النص المفهرس

صفحات 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
الجَجَالة
عناصر الموضوع
مفهوم النجاة
٣٧٤
النجاة في الاستعمال القرآني
٣٧٥
الألفاظ ذات الصلة
٣٧٦
٣٧٩
أسباب النجاة
٣٩١
المنجى منه في الدنيا والآخرة
٤١٩
نماذج من الناجين في القرآن الكريم
المُجَلَدَ الثَّانِى وَالثَّلاثُنْ

حرف النون
مفهوم النجاة
أولًا: المعنى اللغوي:
جاء في كتاب العين: ((نجا فلان من الشر ينجو نجاة، ونجا ينجو، في السرعة، نجاء فهو
ناج وناقة ناجية: سريعة ... والنجاة: النجوة من الأرض، أي: الارتفاع، لا يعلوه ماء))(١)، وزاد
ابن دريد: ((نجوت العود أنجو نجوًا، إذا اقتضبته من الشجرة ... وقال بعض المفسرين(٢) في
قوله عز وجل: ﴿فَلْيَوْمَ تُنَجِيْكَ بِبَدَنِكَ﴾[يونس: ٩٢].
أي: نلقيك على نجوة ... ونجوت الجلد عن الناقة، إذا قشطته))(٣)، وهو ما ذهب إليه
ابن فارس في تفسير (نجو) بالكشط والكشف، قال: ((ونجا الإنسان ينجو نجاة، ونجاء في
السرعة وهو معنى الذهاب والانكشاف من المكان. وناقة ناجية ونجاة: سريعة. ومن الباب
وهو محمول على ما ذكرناه من النجاء: النجاة والنجوة من الأرض، وهي التي لا يعلوها
سيل)» (٤).
وجاء في الفرق بين المعنيين اللغويين للفعلين الرباعيين (أنجى) و(نجى): ((معنى أنجاه:
أخلصه قبل وقوعه في المهلكة؛ ونجاه: أخلصه بعد الوقوع))(٥).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
عرفها ابن الجوزي بأنها: ((تخليص الواقع في الشيء))(٦)، ويؤكد ذلك في مصنف آخر
بقوله: ((يقال: نجيت فلانًا أنجيه: إذا خلصته من شر وقع فيه)»(٧) وهو تعريف واسع وشامل
المعنى النجاة إذ لم يحدد ذلك الشيء بعذاب أو مخافة أو هلاك أو مكروه.
يلاحظ أن هناك اتفاقًا بين المعنيين اللغوي والاصطلاحي في مسألة الخلاص التي يمكننا
أن نفسرها بأنها حالة من التغيير تتم من خلال عملية إنقاذ أو انتشال من ظرف أو موقف أو
واقع عصیب إلى آخر مطمئن.
(١) العين، الفراهيدي ٦/ ١٨٦.
(٢) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ٥١/٤، الجواهر الحسان، الثعالبي ٢٦٥/٣.
(٣) جمهرة اللغة، ابن دريد ١/ ٤٩٧.
(٤) مقاييس اللغة، ابن فارس ٣٩٧/٥.
(٥) الكليات، الكفوي ص ٢٠١.
(٦) زاد المسير ١٧٩/٥.
(٧) نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي ص٥٨٢.
٣٧٤
مَوَسُولَةُ التَفي
جوبيه
القرآن الكريمِ

الجارة
النجاة في الاستعمال القرآني
وردت مادة (نجو) في القرآن الكريم (٨٣) مرة، يخص موضوع البحث منها (٦٦)
مرة (١).
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
٤٥
﴿وَقَالَ الَّذِى تَجَا مِنْهُمَا وَأَذَّكَرَ بَعْدَأُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥]
الفعل المضارع
١١
ثُمَّ نُنَجِى رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [يونس: ١٠٣]
فعل
الأمر (دعائي)
٦
﴿رَبِّ نَِّى وَأَهْلِى مِمَّا يَعْمَلُونَ
٦٩# [الشعراء: ١٦٩]
اسم فاعل
٣
إِنَّا مُنَجُوكَ وَأَهْلَكَ﴾ [العنكبوت: )
المصدر
١
، وَيَقَوْمِ مَا لِيّ أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَوَةِ﴾ [غافر: ٤١]
وجاءت النجاة في الاستعمال القرآني بمعناها في اللغة وهو: الخلاص والسلامة (٢).
(١) انظر: المعجم المفهرس الشامل لألفاظ القرآن الكريم، عبد الله إبراهيم جلغوم، ص ١٣٠٧ - ١٣٠٩.
(٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص ٤٣٨.
www. modoee.com
٣٧٥

حرفالنون
الألفاظ ذات الصلة
الإفلات:
١
الإفلات لغة:
هو (التخلص من الشيء فجأة، من غير تمكث))(١).
الإفلات اصطلاحًا:
لا يخرج عن معناه اللغوي، جاء في معجم لغة الفقهاء أن الإفلات هو («النجاة
والتخلص))(٢).
الصلة بين الإفلات والنجاة:
الجامع بينه وبين النجاة هو الخلاص غير أنهما يفترقان في أن النجاة لا تقتضي الفجأة
في التخلص.
الإنقاذ:
٢
الإنقاذ لغة:
قيل في النقذ: هو ((التخليص والتنجية، كالإنقاذ والتنقيذ والاستنقاذ والتنقذ وفي
الصحاح: أنقذه من فلان واستنقذه منه وتنقذه بمعنى أي: نجاه وخلصه ... والنقذ السلامة
والنجاة))(٣). قال ابن منظور: ((نقذ نقذًا نجا))(٤).
الإنقاذ اصطلاحًا:
((التخليص من ورطة))(٥).
الصلة بين الإنقاذ والنجاة:
فكل من الإنقاذ والنجاة يؤدي معنى الخلاص من مأزق، غير أنهما يفترقان في أن الإنقاذ
لا يكون إلا بفعل الآخر، في حين تكون النجاة بفعل الشخص نفسه أو الآخر.
الخلاص والتخلص:
٣
الخلاص لغة:
(١) لسان العرب، ٣٤٥٤/٥.
(٢) معجم لغة الفقهاء، محمد قلعجي ص ٨١.
(٣) تاج العروس، الزبيدي ٩/ ٤٩٠.
(٤) لسان العرب ٤٥١٨/٦.
(٥) المفردات، الراغب الأصفهاني ص٥٠٣.
٣٧٦
جَوَنُور
القرآن الكريم

الجارة
قال الزبيدي: ((وخلص الله (فلانًا: نجاه) بعد أن كان نشب))(١).
الخلاص اصطلاحًا:
لا يخرج عن معناه اللغوي.
الصلة بين الخلاص والنجاة:
غير أن الفرق بين التخلص والنجاة هو: «أن التخلص یکون من تعقید وإن لم یکن أذى،
والنجاة لا تكون إلا من أذى، ولا يقال لمن لا خوف عليه نجا، لأنه لا يكون ناجيا إلا مما
يخاف)»(٢).
السلامة:
٤
السلامة لغة:
((السلام والسلامة البراءة ... وسلم من الأمر سلامة: نجا))(٣) قال ابن الجوزي: ((النجاة
والخلاص والسلامة متقارب)» (٤).
السلامة اصطلاحًا:
هي ((التعري من الآفات الظاهرة والباطنة)) (٥).
الصلة بين السلامة والنجاة:
أن النجاة مأخوذة من النجوة كما تقدم وهي الارتفاع عن الهلاك، أما السلامة مأخوذة من
إعطاء الشيء من غير نقيصة، وقيل: إن السلام ((اسم مصدر من سلم يسلم تسليما كالكلام
والطلاق، وهو بمعنى النجاة والتخلص مما لا يرغب فيه)) (٦).
(١) تاج العروس ٥٦٣/١٧.
(٢) الفروق اللغوية، العسكري ص ٥٣٢.
(٣) لسان العرب ٢٠٧٧/٣.
(٤) نزهة الأعين النواظر ص ٥٨٢.
(٥) المفردات ص ٢٣٩.
(٦) السلام مع الأعداء في ضوء الشريعة الإسلامية، خالد الشراري، مجلة البحوث الإسلامية: ع ٨٩،
١٤٣٤ هـ، ص٣١٤.
www. modoee.com
٣٧٧

حرفالنون
الفوز:
٥
الفوز لغةً:
الفاء والواو والزاي كلمتان متضادتان، فالأولى: النجاة، والأخرى: الهلكة.
فمن الأولى قولهم: فاز يفوز، إذا نجا، وهو فائز، وفاز بالأمر: إذا ذهب به وخلص، ويقال
هذا لمن ظفر بخير وذهب به، والكلمة الأخرى قولهم: فوز الرجل، إذا مات وهلك (١).
الفوز اصطلاحًا:
((الظفر بالخير مع حصول السلامة»(٢).
الصلة بين الفوز والنجاة:
يفترق الفوز عن النجاة في أنه يقتضي السلامة مع النجاة، جاء في ((الفرق بين النجاة
والفوز: أن النجاة هي الخلاص من المكروه، والفوز هو الخلاص من المكروه مع الوصول
إلى المحبوب، ولهذا سمى الله تعالى المؤمنين فائزين لنجاتهم من النار ونيلهم الجنة)»(٣).
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٤ / ٤٥٩.
(٢) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٦٤٧.
(٣) الفروق اللغوية ص ٥٣٢.
٣٧٨
البيـ
جَوَنُور
القرآن الكريمِ

الجارة
أسباب النجاة
خلق الله تعالى الإنسان وأمره بالالتزام
بطاعته والمواظبة على عبادته وترك ما
يوجب غضبه وسخطه والاستعداد للتعاطي
مع أحكامه والرضا بما قسم الله له من ابتلاء
في سرائه وضرائه، فالله مبتليه على أية
حال ليمحص عزمه وإيمانه، فإذا وافق أن
یکون قلبه منقادًا لحكم الله وعامرًا بحبه،
صبر على ابتلائه وفاز بمنجاته وإن وافق أن
يكون قلبه ضالا جاهلًا بمعرفة الله تعالى
واتباع سبیله، فلن يجد من دون الله وليًا ولا
نصيرًا. ويقيناً أن للنجاة أسبابها وسبلها التي
تضمن لكل من ينهجها بإخلاص التوفيق
للوصول إليها ويمكننا تحديد تلك الأسباب
في النقاط الآتية:
أولًا: الإيمان:
الإيمان مبدأ شامل تنضوي تحته جملة
من العقائد منها الإقرار والاعتراف بأسماء
الله وصفاته الكاملة العليا، وما له على
مخلوقاته من الحقوق: كالتأليه والعبادة
في الظاهر والباطن، إلى جانب الاعتراف
عليهم الصلاة
بملائكته وكتبه ورسله
والسلام، وما جاء به كتابه الكريم من أخبار
الأمم السابقة وقصصها، وأنباء ما يستقبل
من الزمان، وما ساقه من وعد ووعيد بثواب
يوم الآخر وعقابه(١).
والمتتبع لآيات الذكر الحكيم يجد
صورة متكاملة لمفهوم الإيمان وأصوله
وسبله، فلا تكاد سورة تخلو في ألفاظها أو
مضمونها من التذكير بعقيدة الإيمان وما
يتوجب على العبد التحلي به من استعدادات
نفسية وصفات أخلاقية وممارسات فعلية
لاکتساب صفة المؤمن.
و کثیرًا ما يسوق لنا القرآن الكريم قصصًا
ومواقف عقائدية رافقت مسيرة أنبياء الله
ومن آمن بهم وبرسالاتهم السماوية، ليعتبر
بها أولو الألباب الذين ينشدون السبيل إلى
الله ابتغاءً لمرضاته وسعيًا إلى النجاة من
غضبه.
فالنجاة بالإیمان درس بلیغ تزخر به آیات
الكتاب المبين صراحة وضمنّاً، وتدعونا
إلى التفكر في أسباب بلوغ درجاته وكيفية
الوصول إلى المستوى العقائدي المقبول
الذي يحقق لنا مرضاة الله عز وجل التي هي
الأساس في تقرير سعادة العبد أو شقائه،
فشتان بين من حبب الله إليهم الإيمان وزينه
في قلوبهم ومن حقت عليهم كلمة الله
بأنهم لا يؤمنون، فأنى لهم النجاة من عذاب
الله؟ قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ
كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ وَلَوَجَآءَ تَهُمْ كُلُّ
ءَايٍَّ حَتَّى يَرُواْ الْعَذَابَ اَلْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٦-٩٧].
(١) انظر: المصدر السابق.
www. modoee.com
٣٧٩

حرف النون
فليس هناك من يجير العبد من غضب
الله إلا إيمانه، إذ لا أهمية لمال أو بنين في
اتقائه، ولا ينفع العبد شيء مثل إيمانه في
السعة من حياته وليس بنافعه أن يؤمن عند
نزول العذاب أو حضره الموت، وقد أكد
القرآن ذلك في أكثر من مناسبة.
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْ بَأْسَنَا قَالُواْ ءَامَنَّا
بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ، مُشْرِكِينَ
فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَنُهُمْ لَمَّا رَأَوْ بَأَسَنَا﴾
[غافر: ٨٤ -٨٥].
وقال في موضع آخر: ﴿یَوْمَ يَأْتِ بَعْضُ
ءَايَتِ رَيْكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِمَتُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن
قَبْلُ أَوْكَسَبَتْ فِي إِيَمَنِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام:١٥٨].
فالإيمان لا يكون منجيًا إلا إذا صحت
شروطه واعتنقته النفس بصدق وأقر بذلك
القلب، أما من استحوذ عليه الشيطان
فأعرض عن الإيمان فلا منجاة له حين
يداهمه عذاب الله وأجله، وهذا ما وعد
الله به موسى وهارون(عليهما السلام) حین
دعواه وطلبا منه أن لا يجعل للإيمان سبيلاً
إلى قلب فرعون وجنوده حتى يدركهم
العذاب، إذا قالا: ﴿رَبَّنَا أَطْمِسْ عَلَ أَمْوَلِهِمْ
وَأَشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوَأُ الْعَذَابَ
الْأَلِيمٌ﴾ [يونس: ٨٨].
فاستجاب الله لهما دعوتهما بقوله:
﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتِ دَعْوَتُكُمَا فَأَسْتَقِيمَا وَلَا
نَتَّعَانٍ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾[يونس: ٨٨].
فکان وعد الله حقًا حین أغرق فرعون
وجنوده فأراد فرعون أن يخلص نفسه
فادعى الإيمان قائلًا: ﴿مَامَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا
الَّذِىّ ءَامَنَتْ بِ بَنُواْ إِسْرَوِيلَ﴾ [يونس: ٩٠].
غير أنه إيمان فارغ من محتواه وخال
من التسليم والانقياد إلى الله، أو هو إيمان
صوري أراد فرعون من خلاله أن يتشبه
-بمکر- بالمؤمنین من بني إسرائيل بهدف
النجاة، فمكر له الله وحقق له نجاة تليق
بمستوى إيمانه الزائف.
قال تعالى: ﴿فَأَلْيَوْمَ نُنَجِيكَ بِبَدَنِكَ
لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَةٌ﴾ [يونس: ٩٢].
ولم يكن هذا الحكم الإلهي مقتصرًا
على الأفراد من دون الجماعات، بل أكدت
الآيات القرآنية الكريمة في أكثر من موضع
أن الإيمان هو السبيل الأمثل لبلوغ النجاة.
قال تعالى: ﴿فَلَوَّلَا كَانَتْ قَرْيَةُ ءَامَنَتْ
فَنَفَعَهَآ إِيَمَنُّهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمََّ ءَامَنُواْ كَشَفْنَا
عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِرِّيِ فِىِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَمَتَّقْنَهُمْ إِلَى
حِينٍ ﴾ [يونس: ٩٨].
فاستثنى قوم يونس كونهم تداركوا
أنفسهم بالإيمان والتوبة الحقة فكان ذلك
سببًا في نجاتهم من عذاب الخزي(١).
وفي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ ◌ُنَجِ رُسُلَنَا
وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا ◌ُجٍ
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٣٨٤/٨.
٣٨٠
القرآن الكريمِ

الجارة
اٌلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ١٠٣].
نص على أنه لا ينال الخلاص من غضب
الله إلا رسله والذين آمنوا وأقروا بالوحدانية
لله والتصديق لهم. وليس هذا الحكم
بموقوف على من سبقوا إلى الإيمان في
الأمم السابقة.
بل يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه
وسلم: ﴿كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾،
أي أنه حق على الله أن ينجي المؤمنين
بك من هذه الأمة، قال الشوكاني: ((التعبير
بلفظ الفعل المستقبل لاستحضار صورة
الحال الماضية تهويلاً لأمرها، كذلك حقًا
علينا أي: حق ذلك علينا حقًّا أو إنجاء مثل
ذلك الإنجاء حقًا ننج المؤمنین من عذابنا
للكفار)) (١).
بهذا نصل إلى أن الأساس في بلوغ
رحمة الله والنجاة من ابتلائه وغضبه هو
اتباع سبيله والإيمان بربوبيته والتصديق
برسالاته، ولن ينفع نفسًا إيمانها وقد
داهمها قدر الله وقارب أجلها، إذ لا منجاة
لها وقد فرطت من قبل باتباع سبيل الهدى
سبل الإيمان وتعمل على تنشئة الأجيال
وتغذيتهم بالإيمان الصحيح الذي يديم
صلتهم بالله تعالى وأن لا يلبسوا إيمانهم
بظلم.
(١) فتح القدير، الشوكاني ٢/ ٤٧٧.
ثانيًا: التقوى:
المتقي: ((من يقي نفسه عن تعاطي ما
يعاقب عليه من فعل أو ترك))(٢).
أما مرتبة التقوى فتأتي ثالثة بعد الإسلام
والإيمان، فبعد أن يكون العبد قد أسلم
وجهه لله ووقر الإيمان في قلبه تأتي مرحلة
التفكر في الوقاية من الأمور التي تنأى به
عن الخالق عز وجل أو تتجاوز به حدوده
وهي مرحلة اجتناب الشبهات والعمل على
تهذيب النفس وتزكيتها بالعمل الصالح،
فالتقوى كما الإيمان لها أسبابها وشروطها
وطرائقها، لذا نجدها تسير جنبًا إلى جنب
مع الإيمان في کثیر من الآيات.
وقد وردت النجاة بتقوى المؤمنين
صريحة في موضعين من القرآن الكريم
تحدثا عن هلاك أقوام عاد وثمود بعذاب
الله ونجاة المؤمنين منهما مع النبيين هود
وصالح عليهما السلام.
والإيمان، فحري بأمتنا الإسلامية أن تنتهج إِن فِى ذَلِكَ لَآَيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾
قال تعالى: ﴿فَأَنْفُرْ كَيْفَ كَانَ
عَقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَقَّرْنَهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ
﴿ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةٌ بِمَا ظَلَمُواْ
وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾
[النمل: ٥١-٥٣].
وقال في موضع آخر: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ
(٢) التبيان في تفسير غريب القرآن، ابن الهائم
ص٤٧.
www. modoee.com
٣٨١

حرفالنون
فَهَدَيْنَهُمْ فَاسْتَحَبُّواْ أَلْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ
صَعِقَةُ الْعَذَابِ أَلْهُونِ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾﴾
وَنَّيْنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْيَنَّقُونَ ﴾ [فصلت:١٧-
١٨].
فأما الموضع الأول فجاء ضمن سياق
الحديث عن قوم صالح عليه السلام الذين
لم يكتفوا بإعراضهم عن الإيمان وصدهم
عن سبيل الله، بل ذهبت بهم شقوتهم
إلى عقر ناقة الله والسعي إلى قتل النبي
صالح عليه السلام، فمكروا ومكر الله،
فأذاقهم العذاب، وکان جزاء الذين آمنوا
بالله وبرسالة نبيهم واتبعوا سبيله ووقوا
أنفسهم من التعدي على حدود الله، أن الله
(أنجاهم) من ذلك الهلاك السريع.
وأما الموضع الآخر فقد جاء ضمن سياق
متصل بدأ بقوم هود عليه السلام الذين
استكبروا، ثم انتھی بقوم صالح عليه السلام
الذين يسر لهم الهدى، وأتاح لهم الأسباب
للإیمان، ومکنهم منه، وقدرهم عليه.
قال تعالى: ﴿فَهَدَيْنَهُمْ﴾ ((أي: بينا لهم
سبيل النجاة ودللناهم على طريق الحق
بإرسال الرسل إليهم ونصب الدلالات
لهم من مخلوقات الله فإنها توجب على
كل عاقل أن يؤمن بالله ویصدق رسله، قال
الفراء: معنى الآية: دللناهم على مذهب
الخير بإرسال الرسل))(١)، غير أنهم ضلوا
(١) فتح القدير ٤/ ٥١١.
فاستحبوا العمى على الهدى فاستحقوا
العذاب فأخذتهم صاعقة العذاب الهون
بظلمهم إلا فئة منهم اهتدوا وآمنوا واتقوا
فأنعم الله عليهم بالنجاة من العذاب، فحين
جمع السياق القرآني بين هلاك عاد وثمود
قال: (نجينا) ولم يقل: (أنجينا).
صيغة فعلي
ويعود سبب اختلاف
النجاة بمجيئه في الموضع الأول بالفعل
الماضي المهموز (أنجى) وفي الموضع
الآخر بالفعل الماضي المضعف (نجى)
إلى اختلاف السياقين في الموضعين اللذين
وردت فيهما (النجاة) فالسياق في الأولى
خاص بثمود، والنجاة تتطلب السرعة (٢).
فهناك من خطط وتقاسم وبيت لقتل
صالح عليه السلام وأهله والإفلات من
جزاء القتل، ومكر لتنفيذ المخطط، فجاء
مکر الله أسرع فعجل لهم بهلاکھم وسارع
بإنجاء من آمن واتقى من المكر ومن الدمار
الذي حل بالقرية وبيوتها.
أما السياق الآخر فلا يتطلب السرعة؛
لأن الحديث يتضمن هلاك أمتي عاد وثمود
ونجاة من آمن واتقى منهما ثم يجمعهما
في مصير واحد على اختلاف البعد الزمني
بینھما.
قال ابن عاشور: «إن المعنى إنجاء الذين
(٢) انظر: برنامج لمسات بيانية، الحلقة ٢٢٧،
د. فاضل السامرائي.
٣٨٢
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ

الجارة
آمنوا من قوم عاد و قوم ثمود، فمضمون هذه
الجملة فیه معنی استثناء من عموم أمتي عاد
وثمود فیکون لها حكم الاستثناء الوارد بعد
جمل متعاقبة أنه يعود إلى جميعها))(١).
لذا اقتضى السياق أن يأتي بصيغة الفعل
المضعف (نجى) ليدلل به على حصول
النجاة المتكررة مع وقوع العذاب مرة بعد
أخری للقریتین، ولیشیر به إلی أن حکم الله
ثابت على مر الأزمان، وأن النجاة في كل
مرة ستكون من نصيب الذين آمنوا وكانوا
يتقون.
من جانب آخر لم يخل التعبير القرآني
من الدقة في الجمع بين الفعلين الماضي
(آمنوا) والمضارع (يتقون) للدلالة على
أسبقية الإيمان ومضي حالته بالقياس إلى
حالة التقوى التي تمثل المنهج التطبيقي
لذلك الإيمان، وربما كان في قوله تعالى:
﴿وَكَانُوا يَنَّقُونَ﴾ إشارة إلى أنهم كانوا
يعملون الخیر ویبتعدون عن الفساد من قبل
أن يؤمنوا بدعوة صالح عليه السلام، أي:
(وكانوا يتقون من قبل إيمانهم).
وعلى هذا يكون قوله: ((يتقون))؛ ((أي:
کان سنتهم اتقاء الله والنظر فيما ينجي من
غضبه وعقابه، وهو أبلغ في الوصف من أن
يقال: والمتقين))(٢).
(١) التحرير والتنوير ٢٦٣/٢٤.
وانظر: الكشاف، الزمخشري ١/ ١٧٩.
(٢) التحرير والتنوير ٢٦٤/٢٤.
ولا تخلوا الآيتان من تبشير من يؤمن
برسالة محمد صلى الله عليه وسلم أن هناك
إمكانية لتحقيق النجاة من عذاب الله وذلك
باتباع سبيل التقوى من سخطه وغضبه، ففي
الآيتين ((طمأنة لقلوب المؤمنين بأن الله
ينجيهم مما توعد به المشركين كما نجى
الذين آمنوا وكانوا يتقون من ثمود، وهم
صالح ومن آمن معه»(٣).
وتجدر الإشارة إلى أن النجاة بالتقوى
لم ترد صريحة في القرآن الكريم فحسب،
بل وردت ضمنًا أيضًا، من ذلك على سبيل
المثال قوله تعالى: ﴿وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لَا
يَضُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ
مُحِيطٌ﴾ [آل عمران: ١٢٠].
وبعد هذا نصل إلى حقيقة مفادها أن
تقوى الله ومخافته ترفع من مكانة العبد
كلما زادت نسبتها وواجب على الصلحاء
من أبناء الأمة أن يوضحوا هذه الحقيقة لمن
يغفل عنها، فليس في مخافة الله منقصة بل
إن تقواه هي الضمانة الأكيدة للعيش في
فسحة من نعمته ورضاه والنجاة من سخطه
وغضبه سواء في الحياة أو ما بعد الممات،
ویمکن للنفس أن تبلغ مستوی تقوی الله من
خلال ترجمة إيمانها إلى أفعال وممارسات
واقعية سعيًا لتحقيق الجزاء الأوفى في
الآخرة وضمان النجاة من كربات يوم
(٣) المصدر السابق ١٩/ ٢٨٧.
www. modoee.com
٣٨٣

حرف النون
الحساب، فبلوغ العبد مرحلة التقوى أمر بالفساد الذي ورد بصيغ مختلفة في تسعة
ضروري للنجاة مما أعده الله للكافرين من وأربعين موضعًا من آياته تناولت مبدأ
حساب، وللفوز بما بشر به المتقون من أجر
عظیم.
ثالثًا: النهي عن الفساد:
قد اقترن ذكر الفساد بذكر الأرض في
القرآن الكريم، فمذ خلق الله تعالى الأرض
وقضى أن يجعل فيها خليفة وقف الملائكة
مخاطبين ربهم عز وجل: ﴿قَالُواْ أَتَّجْعَلُ
فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ ﴾
[البقرة: ٣٠].
فأنى للإنسان - الذي خلق هلوعًا ظلومًا
لنفسه جهولًا بالذي فيه الحظ له (١)-
النهوض بأمانة أبت أن تحملها السموات
والأرض والجبال وأشفقن منها ؟ وأنى له
الإصلاح في الأرض وإعمارها واستغلال
خيراتها في منفعة نفسه والآخرين ؟.
غير أن الله تعالى غالب على أمره وأعلم
بقدرة الإنسان وإمكاناته حين وضعه أمام
اختبار حياتي متواصل ليثبت لملائكته أن
بإمكانه أن يكون جديرًا بحمل الأمانة وأن
تصدق عليه صفة الخلافة، إذا ما ألزم نفسه
السير على نهج من استخلفه في الأرض،
ويقينًا أن النهج الإلهي واضح وصريح
في القرآن الكريم وبالأخص في ما يتعلق
واحدًا هو أن الله تعالى لا يحب الفساد ولا
المفسدين، وقد جاءت معظم أحکامه فيها
لتشير صراحة وضمنا إلى هذا المبدأ.
قال تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ
إِصْلَحِهَا﴾ [الأعراف: ٥٦].
لقد جاءت الرسالات السماوية كلها
لتبصر العباد بسبل الإصلاح ولتنهاهم عن
الفساد بمختلف أشكاله؛ ليكونوا ربانيين
یأمرون بما أمر به الله وینهون عما نهى عنه،
وليبلغوا رضاه ويضمنوا لأنفسهم النجاة
من حسابه وعقابه، وقد حض الله تعالى
على ذلك صراحة في قوله: ﴿فَلَوْلَاكَانَ
مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ
الْفَسَادِ فِ الْأَرْضِ إِلَّا قَلِلًا مِّمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ
وَأَتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَآ أُثَّرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ
◌ُجْرِمِينَ﴾ [هود: ١١٦].
ففي الآية دعوة واضحة للتفكر في
أحوال من سبق من الأمم الغابرة التي باءت
بغضب من الله ونقمة فأهلكها بعذابه إلا
قليلًا من أهلها الذين لم يكتفوا بالإصلاح
بل كانوا يدعون إليه من خلال نھیهم الناس
عن الفساد في الأرض، تلك القلة القليلة
آلت أن لا تقرب الظلم أو الترف ولا ترتكب
جرمًا، ففازت بمنجاة الله حين نزل بأقوامهم
العذاب، قال الطبري: ﴿أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ﴾ أي:
(١) انظر: جامع البيان ٢٢/ ٦٦.
فَضْو
جُوَسُولَةُ التَّقِين
القرآن الكريم
٣٨٤

الجارة
((ذو بقية من الفهم والعقل، ... ينهون أهل أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ
وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴿ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِرُواْ بِهِ
أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ
ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ﴾
[الأعراف: ١٦٣ - ١٦٥].
المعاصي عن معاصيهم وأهل الكفر بالله
عن کفرهم به في أرضه ... إلا یسیرًا، فإنهم
كانوا ينهون عن الفساد في الأرض، فنجاهم
الله من عذابه، حين أخذ من كان مقيمًا
على الكفر بالله عذابه، وهم أتباع الأنبياء
والرسل))(١)
٠
ثم تعود الآية في نھایتھا لتؤكد للناس
مبدأ وقاعدة إلهية لا تقبل التغيير هي (أن
نجاتهم في الإصلاح والنهي عن الفساد)،
وأن الله تعالى لا يهلك أهل القرى بشرك
أو بكفر ما داموا مصلحين ((فيما بينهم في
تعاطي الحقوق أي لم یکن لیھلکھم بالكفر
وحده حتى ينضاف إليه الفساد)»(٢).
ولم يكن مبدأ الإصلاح ليتحقق من
خلال النهي عن الفساد فحسب، بل بالنهي
عن السوء أيضًا الذي لا يختلف جزاؤه
عن جزاء النهي عن الفساد بشيء فكلاهما
يورث النجاة.
قال تعالى: ﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ
الَِّى كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِی
السَبْتِ إِذْ تَأْتِهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبِّتِهِمْ
شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ
كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ
وَإِذْ قَالَتْ أُنَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوَّمًا اللَّهُ مُهَلِكُهُمْ
(١) جامع البيان ١٢/ ١٨٠-١٨١.
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١١٤/٩.
فأهل هذه القرية كانوا قد نهوا من قبل
عن الصيد في يوم السبت، فابتلاهم الله
بأن كانت حيتان البحر تأتي في ذلك اليوم
ظاهرة على الماء کثیرة، ولا تأتي کذلك في
ما عاده من الأيام، فلم يمتثلوا أمر الله بترك
العمل في یوم السبت بل کانوا یسدون علیھا
في السبت ويصيدونها في الأحد، وكانت
القرية منقسمة على ثلاث أمم: أمة دائبة على
القيام بالنصح والموعظة والنهي عن إتيان
المنكر، وأمة أخرى قامت بذلك من قبل
ثم استیاست من اتعاظ المعتدین وأيقنت أن
قد حقت عليهم كلمة العذاب، وأمة كانت
سادرة في غلوائها لا ترعوي عن ضلالتها
ولا ترقب الله في أعمالها.
ويتضح من ذلك ((أن صلحاء القوم
كانوا فريقين. فريق أيس من نجاح الموعظة
وتحقق حلول الوعيد بالقوم. لتوغلهم في
المعاصي. وفريق لم ينقطع رجاؤهم من
حصول أثر الموعظة بزيادة التكرار))(٣).
فواصل العمل على بذل النصيحة معذرة
إلى الله الذي يأمر بالنهي عن السوء ما دام
(٣) التحرير والتنوير ٩/ ١٥٢.
www. modoee.com
٣٨٥

حرفالنون
العبد قادرًا على إتیانه وأملاً منهم في إصلاح
القوم ليتقوا الله في أفعالهم. في مقابل
الفریقین کان فریق من المفسدين تمادى في
إعراضه عن النصح حتى نسوا ما ذكروا به
فحقت عليهم كلمة العذاب، فأهلكهم الله
بذنوبهم وأنجى الآخرين بنهيهم عن السوء.
لقد جعل الله تعالى من الإصلاح
مضمارًا يتنافس فيه الخلق في تحقيق المنافع
الفردية والاجتماعية التي توجب عليهم
رحمة الله ورضاه بما يقدمونه لأنفسهم
ومجتمعاتهم من خير يسعون به إلى منع
انتشار الفساد ووأد فتنته مبتغين من وراء
ذلك الفوز بمنجاته من بلاء الدنيا وأهوال
عذاب الآخرة. وخير ما يمكن السعي إليه
من صلاح هو تعزيز المناهج التعليمية بقيم
التسامح وإحياء السلام، والعمل على نشر
مبادئ الإسلام بصورته الحقيقية التي تدعو
إلى محاربة الفساد في الأرض والسعي
لترسيخ قواعد العدل والصلاح.
رابعًا: الجهاد في سبيل الله:
لم يقف القرآن عند حد معين في تجسيد
صورة النجاة من غضب الله وسخطه، بل
توغل كثيرًا في استعراض قيم المنظومة
الإيمانية ومقوماتها التي تبلغ بالعبد
الدرجات العلا وتضمن له الفوز بالنجاة،
وإذا كانت الآيات السابقة أظهرت لنا دعوة
الله تعالى إلى النجاة بالإيمان عن طريق
(الترهيب)، فإن هناك آيات أخرى عرضت
إلى الدعوة نفسها عن طريق (الترغيب
والتحبیب)، إذ قيل: إنه لما شرع الله الجهاد
على المؤمنين كرهوه، فحين ((قال نفر من
الأنصار في مجلس لهم وفيهم عبد الله بن
رواحة: لو نعلم أي العمل أحب إلى الله
لعملنا به حتى نموت)) (١) نزل قوله تعالى:
﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ هَلْ أَذْكُمْ عَلَى قِزَوْ نُجِكُم مِّنْ
عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف :.
((فمكثوا زمانا يقولون: لو نعلم ما هي
لاشتريناها بالأموال والأنفس والأهلين)) (٢)
فدلهم الله تعالى عليها بقوله: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللهِ
وَرَسُولِهِ وَتَُّهِدُونَ فِ سَبِ اللَّهِ يأَمْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُوْ
خَيْرٌ لَّكُمْ إِنْ كُمُ تَعْلَمُونَ﴾ [الصف: ١١].
فالله جلت قدرته يطرح فكرة التجارة
بمفهوم مغاير لما هو متعارف عند الناس،
إذ تقوم التجارة عنده على أساس من التعاقد
بينه وبين العبد، ويكون رأس المال فيها
عقائديًا مشروطًا بتحقق الإيمان والسعي إلى
الجهاد في سبيل الله، وهي إلى جانب ذلك
تختلف عن تجارة الناس في ما بينهم في أنها
لا تفضي إلا إلى الربح، وأن ربحها ليس أقل
من النجاة من عذاب الله، الفوز بجناته.
اللَّهَ أَشْتَرَى مِنَ
قال تعالى:
(١) تفسير مجاهد ٢/ ٦٧١.
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٧٧/١٨.
٣٨٦
جَوَبُ
القرآن الكريمِ

الجارة
الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَهُم بِأَنَّ لَهُمُ
الْجَنَّةَ يُقَئِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ
وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَكَةِ
وَاُلْإِنِيلِ وَالْقُرْءَانِ وَمَنْ أَوْفَ بِعَهْدِهِ،
مِنَ اللَّهِ فَأَسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِى بَايَعْتُم پِ.
وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١١١].
وبالعودة إلى قوله تعالى: ﴿هَلْ أَذْلُكُمْ عَلَى
تِزَوَ نُجِيكُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ نلاحظ أن التجارة
جاءت بصيغة النكرة التي توافقت مع سياق
حال النص وما يحمله من دلالة على ذلك
السبيل المبهم والمفهوم المطلق لمعنى
الاتجار، ما وفر مناخًا من التشويق والتفخيم
والتعظيم ولاسيما حين انتقل النص مباشرة
إلى بيان ما تحققه تلك التجارة من مكسب
عظيم وهو النجاة من العذاب الأليم، ثم
لا تلبث دلالة النص أن تقيد ذلك المطلق
وتحدده بهدف بيان السبيل المفضية
إلى ممارسة تلك التجارة فتحصر الأمر
بمحددین اثنين هما الإيمان والجهاد، فكأن
((التجارة لم يدر ما هي، فبينت بالإيمان
والجهاد، فهي هما في المعنى. فكأنه قال:
هل تؤمنون بالله وتجاهدون يغفر لكم))(١)،
وينجيكم من عذاب أليم ؟.
فذلكم الله رب السموات والأرض
الذي لا ينأى ولا يستنكف عن الدنو من
عباده، يدعوهم إليه برسالاته ویعرض عليهم
تجارة لن تبور وربحًا ونجاة من الموت
الذي يفرون منه، فبذل النفس والجهاد بها
في سبيل الله نهج لا ينفك عنه الخير، فأوله
خلود في الحياة الدنيا وآخره نجاة وعتق من
النار، وجائزته عفو وفوز بفرحة لقاء الله،
ورزق دائم، وحياة أبدية.
خامسًا: الدعاء والتسبيح:
لقد شرع الله تعالى الدعاء وجعله من
أعظم الأسباب لاتقاء عذابه، ودلل في أكثر
من آية على أنه السبيل إلى النجاة من البلاء،
قال في ذلك: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مِّن
تَّبِيِّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَآِ وَالضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ
جَعُونَ﴾ [الأعراف: ٩٤].
فلطالما غفل الناس عن ذكر الله في
سرائهم، فكان الله يبتليهم بالحروب والفتن
والجدب والقحط وغيرها لعلهم ينقلبون
إليه فيدعونه ويرغبون في عبادته وخلاصه.
غير أن كثيرًا منهم نسوا الله في الرخاء
والشدة فلم يتخذوا من الدعاء مجنة
یدرؤون بها عن أنفسهم سخطه وعقوبته،
فحقت عليهم كلمة العذاب.
﴿فَلَوْلَا إِذَا جَآءَهُم بَأْسُنَا
قال تعالى:
تَضَرَّعُواْ وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ
مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٤٣].
والقرآن الكريم حافل بموارد الدعاء
سواء في اللفظ أو في المعنى.
(١) المصدر السابق.
www. modoee.com
٣٨٧

حرفالنون
قال تعالى: ﴿فَمَآ ءَامَنَ لِمُوسَىَ إِلَّا ذُرِيَّةٌ
مِّن قَوْمِهِ، عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَّإِّيْهِمْ أَن
يَفْئِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَُّ، لَمِنَ
الْمُسْرِفِينَ ﴿ وَقَالَ مُوسَى يَقَوْمِ إِنَ كُمْ ءَامَنتُم بِاللّهِ
فَعَلَيْهِ تَوَكَلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ ﴿ فَقَالُواْ عَلَى اللَّهِ
تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
وَتْنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ اَلْكَفِرِينَ ﴾
[يونس: ٨٣-٨٦].
يلاحظ أن قوم موسى عليه السلام كان
يتملكهم الخوف من فرعون وجنوده حين
آمنوا، غير أن موسى عليه السلام أخبرهم
أن التصدیق بالله وحده لا یکفي ما لم يقترن
بتفويض الأمر إليه فذلك من كمال الإيمان
ففعلوا ووكلوا أمرهم إلى الله، وتوجهوا إليه
بالدعاء وكان دعاؤهم مبنيًّا على أمرين:
أحدهما: قولهم: ﴿لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ
الظَّالِمِينَ﴾ ((أي: لا تنصرهم علينا،
فیکون ذلك فتنة لنا عن الدین، أو لا تمتحنا
بأن تعذبنا على أيديهم. وقال مجاهد:
المعنی لا تهلکنا بأيدي أعدائنا، ولا تعذبنا
بعذاب من عندك فیقول أعداؤنا: لو کانوا
مجلز وأبو الضحا: يعني: لا تظهرهم علينا
فيروا أنهم خير منا فيزدادوا طغيانًا))(١).
والآخر: قولهم: ﴿وَجْنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ
اٌلْقَوْمِ اَلْكَفِرِينَ﴾ أي: خلصنا ((من فرعون
(١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٧٠/٨.
وقومه لأنهم كانوا يأخذونهم بالأعمال
الشاقة)»(٢).
قال الشوكاني: ((ولما قدموا التضرع إلى
الله سبحانه في أن يصون دینهم عن الفساد
أتبعوه بسؤال عصمة أنفسهم فقالوا ونجنا
برحمتك من القوم الكافرين وفي هذا دليل
على أنه كان لهم اهتمام بأمر الدين فوق
اهتمامهم بسلامة أنفسهم»(٣).
وتزخر آيات الله سبحانه بمواقف أخرى
مختلفة تضمنت الدعاء والتضرع إلى الله عز
وجل بالخلاص والنجاة من أعدائه.
قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلَاً لِّلَّذِينَ
ءَامَنُواْ أَمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ أَبْنِ لِ
عِندَكَ بَيْتًا فِى الْجَنَّةِ وَتَبْنِ مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ،
وَنَجِِّ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم: ١١].
فهذه صورة من صور العبودية الصادقة
التي كانت تتصف بها امرأة فرعون التي
آمنت بالله ووحدته، وصدقت بموسى عليه
السلام وهي تحت عدو من أعداء الله كافر،
فلم يضرها كفر زوجها (٤)، إذ كانت مؤمنة
بالله مخلصة له النية فاختارت جوار ربها
على حق لم نسلط عليهم، فيفتنوا. وقال أبو وقربه على أن تكون أنيسة فرعون وآثرت
أن يكون لها بيتًا عند ربها في جنانه على
قصور فرعون وما ملكت يمينه، فعزفت عن
ذلك كله وتعلقت بما عند الله كرامة وزلفى
(٢) المصدر السابق.
(٣) فتح القدير ٤٦٦/٢.
(٤) انظر: جامع البيان ٢١٨/٢٨.
٣٨٨
جَوَبُوالَهُ النَّفْسِيَّة
الْقُرآن الكَرِيمِ

الجارة
متوجهة إليه بصفاء نيتها تدعوه مخلصة بأن
يبني لها بيتا بميزتين هما: أن يكون البيت
(عند الله) وأن يكون (في الجنة) أي:
أنها اختارت لنفسها مكانًا لا يصل إليه إلا
الصديقون والشهداء الذين أخبر عنهم الله
عز وجل بأنهم ﴿أَحْيَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾
[آل عمران: ١٦٩](١).
ثم أردفت دعاءها برغبتها بالتبرؤ من في أنه يحول بين المرء ومعاصيه وغروره،
فرعون والخلاص منه ومن عمله ومن
مجتمعه الظالم، فطلبت أولًا النجاة منه ((أي:
من ذاته وما يصدر عنه من أعمال الشر)» (٢)
٠
ثم من عمله، ثم انتهت إلى طلب
النجاة من القوم الظالمين يعني: أهل دينه
المشركين، قال الكلبي: هم أهل مصر، وقال
مقاتل: هم القبط (٣).
ولا يختلف أمر النجاة بالدعاء عنه
بالتسبيح، فالتسبيح هو «تنزيه الله تعالى،
وأصله المر السريع في عبادة الله تعالى ...
وجعل التسبيح عامًا في العبادات قولًا كان
أو فعلًا أو نية)) (٤).
ومصداق ذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ
يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ
وَيَتَفَكَّرُونَ فِىِ خَلْقِ السَّمَوَتِ وَاَلْأَرْضِ رَبَّنَا مَا
خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا سُبْحَنَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾
(١) انظر: فتح القدير ٢٥٦/٥.
(٢) فتح القدير ٢٥٦/٥.
(٣) انظر: المصدر السابق.
(٤) المفردات ٢٩٢.
[آل عمران: ١٩١].
فقد اقترن ذكر الله بفعل القيام والقعود
والتفكر في خلقه واقترن ذلك كله بنية تنزيه
الله وتسبيحه طمعًا في نيل رضاه ورغبة في
النجاة من عذاب النار.
والتسبيح لون من ألوان العبادة وهو كفيل
بعقد الصلة بين العبد وربه، وتبرز أهميته
ويدرأ عنه العذاب والمهالك والنقم، وقد
أكد القرآن الكريم ذلك في مناسبتين:
ساق في الأولى منهما مثالاً على تاركي
التسبيح، وذلك في سياق قصة أصحاب
الجنة الذين ﴿أَقَْمُواْ لَيَصْرِمُنَهَا مُصْبِحِينَ(١) وَلَا
يَسْتَثْنُونَ { فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآَيِمُونَ (٩)
فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِ ن فَتَنَادَوْأْ مُصِْينَ (١) أَنِ أَغْدُواْ
عَلَى حَرْيُكُمْ إِنَ كُمْ صَرِمِينَ ، فَانْطَلَقُواْ وَهُمْ يَنَخَفَنُونَ
٢ أَزْلَّا يَدْخُلَنَّهَا أَلْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ ﴾ وَغَدَوْاْ عَلَى
حَرٍْ قَدِنَ فَلَّا وَأَوْهَا قَالُواْ إِنَّا لَصَالُونَ ( بَلْ تَّخْرُ
مَخْرُومُونَ ﴾ قَالَ أَوْسَُعُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِحُونَ﴾
[القلم: ١٧- ٢٨].
فقد وجدوا الله تعالى أسبق إليها
منهم، إذ طاف عليها بطائف من عنده
فأهلکها بظلمهم فأصبحت سوداء کاللیل،
فلما رأوها على هذه الحال أدركوا أنهم
محرومون من رزقها بما فرطوا في جنب
الله، فقام أوسطهم يذكرهم بما كان يأمرهم
به من طاعة الله وتسبيحه وهم لا يسمعون،
www. modoee.com
٣٨٩

حرفالنون
فلو أنهم أجابوه لأنجاهم الله بتسبيحهم من
شرور أنفسهم ومن سوء نواياهم ولابدل
سعیهم هذا بخير منه.
وساق في المناسبة الأخرى مثالًا على
من تمسك بالتسبيح، وذلك في سياق قصة
نبي الله يونس عليه السلام في قوله تعالى:
وَذَا اُلتُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَّنْ نَّقْدِرَ
عَلَيْهِ فَنَادَى فِ الظُّلُمَتِ أَنْ لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ
سُبْحَنَكَ إِّ كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
٨٧
فَأَسْتَجَبْنَا لَهُ وَبَيْنَهُ مِنَ الْغَمْ وَكَذَلِكَ
نُشُچِى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧-٨٨].
فحين مضى يونس عليه السلام على
وجهه مغاضبًا لربه ظانًا أنه في مأمن من
بلائه والتضييق عليه حتى أتى البحر أبى الله
أن يدعه إلى الشيطان، فأخذه فقذفه في بطن
الحوت، فمكث في بطنها زمنًا، ثم راجع
نفسه فتاب إلى ربه وناداه في الظلمات (أن لا
إله إلا أنت سبحانك) معترفًا بذنبه، إني كنت
من الظالمين في معصيتي إياك قال الواسطي
في معناه: نزه ربه عن الظلم وأضاف الظلم
إلى نفسه اعترافًا واستحقاقًا، قيل: فسمعت
الملائكة تسبيحه فشفعوا له عند الله
فاستجاب له دعاءه فاستخرجه من بطن
(١)
الحوت برحمته، فجعله من الصالحين
(١) انظر: جامع البيان ١٠٠/١٧-١٠٧، زاد
المسير ٢٦٥/٥، الجامع لأحكام القرآن،
القرطبي ٣٣٣/١١، الدر المنثور ٣٣٤/٤،
فتح القدير ٤٢١/٣.
الملاحظ أن هذه القصة بنيت أساسًا
على مبدأ التسبيح وفلسفته وأهميته ودوره
الأساس في نجاة المؤمن يدلنا على ذلك
قوله تعالى في موضع آخر: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ
كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ { لََّبِثَ فِى بَطْنِهِ: إِلَى يَوْمِ
يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: ١٤٣ - ١٤٤].
فقد ابتلي يونس عليه السلام بما ابتلي
به ليتفكر في قدرة الله وعظمته فيقر له
بالطاعة والعبودية والتنزيه، فكان تسبيحه
هو المستدعي لنجاته، وكان من صدق إنابته
وضيق حاله أنه خص نفسه بنداء تفرد فيه
عن غيره من أنبياء الله ورسله فلم يصدر
نداءه بکلمة (رب) ولم يدع فیه لنفسه بل
ابتدأ النداء بالتسبيح والاعتراف بالظلم.
قیل: إن «في هذه الآية شرط الله لمن دعاه
أن يجيبه كما أجابه، وينجيه كما أنجاه، وهو
قوله: ﴿وَكَذَلِكَ تُنْجِى الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي:
نخلصهم من همهم بما سبق من عملهم))(٢).
يتبين من ذلك أن للدعاء والتسبيح شأنًا
عظيمًا عند الله تعالى، فبهما يعترف الإنسان
بضعفه وحاجته ونقصه بإزاء كمال الله
تعالى وعظمته، وبهما تتجدد الصلة بالخالق
وتنفتح أسارير النفس وتستمد العون والقوة
منه إذ تستشعر قربه منها. لقد كان الدعاء
والتسبيح وسيلة الأنبياء إلى النجاة من
کریهم وغمهم وعظيم بلائهم فواجب أن
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٣٣/١١.
صَوَسُورَةُ التَّقِّـ
القرآن الكريمِ
٣٩٠

الجارة
نتعلم كيف ننقي أنفسنا من مساوئها، كي
نجد الله تعالی بصيرًا بنا، یغیثنا وينجدنا
وینجینا وأهلنا وأمتنا من نوائب الدهر وکید
الكائدين.
المنجى منه في الدنيا والآخرة
أولًا: المنجى منه في الدنيا:
الدنیا دار غرور لا ينبغي لعاقل أن یأمن
مكرها، أو يخال أنه في مأمن من نوائبها
وسطوة أقدارها، فمعلوم أنها كثيرًا ما
تتزين للناس وتغريهم بملذاتها، فيسارع
المغترون بها إلى الالتحاق بركبها واتباع
سبيلها متناسين عرضها وزيف متاعها،
وهي تستخف بلهاثهم إذ يعدون وراءها
وقد بدا لهم منها ما يشتهون، وما ذاك إلا
لغفلة أبصارهم وبصائرهم وصدهم عن
أحکام دینهم الذي سوغ لهم تعدي حدود
الله تعالى ونسيان لقائه وبيناهم على حالهم
تلك إذا تحمل عليهم وتداهمهم بهمها
وبغمها وتؤذنهم بحربها وكربها، فإذا بهم
يضجون وقد ضلوا سواء السبيل وراحوا
ينشدون النجاة مما أصابهم، وأنی لهم.
وقد قال تعالى: ﴿اَلَّذِينَ أَتَّخَذُواْ
دِينَهُمْ لَهْوَّا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا
فَالْيَوْمَ نَنَسَهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ
هَذَا وَمَا كَانُوْ بِشَايَِّنَا يَجْحَدُونَ﴾
[الأعراف: ٥١].
لذا لم تكن دعوة الله تعالى عباده إلى
الإيمان به وتصديق رسالاته واتباع دينه
الحق إلا من أجل أن يقيهم فتنة الحياة
الدنیا وینجیھم من مکرها الذي لا یورثهم
www. modoee.com
٣٩١

حرف النون
إلا الشقاء والهموم، فمن أخلص لله الدين الظلمات (١) وقيل: بطن الحوت(٢) وقيل:
من كليهما (٣) غير أن الثعالبي انفرد بتفسيره
بأنه «ما كان ناله حين التقمه الحوت)» (٤).
فقد ضمن النجاة من مکر الدنیا وآفاتها لقوله
تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَّفِعُ عَنِ الَّذِينَ ءَامَنُوَ إِنَّ اللَّهَ
لَا يُحِبُّ كُلّ خَوَّانٍ كَفُورٍ ﴾ [الحج: ٣٨].
وحسب عباد الله المؤمنين أن يكون الله
تعالی مدافعًا عنھم ینجیهم بصدق إيمانهم
من کل ما أهمهم من نوائب الدنيا وفتنها.
نقف في هذا المبحث لدراسة بعض
آيات الكتاب التي تكشف عن الآثار
المادية والمعنوية التي أصابت بعض العباد
وتصيبهم من جراء غفلتهم أو ظلمهم أو
كفرهم وصدهم عن سبيل الله، ثم نسلط
الضوء على الأسباب المنجية والسبل
المفضية إلى الفوز برحمة الله التي يصيب
بها من يشاء من عباده المؤمنين فينجيهم من
تلك الآثار.
١. الغم.
قد ذكرنا في ما مضى من القول قصة نبي
الله يونس عليه السلام وكيف توسل إلى
الله سبحانه بالتسبيح، فاستجاب الله تعالى
من فوره لتسبيحه وصدق إنابته فنجاه إلى
البر قال تعالى: ﴿فَأَسْتَجَبْنَا لَهُ، وَغَيْنَهُ مِنَ
اَلْغَمِّ﴾[الأنبياء: ٨٨].
فدلت الفاء على سرعة الاستجابة ودل
الفعل (نجى) على تكرار فعل النجاة، وقد
اختلف في المنجى منه؛ أي الغم فقيل:
غير أننا نرى أن الغم الذي كان يهيمن
على نبي الله يونس عليه السلام لم يكن
بفعل الظلمات أو وجوده في جوف الحوت
بل بفعل ما كان يمتلئ به صدره من إحساس
بثقل ما يحمله من ظلم نفسه، وشعوره
بالندم وظنه بأن لا سبيل لعفو الله عنه،
واعتقاده بأنه فقد نعمة اصطفائه بالنبوة،
کل ذلك مجتمعًا کان یبعث في نفس یونس
عليه السلام الغيظ، حتى ضاق ذرعًا بحزنه
فتوجه مكظومًا إلى ربه بالنداء لا بالدعاء،
لأنه يريد النجاة من غضب الله لا من الضرر
المادي الذي لحق به في الظلمات أو في
بطن الحوت بدليل اعترافه بالظلم: ﴿إنّ
كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٨].
فحين استجاب الله لندائه أجاب بما
هو أكرم وأجل، إذ جعل نجاته في ثلاث
مراحل: أولاها: أنه أنجاه من الظلمات حين
نبذه إلى العراء، وثانيها: أنه أنجاه من السقم
حين أنبت عليه شجرة من يقطين، وثالثها:
أنه أنجاه من غضبه وما ابتلي به حین أسبغ
(١) انظر: زاد المسير ٢٦٥/٥.
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٠٣٣٤/١١
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٠٢/٣.
(٤) الجواهر الحسان، الثعالبي ٤ / ٩٩.
٣٩٢
صَوْسُو
القرآن الكريمِ