النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ الْمُوْى عناصر الموضوع مفهوم النجوى ٤٦٠ النجوى في الاستعمال القرآني ٤٦١ الألفاظ ذات الصلة ٤٦٢ ٤٦٥ إحاطة علم الله بالنجوى ٤٧١ أنواع النجوى ٤٧٩ ضوابط النجوى ٤٨٠ أحكام النجوى ٤٨٢ آثار النجوى على المجتمع المُجَلَدَ الثَّانِى وَالثَّلاثُنْ حرف النون مفهوم النجوى أولًا: المعنى اللغوي: النجوى: اسم مصدر مأخوذ من مادة (ن ج و) قال ابن فارس: ((النون والجيم والحرف المعتل أصلان، يدل أحدهما على كشط وكشف، والآخر على ستر وإخفاء(١). والنجوى: السر بين اثنين، يقال: (ناجيته)، و(تناجوا) و(انتجوا)، وهو (نجي) فلان والجمع (أنجيةٌ)(٢). والنجي: هو المناجي المخاطب للإنسان والمحدث له دون من سواه، ومنه موسى نجي الله (٣). وقد يطلق اسم (النجوى) ويراد به فعل المتناجي، كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ هُ نَجْرَكٌ﴾ [الإسراء: ٤٧]. فجعلهم هم (النجوى)، وإنما (النجوى) فعلهم، كما تقول: قوم رضا، وإنما الرضا فعلهم. ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: قال الراغب الأصفهاني في تفسيره: ((والنجوى تقال للحديث الذي تفرد به اثنان فصاعدًا أو للقوم المتناجين» (٤). وباعتبار أن النجوى قد تكون في خير، وقد تكون في مقابل ذلك في شر، كما قررته آية النساء عند قوله تعالى: ﴿لَّخَيّرَ فِي كَثِيرٍ مِن نَّجْوَدُهُمْ﴾ [النساء: ١١٤]. فإن التعريف الاصطلاحي لكلمة النجوى هو: المسارة بين اثنين فأكثر في خير أو في شر(٥). (١) مقاييس اللغة ٥/ ٣٩٧. (٢) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٥/ ٣٩٨، تهذيب اللغة، الأزهري ١١/ ١٣٥، تاج العروس، الزبيدي ٤٠ / ٣٠. (٣) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب المناقب، باب فضل النبي صلى الله عليه وسلم، رقم ٣٦١٦. وضعفه الألباني في ضعيف الترمذي، رقم ٤٨٣. (٤) انظر: تفسير الراغب الأصفهاني ١٤٨/٤، التفسير الوسيط ١١٥/٢، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٨٢/٥. (٥) انظر تيسير الكريم الرحمن ص٨٤٥ . ٤٦٠ جَوَسُولَةُ التَّقِينَ القرآن الكريمِ النجوى النجوى في الاستعمال القرآني وردت مادة (نجو) في القرآن الكريم (٨٣) مرة، يخص موضوع البحث منها (١٧) مرة (١). والصيغ التي وردت، هي: الصيغة عدد المرات المثال الفعل الماضي ٢ [المجادلة: ١٢] ﴿وَيَتَنَجَوْنَ بِاَلْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ الفعل المضارع ٢ [المجادلة: ٨] فعل الأمر ١ ﴿وَتَنَجَوْبِالْبِرِّ وَاَلنَّقْوَى﴾ [المجادلة: ٩] ١٠٠٠٠٠١٠٠٠٠ ٠١٠٠٠ # [طه: ٦٢] ٦٢ المصدر فَلَمَّا أَسْتَيْكَسُواْ مِنْهُ خَلَصُواْ نَيًا﴾ [يوسف: ٨٠] اسم ١ وجاءت النجوى في القرآن بمعناها في اللغة، وهو: السر بين اثنين (٢). وناجيته أي: ساررته، وأصله أن تخلو به في نجوة من الأرض (٣). (١) انظر: المعجم المفهرس الشامل لألفاظ القرآن الكريم، عبد الله إبراهيم جلغوم، ص ١٣٠٨ - ١٣٠٩. (٢) انظر: مقاییس اللغة، ابن فارس ٥/ ٣٩٩. (٣) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني، ص ٧٩٣. www. modoee.com ٤٦١ ﴿إِذَا نَجْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَلَكُوْ صَدَقَةً فَتَزَعُواْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُواْ النَّجْوَى ١١ حرفالنون الألفاظ ذات الصلة الخلوة: ١ الخلوة لغة: (((الخلو): الانفراد، (خلا) به أي: انفرد))(١)، قال صاحب التهذيب: ((ويقول الرجل للرجل: اخل معي حتى أكلمك، و(اخلني) حتى أكلمك أي: كن معي خاليًا))(٢). و(خلا) الشيء من باب سما، و(خلوت) به (خلوةً) و (خلاءً) و (خلا) إليه اجتمع معه في (خلوةٍ)، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَطِينِهِمْ﴾ [البقرة: ١٤](٣). قال الزمخشري: ((وخلوت بفلان وإليه، إذا انفردت معه»(٤). و(خلا) الرجل بصاحبه وإليه ومعه، عن أبي إسحاق (خلوًا وخلاءً وخلوةً) الأخيرة عن اللحياني: اجتمع معه في (خلوة)(٥). الخلوة اصطلاحًا: المعنى الذي دل عليه لفظ خلا في بعض معانيه اللغوية، والسياق القرآني الذي جاء فيه، يدلان على أن خلوة أولئك المختلين كانت من أجل الإسرار بكلام لا يحبون أن يطلع عليه أحد من المؤمنين، (٦) فهي كقوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّواْ النَّجْوَى﴾ [طه: ٦٢]. الصلة بين الخلوة والنجوى: اتحدت كلمة خلا مع كلمة النجوى في بعض معانيها في اللغة، واتحدا أكثر حسب السياق القرآني الذي جاءت فيه هذه الكلمة بصيغتيها (خلو) و(خلا). السر: ٢ السر لغة هو: ما يكتم في النفس من الحديث، وهو خلاف الإعلان، والجمع الأسرار، يقال: سررته: کتمته(٧). (١) البحر المحيط ص ١٠٢. (٢) تهذيب اللغة، الأزهري ٧/ ٢٣٢. (٣) انظر: الصحاح، الجوهري ٦/ ٢٣٣٠، مجمل اللغة، ابن فارس ١/ ٢٩٨. (٤) الكشاف ١ / ٦٥. (٥) لسان العرب ١٤/ ٢٣٨. (٦) انظر جامع البيان، الطبري ١٥١/٧_١٥٢. (٧) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٤٠٤، لسان العرب، ابن منظور ٣٦٣/٤، المصباح المنير مَوَسُولَةُ النَّقية الْقُرآن الكَرِيْمِ ٤٦٢ الفوى السر اصطلاحًا هو: اسم لما يكتم ويخفى في القلوب من العقائد والنيات والأقوال والأعمال وغيرها (١). الصلة بين والسر والنجوى: النجوى فيها إسرار، فهى صورة من صور السر، فالصلة بينهما صلة عموم وخصوص. الإخفاء: ٣ الإخفاء لغة: الستر والكتمان، يقال: خفيت الشيء أخفيه: كتمته، وأخفيت الشيء: سترته و کتمته، ويقابله الإبداء والإعلان، والإخفاء: تغييب الشيء، وأن لا يجعل عليه علامة يهتدى إليه من جهتها، وهو من الأضداد (٢). والإخفاء اصطلاحًا هو: الستر ويقابله الإبداء والإعلان، والإخفاء تغييب الشيء، وأن لا يجعل عليه علامة يهتدى إليه من جهتها(٣). الصلة بين الإخفاء والنجوى: الإخفاء أعم، يشمل الحديث وغيره، تقول: أخفيت الدرهم في الثوب. ولا تقول: كتمت ذلك، والنجوى تقال للحديث الذي تفرد به اثنان فصاعدًا أو للقوم المتناجين. الجهر: ٤ الجهر لغة : جهرت الشيء إذا كشفته، وجهرته واجتهرته أي: رأيته بلا حجاب بيني وبينه، والجهر العلانية وفي الحديث (وكان عمر رجلًا مجهرًا)(٤) أي: صاحب جهرٍ ورفع لصوته، والجهر في غريب الشرح الكبير للفيومي ٢٧٣/١، تاج العروس، الزبيدي ٧/١٢. (١) انظر: المفردات ص ٤٠٤، الكشاف، الزمخشري ٤ /٧٣٦. (٢) انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٣٥٤/١، مقاييس اللغة، ابن فارس ٢٠٢/٢، لسان العرب، ابن منظور ٢٣٤/١٤، تاج العروس، الزبيدي ٥٦٤/٣٧، التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص ٤٢. (٣) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٢٨٩، التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص ٤٢، الكلیات، الكفوي ص ٥١٤. (٤) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب السنة، باب في استخلاف أبي بكر رضي الله عنه، رقم ٤٦٦٢، وأحمد في مسنده، رقم ٣٢٢/٤،١٨٩٢٦. وصححه الألباني في صحيح أبي داود. www. modoee.com ٤٦٣ حرف النون هو ما ظهر وهو رفع الصوت يقال: جهر بالقراءة إذا رفع صوته بها (١). الجهر اصطلاحًا: هو (رفع الصوت بحیث یسمع نفسه ومن جاوره))(٢). الصلة بين الجهر والنجوى: أن الجهر خلاف النجوى، وهو إظهار المعنی للنفس ورفع الصوت به. (١) لسان العرب، ابن منظور ١٤٩/٤، القاموس المحيط، الفيروز آبادي ٤٧١/١. (٢) معجم لغة الفقهاء،فلعجي ص١٦٨ . ٤٦٤ فَضْو القرآن الكريم النجوى إحاطة علم الله بالنجوى أولًا: علم الله بأحوال المتناجين: لا يخفى على القارئ للآيات المتعلقة بالنجوى - والتي عرضت في المبحث أعلاه - أن كلا من الأخبار والأحكام التي جاء لفظ النجوى في سياقها هي تعبير واضح عن علم الله الواسع. فكل خبر أخبرنا الله تعالى من خلاله عن المتناجين ونجواهم، مع حرصهم الشديد على توخي السر والستر والكتمان؛ ليدل دلالة قاطعة أن من أخبر عن كل تلك الأحداث بتفاصيلها لیعلم كل شيء. کما أن الحکم لا یمکن أن یکون له واقع إلا إذا علم بأصل القضية، وجوهر المسألة التي سيصدر من أجلها ذلكم الحكم، فكان العلم بكل ذلك شرط لصدور الأحكام المناسبة، والله تعالى قد شرع تلك ما يتعلق بالنجوى من أحكام وهو يعلم أحوال أصحابها، وملابساتھم، ومن ثم فإن کل الأحكام التي تضمنتها آیات النجوى أيضا تدل علی واسع علم الله عز وجل. وقد قرر الله تعالى أنه يعلم بكل المتناجين، وبكل ما يتناجون به فقال عز وجل: ﴿أَلَمَّ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِ الشَّمَوَتِ وَمَا فِي الْأَرْضِّ مَا يَكُونُ مِن تَّجْوَى ثَلَثَةٍ إِلََّ هُوَ رَِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرُ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُواْ ثُمَّ يُنَبِّئُّهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوْمَ الْقِيَمَةَّ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ [المجادلة: ٧]. قال ابن جرير: ((يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ألم تنظر يا محمد بعين قلبك فترى ﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فى السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِ﴾ من شيء، لا يخفى عليه صغير ذلك وكبيره، يقول جل ثناؤه: فكيف يخفى عليَّ من كانت هذه صفته؟! أعمال هؤلاء الكافرين وعصيانهم ربهم، ثم وصف جل ثناؤه قربه من عباده وسماعه نجواهم، وما يكتمونه الناس من أحاديثهم، فيتحدثونه سرًا بينهم، فقال: ﴿مَا يَكُونُ مِن ◌َّجْوَ ثَلَثَةٍ﴾ من خلقه ﴿إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾، يسمع سرهم ونجواهم، لا يخفى عليه شيء من أسرارهم ﴿وَلَّا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ يقول: ولا يكون من نجوى خمسة إلا هو سادسهم كذلك ﴿وَلَا أَدْنَ مِنْ ذَلِكَ﴾ يقول: ولا أقل من ثلاثة ﴿وَلاَ أَكْثَرَ﴾ من خمسة، ﴿إِلَّهُوَ مَعَهُمْ﴾ إذا تناجوا ﴿أَيْنَ مَا كَانُواْ﴾ يقول: في أي موضع ومكان كانوا. وعني بقوله: ﴿هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ بمعنى: أنه مشاهدهم بعلمه، وهو على عرشه))(١). وهذا ما أجمع عليه السلف من أئمة السنة، قال ابن کثیر: «ولهذا حکی غیر واحد الإجماع على أن المراد بهذه الآية معية علم (١) جامع البيان، الطبري ٢٣/ ٢٣٦ -٢٣٧. www. modoee.com ٤٦٥ حرفالنون الله تعالى، ولا شك في إرادة ذلك، ولكن بهم، وسطوته أن يوقعها بهم، على كفرهم سمعه أيضا مع علمه محيط بهم، وبصره بالله وبرسوله، وعيبهم للإسلام وأهله، نافذ فيهم، فهو سبحانه مطلع على خلقه، لا يغيب عنه من أمورهم شيء)»(١). الله تعالى بالعلم واختتمها بالعلم. ويسمع نجواهم، يدل عليه افتتاح الآية بالعلم ثم ختمها بالعلم» (٢). ليستدل بذلك کله على علمه تعالی بأي متناج وبأي نجوى، مهما أسرها أصحابها، ومهما أخفوها عن غيرهم، ومهما قل عددهم أو کثر، فهو معهم يعلم سرهم ونجواهم، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَتُهُمْ وَأَنَّ اَللَّهَ عَلَّمُ الْغُيُوبِ ﴾ [التوبة: ٧٨]. قال ابن جرير: ((يقول تعالى ذكره: ألم يعلم هؤلاء المنافقون الذين يكفرون بالله ورسوله سرًا، ویظهرون الإيمان بهما لأهل الإيمان بهما جهرًا ﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ﴾ الذي يسرونه في أنفسهم، من الكفر به وبرسوله ﴿وَنَجْوَنُهُمْ﴾ يقول: ﴿وَنَجْوَ هُمْ ﴾ إذا تناجوا بينهم بالطعن في الإسلام وأهله، وذكرهم بغير ما ينبغي أن يذكروا به، فيحذروا من الله عقوبته أن يحلها (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٨/ ٤٢. (٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٧ / ٢٩٠. فينزعوا عن ذلك ويتوبوا منه ﴿وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّمُ الْغُيُوبِ﴾ يقول: ألم يعلموا أن الله وهذه الآية قد جاءت في سياق آية ابتدأها علام ما غاب عن أسماع خلقه وأبصارهم وحواسهم، مما أكنته نفوسهم، فلم يظهر قال القرطبي: ((﴿إِلَّهُوَ رَاِعُهُمْ﴾ يعلم على جوارحهم الظاهرة، فينهاهم ذلك عن خداع أوليائه بالنفاق والكذب، ويزجرهم عن إضمار غیر ما یبدونه، وإظهار خلاف ما يعتقدونه»(٣). بل إن الله سبحانه یعلم أکبر من ذلك، وعلى علم بما يخفى عن غيره، فهو تعالى يعلم ما في السماوات وكل ما في الأرض وَعِندَهُ بأدق تفاصيله قال تعالى: مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِى الْبِّ وَالْبَحْرِّ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍفِ ظُلُّمَتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَاِسِ إِلَّا فِی كِتَبِ مُّبِينٍ ﴾ [الأنعام: ٥٩]. قال ابن جرير: ((يقول تعالى ذكره: ولا تسقط ورقةٌ في الصحاري والبراري، ولا في الأمصار والقرى، إلا الله يعلمها ﴿وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَبٍ مُِّينٍ﴾ يقول: ولا شيء أيضًا مما هو موجود، أو مما سیوجد ولم یوجد بعد، إلا وهو مثبت في اللوح المحفوظ، مكتوبٌ ذلك فيه، ومرسوم عدده ومبلغه، والوقت (٣) جامع البيان، الطبري ٣٨١/١٤. ٤٦٦ القرآن الكريم الجوى الذي يوجد فيه، والحال التي یفنی فيها)) (١). ولعل الكفار الذين لا يؤمنون بالله عز وجل ولا بأسمائه ولا بصفاته قد ظنوا أن الله تعالی لا یعلم سرهم ونجواهم، فهم يخفون أسرارهم عن غيرهم من البشر، ويعتقدون أن لا أحد غيرهم يعلم بأمرهم وسرهم ﴿ يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اَللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ ١٠٨)﴾ [النساء: ١٠٨]. اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا فأبطل الله تعالى تصورهم وبين سوء ظنهم وقبح اعتقادهم فقال: ﴿أَمْ يَصْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَجْوَدُهُمَّ بَلَ وَرُسُّلْنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ ﴾ [الزخرف: ٨٠]. ٨٠ قال ابن جرير:((﴿أَمْ يَصْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَجْوَدُهُمْ﴾ يقول: أم يظن هؤلاء المشركون بالله أنا لا نسمع ما أخفوا عن الناس من منطقهم، وتشاوروا بينهم وتناجوا به دون غيرهم، فلا نعاقبهم عليه لخفائه علینا. وقوله: ﴿بَ وَرُسُلْنَ لَدَيِهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ يقول تعالی ذکره: بل نحن نعلم ما تناجوا به بینھم، وأخفوه عن الناس من سر كلامهم، وحفظتنا لديهم، يعني: عندهم يكتبون ما نطقوا به من منطق، وتكلموا به من كلامهم)) (٢) وجلى الله هذا العلم - علمه الواسع - (١) جامع البيان، الطبري ١١ / ٤٠٣. (٢) المصدر السابق ٢١/ ٦٤٧. حينما فضح من عادوا إلى التناجي بعد أن نهوا عنه وهم اليهود والمنافقون، وبين أنواع تناجیهم، فوبخهم علی تعمد ذلك، وذمهم لرجوعهم إليه، مما يوضح شدة تمردهم وطغيانهم، وإلحاحهم على التناجي، رغم أن الله قد بين لهم أنه يعلم سرهم ونجواهم. قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَّرَ إِلَى الَّذِينَ ◌ُهُواْ عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَيَتَنَجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُ وَكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِيَ أَنفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾ [المجادلة: ٨]. ثانيًا: علم الله بمقاصد الشيطان من النجوى: لم يترك الله تعالى أمر النجوى يمر دون أن يذكر ما للشيطان من يد في واقع المتناجين، وما له من تأثير على مشاعر المؤمنين، موضحًا مقصده من أز المنافقين والكفار إلى التناجي، وإن كان المؤمنون وغيرهم لا يعلمون أن الشيطان بوسوسته كان وراء فعل الكافر، وأيضا كان وراء ما حدث للمؤمن من تأثر بفعل نجواهم، وهذا ما بينه الله عز وجل حينما قال: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ اُلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَيْسَ بِضَآرِهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَنَوَّكَّلِ [المجادلة: ١٠]. الْمُؤْسِنُونَ ﴾ www. modoee.com ٤٦٧ حرفالنون قال ابن كثير: «أي: إنما النجوى-وهي المسارة-حيث يتوهم مؤمن بها سوءًا ﴿مِنَ الشَّيْطَنِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ يعني: إنما يصدر هذا من المتناجين عن تسويل الشيطان وتزيينه))(١). وليس ما يشعر به المؤمن من الحزن قاصر على نجوى المنافقين واليهود، بل إن ما يلقيه الشيطان من الحزن في قلب المؤمن، هو ناتج عن کل نجوى حصلت في حضرة من انعزل الناس دونه يتناجون، بغض النظر عن دین من يتناجى، سواء كان كافرًا أو مؤمنًا؛ لذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تناجي اثنين دون الثالث فما رواه عبد الله بن مسعود حينما قال: (إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث إلا (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٤/٨. (٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٩/ ٤٩٢. جَوَُّور القرآن الكريم بإذنه، فإن ذلك يحزنه)(٣) فالشيطان بوساوسه حاضر في كل نجوى، إذا كان سيحقق من خلالها ما به يدخل الحزن على المؤمن، فهو بتزيينه الأمر النجوى، وحمل الناس على فعلها يسهل وقوعها، فيجني ثمرة الإيقاع بالمؤمن في ولا شك أن النجوى التى يكون الشيطان سببا فيها، هي ما تكون بالإثم والعدوان، لا التي فيها البر والإحسان، فلا تعم جميع أنواع النجوى، كما قال الفخر الرازي: ((الألف واللام في لفظ النجوى لا يمكن أن یکون للاستغراق؛ لأن في النجوى ما یکون من الله ولله، بل المراد منه المعهود السابق الغيظ والحزن؛ مما ينتج عنه التباغض والتنافر، وإن كان مقصد الشيطان من النجوى قد يتعدى ذلك الحزن إلى أغراض أخرى، ليست مقصورة على محاولة إيقاع الحزن في قلوب المؤمنين، يقول ابن عاشور: «لأن الأغراض التي يتناجون فيها وهو النجوى بالإثم والعدوان، والمعنى أن من أكبر ما يوسوس الشيطان لأهل الضلالة بأن يفعلوه؛ ليحزن الذين آمنوا بما يتطرقهم الشیطان یحملهم على أن يقدموا على تلك النجوى التي هي سبب لحزن المؤمنين)»(٢). من خواطر الشر بالنجوى، وهذه العلة ليست قيدًا في الحصر فإن للشيطان عللا أخرى مثل إلقاء المتناجين في الضلالة، والاستعانة بهم على إلقاء الفتنة، وغير ذلك من الأغراض الشيطانية)) (٤). لذلك فإن إخبار الله تعالى بأحوال المتناجين، وبيانه لمقصد الشيطان من تناجي المتناجين، وما وقع في قلب المؤمنين من (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاستئذان، باب لا يتناجى اثنان دون الثالث، رقم ٦٢٩٠، ومسلم في صحيحه، كتاب السلام، باب تحريم مناجاة الاثنين دون الثالث بغير رضاه، رقم ٢١٨٤. (٤) التحرير والتنوير ٢٨/ ٣٤. ٤٦٨ النوى الحزن؛ لیعد دليلا واضحا على سعة علمه، وإحاطته بكل شيء ولو كان في كوامن القلوب. ثالثًا: علم الله بما يشعر به المؤمنون عند تناجي المتناجين: لقد أخبر الله عز وجل عن تسبب الشيطان في حصول النجوى بتزيين شأنها، وتهوين أمرها، ولم يكتف بذلك إنما تعداه بذكره تعالى لما تحدثه تلك النجوى في قلوب المؤمنين. فشعور المؤمن بالحزن من تناجي المتناجين قد علمه الله، وإن حاول المؤمن إخفاءه، ولم يستطع أحد إدراكه والتحقق من وقوعه؛ لأنه يتعلق بالشعور الذي مكمنه في القلب، لکن الله علمه فبينه ووضحه وجلاہ، وأعطى الاطمئنان لمن وقع في قلبه. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾. قال الشوكاني في تفسيره: ((إنما النجوى -يعني: بالإثم والعدوان ومعصية الرسول -من الشيطان لا من غيره، أي: من تزيينه وتسويله؛ ليحزن الذين آمنوا أي: لأجل أن يوقعهم في الحزن بما يحصل لهم من التوهم أنها في مکیدة یکادون بها، وليس بضارهم شيئا أو: وليس الشيطان أو التناجي الذي يزينه الشيطان بضار المؤمنين شيئًا من الضرر إلا بإذن الله أي: بمشيئته، وعلى الله فليتوكل المؤمنون أي: يكلون أمرهم إليه، ویفوضونه في جمیع شؤونهم، ويستعيذون بالله من الشيطان، ولا يبالون بما يزينه من النجوى))(١). فالله عز وجل برحمته بالمؤمنين وحبه لهم لم يشأ أن يقع ذلك كله بهم إلا اختبارًا وابتلاءًا لهم؛ حتى يصدقوا في توكلهم على الله، وفي ذلك يقول القرطبي: ((﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَنَوَّكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: يكلون أمرهم إليه، ويفوضون جميع شؤونهم إلى عونه، ويستعيذون به من الشيطان ومن كل شر، فهو الذي سلط الشيطان بالوساوس ابتلاء للعبد وامتحانًا ولو شاء لصرفه عنه))(٢). فازداد المؤمن يقينًا ألا أحد يمكن أن یضرهم إلا بقدر الله ومشيئته، وليس ما يوسوس لهم به الشيطان وما يقذفه في قلوبهم من الحزن، قال السعدي: ((يقول تعالى: ﴿إِنََّا النَّجْرَى﴾ أي: تناجي أعداء المؤمنين بالمؤمنين، بالمكر والخديعة، وطلب السوء من الشيطان، الذي كيده ضعيف ومكره غير مفيد ﴿يَحْزُنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ هذا غاية هذا المكر ومقصوده، ﴿وَلَيْسَ بِضَارِ هِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اَللَّهِ﴾ فإن الله تعالى وعد المؤمنين بالكفاية والنصر على (١) فتح القدير ٢٢٤/٥. (٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٩٥/١٧. www. modoee.com ٤٦٩ حرفالنون الأعداء، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّبِىُّ سعيه الحثيث بوساوسه المتواصلة أن يقع إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣]. فأعداء الله ورسوله والمؤمنين، مهما تناجوا ومكروا فإن ضرر ذلك عائد إلى أنفسهم، ولا يضر المؤمنين إلا شيء قدره الله وقضاه ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَنَّوَّكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ أي: ليعتمدوا عليه ويثقوا بوعده، فإن من توكل على الله كفاه، وتولى أمر دينه ودنیاہ»(١). فرفع الله بهذه الآية ما كان يقع في قلوب المؤمنين من الحزن، وبين لهم أن هذا من تزيين الشيطان ومكره السيئ بالكفار، فطمأنهم أن ضرر الشيطان غیر لا حق بهم، ومكر الكفار لن يطولهم، وأمرهم بالتوكل عليه والاستعاذة به. قال ابن عطية: ((ثم أخبر تعالى أن الشيطان أو التناجي الذي هو منه ليس بضار أحدًا إلا أن يكون ضر بإذن الله، أي: بأمره وقدره. ثم أمر بتوكل المؤمنين عليه تبارك وتعالى، وهذا كله يقوي أن التناجي الذي من الشيطان إنما هو الذي وقع منه للمؤمنين خوف))(٢). وهكذا أسدلت هذه الآيات الستارة على ما كان يعانيه المؤمنون من الأحزان؛ بسبب ما كان يقذفه الشيطان في قلوبهم، نتيجة (١) تيسير الكريم الرحمن ص ٨٤٦. (٢) المحرر الوجيز ٢٧٨/٥. ٤٧٠ مَوَسُولَةُ النَّفِي القرآن الكريم التناجي من أعداء هذا الدين ويكثر، ففضح الله أمر إبليس وبين مقصده وغايته، وحدد أعوانه، كما أنه جل وعلا وصف العلاج الناجع للقضاء على ظاهرة تناجي الكفار لإضعاف المسلمین، بإرشادهم إلى وجوب التو کل علیه سبحانه؛ لأنه هو العاصم من کل القواصم، وتنبيههم إلى أن الضرر لن يلحق بهم إلا بمشيئة الله وإذنه، فكبت بهذا البيان الواضح الكفار، وأكد ضعف كيد الشيطان، وطمأن المؤمنين لأنهم أولیاء الرحمان. الفوى أنواع النجوى الكثير من النجوى كما بين ذلك الله تعالى في كتابه لا تكون إلا مذمومة، ولا تكون إلا في الشر وسوء الصنيع، لكنه تعالى استثنى من ذلك الكثير نجوى أخرى محمودة، رغب فيها الله عز وجل وأرشد إليها، وجعل الأجر الكبير في ابتغائها. *لا ففي سورة النساء قوله سبحانه: خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِّن نَجْوَتُهُمْ إِلَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَحِ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْثِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: ١١٤]. بين الله تعالى أن الكثير من النجوى لا تکون إلا في الشر، ومن ثم فإن کثیرًا من المتناجین يتناجون فيما بينهم بما فيه شر أو ما لا فائدة منه؛ لأن نفي الخير عن نجواهم لا يعني فقط أن تناجیھم لا یکون إلا شرًا، بل يشمل أيضًا ما لا نفع فيه ولا ضرر منه على غيرهم، وإن كان يلحق ضررًا بهم هم أنفسهم من جهة تضييعهم لأوقاتهم وأعمارهم فيما لا نفع فيه. وقريبًا من هذا المعنى يقول السعدي في تفسيره: «أي: لا خير في کثیر مما یتناجی به الناس ويتخاطبون، وإذا لم يكن فيه خير، فإما لا فائدة فيه کفضول الكلام المباح، وإما شر ومضرة محضة كالكلام المحرم بجميع أنواعه)»(١). فنفي الخيرية عن كثير من تناجي المتناجين يشمل ما فيه تدبير للشر، و کل ما لا منفعة شرعية ترجی منه، وإن لم یکن فیه ضرر یمکن أن یمس الغیر، فإن فيه تفویتًا للخير، وهذا ضرر في حد ذاته یکون على العبد لا له. قال ابن عاشور: ((ومعنى لا خير أنه أشر، بناء على المتعارف في نفي الشيء أن يراد به إثبات نقيضه؛ لعدم الاعتداد بالواسطة، كقوله تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَلُ [يونس: ٣٢]. ولأن مقام التشريع إنما هو بيان الخير والشر. وقد نفى الخير عن كثير من نجواهم أو متناجيهم، فعلم من مفهوم الصفة أن قليلًا من نجواهم فیه خیر، إذ لا يخلو حديث الناس من تناج فیما فيه نفع»(٢). فعلم من هذا أن النجوى على نوعين: محمودة ومذمومة. أولًا: النجوى المحمودة: بین الله تعالى من خلال آيات سورة النساء وسورة المجادلة - التي لها علاقة بموضوعنا - أن النجوى لا تكون محمودة إلا إذا كانت في خمسة أمور: (١) تيسير الكريم الرحمن ص ٢٠٢. (٢) التحرير والتنوير ١٩٩/٥. www. modoee.com ٤٧١ حرفالنون ١. أن تكون في الأمر بالصدقة. ٢. أن تكون في معروف. ٣. أن تكون للإصلاح بين الناس. ٤. أن تكون بالبر. ٥. أن تكون بالتقوى. قال الرازي عند تفسيره لآية النساء: ((لا خیر فیما یتناجی فیه الناس ويخوضون فيه من الحديث إلا ما كان من أعمال الخير))(١). فثبت أن مجامع الخيرات مذكورة في هذه الآية(٢). وبتفصيل أكثر قال ابن العربي في تفسيره: «قوله تعالى: ﴿لَّاخَيرَ فِى كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَدُهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَحِ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ آبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُوْنِيهِ أَجْرًاً عَظِيمًا (١)﴾ [النساء: ١١٤]. هذه الآية آیة بکر لم يبلغني عن أحد فيها ذكر، والذي عندي فيها أن الله تعالى أمر عباده بأمرين عظيمين: أحدهما: الإخلاص، وهو أن يستوي ظاهر المرء وباطنه. والثاني: النصيحة لكتاب الله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم ولأئمة المسلمين وعامتهم. فالنجوى خلاف هذين الأصلين، وبعد هذا فلم يكن بد للخلق من أمر يختصون به في أنفسهم، ویخص به بعضهم بعضًا، فرخص (١) مفاتيح الغيب، الرازي ١١/ ٢١٧. (٢) المصدر السابق ٢١٨/١١. في ذلك بصفة الأمر بالمعروف، والحث على الصدقة، والسعي في إصلاح ذات البين»(٣). والمقصود من الأمر في الآية هو الحث. قال البغوي في تفسيره ومعنى الآية: ((لا خير في كثير مما يدبرونه بينهم إلا من أمر بصدقة أي: حث عليها (٤). أما المراد بالصدقة فقد تنوعت تفاسير المفسرين بين مضيق وموسع. قال الشوكاني في تفسيره: (( قوله: ﴿بِصَدَقَةٍ﴾ الظاهر أنها صدقة التطوع، وقيل: إنها صدقة الفرض»(٥). وجزم أبو حيان حينما قال: ((والصدقة تشمل الفرض والتطوع)» (٦). وذهب السعدي إلى أن المراد بالصدقة أوسع من قصرها على مجرد الفرض أو التطوع، حيث جعلها شاملة لكل ما يسمى صدقة في عرف الشرع، فقال رحمه الله: ((ثم استثنى تعالى فقال: ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾ من مال أو علم أو أي نفع کان، بل لعله يدخل فيه العبادات القاصرة كالتسبيح والتحميد ونحوه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن بکل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، (٣) أحكام القرآن ١/ ٦٢٦ -٦٢٧. (٤) معالم التنزيل، البغوي ١/ ٧٠٠. (٥) فتح القدير ١/ ٥٩٤. (٦) البحر المحيط ٦٥/٤. ٤٧٢ جوبيـ القرآن الكريم الجوى ونهي عن المنكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة)(١). وبين القاسمي في تفسيره السر في إباحة التناجي بالأمر بالصدقة فقال: ((﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾ أي: إلا في نجوى من أمر، بخفية عن الحاضرين، بصدقة ليعطيها سرًا، يستر به عار المتصدق عليه»(٢). وبالنسبة للمعروف فقد عرفه البغوي بقوله: ((أو معروف أي: بطاعة الله وما يعرفه الشرع وأعمال البر کلها معروف؛ لأن العقول تعرفها)»(٣). وصحح القرطبي قول البغوي فقال في تفسيره: ((والمعروف لفظ يعم أعمال البر كلها. وقال مقاتل: المعروف هنا الفرض، والأول أصح. وقال صلی الله عليه وسلم: (كل معروف صدقة وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق) (٤). (١) تيسير الكريم الرحمن ص٢٠٢. والحديث أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي ذر، كتاب الزكاة، باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كلٍ نوع من المعروف، رقم ١٠٠٦. (٢) محاسن التأويل، القاسمي ٣٢٧/٣. (٣) معالم التنزيل، البغوي ١/ ٧٠٠. (٤) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٨٣/٥. والحديث أخرجه أحمد في مسنده، مسند جابر، رقم ١٤٧٠٩، والترمذي في سننه، أبواب البر والصلة، باب ما جاء في طلاقة الوجه، رقم ١٩٧٠. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وحسنه الألباني في صحيح الأدب المفرد رقم ١٢٨. ووسع العيني في عمدة القاري في تعريف المعروف فقال: ((قوله: ﴿أَوْ مَعْرُوفٍ﴾ المعروف اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله عز وجل، والتقرب إليه والإحسان إلى الناس، وكل ما ندب إليه الشرع، ونهى عنه من المحسنات والمقبحات، وهو من الصفات الغالبة، أي: أمر معروف بین الناس إذا رأوه لا ينكرونه»(٥). واشترط الماوردي - كما نقل عنه القرطبي في تفسيره - لفعل المعروف لمن يريد الامتثال لأمر الله شروطًا فقال: ((فينبغي لمن يقدر على إسداء المعروف أن يعجله حذار فواته، ويبادر به خيفة عجزه، وليعلم أنه من فرص زمانه، وغنائم إمكانه، ولا يهمله ثقة بالقدرة عليه، فكم من واثق بالقدرة فاتت فأعقبت ندمًا، ومعولٍ على مكنةٍ زالت فأورثت خجلا، كما قال الشاعر (٦): ما زلت أسمع کم من واثق خجلٍ حتى ابتليت فكنت الواثق الخجلا ثم قال القرطبي: ((ومن شرط المعروف ترك الامتنان به، وترك الإعجاب بفعله، لما فيهما من إسقاط الشكر وإحباط الأجر))(٧). ونبه السعدي إلى أن الأمر بالمعروف إذا أطلق دخل فيه النهي عن المنكر فقال: (٥) عمدة القاري ٢٦٥/١٣. (٦) انظر: نهاية الأرب ١٠٧/٣، التمثيل والمحاضرة ص٢٨. (٧) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٨٣/٥. www. modoee.com ٤٧٣ حرف النون ((وإذا أطلق الأمر بالمعروف من غير أن أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩]. يقرن بالنهي عن المنكر دخل فيه النهي عن المنكر، وذلك لأن ترك المنهيات من المعروف، وأيضا لا يتم فعل الخير إلا بترك الشر. وأما عند الاقتران فيفسر المعروف بفعل المأمور، والمنكر بترك المنهي)) (١). كما أوضح القاسمي في تفسيره العلة من الأمر بستر الأمر بالمعروف فقال: ((وسر التناجي فيه أن لا یأنف المأمور عن قبوله لو جهر به))(٢) أما الأمر بالإصلاح بين الناس فیعني به: الإصلاح بين المتخاصمین؛ لیتراجعا إلى ما كانا فيه من الألفة والاجتماع، على ما أذن الله فيه وأمر به(٣). وهذا الإصلاح عام في الدماء والأعراض والأموال، وفي كل شيء يقع التداعي فيه (٤). حتى في الأديان كما قال السعدي في تفسيره واستدل لذلك بقوله تعالى: وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]. ﴿وَإِنْ طَيِفَتَانِ مِنَ وقوله سبحانه: الْمُؤْمِنِينَ أَقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَأْ فَإِنَّ بَغَتْ إِحْدَ نَهُمَا عَلَى الْأُخْرَىْ فَقَدِلُواْالَّتِى تَبْغِى حَتَّى تَفِىّءَ إِلَى (١) تيسير الكريم الرحمن ص ٢٠٢. (٢) محاسن التأويل، القاسمي ٣٢٧/٣. (٣) المصدر السابق. وانظر: الموسوعة الكويتية ٦٢/٥. (٤) فتح القدير ١/ ٥٩٤. ثم بين رحمه الله فضل من يمشي في الإصلاح بين الناس فقال: ((قال تعالى: ﴿وَالصُّلِحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨]. والساعي في الإصلاح بين الناس أفضل من القانت بالصلاة والصيام والصدقة، والمصلح لا بد أن يصلح الله سعیه وعمله» كما أن الساعي في الإفساد لا يصلح الله عمله ولا يتم له مقصوده كما قال تعالى: ﴿ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ اَلْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٨١]. فهذه الأشياء حیثما فعلت فھی خیر، كما دل على ذلك الاستثناء(٥). وحاول صاحب أضواء البيان أن يبين المراد بالناس في قوله تعالى: ﴿أَوْ إِصْلَح بَيْنَ النَّاسِ﴾ فقال: «لم يبين هنا هل المراد بالناس المسلمون دون الكفار أو لا؟ ولكنه أشار في مواضع أخر أن المراد بالناس المرغب في الإصلاح بينهم هنا المسلمون خاصة كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيَّكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠]. وقوله: ﴿وَإِن طَيِفَنَانٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْنَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا ﴾ [الحجرات: ٩]. فتخصيصه المؤمنين بالذكر يدل على أن غيرهم ليس كذلك كما هو ظاهر، وكقوله تعالى: ﴿فَأَتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتٌ (٥) تيسير الكريم الرحمن ص٢٠٢. ٤٧٤ القرآن الكريمِ النجوى بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١]))(١). وأما الثواب على تلك الخصال المستثناة تعالى، ويخلص العمل لله في كل وقت وفي من النجوى المنهي عنها، فخص بمن فعله تقربًا إلى الله. يقول ابن رجب: ((وأما الثواب عليه من الله، فخصه بمن فعله ابتغاء مرضاة الله، وإنما جعل الأمر بالمعروف من الصدقة والإصلاح بين الناس وغیرها خیرًا، وإن لم يبتغ به وجه الله؛ لما يترتب على ذلك من النفع المتعدي، فیحصل به للناس إحسان وخير، وأما بالنسبة إلى الأمر فإن قصد به وجه الله وابتغاء مرضاته كان خيرًا له، وأثيب عليه، وإن لم يقصد ذلك لم يكن خیرًا له، ولا ثواب له علیه، وهذا بخلاف من صام وصلى وذكر الله، يقصد بذلك عرض الدنيا، فإنه لا خير له فيه بالكلية؛ لأنه لا نفع في ذلك لصاحبه لما يترتب عليه من الإثم فیه، ولا لغيره لأنه لا یتعدی نفعه إلى أحد، اللهم إلا أن يحصل لأحد به اقتداء في ذلك»(٢). وقال ابن عبد البر في التمهيد: «فإصلاحه فيما بينه وبين الناس أفضل إذا فعل ذلك لله، وكراهة أذى المسلمین، وهو أولی به من أن يتعرض لعداوة صاحبه وبغضته، فإن البغضة حالقة الدین))(٣). (١) أضواء البيان ٣٠٦/١. (٢) جامع العلوم والحكم ١/ ٢٦٧ (٣) التمهيد ٢٥١/١٦. فلهذا ينبغي للعبد أن يقصد وجه الله كل جزء من أجزاء الخير؛ ليحصل له بذلك الأجر العظيم؛ وليتعود الإخلاص فيكون من المخلصين؛ وليتم له الأجر، سواء تم مقصوده أم لا؛ لأن النية حصلت واقترن بها ما يمكن من العمل (٤). وأما الحكمة من وصف الأجر بالعظم فقال البيضاوي: ((تنبيهًا على حقارة ما فات في جنبه من أعراض الدنيا)»(٥). وخص الله تعالى بالذكر الصدقة والإصلاح من المعروف وإن كان المعروف لفظًا يعم الصدقة والإصلاح؛ اهتمامًا بهما؛ إذهما عظيما الغناء في مصالح العباد (٦). وهنا تساؤل طرحه الراغب الأصفهاني جدير بالذكر فقال: ((فإن قيل: فهاهنا أفعال أخر تحسن فلم خص هذه الثلاثة؟ قيل: هذه الثلاثة متضمنة للأفعال الحسنة كلها؛ وذلك أنه نبه بالصدقة على الأفعال الواجبة، وخص الصدقة لكونها أكثر نفعًا في إيصال الخير إلى الغير، ونبه بالمعروف على النوافل التي هي الإحسان والتفضل، وبالإصلاح بين الناس على سياستهم، وما یؤدي إلی نظم كلهم وإيقاع الألفة بینھم، ذلك أفضل الأفعال؛ لقول النبي صلى الله (٤) تيسير الكريم الرحمن ص ٢٠٢. (٥) أنوار التنزيل، البيضاوي ٢ / ٩٦. (٦) المحرر الوجيز ١١٢/٢. www. modoee.com ٤٧٥ حرف النون عليه وسلم: (ألا أخبركم بأفضل من درجة وجود علاقة تلازمية بين اللفظين، وإن كان كل لفظ له معنى خاص به وله أعمال تتحقق به. الصلاة والصيام والصدقة، قيل: بلی یا رسول الله، قال: صلاح ذات البين))(١). وإن کانت آية النساء هذه قد قیدت جواز النجوى بما يكون من الأمر بالصدقة، أو الأمر بالمعروف، أو الإصلاح بين الناس، إلا أن آية سورة المجادلة أطلقت ذلك، وجعلت النجوى المباح فعلها تشمل جميع أنواع البر، وكل ما فيه تقوى الله تعالى. قال السعدي في تفسير هذه الآية: ((فأمر الله تعالى المؤمنين أن يتناجوا بالبر، وهو اسم جامع لكل خير وطاعة، وقيام بحق لله ولعباده، والتقوى، وهي هنا: اسم جامع لترك جميع المحارم والمآثم، فالمؤمن يمتثل هذا الأمر الإلهي، فلا تجده مناجيًا ومتحدثًا إلا بما یقربه من الله، ویباعده من سخطه))(٢). وقد ذهب الماتريدي إلى أن البر والتقوى وإن اختلفا في العبارة فهما في الحقيقة يمثلان شيئًا واحدًا، قال في تفسيره: «وهما أي: البر والتقوى في العبارة مختلفان وفي الحقيقة واحد؛ لأنه إذا اتقى كل شر ومعصية عمل کل خير وبر، وإذا کسب کل خير وبر اتقى كل معصية وشر)»(٣). وهذا استنباط جید، وفهم رائق يدل على (١) تفسير الراغب الأصفهاني ٤/ ١٥٠. (٢) تيسير الكريم الرحمن ص ٨٤٥. (٣) تأويلات أهل السنة، الماتريدي ١٣٨/٦. وجعل الواحدي البر شاملًا لكل طاعة، والتقوى شاملة لترك كل معصية، عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَنَّوْ بِلِّ وَاَلنَّقْوَى﴾ [المجادلة: ٩](٤). أما الرازي فقد جعل البر المأمور به في مقابل ما ذكره الله من العدوان المنهي عنه، والتقوى ما يقي من النار حينما قال: ((وأمرهم أن يتناجوا بالبر الذي يضاد العدوان، وبالتقوی وهو ما یتقی به من النار من فعل الطاعات وترك المعاصي)) (٥). وهكذا حددت كل من آية سورة النساء وآية سورة المجادلة أنواعًا من النجوى المحمودة، التي يستطيع من خلالها المتناجي المؤمن أن يتناجى، دون أن یرتکب محذورًا شرعيًا، إن هو تقيد بما شرعه الله تعالى له في هذين الآيتين. ثانيًا: النجوى المذمومة: عرفنا مما مضى أن الكثير من النجوى إنها محرمة؛ لما فيها من الشر الذي جبلت الأنفس على إخفائه والخوف من إظهاره، فكانت بذلك مذمومة غير محمودة. قال الراغب الأصفهاني في تفسيره: (٤) التفسير الوسيط ٢٦٤/٤. (٥) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٩/ ٤٩٢. ٤٧٦ جوبيع القرآن الكريمِ النجوى (ولما كان التناجي مكروهًا في الأصل مرة ... )) إلى أن قال: ((فعلمنا من ذلك أنها لا تغلب إلا على أهل الريب والشبهات، حتى قال: ﴿إِنََّا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَنِ﴾ [المجادلة: ١٠] صار ذلك من الأفعال التي تقبح ما لم يقصد به وجه محمود کالمکر والخديعة، فبين تعالى أن النجوى لا تحسن ما لم تخص بها هذه الوجوه المستثناه»(١). بحیث لا تصیر دأبا إلا لأولئك، فمن أجل ذلك نفى الله الخير عن أكثر النجوى .. ))(٣). ونحن إذا ما تأملنا آية النساء وجدناها تثبت أصلًا وتستثني فرعًا، فالأصل الذي تثبته هو أن النجوى محرمة مذمومة باعتبار الأكثر الغالب، والفرع الذي تستثنيه -الأقل- هو النجوى المحمودة المرغوب فيها والتي تكون في مجال الأمر بالصدقة والمعروف والإصلاح بين الناس والبر والتقوى. وهي النجوى المحرمة من سوء أدب المجالسة التي نهى الله عنها وأدب عباده بها (٢) قال صاحب التحرير والتنوير في معرض تفسيره الآية النجوى من سورة النساء: ((وعلى هذا فالمقصود من الآية تربية اجتماعية دعت إليها المناسبة، فإن شأن المحادثات والمحاورات أن تكون جهرة؛ لأن الصراحة من أفضل الأخلاق لدلالتها على ثقة المتكلم برأيه، وعلى شجاعته في إظهار ما یرید إظهاره من تفکیره، فلا يصير إلى المناجاة إلا في أحوال شاذة يناسبها إخفاء الحديث، فمن يناجي في غير تلك الأحوال رمي بأن شأنه ذميم، وحديثه فيما يستحيي من إظهاره، كما قال صالح بن عبدالقدوس: الستر دون الفاحشات ولا یغشاك دون الخیر من ستر وقد نهى الله المسلمين عن النجوى غير (١) تفسير الراغب الأصفهاني ٤/ ١٤٩. (٢) بيان المعاني، العاني ٢٠٦/٦. ومن ثم فإن الأفعال المذمومة المتناجى بها في النجوى المحرمة كثيرة لا يمكن حصرها أو إحصاؤها. والمهم في نظري هو ما احتوت عليه آية المجادلة، بحيث إنها جمعت وحصرت كل خلال الشر في النجوى غير المستثناة في آية النساء، وهي قوله تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَاتَتَجَيْتُمْ فَلَا تَنَجَوْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَّنِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَوْ بِأَلْبِّ وَاَلنَّقْوَىّ وَأَنَّقُواْ اللَّهَ الَّذِىَّ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ [المجادلة: ٩]. فالإثم والعدوان ومعصية الرسول مما حرم الله التناجي به. وذكر ابن الجوزي في زاد المسير وجهين في معنى تناجيهم بالإثم والعدوان، أحدهما: «يتناجون بما يسوء المسلمين، فذلك الإثم (٣) التحرير والتنوير ١٩٨/٥. www. modoee.com ٤٧٧ حرفالنون والعدوان، ويوصي بعضهم بعضًا بمعصية الرسول. والثاني: يتناجون بعد نهي الرسول لهم، ذلك هو الإثم والعدوان ومعصية الرسول))(١). فالكذب والغيبة والنميمة والبهتان، وغيرها من الذنوب التي يمكن أن يقع التناجي بها تجمعه كلمة الإثم، وكل أنواع الظلم والاعتداء على الغير يدخل في كلمة العدوان، وكل مخالفة لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم ونهيه تحتويها كلمة معصية الرسول، فكانت بذلك هذه الآية جامعة لكل خلال الشر المتناجى به. وإن كان العديد من المفسرين قد ذهب إلى أن المنافقين هم المرادون بهذه الآية (٢)، إلا أن منهم من صرف النهي إلى المؤمنين مثل: الماتريدي في تفسيره حينما قال: ((إن أهل التأويل صرفوا الآية إلى المنافقين، وعندنا يحتمل صرف النهي إلى المؤمنين عن التناجي بمثل ما تناج أولئك، أي: لا تتناجوا أنتم يا أهل الإيمان فيهم بالإثم والعدوان کما تناجوا فیکم، يقول: لا تجازوهم بالذي فعلوا هم بكم، ولكن تناجوا فيهم بالبر والتقوى، وهو كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ (١) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ٢٤٦/٤، التفسير الوسيط، الواحدي ٤ / ٢٦٣. (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٤٢/٢٣، الكشاف، الزمخشري ٤٩١/٤، معاني القرآن، الزجاج ١٣٧/٥. شَنَكَانُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا ﴾ [المائدة: ٢]. نهى المؤمنين أن يجازوهم جزاء الاعتداء الذي كان منهم من صدهم عن المسجد الحرام؛ بل أمرهم بالتعاون على البر والتقوى، قال: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى أَلْبِ وَالنَّقْوَى ﴾ [المائدة: ٢]. فعلى ذلك يحتمل هذا، والله أعلم)) (٣) كما ذكر رحمه الله معنى آخر محتملًا للآية فقال: «وجائز أن يكون في المؤمنين حقيقة على الابتداء؛ نهيا منه لهم، يقول: إذا تناجیتم فلا تتناجوا فیما یؤثمکم ويحملکم على العدوان: على المجاوزة عن الحد، ومعصية الرسول فيما يأمركم وينهاكم، ﴿وَتَجْ بِآلِّرِّ وَالنَّقْوَى﴾ يحتمل كل أنواع الخير، وأما التقوى فهو كل ما يقون به أنفسهم عن النار، وقد تقدم ذكره»(٤). وفي الحكمة من ترتيب هذه الأمور التي نھی الله تعالى المؤمنین عنها. يقول أبو حيان: ( ثم نهى المؤمنين أن يكون تناجيهم مثل تناجي الكفار، وبدأ بالإثم لعمومه، ثم بالعدوان لعظمته في النفوس، إذ هي ظلامات العباد، ثم ترقی إلى ما هو أعظم، وهو معصية الرسول عليه الصلاة والسلام، وفي هذا طعن على المنافقين، إذ كان تناجيهم في ذلك))(٥). (٣) تأويلات أهل السنة، الماتريدي ٩/ ٥٦٩. (٤) المصدر السابق. (٥) البحر المحيط ١٢٦/١٠. ٤٧٨ ◌ُ البَِّيـ جوية القرآن الكريم