النص المفهرس

صفحات 21-27

النوى
ضوابط النجوى
أشار القرآن الكريم إلى أن الكثير من
النجوى لا خير فيها ممنوعة غير جائزة،
ولجوازها ضوابط لم يغفلها الشرع الحكيم،
بل ذكرها وجعلها مستثناة من النجوى
الممنوعة.
قال الله تعالى: ﴿﴿ لَّا خَيْرَ في كَثِيرٍ
مِّن نَّجْوَئُهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ
إِصْلَحِ بَيْنَ النَّاسِّ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ آبْتِغَآءَ
مَنْ ضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْثِيدٍ أَجْرًاً عَظِيمًا ()﴾
[النساء: ١١٤].
وقال عز وجل:
ءَامَنُواْ
بَكَأَيُّهَا الَّذِينَ
إِذَا تَنَجَيْتُمْ فَلَا تَلَنَجَوْ بِلْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ وَمَعْصِيَتِ
الرَّسُولِ وَتَجَوْ بِأَلِيْرِ وَالنَّقْوَىُّ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِىّ
إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَنِ
إِلَيْهِ ثُخْشَرُونَ ﴾
لِيَحْزُنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَيْسَ بِضَآتِهِمْ شَيْئًا
إِلَّا بِإِذْنِ اَللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَّكَلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾
[المجادلة: ٩ - ١٠].
ومن الضوابط التي أشارت إليها الآيات
الکریمات:
أن يعلم المؤمن ويعتقد جازمًا أن
الکثیر من النجوى ممنوع مرغوب عنه،
فلا یلجأ إلیھا ویعمد إلى فعلها إلا إذا
كانت هناك مصلحة شرعية.
أن تكون النجوی في طاعة الله.
أن يبتغي المسلم من وراء نجواه مرضاة
ربه عز وجل، مبتعدًا بذلك عن الرياء
والسمعة.
# أمر الله تعالى للمؤمن ألا يتناجى إلا إذا
دعت الضرورة لذلك.
* ألا يتشبه المؤمن باليهود والمنافقين
عند تناجيه. قال النسفي في تفسيره:
((والظاهر أنه خطاب للمؤمنين ﴿إِذَا
تَجَُّمْ فَلاَ تَنَتَجَوْ بِآلْإِثْمِ وَالْعُدْوَّنِ وَمَعْصِيَتِ
الرَّسُولِ﴾ أي: إذا تناجيتم فلا تشبهوا
باليهود والمنافقين في تناجيهم
بالشر)» (١).
ألا یتناجی المؤمن بما فیه إثم أو عدوان
أو معصية الرسول.
أن يتناجى المؤمن بالبر والتقوى.
٠
أن یتقي المؤمن ربه عز وجل ولا يفعل
باليهود والمنافقين مثل ما فعلوا هم به
أو بغيره من المؤمنین.
أن يتوكل المؤمن على ربه ويكل أمره
إليه، ولا يلتفت لما يتناجى به أعداء
الإسلام.
أن يوقن المؤمن أن كل ما يتناجى به
المخالفون لأمر الله هو من وساوس
الشیطان و تزیینه لهم.
* أن يعلم المؤمن أن مقصد الشيطان
من وقوع التناجي بين الكفار هو إلقاء
الحزن في قلوب المؤمنين.
(١) مدارك التنزيل، النسفي ٤٤٨/٣.
www. modoee.com
٤٧٩

حرف النون
أن يتيقن المؤمن أن التوكل على الله
يبطل مقصد الشيطان ويبطله.
أن يتذكر المؤمن بأنه سيحشر بعد
موته، ويقف أمام الله ليجازيه على
إحسانه إحسانًا، إذا ما هو امتثل لأمر
الله وتناجى بم هو خير. وأن اليهود
والمنافقين المتناجين بالشر سيحشرون
أيضا ليجزيهم الله أسوأ ما عملوا.
أن يعلم المؤمن أن الضر المتوقع
حصوله من تناجي أولئك القوم لن
يلحقه منه شيء إلا بإذن الله، بقضائه
وقدره سبحانه.
أحكام النجوى
إن المتأمل في الآيات التي ذكرها الله
تعالى في القرآن الكريم والمتعلقة بموضوع
النجوى، يلاحظ أنها ركزت فقط على جانب
الأحکام المتناجی فیها، دون أن تتحدث عن
أحكام المتناجين.
وإذا ما بحثنا في السنة فإننا سنجد أن
النبي صلى الله عليه وسلم قد تولى بيان
ذلك؛ امتثالا منه عليه الصلاة وأزكى التسليم
لأمر الله حين خاطبه ربه قائلًا: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَكَ
الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ
يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [النحل: ٤٤].
لذلك ومن هذا المنطلق يمكن أن نقسم
مبحث أحكام النجوى إلى قسمين: قسم
يتعلق بأحكام الأمور المتناجى فيها، وآخر
يتعلق بأحكام المتناجين، إلا أن القسم
الأول هو من له علاقة بموضوع البحث
لصلته الوثيقة بالقرآن؛ لذلك سنقتصر عليه
دون الآخر.
والنجوى على نوعين محمودة ومذمومة
تبعًا للأمور المتناجى فيها، والمحمود
بالنسبة للأحكام الشرعية إما أن يكون واجبًا
أو مستحبًا أو مباحًا، والمذموم منها إما أن
يكون حرامًا أو مكروهًا؛ لذلك فإن النجوى
في الحكم الشرعي الفقهي تعتريها الأحكام
الشرعية الخمسة، وهي:
٤٨٠
البَشَبـ
قَضوري
جوي
القرآن الكريم

النوى
١. النجوى الواجبة.
تكون النجوى واجبة إذا علم أن في
إفشاء الأمر المتناجى فيه مضرة تلحق الغير،
أو علم أن في إظهارها تفويتًا لمنفعة عامة أو
خاصة، وتیقن المتناجون ألا مناص لهم من
النجوی لجلب المصالح ودرء المفاسد، أو
علم أن أمرًا واجبًا من أمور الشرع لا سبيل
إلیه إلا بالنجوى؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا
به فهو واجب.
٢. النجوى المستحبة أو المندوبة.
هي النجوى التي تكون وسيلة لتحقيق
أعمال البر والإحسان المتطوع بها لوجه
الله، وعلم أن في إظهارها تضييعًا لأعمال
الخير، وهروبًا من الرياء والسمعة.
وكل من النجوى الواجبة والمستحبة
وحتى المباحة يشترط لجوازها عدم دخول
الحزن على الآخرين. قال القرطبي: ((وظاهر
حديث ابن مسعود (إذا کنتم ثلاثة فلا یتناجى
اثنان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس
من أجل أن يحزنه) يعم جميع الأزمان
والأحوال، وإليه ذهب ابن عمر ومالك
والجمهور. وسواء أكان التناجي في مندوب
أو مباح أو واجب فإن الحزن یقع به)»(١).
٣. النجوى المحرمة.
هي النجوى التي تكون سببًا لإلحاق
الأذى بالآخرين أو فتحًا لباب الفساد أو
إشاعة الفواحش، كالتناجي بالنميمة أو
(١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٧ / ٢٩٥.
الغيبة، أو الكذب أو البهتان، أو الاستهزاء
أو السخرية من الآخرين، أو محاولة المكر
والكيد بهم، أو فيها حكاية المعاصي.
قال الصنعاني: ((واعلم أن فضول الكلام
لا تنحصر، بل المهم محصور في كتاب الله
الَّخيْرَ فِي كَثِيرٍ
تعالى حيث قال:
مِّن نَّجْوَنُهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ
إِصْلَحِ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤].
وآفاته لا تنحصر فعد منها الخوض في
الباطل، وهو الحكاية للمعاصي من مخالطة
النساء ومجالس الخمر ومواقف الفساد
وتنعم الأغنياء وتجبر الملوك ومواسمهم
المذمومة وأحوالهم المكروهة، فإن كل
ذلك مما لا يحل الخوض فيه، فهذا حرام.
ومنها الغيبة والنميمة وكفى بها هلاكًا في
الدين ومنها المراء، والمجادلة، والمزاح.
ومنها الخصومة، والسب، والفحش، وبذاءة
اللسان، والاستهزاء بالناس والسخرية،
والكذب»(٢).
٤. النجوى المكروهة.
هي التي لا منفعة منها ولا ضرر فيها على
الغير؛ وإنما تكون سببًا في إهدار الوقت
وتضییع الأعمار فيما لا فائدة ترجى منه،
كالقيل والقال وكثرة السؤال وغيرها كثير.
٥. النجوى المباحة.
هي ما لم يكن فيها أي شيء مما سبق في
الأحكام الأخرى.
(٢) سبل السلام ٢/ ٦٥٤.
www. modoee.com
٤٨١

حرف النون
آثار النجوى على المجتمع
رأينا آنفا أن الله تعالى نهى عن التناجي؛
لما فيه من إلحاق الضرر بالغير والتسبب في
إذايته، وجعل الله النجوى في الكثير منها
شرا لا خير فيه؛ لما تحمله في حقيقة أمرها
زيادة على ما ذكرنا من إهدار للوقت وتضييع
للجهود فيما لا منفعة ترجى منه. إلا أن الله
تعالی استثنى من تلك النجوى المنهي عنها
نجوى أخرى تماثل في شكلها وتخالف
في مضمونها تناجي المخالفين لأمر الله،
فكانت بذلك نجوى محمودة، ولها منافع
عند الحرص على تطبيقها، ومن ثم سوف
يحصل من خلال الائتمار بها آثار محمودة
يعود نفعها على الفرد والمجتمع.
أولًا: الآثار المحمودة:
ولنبدأ بآثار النجوى المحمودة على
المجتمع ثم نثني بآثارها المذمومة.
لقد حدد الله عز وجل في كتابه العزيز
الأمور التي يمكن للمسلم أن يتناجى فيها
كما بين النبي صلى الله عليه وسلم كيفية
وطريقة التناجي فيها.
﴿﴿ لَّاخَيرَ فیکثیرِمِن
قال تعالى:
نَّجْوَمُهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَّةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ
إِصْلَحِ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤].
فنحن نلاحظ من خلال الاستثناء
الموجود في الآية عدة أمور:
أولًا: إن الحث على الصدقة والترغيب
فيها سواء كانت بمعناها الخاص أو
بمعناها العام، له آثار جليلة: فيها تسد
حاجات المجتمع ويتقلص بها عدد
الفقراء والمحتاجين، وتنمحي بها مظاهر
التسول والتشرد التي إن عمت مجتمعًا
حكمت عليه بالتفكك والانحلال، فكان
الإنفاق على الغير بطريق النجوى حفاظًا
على المروءات وقضاء للحاجات وستر
للعورات وسد الثغرات، ورفع للمشقة عن
اليتامى والأرامل والمرضى والضعفاء، في
صور حضارية تدل على الوحدة، وتزكي
أواصر المحبة والأخوة، وتظهر التماسك
والتعاطف والتلاحم والتراحم، وتقضي
على البطالة والتشرد، وتخفف على الدولة
أعباء عظيمة وتقيها أخطارًا جسيمة.
وثانيها: إن الترغيب في الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر، له آثار عظيمة: فيهما
يصلح المجتمع، ويقوم الاعوجاج، ويسد
الخلل، وتحفظ الأعراض، ويشاع الخير
ويقضى على الفواحش، وتختفي مظاهر
الفسوق والعصيان، وتظهر الفضائل وتقمع
الرذائل، وتتحقق الولاية بين المؤمنين،
ويقوى الإيمان وتتألف القلوب، حتى
تصبح على قلب رجل واحد، وتتلاشى
مظاهر العصبية، وتضمحل أسباب الحمية،
وتندثر الأهواء، ويحكم الشرع، ويسود
٤٨٢
جوب
القرآن الكريم

النوى
العدل، وتصفو الخواطر، وتطمئن النفوس وتقليل المراجعين للمحاكم؛ فتقل بذلك
نفقة الدولة على قضايا المتنازعين، فتنشر
وتحيى الضمائر، وتشتد العزائم، وترتفع
الهمم، ويصبح المجتمع كله عبارة عن
جسد واحد و کیان قائم له رادع ووازع؛
حتى يقوم الاعوجاج ويصلح الخلل بلطف
وروية، مصداقا لقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ
وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِ يَأْمُرُونَ
بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكِّرِّ وَيُقِيمُونَ
الصَّلَوَةَ وَيُؤْثُونَ الزَّكَوَةَ ﴾ [التوبة: ٧١].
المحبة ويرجع الوئام؛ لأنه وكما هو معلوم
كلما طالت الخصومة بين المتخاصمين وما
تحدثه من جروح نفسية غائرة في الصدور
كلما كان تحقيق التآلف بينهم صعبًا إلى حد
یمکن ألا يتصالح المتخاصمون، مما يكون
سببًا في قطع الأرحام وتفكك الأسر وبروز
ظواهر اجتماعية سلبية.
وهذا ما أرشد إليه الرسول صلى الله
علیه وسلم حينما قال: (من رأی منکم منکرًا
فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم
يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)(١).
أما ثالثها: فهو فعل كل ما من شأنه
أن يصلح ذات البين بين المتخاصمين
والمتنازعين، ومن آثار ذلك: بقاء الود
والمحبة والالتحام قائمًا بين أفراد المجتمع؛
لأن من عادة المنازعات والخصومات
إحداث الشقاق والشحناء، وما يتبع ذلك
من تفكك بين الأفراد، فكان في التناجي
لإصلاح ذات البين بين المسلمين قطع
للقيل والقال، وإيقاف لهوى النفوس
في استطالتها للفوز بسمعة القوة، ومنع
المتخاصمين من التمادي في الخلاف،
كما يجب ألا ننسى أن فيه أفراد من
المجتمع يكون لديهم قوة اجتماعية تفوق
بكثير قوة القضاء؛ إذ أنهم حينما يتوسطون
في حل المنازعات بين المتخاصمين مع ما
لديهم من سمعة ووجاهة ومحبة الناس لهم
یفلحون في الغالب في حل المنازعات؛ بل
الأهم من ذلك سعيهم الحثيث ألا يبقى
هناك أي غل في قلوب المتخاصمين؛ فتندثر
العداوات وتختفي وتحل محلها الأخوة
بمعناها الشمولي؛ فتقل الجرائم التي تكون
نسبة كبيرة منها بسبب انتقام بعض المتنازعين
من بعض، فتسود الطمأنينة وتحل السعادة
وينتشر الأمن وتتحقق الأخوة ويزداد ترابط
المجتمع مما يزيد من هيبة الدولة وقوتها،
ويعطي نظرة إيجابية على المجتمع المسلم،
مما قد یکون سبيلا وسببًا لدخول کثیر من
الناس في دين الإسلام.
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان
باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، رقم
٧٨.
www. modoee.com
٤٨٣

حرف النون
ثانيًا: الآثار المذمومة:
بسبب إمكانية إلحاق الضرر بالغير
الذي هو سعي من الشيطان ليوقعه بين
أفراد المجتمع، كما قال تعالى: ﴿إِنََّا
التَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَنِ لِيَحْزُنَ اَلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾
[المجادلة: ١٠].
حرم الله الكثير من النجوى من خلال
قوله تعالى: ﴿﴿ لَّاخَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِّن
نَّجْوَلُهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ
إِصْلَحِ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤].
ومن آثار ذلك وقوع الحزن في قلوب
المؤمنين؛ مما يجعل باب سوء الظن بالغير
يفتح على مصراعيه؛ لتتوالى بعد ذلك
الأمراض الاجتماعية بالظهور: كالحقد
والكراهية وانعدام الثقة وشيوع الغيبة
والنميمة وغيرها، كل هذا بسبب رؤية فعل
من یتناجی دون معرفة حقيقة ما يتناجى به،
أما لو أردنا أن نذكر الأمور المتناجى بها
وهي التي أطلق عليها الله عز وجل صفة
﴿﴿ لَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ
الشر حينما قال:
مِّن نَّجْوَمُهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَّةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ}
[النساء: ١١٤] فسيكون الأمر أكثر سوءًا وأشد
بلاء.
وما نهي الله عز وجل للمؤمنين عن
التناجي بالإثم والعدوان ومعصية الرسول
إلا لعلمه جل وعلا بخطر ذلك على الأمة
أجمع.
فالتناجي بالإثم يدخل فيه كما رأينا
سابقًا كل ذنب جعل موضوعًا للنجوى؛
فيتجرأ الناس بعد اتفاقهم وتدبيرهم على
فعل المخالفات وارتكاب المحرمات، مما
سيؤدي إلى إشاعة الفواحش وانتشار الرذائل
وتساهل الناس في ارتكاب المعاصي.
وما إن يقع ذلك حتى ترى قلة أو انعدام
من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فيقمع
الحق ويتقوى الباطل، ويتصدى أهل الزيغ
والأهواء ليلبسوا على الناس أمور دينهم
ودنياهم، بدعوتهم إلى التحرر زعموا، وما
يريدون من وراء ذلك إلا أن ينفلت الناس
من اتخاذ دين الإسلام منهجا لحياتهم.
أما التناجي بالعدوان الذي هو الظلم
فسيجعل المجتمع يعيش في الفوضى
والخوف؛ فينعدم الأمن وتكثر الجرائم،
ويضيع العدل، ويشيع الزور، ويحكم
الجور، وتتناول الرشوة، وتنعدم الثقة،
ويتهم البريء، ويبرأ المجرم، ويتجرأ على
محارم الله، وتغصب الحقوق، ويظهر
التزوير، وتضيع الأمانة، ويكثر الفحش في
الكلام؛ فيصبح السب والشتم شعارًا يرفع
لواؤه عند كل خصومة أو خلاف؛ لأن كل
هذه الجرائم الاجتماعية نواتها وأساسها
قد وجد حينما تناجى المتناجون بإثم وشر،
فهي في بدايتها لا تعدو أن تكون كلامًا في
السر بين اثنين أو أكثر، إلا أنها سرعان ما
٤٨٤
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

النوى
تصبح تطبيقًا على أرض واقع حياة الناس.
أما التناجي بمعصية الرسول، فهو وإن
كان لا يتصور وقوعه من المؤمن؛ لأنه
في الأصل هو من أفعال المنافقين، إلا أن
ضعف الإیمان قد يدفع کثیرًا من الناس إلى
الاتفاق على تعمد مخالفة أمر الرسول صلى
الله عليه وسلم بشبه متعددة، فینتج عن ذلك
ظهور مخالفات شرعية في المجتمع، لم
يكن يتصور المسلم أن يراها على أرض واقع
المسلمين، كحلق اللحى والتبرج والسفور،
والتشبه الواضح بغير المسلمين في مأكلهم
ومشربهم ومختلف شؤون حياتهم، وظهور
بين الفينة والأخرى من يجتمعون في
الساحات العامة؛ ليتعمدوا هتك حرمة شهر
الصيام بالأكل في رابعة النهار من غير عذر
شرعي، اللهم إلا دعوتهم أنهم أحرار في أن
يصوموا أو لا يصوموا زعموا.
إن شيوع تعمد معصية الرسول صلى الله
عليه وسلم جعل كل من يستقيم على هدي
محمد عليه الصلاة والسلام في هذا الزمان
غريبًا بين أهله وذويه، فانقسم المجتمع إلى
قسمين: قسم متبع لهدي الحبيب وهم قلة،
وقسم آخر يعصي محمدًا صلى الله عليه
وسلم وهم الكثرة.
موضوعات ذات صلة:
الإصلاح، الحزن، السر، العلاقات
الاجتماعية، العلن، الكتمان، المعروف
www. modoee.com
٤٨٥