النص المفهرس
صفحات 21-26
الخمر و ((إنما وصف النجم بكونه ثاقبًا لوجوه: في أحوالها العجيبة، فسيرها وظهورها ثم اختفاؤها وغیابھا لھو دليل على وجود مدبر قادر، يرعى أحوالها، ويقوم على أمرها. أحدها: أنه يثقب الظلام بضوئه فينفذ فیه. وثانيها: أنه يطلع من المشرق نافذًا في الهواء كالشيء الذي يثقب الشيء. وثالثها: أنه الذي يرى به الشيطان فيثقبه، أي: ينفذ فيه ویحرقه. ورابعها: النجم الثاقب هو النجم المرتفع على النجوم، والعرب تقول للطائر إذا لحق ببطن السماء ارتفاعًا: قد ثقب))(١). ٢. وصفها بالخنس والجريان والكنس. وقد وردت هذه الأوصاف مجتمعة في قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَِّ نَ الْجَارِ الْكُنَسِ﴾ [التكوير: ١٥-١٦]. وتخنس أي: («ترجع، بينا يرى أحدها في آخر البروج كر راجعًا إلى أوله))(٢). والجوار: ((جمع جارية: وهي التي تجري، أي: تسير سيرًا حثيثًا))(٣). وتكنس: ((أي: تغيب في المواضع التي تغيب فيها)) (٤). وقيل: ((أي: تكنس بالنهار فلا ترى»(٥). وفي وصف النجوم بهذه الأوصاف إشارة إلى الأسرار العظيمة التي جعلها الله (١) مفاتيح الغيب، الرازي ١١٧/٣١ بتصرف. (٢) زاد المسير، ابن الجوزي ٤ / ٤٠٨. (٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٥٢/٣٠. (٤) معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٢٩١/٥. (٥) معالم التنزيل، البغوي ٣٤٩/٨. والتعبير عن النجوم بهذه الأوصاف ((يخلع عليها حياة رشيقة كحياة الظباء، وهي تجري وتختبئ في كناسها، وترجع من ناحية أخرى، فهناك حياة تنبض من خلال التعبير الرشيق الأنيق عن هذه الكواكب، وهناك إيحاء شعوري بالجمال في حر کتھا، في اختفائها وفي ظهورها، في تواريها وفي سفورها، في جريها وفي عودتها، يقابله إيحاء بالجمال في شكل اللفظ وجرسه»(٦). وما هذا العجب في أحوالها إلا مرتع خصب التأمل والتفكر والاهتداء بها إلى خالقها وموجدها وراعي أمرها، وصدق ربنا حين أخبر عن أن زينة الكواكب آية للمعتبرين والمتفكرين: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِى السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّتَهَا لِلنَّظِرِينَ﴾ [الحجر: ١٦]. ٣. وصفها بالطروق. وقد جاء هذا الوصف في سورة الطارق؛ وذلك قوله تعالى: ﴿وَالتَّ وَالشَّارِقِ﴾ [الطارق: ١]. والطارق فسره الله تعالى بأنه: ﴿النَّجُ التَّاقِبُ ﴾ [الطارق: ٣]. والوصف بالثقوب سبق بيانه. (٦) في ظلال القرآن، سيد قطب ٣٨٤١/٦. www. modoee.com ٤٥٣ حرفالنون وأما وصفه بالطارق ((فلأنه يبدو بالليل ثالثًا: القسم بالنجوم: و کل ما أتاك ليلا سواء کان کو کبًا أو غيره فهو طارق، فلا يكون الطارق نهارًا))(١). والمراد ها هنا: ((الكوكب البادي بالليل، إما على أنه اسم جنس أو کوکب معهود، وقيل: الطارق النجم الذي يقال له: كوكب الصبح)» (٢). ﴿وَمَا أَذَرَئِكَ مَا الشَّارِقُ﴾ وقوله تعالى: [الطارق: ٢]. تنويه بشأنه إثر تفخيمه بالإقسام به، فالاستفهام مستعمل في تعظيم أمره(٣). ووصف النجوم بالطروق يلفت الأنظار لعظيم أمرها حقًّا؛ إذ النجوم بكتلها الثقيلة وسرعاتها العالية تتحرك في ظلام دامس حالك دون أن تتصادم أو ترتطم ببعضها البعض، وهذا لا شك يدل على عظمة خالقها، وعظيم تقديره وحفظه، وبهذا يظهر التناسب بين القسم بالطارق والمقسم عليه، وهو قوله: ﴿إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّاً عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق: ٤]. فالذي يهيمن على تلك النجوم العظيمة التي تسبح في الليل بسرعاتها العالية، ويضبط حركتها كذلك لا يخفى عليه العلم والإحاطة بما تضمره النفوس وتخفيه. (١) انظر: الكشاف، الزمخشري ٤ / ٧٣٤، مفاتيح الغيب، الرازي ١١٧/٣١. (٢) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٩/ ١٤٠. (٣) التفسير الوسيط، طنطاوي ٣٥٢/١٥. المتأمل في القرآن الكريم يجد أن الله تعالى أقسم بأشياء عديدة في كتابه، والله يقسم بما يقسم به من مخلوقاته؛ (لتضمنه الآيات والعجائب الدالة عليه، وكلما كان أعظم آية وأبلغ في الدلالة كان إقسامه به أكثر من غيره)»(٤). والنجوم من الأشياء التي أقسم بها القرآن كثيرًا في غير ما موضع؛ وذلك يدل على شدة دلالتها على عظمة خالقها، وقد تنوع الإقسام بالنجوم فتارة یکون بذواتها، وأخرى بأوصافها، وفيما يلي عرض لهذا: ١. القسم بذات النجوم أقسم الله جل جلاله بذات النجوم، فقال تعالى: ﴿وَالسَِّوَالشَّارِقِ﴾ [الطارق: ١]. فها هنا يقسم القرآن بالنجم، فالألف واللام للجنس أي: لا يقصد بهذه الكلمة نجمًا معينًا إنما جنس النجوم، تقول مثلًا: التفاح ذو قيمة غذائية عالية، أي: جنس التفاح. والقسم بالنجم هنا له فائدة جليلة وهي إظهار مدى شدة قدرة الله. يقول الطاهر ابن عاشور: ((والقسم بالنجم لما في خلقه من الدلالة على عظيم قدرة الله تعالى، ألا تری إلی قول الله حكاية عن إبراهيم: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الَّيْلُ رَءَا كَوَكَبَاً (٤) مفتاح دار السعادة، ابن القيم ١ / ١٩٧. ٤٥٤ جَوَُّور القرآن الكريمِ الخصم قَالَ هَذَارَبٍ﴾ [الأنعام: ٧٦])(١). ٢. القسم بوصف أحوال النجوم. إذا كان الله تعالى أقسم بذات النجوم صراحة فإنه أقسم كذلك ببعض أحوال النجوم وأوصافها، ومن هذه الأوصاف ما يلي: ١. هوي النجوم. وهذه من أوصاف النجوم التي أقسم الله تعالی بها. قال تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم: ١]. فها هنا يقسم الباري جل جلاله بالنجم عند هويه، أي: ((سقوطه في الأفق في آخر الليل عند إدبار الليل وإقبال النهار))(٢) ولهذا القسم دلالات عدة، منها: الأول: التأكيد على تسخير الله: يقول الطاهر ابن عاشور عن سر تقييد القسم بحالة هوي النجم: ((تقييد القسم بالنجم بوقت غروبه لإشعار غروب ذلك المخلوق العظيم بعد أوجه في شرف الارتفاع في الأفق على أنه تسخير لقدرة الله تعالى))(٣). فالنجم بعدما كان في قمة الارتفاع وذروته يأفل ويغيب، وفي هذا ما يدل على أن خلف هذه الموجودات إله قوي قادر لا يغيب مسخر وقاهر لها تظهر متى شاء؛ وكذلك (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٧ /٩٠ بتصرف. (٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٨١٨. (٣) المصدر السابق. تأفل متى أراد. وهكذا يظهر لنا أن القسم بالنجوم حال هويها من مقاصده الدلالة على عظيم قدرة الله تعالى في خلقه، وعلى عظيم قدرته في تسخير خلقه. الثاني: التأكيد على صحة ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم: ويظهر ذلك من معرفة المقسم عليه، وهو قوله تعالى: ﴿مَاضَلَّ صَاحِبُّكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم : ٢]. فكأن الله أقسم بالنجم حال هويه؛ للتأكيد على «صحة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من الوحي الإلهي)» (٤) وذلك لأن الله تعالى ((لما جعل النجوم زينة للسماء كذلك جعل الوحي وآثاره زينة للأرض، فلولا العلم الموروث عن الأنبياء، لكان الناس في ظلمة أشد من الليل البهيم)) (٥). ولا غرو فإن «ظهور النبي صلى الله عليه وسلم -في مكة- كان في ظلمة ليل بهيم، أطبق على العالم بأسره، فكان ظهور دعوة النبي صلى الله عليه وسلم أشبه بالنجم الذي يرى منه المدلجون في الليل هاديًا، إذا هم رفعوا رؤوسهم إلى السماء، ومدوا أبصارهم إليه))(٦). (٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٨١٨ بتصرف. (٥) المصدر السابق. (٦) التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب www. modoee.com ٤٥٥ حرف النون وهكذا يظهر لنا أن من دلالات القسم بالنجم حال هویه التأکید على صحة ما جاء به الرسول صلی الله علیه وسلم. ومما يؤكد هذا أيضًا قوله تعالى: وَإِنَّهُ, ﴿قَلَآ أُقْسِمُ بِمَوَقِعِ النُّجُومِ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٦) إِنَّهُ لَقُرْءَاذُ كَرِيمٌ ﴾ [الواقعة: ٧٥-٧٧]. فها هنا يقسم تعالی بمواقع النجوم، أي: ((مساقطها في مغاربها)(١). والمقسم عليه («هو إثبات القرآن، وأنه حق لا ريب فيه، ولا شك يعتريه، وأنه كريم أي: کثیر الخیر، غزیر العلم»(٢). ٢. الخنوس والكنس. قال تعالى: ﴿فَلَآَ أُقِيمُ بِالْخُنَّ ◌ِ الْجَارِ الكُتَسِ﴾ [التكوير: ١٥ -١٦]. وفي القسم بخنس النجوم وكنسها دلالات عدة منها: الأول: التأكيد على قدرة الله تعالى وربوبيته. أقسم الله جل جلاله بخنس النجوم و کنسها «لینوه بشأنها من جهة ما في حر کاتها من الدلائل على قدرة مصرفها ومقدرها، وإرشاد تلك الحركات إلى ما في كونها من بديع الصنع، وإحكام النظام))(٣). ٥٨٦/١٤. (١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٨٣٦. (٢) المصدر السابق. (٣) المصدر السابق. فالنجوم «تزيد على عدة بلايين نجم، منها ما يمكن رؤيته بالعين المجردة، وما لا یری إلا بالمجاهر والأجهزة، وما یمکن أن تحس به الأجهزة دون أن تراه، هذه كلها تسبح في الفلك الغامض، ولا يوجد أي احتمال أن يقترب مجال مغناطيسي لنجم من مجال نجم آخر، أو يصطدم بکوکب آخر، إلا كما يحتمل تصادم مركب في البحر الأبيض المتوسط بآخر في المحيط الهادي، يسيران في اتجاه واحد وبسرعة واحدة، وهو احتمال بعید، وبعید جدا، إن لم یکن مستحيلاً)»(٤). فأن تكون النجوم بهذا الضبط وذاك النظام فهذا لا شك من أعظم دلائل قدرة الباري جل جلاله. الثاني: من دلائل البعث والنشور. ذكرت السورة في بدايتها انهدام الكون وخرابه، وعودة جميع الخلق إلى الرب تعالى للحساب والثواب والعقاب، وهذا يشير للبعث والنشور، فجاء القسم بخنس النجوم وكنسها؛ ليدل ((على قدرة الله تعالى على بعث الموتى من القبور، وعلى إعادة هذه العظام البالية، وإلباسها لباس الحياة من جديد)»(٥)؛ إذ تنقل النجوم الهائلة ذات الأحجام الكبيرة من حال إلى حال، ومن (٤) الله والعلم الحديث، عبد الرزاق نوفل ص ٣٣. (٥) التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب ١٤/ ٠٧٣٤ ٤٥٦ القرآن الكريمِ الخمر وجود وظهور إلى عدم وخفاء من أعظم براهين القدرة، فالذي يفعل هذا بالنجوم فيخفيها بعد ظهور ويظهرها بعد خفاء لا يعجزه فعل هذا بالإنسان الضعيف. رابعًا: النجوم وقيام الساعة: أخبر الله تعالى عن النجوم - كما سبق معنا- أنها زينة، وجعل زينتها آية من آيات قدرته، ودلائل عظمته، ثم أخبرنا تعالى أيضًا- أن هذه النجوم يأتي عليها وقت فينمحي ضوؤها، ويذهب نورها، وينقلب حالها، فتتبدد وتتفرق وتضطرب، فتصير مدعاة للخوف والرعب بعدما كانت في الدنیا مدعاة للفرح والسرور والابتهاج. وهذا الانقلاب في أحوال النجوم جعله الله علامة من علامات يوم القيامة التي تكشف عن مشاهد الرعب والفزع في هذا اليوم العظيم، والتي تبين اختلال النظام الکوني کله آنئذٍ. وقد جاء هذا المعنى في ثلاث آيات من كتاب الله: الأولى: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ لِسَتْ﴾ [المرسلات: ٨]. وقد جاءت هذه الآية بعد قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَفِعْ﴾ [المرسلات: ٧]. لينبه أن طمس النجوم من علامات هذا اليوم الذي يلاقون فيه ما یوعدون. ((وطمست أي: ذهب ضوؤها ومحي نورها كطمس الكتاب، يقال: طمس الشيء إذا درس))(١). فيكون أول أحوال النجوم المؤذنة بقيام الساعة أن يطمس نورها وينمحي. الثانية: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ أُنْكَدَرَتْ﴾ [التكوير: ٢]. وفي معنى الانكدار قولان للعلماء: أحدهما: السقوط والتناثر. وثانيهما: التغير. يقول الطبري رحمه الله: ((قوله: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ أَنكَدَرَتْ﴾ [التكوير: ٢]. يقول: وإذا النجوم تناثرت من السماء فتساقطت، وأصل الانكدار: الانصباب، وقال آخرون: انكدرت: تغيرت))(٢). «وهذان القولان ليس بينهما تضاد، بل الثاني من لوازم الأول، والمعنى أنها إذا تساقطت كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ أَنْتَرَتْ ﴾ [الانفطار: ٢]. فإنها تتغير ويذهب ضوؤها))(٣). الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ أُنَثَرَتْ ﴾ [الانفطار: ٢]. والانتثار أيضًا من الأحوال التي تحدث للنجوم يوم القيامة، ومعناه: سقوطها من (١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٩ / ١٥٧. (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٣٩/٢٤. (٣) تفسير جزء عم، مساعد الطيار ص ٦٤. www. modoee.com ٤٥٧ حرفالنون مواضعها متفرقة (١). وأصل النثر: ((رميك الشيء متفرقًا))(٢). يقال: ((انتثر: تفرق))(٣). وليس بينهما تعارض فالتناثر توضيح لهيئة أو صفة تساقطها أو من لوازمه؛ إذ يلزم من تساقطها تناثرها و تفرقها. وبعد هذا العرض لمعاني الطمس والانكدار والانتثار نقول: قد تكون هذه مراحل مختلفة متلاحقة تمر بها النجوم يوم القيامة، تبدأ بطمس نورها، ثم تناثرها متفرقة، وسقوطها على الأرض، يقول الزمخشري: ((ويجوز أن یمحق نورها، ثم تنتثر ممحوقة النور)»(٤). ويكون الانكدار بيانًا للحال العامة للنجوم يومئذٍ، وهي تغير أحوالها من طمس نورها، وذهاب ضوئها، وتساقطها من جو السماء متناثرة. وهكذا يظهر لنا كيف أن القرآن ذكر من أحوال النجوم ما هو علامات ودلائل على قيام الساعة، ونسأل الله النجاة من أهوال هذا اليوم. (١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٧٤/٢٤، معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٢٩٥/٥، المحرر الوجيز، ابن عطية ٥/ ٤٤٦، معالم التنزيل، البغوي ٢١٩/٥. (٢) المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده ١٠/ ١٣٧. (٣) المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ٩٠٠/٢. (٤) الكشاف، الزمخشري ٦٧٨/٤. موضوعات ذات صلة: الآيات الكونية، الأرض، الجبال، السماء، الشمس، القمر ٤٥٨ جَوَسُور القرآن الكريمِ