواْ لَكُمْوَكِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٧ -٦٨].
فحري بالإنسان أن يخلص النية ويواصل
الذكر ويشكر آلاء الله في الشدة والرخاء،
ويجعل نعمة الله عليه بالنجاة من المخاطر
سببًا في التعلق به أكثر، فلا تكون الحاجة
إلى الله محصورة في لحظات نزول الشدائد
ثم إذا انفرج الهم جعل له شركاء في قدرته
قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُواْ فِ الْفُلْكِ دَعُواْ اللَّهَ
مُخْلِصِينَ لَهُ الَّذِينَ فَلَمَّا نَجَّنْهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ١٧/ ٧٠.
www. modoee.com
٤٠٥

حرف النون
يُشْرِكُونَ﴾[العنكبوت: ٦٥].
قيل: ((إشراكهم أن يقول قائلهم لولا
الله والرئیس أو الملاح لغرقنا، فيجعلون ما
فعل الله لهم من النجاة قسمة بين الله وبين
خلقه)»(١).
ومنهم المقتصدون في کفرهم أو
إخلاصهم كما يقول تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُم
مَّوْجٌ كَالظّلُلِ دَعُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الذِينَ فَلَمَّا
◌َُّهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم مُقْنَصِدٌ وَمَا يَجْمَدُ
◌ِعَايَئِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ [لقمان: ٣٢].
فقد بقي لمشهد الموج العظيم أثر في
نفوسهم ((فخرج منهم مقتصد أي في الكفر
وهو الذي انزجر بعض الانزجار أو مقتصد
في الإخلاص فبقي معه شيء منه ولم يبق
على ما كان عليه من الإخلاص))(٢)، فإلى
هؤلاء وغيرهم یوجه الله تعالی سؤاله منكرًا
عليهم جحودهم قائلًا: ﴿قُلّ مَنْ يُنَجِيكُم
مِّنْ ظُلُمْتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّهَا وَخُفْيَةً لَّيِنْ
أَنْجَنَا مِنْ هَذِهِ، لَتَكُونَنَّ مِنَ الشََّكِينَ { قُلِ اللَّهُ
يُنَبِّكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾
[الأنعام: ٦٣ -٦٤].
فقد جمع الله سبحانه المخاطر كلها في
قوله ﴿ظُلُمَتِ الْبَرِّ وَالْبَعْرِ﴾ ليشير بذلك إلى
كل ما من شأنه أن يبعث الخوف في النفوس
من أهوالهما، وهذه المخاوف هي التي
(١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٦٣/١٣.
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٥/ ١٦٣.
تعود بالإنسان إلى فطرته السليمة فيتشبث
بخالقه تلقائيًا، غير أنه وبعد الفوز بالنجاة
والسلامة يحيل تلك السلامة إلى الأسباب
الجسمانية. ومن يتدبر الآية الكريمة يجد
أن لفظها يدل على أن الإنسان عمومًا
يأتي بأمور أربعة عند نزول المخاطر هي:
الدعاء والتضرع والإخلاص بالقلب والتزام
الاشتغال بالشكر(٣).
فهذه العوامل المنجية يجب أن لا تنتهي
بعد تحقق النجاة إلى تقديم الشرك عليها.
٧. العذاب الدنيوي.
يعرض لنا القرآن الكريم صور العذاب
الدنيوي في نمطين: أحدهما عذاب صادر
من الله تعالى والآخر عذاب صادر من
الإنسان، فأما النمط الأول فغالبًا ما يقع
بسبب ما يقدم عليه الناس من ارتكاب
المعاصي وإتيان الظلم، وعلى الرغم من
ذلك لا نجد الله تعالى يعاجلهم بالعذاب
بل ينزل عليهم كتبه ويبعث فيهم رسله
مبشرين ومنذرين رغبة منه في فوزهم بثوابه
وخلاصهم من عذابه.
وتعرض لنا آيات الله البينات كثيرًا من
المشاهد الممتزجة بألوان العذاب الذي
حذر الله تعالى منه أو توعد به أهل القرى
والظالمين من أعدائه والمتجاوزين على
حدوده، وحري بنا أن نتعرف من خلالها
(٣) انظر: المصدر السابق ٢٣/١٣.
٤٠٦
جَوُور
القرآن الكريم

الجارة
على السبل الناجعة المفضية إلى النجاة منه،
فمن بين تلك السبل:
أولًا: تطهير النفس من الشرك: قال
تعالى: ﴿فَلَ نَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا ءَاخَرَ فَتَكُونَ مِنَ
الْمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٣].
فمن جعل لله شركاء فقد ظلم نفسه
وساقها إلى عذابه.
ثانيًا: الإيمان بالله وشكر نعمته: قال
تعالى: ﴿مَّا يَفْعَلُ اَللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن
شَكَرْتُمْ وَءَامَنتُمْ وَكَانَ اللّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا
[النساء: ١٤٧].
١٤٧)
وقال تعالى في قصة نوح عليه السلام
: ﴿وَلَمَّا جَّةَ أَمْرُنَا نَّيْنَا هُودًا وَأَلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ.
بِرَحْمَةٍمِنَا وَغَيْنَهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ ﴾ [هود:٥٨].
فالاعتراف بربوبية الله تعالى توجب
الرحمة والنجاة من عذابه.
ثالثًا: دوام الذكر: کتسبيحه أو الاستغفار
قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ
يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣].
رابعًا: اجتناب الكفر: لأن الكفر يفتح
الأبواب لكثير من المعاصي، لذا لا يكتفي
الله سبحانه بعذاب الكافرين في الدنيا بل
يذيقهم عذاب الآخرة حيث لا ناصر ينجيهم
منه.
قال تعالى: ﴿فَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمْ
عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَاْآَخِرَةِ وَمَالَهُم مِّن
نَّصِرِينَ﴾[آل عمران: ٥٦].
خامسًا: الابتعاد عن الاستنكاف
والاستكبار: فالعزة والكبرياء لله وحده.
قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ أُسْتَنْكَفُواْ
وَأُسْتَكْبَرُواْ فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾
[النساء: ١٧٣].
سادسًا: الحذر من النفاق: فمن بين أكثر
الصفات ذمًا عند الله صفة النفاق، وقد قرن
الله تعالى المنافقين بالمشرکین في أکثر من
آیة وساوى بينهم في الوعید بعذابه.
قال تعالى: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَفِقِينَ
وَالْمُنَفِقَتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَتِ﴾
[الأحزاب/ ٧٣].
سابعًا: وقاية النفس من الصد عن سبيل
الله: فمن يصد عباد الله عن عبادته لن يحول
بينه وبين عذابه شيء قال تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ
أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ
اَلْحَرَامِ وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءُ﴾ [الأنفال: ٣٤].
ثامنًا: الانقياد إلى أوامر الله تعالى
ورسله: فكتاب الله تعالى مليء بشاهد
العذاب التي نزلت بالأمم الغابرة جزاء
عصیانھا وعدم امتثالها لأوامره.
قال تعالى: ﴿وَكَأَيْنِ مِّن قَرْيَةٍ عَنَتْ عَنْ أَمْرِ
رَيّهَا وَرُسُلِهِ، فَحَاسَبْنَهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْتَهَا عَذَابًا
تُكْرًا﴾ [الطلاق: ٨].
تاسعًا: الحذر من إتيان المكر السيء:
فقد أعد الله تعالی للماکرین عذابًا مفاجئًا
غیر محدد بشکل ولا مكان أو زمان.
www. modoee.com
٤٠٧

حرفالنون
قال تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُواْ السَّيِّئَاتِ
أَنْ يَخْسِفَ اللّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْنِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ
حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النحل: ٤٥].
عاشرًا: النأي بالنفس عن الظلم: فالسعي
إلى تجاوز حدود الله ومخالفة ما شرعه من
العدل يوجب العذاب الذي لا منجاة منه.
قال تعالى: ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ
بَيْسٍ﴾[الأعراف: ١٦٥].
وأما النمط الآخر من العذاب فهو الصادر والخسف، الجوع، القتل، الضرب المؤلم،
عن الإنسان في حق الإنسان، ویکون علی
قسمین:
عذاب بهدف إقامة حدود الله: وهو ما تعالى التي لا تعد ولا تحصى توجب علينا
يتم تنفيذه بالزناة مثلًا.
قال تعالى: ﴿اَلَِّيَّةُ وَالَِّ فَأَجْلِدُ واْ كُلَّ وَجِدٍ
مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَتَأْخُذْ كُمْ بِهِمَا رَقَةٌ فِ دِنِ اللَّهِ إِن كُمْ
تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَاِفَةٌ مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢].
وتكون النجاة من هذا العذاب بصون
النفس عن ارتكاب الكبائر.
وعذاب بهدف التجبر والهيمنة:
وهو ما يصدر عن الطغاة والجبابرة بحق
المستضعفين من الناس، ولا منجاة منه إلا
بالإيمان بالله تعالى والتوكل عليه والدعاء
إليه بالخلاص، ولا أدل على هذا القسم من
العذاب من قصة فرعون واضطهاده لبني
إسرائيل وإنزال أنواع العذاب فيهم، فلم
یکن الله لینجیهم من ظلمه وجبروته إلا بعد
أن آمنوا لموسى وهارون (عليهما السلام).
قال تعالى: ﴿وَإِذْ نَّنَكُمْ مِنْ ءَالٍ
فِرْعَوْنَ يَسُومُونَّكُمْ سُوَءَ الْعَذَّادِ يُذَتِحُونَ أَبْنَآءَ كُمْ
وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَّءٌ مِّن رَّبِّكُمْ
عَظِيمٌ
﴾ [البقرة: ٤٩].
أما وجوه العذاب فقد حدها بعض
علماء التفسير في عشرة وجوه هي: الحد في
الزنا، المسخ، هلاك المال الغرق، القذف
نتف الريش، تعب الخدمة (١).
٠
يتبين لنا من خلال ما تقدم أن نعم الله
شکرها، فما من منعم سواه إن أمسك علينا
نعمه.
قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِّن نِعْمَةٍ فَمِنَ
اللَّهِ ﴾ [النحل: ٥٣].
فبالشكر تدوم النعم ويدرأ العذاب،
فالله تعالى ما كان ليجتبي نبيه إبراهيم صلى
الله علیه وسلم ویھدیہ لولا أنه کان شاکرًا
لأنعمه، أما من يكفر بها فليس له من الله من
عاصم.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا
جَآَتَّهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ اَلْمِقَابِ﴾ [البقرة: ٢١١].
فواجب إذن على كل مسلم ومسلمة أن
يتذكر نعمة الله عليه، ولا يجحدها كما جحد
بها بنو إسرائيل ويستحضر موارد النجاة التي
(١) انظر: إصلاح الوجوه والنظائر ص ٣١٩.
جَوَسُو ◌َرَ النَّفْسِير
لِلْقُرآن الكَرِيمِ
٤٠٨

الجارة
أنقذه منها، فيخشاه ویتقیه حق تقاته.
ثانيًا: المنجى منه في الآخرة:
الموت أول مراحل الآخرة والقبر أول
منازلها، والموت هو المخلوق الذي قهر الله
به عباده، والحقيقة الثابتة التي يقر بها الخلق
جمیعًا سواء من آمن منهم بالله واليوم الآخر
أم غير المؤمنين، فهو أمر محسوس ومدرك
لا يحتاج الاعتقاد بحقيقته إلى إثبات أو
برهان يؤكد وجوده، وليس أمره بمقتصر
على فئة من الخلق دون أخرى بل هو قضاء
إلهي عادل يتساوى فيه الخلق جميعًا.
قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسِ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا
تُوَقَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْرِجَ
عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل
عمران: ١٨٥].
فالإنسان إذا مات انقطع عمله وقامت
قيامته وبدأت مسيرة حسابه ليوفى أجره بما
عمل، فإما إلى سعادة أو إلى شقاء وعمله هو
رفيقه الذي يسوقه إلى ما يستحقه من مثوى،
وهو الشاهد على ما قدمته يداه، فإذا صلح
كان طوق النجاة الذي يدرأ عنه العذاب
ويزحزحه عن النار ويدخله الجنة، وأما إذا
فسد فقد خسر خسرانًا مبينا فالمفسدون
لن ينجوا بما فسد من أعمالهم وقد أحبطها
الله وأخزاهم بها، بل سیدورون يبحثون
عن ما ينجيهم من العذاب فمرة تتعلق
آمالهم بالناجين من المؤمنين فيقولون لهم:
﴿أَنْظُرُونَا نَقْتِسْ مِن ◌ُِّكُمْ﴾ [الحديد:١٣].
ومرة يتعلقون برغباتهم اليائسة كتمني
الافتداء: ﴿بَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِى مِنْ عَذَابٍ
يَوْصِلِمٍ بِبَنِيهِ ﴿ وَصَحِبَتِهِ، وَأَخِيهِ ، وَفَصِيلَتِهِ
الَِّيِ تُقْوِهِ ، وَمَن فِي الْأَرْضِ جِيعًا ثُمَّ يُجِدِ﴾
[المعارج: ١١- ١٤].
ومرة يبحثون عن شفعاء أو يسألون
العودة إلى الحياة ثانية للتزود بالعمل الصالح
﴿فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَا أَوْ نُرَدُ فَتَعْمَلَ
غَيْرَ الَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [الأعراف: ٥٣].
وفي كل الأحوال تبقى هذه الآمال
مستحيلة التحقق، لقوله تعالى:
ويوم
يَأْتِ بَعْضُ ءَايَتٍ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَتُهَا لَمْ تَكُنْ
ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِيَ إِيَمَنِهَا خَيْرًا﴾
[الأنعام: ١٥٨].
فالإيمان بالله والعمل الصالح في الحياة
الدنيا هما مفتاح النجاة من أهوال الآخرة
التي سنقف عندها في هذا المبحث لنفصل
القول في أحوالها وسبل النجاة منها كما هي
واردة في آيات الذكر الحكيم.
١. عذاب القبر.
كثر الخلاف في مسألة عذاب القبر، ولا
زال من الناس من تساورهم الشكوك في
حقيقته أو الكيفية التي يكون عليها؛ لأن الله
سبحانه قصر العلم بأمور الآخرة على نفسه،
وحجبه عن إدراك المكلفين بأمور الدنيا،
www. modoee.com
٤٠٩

حرف النون
وإذ لم يعد أحد من الموت ليخبر الأحياء نهيه، ولا بدنًا كانت فيه أبدًا، فإن عذاب القبر
وعذاب الآخرة أثر غضب الله وسخطه على
بما نزل به من العذاب في قبره، فقد ظل هذا
الأمر مثار جدل طويل حتى حسم بعضهم
أمره بالقول: إن ((عذاب القبر حق لا ينكره
إلا ضال أو مضل))(١).
عبده، فمن أغضب الله وأسخطه في هذه
الدار ثم لم يتب ومات على ذلك كان له
من عذاب البرزخ بقدر غضب الله وسخطه
علیه»(٥).
قيل: ((ومما ينبغي أن يعلم أن عذاب القبر
هو عذاب البرزخ فكل من مات وهو مستحق
للعذاب ناله نصیبه منه قبر أم لم يقبر)»(٢).
وليس عذاب القبر بمقصور على
((الكافرين ولا موقوفًا على المنافقين بل
يشاركهم فيه طائفة من المؤمنين، وكل
على حاله من عمله، وما استوجبه بخطيئته
وزلله))(٣).
أما الناجون من العذاب فقليل، فإذا
تأملنا ظواهر القبور وجدناها ترابًا ولكن في
بواطنها الدواهي والحسرات تغلي كما تغلي
القدور بما فيها (٤).
ويذكر لنا ابن القيم جملة من الأسباب
التي يعذب بها أصحاب القبور وقد حصرها
في وجهين: ((مجمل ومفصل: أما المجمل
فإنهم يعذبون على جهلهم بالله، وإضاعتهم
لأمره، وارتكابهم لمعاصيه فلا يعذب الله
روحًا عرفته وأحبته، وامتثلت أمره واجتنبت
(١) الروح، ابن قيم الجوزية ص ٨٠.
(٢) المصدر السابق ص ٨١.
(٣) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة، ص
٤١٣.
(٤) الروح ص ١١٠.
العضوي
الْقُرْآنِ الكَرِيْمِ
وأما المفصل فالأخبار والأحاديث كثيرة
في شأنه، ومن أسبابه: الزنا والكذب وأكل
الربا والنوم عن الصلاة المكتوبة وهجر
القرآن والدين وحبس الحيوان وتعذيبه
واللواط والنياحة على الميت والغلول في
الغنيمة والسرقة والإفطار المتعمد والنميمة
والغيبة. وقد ركزت آيات الله البينات
على أربعة أسباب موجبة لعذاب القبر إذا
اجتنبها العبد فاز بالنجاة في حياته البرزخية،
والأسباب هي:
أولًا: الظلم: وفي ذلك يقول الله
تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَىّ إِذِ الظَّالِمُونَ فِ غَمَرَاتِ
اْلُوّتِ وَالْمَلَئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ
أَنفُسَكُمُ أَلْيَوْمَ تُّجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا
كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ ءَايَِهِ،
تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام: ٩٣].
وفي موضع آخر يذكر آل فرعون،
وهم الذين وصفهم في أكثر من آية بالقوم
الظالمين، فيصور ما هم عليه من عذاب
القبر بقوله: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا
(٥) المصدر السابق ١٠٧- ١٠٨.
٤١٠

الجارة
وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْ ◌ِلُواْ ءَالَ فِرْعَوْنَ
أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦].
وفي موضع ثالث یشیر إليه بأنه عذاب
أدنى من عذاب الآخرة قال تعالى: ﴿وَ إِنَّ
لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا
يَعْلُونَ﴾ [الطور: ٤٧].
فقد ((اختلف أهل التأويل في العذاب
الذي توعد الله به هؤلاء الظلمة ... فقال
بعضهم: هو عذاب القبر))(١).
ثانيًا: النفاق: ليس على الإسلام من
هو أخطر من المنافقين، لذا أعد الله تعالی
لهم عذابین في الدنيا والآخرة مضافًا إليهما
عذاب ثالث هو عذاب القبر المشار إليه
في قوله: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُ مِنَ اْأَعْرَابِ
مُنَفِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَ اُلِنِّفَاقِ
لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ
يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة: ١٠١].
ثالثًا: الفسق: وجعل من ذلك ما ذكره
الله تعالى في كتابه الكريم في شأن عذابهم
الأدنى من قوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُواْ فَمَأْوَنُهُمُ
النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُواْ أَنْ يَخْرُجُوْ مِنْهَا أُعِيدُواْ فِيَهَا
وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُواْ عَذَابَ النَّارِ الَّذِى كُتُم بِهِ،
تُكَذِّبُونَ * وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ
الْأَدْنَ دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾
[السجدة: ٢٠- ٢١].
رابعًا: الإعراض عن ذكر الله تعالى: وقد
(١) جامع البيان ٤٩/٢٧.
جعل المفسرون من ذلك قوله: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ
عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ, مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ.
يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤].
فعن أبي سعيد الخدري: ((قال في
قول الله: ﴿مَعِيشَةً ضَنًا﴾ قال: عذاب
القبر))(٢).
وتتحقق نجاة الإنسان من عذاب
القبر باجتناب ما تم عرضه من الأسباب
التي تقتضي عذاب القبر(٣) وبمواصلة
الذكر والاستغفار والتوبة إلى الله تعالى،
وبالمفصل يكون الخلاص من عذاب القبر
بالالتزام بالآتي:
أولًا: التوحيد: فمن عرف الله حق معرفته
في حياته، فسيثبته الله على ذلك النهج في
آخرته، وقد استدل على ذلك بقوله تعالى:
﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِ
الْخَيَوَةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧].
قيل: إنها ((نزلت في عذاب القبر، يقال:
من ربك ؟ فيقول: ربي الله وديني دين
محمد)» (٤).
ثانيًا: الاستقامة على طاعة الله عز وجل:
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اَللَّهُ ثُمَّ
أُسْتَقَمُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَتِكَةُ أَلََّ
تَخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِ كُمْ
تُوعَدُونَ﴾[فصلت: ٣٠].
(٢) المصدر السابق ٢٨٢/١٦.
(٣) انظر: الروح، ابن القيم ص ١١١.
(٤) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٩/ ٣٦٢.
www. modoee.com
٤١١

حرفالنون
ثالثًا: الشهادة في سبيل الله: فللشهيد
منزلة عظمى عند الله تعالى، وقد كتب
له الخلود واستمرار الحياة ولم يعده في
الأموات.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى
سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَأْ بَلْ أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ()
فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَنهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وَيَسْتَبْشِرُونَ
بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ
وَلَهُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩ - ١٧٠].
وقال في موضع آخر: ﴿وَلَا نَقُولُواْ لِمَنْ
يُقْتَلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتُ بَلْ أَعْيَّةٌ وَلَكِن لَّا
تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١٥٤].
فسبحان الذي ميز بينها وبين أرواح
الموتى، فحري بأبدانهم إذن أن تتمايز هي
أيضًا في قبورها، فيسأل من مات حتف أنفه
ويعذب بذنوبه، أما من ((أظهر صدق ما في
ضميره حيث برز للحرب والقتل، فلماذا
يعاد عليه السؤال في القبر؟))(١).
٢. الفزع الأكبر.
قال تعالى: ﴿لَايَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ
وَنَذَلَقَّهُمُ الْمَلَتِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِى
كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٣].
وقد اختلف أهل التأويل فيه ((فقال
بعضهم: ذلك النار إذا أطبقت على أهلها ...
قال ابن جريج، قوله: لا يحزنهم الفزع
(١) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة ص
٤٢٤.
الأكبر: قال: حين تطبق جهنم، وقال: حين
ذبح الموت. وقال آخرون: بل ذلك النفخة
الآخرة ... وقال آخرون: بل ذلك حین یؤمر
بالعبد إلى النار ... وأولى الأقوال في ذلك
بالصواب قول من قال: ذلك عند النفخة
الآخرة، وذلك أن من لم يحزنه ذلك الفزع
الأکبر وأمن منه، فهو مما بعده أحری أن لا
يفزع، وأن من أفزعه ذلك فغير مأمون عليه
الفزع مما بعده» (٢).
وإلى هذا الأخير ذهب ابن الجوزي
بقوله: (( ... وبهذه النفخة يقوم الناس من
قبورهم ويدل على صحة هذا الوجه قوله
تعالى: ﴿وَلَقَّهُمُ اْمَلَتِكَةُ﴾))(٣).
واستدل عليه أيضًا (٤) بقوله تعالى:
﴿وَيَوْمَ يُنْفَعُ فِ الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِ السَّمَوَتِ
وَمَن ◌ِ اَلْأَرْضِ﴾ [النمل / ٨٧].
وقد جمع الثعالبي كل الآراء المتقدمة
بقوله: ((الفزع الأكبر عام في كل هول يكون
يوم القيامة فكان يوم القيامة بجملته هو
الفزع الأكبر)»(٥)، أي: البعث والحساب
والعقاب (٦).
(٢) جامع البيان ١٧/ ١٣٠-١٣١.
وانظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير
٢٠٨/٣، الدر المنثور ٣٣٩/٤.
(٣) زاد المسير ٢٧٢/٥.
(٤) انظر: تحفة الأحوذي، المباركفوري
٢٤٧/٥.
(٥) الجواهر الحسان، الثعالبي ٤ / ١٠٣.
(٦) انظر: فتح القدير ٤٢٩/٣.
٤١٢
صوببيو
القرآن الكريمِ