النص المفهرس

صفحات 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
8
النجوم
عناصر الموضوع
٤٣٤
مفهوم النجوم
٤٣٥
النجوم في الاستعمال القرآني
٤٣٦
الألفاظ ذات الصلة
٤٣٨
النجوم مسخرة بأمر الله
٤٥١
أسماء وصفات في عالم النجوم
المُجَلَدَ الثَّانِى وَالثَّلاثُنْ

حرف النون
مفهوم النجوم
أولًا: المعنى اللغوي:
النون والجيم والميم أصل صحيح يدل على طلوع وظهور، ونجم السن والقرن: طلعا،
والنجم: اسم يقع على الثريا، وكل منزل من منازل القمر سمي نجمًا، وكل كوكب من أعلام
الکواکب یسمی نجمًا، والنجوم تجمع الکواکب کلها.
وأنجمت السماء: بدت نجومها، والنجم من النبات: ما لم يكن له ساق، من نجم إذا
طلع(١).
نجم الشيء ينجم بالضم نجومًا: ظهر وطلع، وفلانٌ منجم الباطل والضلالة - بالفتح-
أي: معدنه(٢).
أصل النجم: الكوكب الطالع، وجمعه: نجومٌ، ونجم: نجومًا ونجمًا، فصار النجم مرة
اسما كالقلوب والجيوب، ومرة مصدرًا كالطلوع والغروب، واشتقوا منه فقالوا نجمت الدين
بالتثقيل إذا جعلته نجومًا(٣) والنجمة: هي أخص من النجم، وكأنها واحدته، کنبتةٍ ونبت.
ونجمة الصبح: فرسُ نجيبٌ، والنجم: نزول القرآن نجمًا نجمًا (٤).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
وبالنظر في الكتب والمراجع التي هي مظنة التعريف الاصطلاحي، والتي منها كتاب
(الكليات) الكفوي، وكتاب (التعريفات) للجرجاني، وكتاب (المفردات في غريب القرآن)
للأصفهاني، وغيرها، فلم نجد فيها تعريفًا اصطلاحيًا للنجوم، وعليه فإنه من خلال المعنى
اللغوي السابق، ومعاني الآيات التي وردت فيها لفظة النجوم نورد ما يأتي:
النجم عرفًا: أحد الأجرام السماوية المضيئة بذاتها، ومواضعها النسبية في السماء ثابتة،
(٥)
ومنها الشمس
.
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٣٩٦/٥، مجمل اللغة، ابن فارس ٨٥٧/١، الكليات، الكفوي
٨٨٧/١، العين، الفراهيدي ٦/ ١٥٤.
(٢) انظر: الصحاح، الجوهري ٥/ ٢٠٣٩.
(٣) انظر: المفردات، الراغب الأصفهانى ١/ ٧٩١، المصباح المنير، الفيومي ٢/ ٥٩٤.
(٤) انظر: تاج العروس، الزبيدي ٣٣/ ٤٨٠، لسان العرب، ابن منظور ١٢/ ٥٦٨.
(٥) انظر: معجم لغة الفقهاء، محمد قلعجي، وحامد قنيبي ١ / ٤٧٥، القاموس الفقهي، سعدي أبو جيب
٣٤٨/١.
٤٣٤
جوسين
القرآن الكريم

الخصم
النجوم في الاستعمال القرآني
وردت مادة (نجم) في القرآن الكريم (١٣) مرة (١).
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
﴿وَلنَّجْمِ إِذَا هَوَى { مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى
المفرد
٤
[النجم: ١- ٢]
وَهُوَ أَلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِهْتَدُواْبِهَا فِ ظُلُّمَتِ آلْبَرِّ
الجمع
٩
وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٩٧]
وجاءت النجوم في الاستعمال القرآني على وجهين (٢):
الأول: الكواكب: ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَّهِ وَالطَّارِقِ ) وَمَا أَذْرَئِكَ مَا الطَّارِقُ النَّهُ الثَّاقِبُ
[الطارق: ١- ٣]. يعني: الكواكب.
الثاني: النبات: ومنه قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ﴾ [الرحمن: ٦]. يعني
بالنجم: كل شجرٍ مما لا ساق له من النبات، والشجر: ما له ساق.
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي ص٦٨٨ - ٦٨٩.
(٢) انظر: نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي ص ٥٨٠ - ٥٨١، الوجوه والنظائر، الدامغاني ص ٤٤٤-
٤٤٥.
www. modoee.com
٤٣٥

حرف النون
الألفاظ ذات الصلة
الكوكب:
١
الكوكب لغةً:
من کب: الکاف والباء أصل صحیح یدل على جمع وتجمع، لا يشذ منه شيء، والكوكب
یسمی کو کبًا من هذا القیاس(١).
والكوكب: واحد الكواكب، فالكوكب والكوكبة: النجم، وكوكب: اسم موضع (٢).
الكواكب اصطلاحًا:
(«الكواكب: أجسام بسيطة مركوزة في الأفلاك، كالفص في الخاتم، مضيئة بذواتها، إلا
القمر))(٣) أو: ((جرم سماوي يدور حول الشمس ويستضيء بضوئها وأشهر الكواكب مرتبة
على حسب قربها من الشمس عطارد الزهرة الأرض المريخ المشتري زحل يورانس نبتون
بلوتون»(٤).
الصلة بين الكوكب والنجم:
إن الكوكب اسم للكبير من النجوم، وكوكب كل شيء معظمه، والنجم عام في صغيرها
وكبيرها، ويجوز أن يقال: الكواكب هي الثوابت، ومنه يقال: فيه كوكب من ذهب أو فضة؛
لأنه ثابت لا يزول، والنجم الذي يطلع منها ويغرب (٥).
وقيل: النجم فيه مراعاة لمعنى من معاني النجوم والكواكب وهو الظهور والطلوع، أما
الكوكب ففيه مراعاة لمعنى الإضاءة والبياض والعظمة (٦).
الشمس:
٢
الشمس لغةً:
الشين والميم والسين أصل يدل على تلون وقلة استقرار، فالشمس معروفة، وسميت
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ١٢٤/٥، مجمل اللغة، ابن فارس ٧٦٦/١.
(٢) انظر: المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده ٦/ ٦٧٠، شمس العلوم، نشوان الحميري ٥٨٧٣/٩،
لسان العرب، ابن منظور ٧٢١/١، مختار الصحاح، الرازي ص ٢٧١.
(٣) التعريفات، الجرجاني ص ١٨٨.
(٤) المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ٢/ ٧٩٣.
(٥) الفروق اللغوية، أبو هلال العسكري ١/ ٤٥٩.
(٦) انظر: بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي ٢٠/٥.
٤٣٦
جومبو
القرآن الكريمِ

الخصم
بذلك؛ لأنها غير مستقرة، ويقال: شمس يومنا وأشمس، إذا اشتدت شمسه(١).
الشمس اصطلاحًا:
الشمس: هو كوكب مضيء نهاري(٢)، يشع لنا حرارة وضياء.
الصلة بين الشمس والنجم:
الشمس: مضيئة في النهار، بينما النجم مضيء في الليل.
القمر:
٣
القمر لغةً:
القاف والميم والراء أصل صحيح يدل على بياض في شيء، ثم يفرع منه. من ذلك: القمر
الذي في السماء، وضوؤه القمراء، وسمي قمرًا: لبياضه(٣).
القمر اصطلاحًا:
هو كوكب في السماء معتم.
وقيل: جرم سماوي صغیر معتم يدور حول كوكب أكبر منه ويكون تابعا له (٤).
الصلة بين القمر والنجم:
القمر جسم معتم يستمد ضوءه من الشمس، بينما النجم مضيء.
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٣/ ٢١٢، مجمل اللغة، ابن فارس ١/ ٥١١.
(٢) التعريفات، الجرجاني ص١٢٩.
(٣) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٢٥/٥.
(٤) - انظر: المعجم الوسيط ٢/ ٧٥٨.
www. modoee.com
٤٣٧

حرفالنون
النجوم مسخرة بأمر الله
أولًا: صور من تسخير النجوم:
النجوم من المخلوقات التي لها جرم
كبير، وسرعة عالية، وقد أشار القرآن
إليها في غير ما موضع؛ لأنها من الآيات
العجيبات، والدلائل الواضحات على
قدرة الباري وعظمته وقهره، وقد تحدث
القرآن عن كونها مسخرة بأمر الله وخاضعة
لمولاها في موضعین من كتابه.
قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ
السَّمَوَتِ وَاْأَرْضَ فِي سِنَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ أُسْتَوَى
عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِى أَلَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ، حَثِيثًا
وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَتٍِ بِأَتَرِيُّهِ
أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُّ تَبَارَكَ اَللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾
[الأعراف: ٥٤].
وهذه الآية جاءت في سياق التدليل على
ربوبية الله وألوهيته، وأنه لا معبود سواه فهي
سياحة ((في ملكوت الله، يرتادها السياق بعد
قصة النشأة الإنسانية، وبعد تصوير طرفي
الرحلة، وبعد الحديث عن اتباع الشيطان،
والاستكبار عن اتباع رسل الله، وبعد عرض
التصورات الجاهلية، والتقاليد التي يشرعها
البشر لأنفسهم بلا إذن من الله ولا شرع؛
ليرد البشر إلى ربهم الذي خلق هذا الوجود
وسخره، والذي يحكمه بنواميسه ويصرفه
بقدره، والذي له الخلق والأمر وحده))(١).
وجاء ذكر النجوم في الآية وكونها
مسخرة بأمر خالقها كأحد الشواهد على
ربوبية الله وألوهيته واستحقاقه العبادة
«والتسخير حقيقته تذليل ذي عمل شاق أو
شاغل بقهر وتخويف، أو بتعليم وسياسة
بدون عوض، فمنه تسخیر العبيد والأسرى،
ومنه تسخير الأفراس والرواحل، ويستعمل
مجازًا في تصريف الشيء غير ذي الإرادة في
عمل عجيب أو عظیم من شأنه أن يصعب
استعماله فيه، بحيلة أو إلهام تصريفًا يصيره
من خصائصه وشوؤنه)) (٢).
فالإشارة بأن النجوم مسخرة إذًا فيه ما
يدل على ضخامة شأنها، وأنه ما كان لأحد
أن يستطيع تسييرها في نظام منضبط محدد
إلا الله، فهي آية عظيمة على ربوبية الله
وألوهيته؛ وما ذلك إلا لأنها أجرام تسبح
في الفضاء بسرعات عالية، كما أن لها كتلًا
ضخمة قد يعجز الإنسان عن تصورها،
فالشمس وهي ((نجمٌ متوسط الحجم إذا
فيست بالنجوم الأخرى، تكبر الأرض
بمليونٍ وثلاثمائة ألف مرةٍ حجمًا، وتبعد
عنها مائةً وستةً وخمسين مليون كيلو متر
وسطيًا، ويقطع ضوء الشمس هذه المسافة
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ١٢٩٥/٣
بتصرف.
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٨/ ١٦٨-١٦٩
بتصرف.
٤٣٨
جوبه
القرآن الكريم

الخمر
في ثماني دقائق.
وأما عن حرارتها فهي تصل إلى عشرين
ملیون درجة في مرکزها، فلو ألقيت الأرض
في جوف الشمس لتبخرت في وقتٍ
قصير، ويزيد طول ألسنة اللهب المنطلقة
من سطحها من نصف مليون كيلو مترٍ إلى
مليون كيلو متر، وتنتج الشمس من الطاقة
في کل ثانیةٍ ما يعادل إحراق ألفي مليار طنٍ
من الفحم الحجري»(١).
فهذه الشمس بکتلتها الکبیرة تدور حول
نفسها كل خمسة وعشرين يومًا دورة،
وتجري بسرعة مائتي كيلو متر في الثانية
الواحدة.
وإذا كان هذا شأن الشمس وهي نجم
متوسط «فهنالك في هذا الفضاء الذي لا
يعرف البشر له حدودًا ملايين الملايين من
النجوم، منها الکثیر أکبر من الشمس، وأشد
حرارة وضوءًا، فالشعرى اليمانية أثقل من
الشمس بعشرین مرة، ونورها یعادل خمسین
ضعف نور الشمس، والسماك الرامح حجمه
ثمانون ضعف حجم الشمس، ونوره ثمانية
آلاف ضعف، وسهيل أقوى من الشمس
بألفين وخمسمائة مرة))(٢).
إن هذا يكشف لنا عن مدى عظم
(١) موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة
لمحمد راتب النابلسي ٣٩/٢.
(٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ٦/ ٣٤٤٧ -
٣٤٤٨.
النجوم، وعظم شأن تسخيرها، فهي برغم
هذه السرعات العالية ((تتبع نظامًا دقيقًا لا
تحيد عنه قيد أنملة مهما مرت بها الليالي،
وتعاقبت عليها الفصول والأعوام والقرون،
وتدور في أفلاکها بنظام يمكننا من التنبؤ بما
يحدث من الكسوف والخسوف قبل وقوعه
بقرون عديدة)»(٣). فسبحان من هي مسخرة
بأمره!
والآية الثانية التي ذكرت تسخير النجوم
٠٠٠٠
بأمره تعالى هي قوله تعالى:
﴿وَسَخَرَ
لَكُمُ الَّلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرِّ وَالنُّجُومُ
مُسَخَّرَتٌ بِأَمْرِوَةُ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيْتٍ لِقَوْمٍ
يَعْقِلُونَ﴾ [النحل: ١٢].
وهذه الآية أتت في سياق الاستدلال
على وجود الباري، واستعراض عظمته،
وإظهار قدرته، وما تفيض به على العالم
من نعم فهو استدلال ((بإتقان الصنع على
وحدانية الصانع وعلمه، وإدماج بين
الاستدلال والامتنان)» (٤)
٠
وفي هذه الآيات عدة أوجه للقراءات
فقد ((قرأ الجمهور جميع هذه الأسماء
منصوبة على المفعولية لفعل ﴿وَسَخَّرَ﴾
وقرأ ابن عامر: ﴿وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ﴾
بالرفع على الابتداء، ورفع: ﴿َُخَّرَتُ
على أنه خبر عنها، ونكتة اختلاف الإعراب
(٣) الله يتجلى في عصر العلم، نخبة من العلماء
الأمريكيين ص ١٤٧.
(٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١١٦/١.
www. modoee.com
٤٣٩

حرفالنون
الإشارة إلى الفرق بين التسخيرين.
وقرأ حفص برفع: ﴿وَالتُّجُومُ ﴾ و
﴿مُسَخَّرَتٌ﴾، ونكتة اختلاف الأسلوب
الفرق بين التسخيرين من حيث إن الأول
واضح، والآخر خفي لقلة من یرقب حركات
النجوم))(١).
فرفع النجوم إذًا يدل على أن ((للنجوم
شأنًا كشأن الشمس والقمر، وأنها مسخرة
كالشمس والقمر، وإن كان الإنسان في غفلة
عنها))(٢).
ولذلك أتت الخاتمة بقوله تعالى:
﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتِ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾
«التلفت العقل إلى هذه الظاهرة، ظاهرة
النجوم وحركاتها في السماء، وتسخيرها
في مداراتها، وأن أصحاب العقول وحدهم
هم الذین یرون هذه الظاهرة، ویتعرفون إلى
آثار رحمة الله وقدرته، وأنه إذا التفت العقل
إلى هذه النجوم التفاتًا جادًا متفحصًا وجد
عالمًا رحيبًا لا حدود له، وأكوانًا عجيبة
تذهل لجلالها العقول، وتخشع لروعتها
القلوب؛ إذ ليست هذه النجوم التي تبدو
وكأنها حبات من اللؤلؤ المنثور في السماء
إلا أجرامًا أكبر من الشمس، وأن أصغر نجم
فيها يعدل جرم الشمس آلاف المرات، وأن
صغر حجمها، وقلة ضوئها بالنسبة للشمس
(١) المصدر السابق ١١٦/١٤.
(٢) التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب
٧/ ٢٧٥ بتصرف يسير.
إنما مرجعهما إلى بعدها البعيد عنا، حتى
ليبلغ مدى هذا البعد مئات الألوف، وألوف
الألوف من السنين الضوئية»(٣).
١. النجوم ساجدة.
وهذا من صور تسخير النجوم التي أشار
إليها القرآن.
يقول تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ.
مَنْ فِي السَّمَوَتِ وَمَنْ فِىِ الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ
وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَآتُ وَكَثِيرٌ
مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُِّنِ اللّهُ
فَمَا لَهُ، مِن مُكْرِمَّإِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ ﴾ [الحج:
١٨].
وهذه الآية أتت في سياق ذكر اختلاف
أهل الديانات وافتراقهم لتقرر بأنه ((ما كان
ينبغي لأهل الأديان المختلفة أن يختلفوا؛
لأن جميع العوالم خاضعة لسلطان الله
وقدرته، وساجدة لعظمته طوعًا أو كرهًا)»(٤).
وخصت الآية ذكر ﴿وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ
وَاُلتُّجُومُ﴾؛ «لأنها قد عبدت من دون الله،
فبين أنها تسجد لخالقها، وأنها مربوبة
مسخرة)) (٥).
واختلف العلماء في المراد بالسجود
على ضربين:
أحدهما: من يعقل، فسجوده عبادة.
(٣) المصدر السابق.
(٤) التفسير المنير، الزحيلي ١٧٦/١٧ بتصرف
يسير.
(٥) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٠٣/٥.
٤٤٠
جوسى
الْقُرآن الكَرِيمِ

الخصم
الثاني: من لا يعقل، واختلفوا فيه على من ألزمها مدارها، وقهرها في فلكها،
وسيرها في نظام لا تشذ عنه ولا تحید.
رأیین:
أن سجوده هو بيان أثر الصنعة فيه،
والخضوع الذي يدل على أنه مخلوق.
٠
أن سجوده حقيقة (١).
وعلى كلا القولين وسواء كان السجود
حقيقة أو مجازًا فإنه لا شك دال على
الخضوع والتسخير.
وهناك موضع ذکر فیه سجود النجم، و هو
قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ
[الرحمن: ٦].
وفي المراد بالنجم هنا قولان:
أحدهما: أنه کل نبتٍ لیس له ساق،
وهو مذهب ابن عباس والسدي ومقاتل
واللغويين.
والثاني: أنه نجم السماء(٢).
و کثیر من المفسرين رجح الرأي الأول؛
ولذا أحجمت عن الكلام فيه (٣).
وهكذا يظهر لنا كيف أن النجوم
بأحجامها الضخمة وسرعاتها المذهلة
مسخرة لربها، وخاضعة لخالقها، تنقاد
لأمره، وتخضع لسلطانه ومشيئته، فسبحان
(١) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ٢ / ٥٦٣-
٥٦٤.
(٢) المصدر السابق ٢٠٦/٤.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ١٢/٢٢، المحرر
الوجيز، ابن عطية ٢٢٤/٥، أنوار التنزيل،
البيضاوي ٥/ ١٧٠، إرشاد العقل السليم، أبو
السعود ٨/ ١٧٧.
٢. النجوم علامات وإرشاد.
لخلق النجوم الكثير من المنافع التي
أشار إليها القرآن، ومنها أنها علامات
وإرشاد للناس في ظلمات البر والبحر، كما
قال تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ اُلتُّجُومَ
لِتَدُواْ بِهَا فِى ظُلُمَتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِّ قَدْ فَضَّلْنَا
اُلَآَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٩٧].
وفي هذه الآية يذكرنا تعالى ((ببعض
فضله في تسخير هذه النيرات)»(٤): وذلك
بجعله لنا النجوم أدلة «لیھتدي بها مسافرونا
في البر والبحر حتى لا يضلوا طريقهم
فيهلكوا))(٥).
قال قتادة: ((إن الله تبارك وتعالى إنما
خلق النجوم لثلاث خصال: جعلها زينة
للسماء، وجعلها يهتدي بها، وجعلها رجومًا
للشياطين، فمن تعاطى فيها غير ذلك فقد
رأيه وأخطأ حظه وأضاع نصيبه وتكلف ما
لا علم له به»(٦)(٧).
((وفي إضافة الظلمات إلى البر والبحر
(٤) تفسير المنار ٧/ ٥٣٠.
(٥) أيسر التفاسير، الجزائري ٢ / ٩٦.
(٦) جامع البيان، الطبري ١٧ / ١٨٥.
(٧) قال القاسمي: مراده اعتقاد مناف للعقد
الصحيح، لا اعتقاد حكم وأسرار غير الثلاث
فيها، إذ فوائد المكونات غير محصور. وذكر
حكمة في مكون لا ينفي ما عداها. محاسن
التأويل ٤٤٢/٤.
www. modoee.com
٤٤١

حرف النون
إشارة إلى أن الظلام هو الذي يلبسهما، وإرشاد دون القمر أو غيره مع أن القمر
أكثر ضياء وأقرب مسافة؟ ولكن من تأمل
ويستولي عليهما، فكأن السائر في الليل
يقطع قطعًا من الظلام، سواء أكان في البر أو
البحر))(١).
تخصيصه عز وجل النجوم بهذه الهداية دون
القمر ظهرت له حكم بديعة، فالقمر سريع
الحركة والتنقل في الليلة الواحدة، وخلال
فأن تكون النجوم دليلًا للمرء في وسط
هذه الظلمات فهذه لا شك منفعة كبيرة.
ليالي الشهر والعام بخلاف النجوم التي تبدو
أكثر ثباتًا في السماء مما يجعل معرفة منازلها
ومن الآيات التي أكدت على هذا
قوله: ﴿وَعَلَمَتَّ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾
[النحل: ١٦].
أيسر، والقمر يغيب من السماء ويفقد ضياؤه
في عدد من ليالي الشهر بخلاف النجم الذي
لا يذهب نوره إلا ضوء النهار ونور الشمس،
ففي هذه الآية يؤكد تعالی علی کون
النجوم تهدي ((من ضلال الطريق في البر
والبحر))(٢).
والقمر ينكسف وأما النجم فلا ينكسف؛
بل إن لذكر النجم دون غيره من الوسائل
والأدوات التي استخدمها الناس منذ القدم
وهذه (هداية عظيمة في وقت ارتباك
الطريق على السائر؛ ولذلك قدم المتعلق
في قوله تعالى: ﴿وپآلنّجْمِ ﴾ تقدیمًا یفید
الاهتمام، وكذلك بالمسند الفعلي في قوله
تعالى: ﴿هُمْ يَتَدُونَ﴾))(٣).
حكمة بالغة؛ إذ النجم متاح لكل إنسان في
کل مکان وفي کل ساعة من ساعات الليل
ولا يملك حجبه أحد، وتعلم الاهتداء
به ميسر، بينما تلك الوسائل غير متاحة
لكثيرين، وقد يصعب استخدامها على
کثیرین.
والاهتداء بالنجوم ليس مقصورًا على
مکان دون مکان، ولا زمان دون زمان،
وإنما ((تختلف وسائل الاهتداء بالنجوم
ويتسع مداها بالكشوف العلمية والتجارب
المنوعة)) (٤).
لماذا النجوم علامات وإرشاد؟
قد يقول قائل: لماذا النجوم علامات
(١) التفسير القرآني للقرآن ٢٤٧/٤.
(٢) جامع البيان، الطبري ١١ / ٥٦١.
(٣) التحرير والتنوير ١٢٢/١٤.
(٤) في ظلال القرآن، سيد قطب ١١٥٩/٢.
وهكذا يظهر لنا كيف أن النجوم جعلها
الله علامات وإرشاد للناس تهديهم في
ظلمات البر والبحر حتى لا يضلوا طريقهم
ویهلكوا.
ثانيًا: النجوم زينة:
(«مشهد النجوم في السماء جميل -ما في
هذا شك-، جميل جمالًا يأخذ بالقلوب،
٤٤٢
جوسيس
القرآن الكريم

وهو جمال متجدد تتعدد ألوانه بتعدد بهية، ولوحة نقية، لا بد لها من قائم بأمرها،
مدبر لأحوالها وشئونها.
أو قاته، ویختلف من صباح إلى مساء، ومن
شروق إلى غروب، ومن الليلة القمراء
إلى الليلة الظلماء، ومن مشهد الصفاء إلى
مشهد الضباب والسحاب، بل إنه ليختلف
من ساعة لساعة، ومن مرصد لمرصد،
ومن زاوية لزاوية، و کله جمال، و کله یأخذ
بالألباب.
فهذه النجمة الفريدة التي توصوص
هناك، وكأنها عين جميلة، تلتمع بالمحبة
والنداء! وهاتان النجمتان المنفردتان هناك،
وقد خلصتا من الزحام تتناجيان! وهذه
المجموعات المتضامة المتناثرة هنا وهناك
وكأنها في حلقة سمر في مهرجان السماء،
وهي تجتمع وتفترق كأنها رفاق ليلة في
مهرجان!)) (١).
فالنجوم زينة السماء، وقد جاء وصف
النجوم بأنها زينة في القرآن لعدة فوائد
ومنافع:
١. الاستدلال بها على وحدانية الله.
فإن تزيين السماء بهذه النجوم فيه من
بديع التكوين، وجميل التنسيق ما يستدل به
على خالقه، ويرغم عقول العباد على التفكر
في صانعه وموجده، فهذه النجوم المتناثرة
في السماء، المتفرقة في جو الفضاء التي
ترنو للناظرين، وتزدان للمعتبرين في حلة
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٦/ ٣٦٣٣.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِى السَّمَاءِ بُرُوجًا
وَزَيَّتَهَا لِلنَّظِرِينَ﴾ [الحجر: ١٦].
أي: ((وزينا هذه السماء بالنجوم))(٢).
وهذه الزينة ﴿لِلنَّظِرِينَ﴾ («إلى حركاتها
وأضوائها، أو للمتفكرين المعتبرين
المستدلين بها على قدرة موجدها
ووحدانیته»(٣).
فإنه لولا النجوم ((لما كان للسماء هذا
المنظر البهي والهيئة العجيبة، وهذا مما
يدعو الناظرين إلى التأمل فيها، والنظر في
معانيها، والاستدلال بها على باريها)) (٤).
فتزيين النجوم للسماء آية عظيمة من
آيات القدرة الإلهية التي تشهد بوحدانية
الله تعالى وعظمته وجلاله، وتلفت الأنظار
إلی بديع صنعه في کونه، وعجيب فعله في
خلقه.
وبالنظر في السياق الذي وردت فيه الآية
يتأكد هذا المعنى، فقد جاءت هذه الآية بعد
ذكر عتو الكافرين واستكبارهم، وعماهم
عن آيات الله.
يقول تعالى: ﴿وَلَوْ فَنَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا
مِّنَ السَّمَدِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ ﴿ لَقَالُواْ إِنَّمَا
سُكِّرَتْ أَبْصَنُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (٥) وَلَ
(٢) التفسير الميسر ص٢٦٣.
(٣) محاسن التأويل، القاسمي ٦/ ٣٣٢.
(٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٣٠.
www. modoee.com
٤٤٣

حرفالنون
جَعَلْنَا فِ السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَهَا لِلنَّظِرِينَ ﴾
[الحجر: ١٤- ١٦].
فكأنه تعالى ((لما ذكر كفر الكافرين
وعجز أصنامهم ذكر كمال قدرته؛ ليستدل
بها على وحدانيته، فقال: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِى
السَّمَآءِ بُرُوجَا وَزَيَّنَهَا لِلنَّظِرِينَ﴾))(١).
وكأنه سبحانه أراد أن يبين أن في السماء
من العجائب ما لا يحتاج إلى صعود
وارتقاء، بل يدركها الواقفون على الأرض
من أهل الاعتبار، من هذه العجائب تزيين
السماء بالكواكب.
وكذا يقال في قوله: ﴿إِنَّا زَيِّنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا
بِنَّةِ الْكَوَاكِ﴾ [الصافات: ٦].
فإنه تعالى لما ذكر وحدانيته على
خلقه، وأنه رب السموات والأرض ورب
المشارق بقوله: ﴿إِنَّ إِلَھَگە لَوِدٌ ٹ رَبُّ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَرِقِ﴾
[ الصافات: ٤ - ٥].
أردف ذلك بقوله: ﴿ إِنَّا زَبَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا
بِنَّةٍ اَلْكَوَاكِبِ﴾ [الصافات: ٦].
وفي علاقة هذه الآية بما قبلها يقول ابن
عاشور رحمه الله: «هذه الجملة تتنزل من
جملة ﴿رَّبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾
منزلة الدليل على أنه رب السموات، واقتصر
على ربوبية السموات؛ لأن ثبوتها يقتضي
ربوبية الأرض بطريق الأولى»(٢).
وهكذا يظهر أن جعل النجوم زينة فيه
دلالة على خالقها وعلى وحدانيته وعلى
جلاله وكماله؛ لأنها تحرك في الإنسان
التساؤل: من الذي خلق هذا الخلق البديع
المتقن الذي يخلب الأنظار ويجذب
القلوب؟ لابد أن وراء الإبداع مبدع، و خلف
كل جمال جميل!
٢. لفت الأنظار إلى جمالية هذا الكون.
زینة النجوم جمال، والله جمیل یحب
الجمال، خلق هذا الكون فأحسن خلقه
وأتقنه وجمله.
يقول صاحب الظلال رحمه الله:
(«القرآن يوجه النفس إلى جمال السماء،
وإلى جمال الكون كله؛ لأن إدراك جمال
الوجود هو أقرب وأصدق وسيلة لإدراك
جمال خالق الوجود، وهذا الإدراك هو
الذي يرفع الإنسان إلى أعلى أفق يمكن أن
يبلغه؛ لأنه حينئذٍ يصل إلى النقطة التي يتهيأ
فيها للحياة الخالدة، في عالم طليق جميل،
بريء من شوائب العالم الأرضي والحياة
الأرضية))(٣).
من أجل هذا جعل الله في خلقه العديد
من مشاهد الجمال والزينة، بل لا تجد خلقًا
من خلق الله إلا وفيه جمال، ويدل على
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٨٧/٢٣.
(١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٩/١٠ (٣) في ظلال القرآن، سيد قطب ٣٦٣٤/٦
باختصار.
بتصرف.
٤٤٤
القرآن الكريم

الخصم
جمال!
ومن هذا الجمال الذي أبدعه الله جل
جلاله؛ ليتأمله خلقه ويستروحون في ظلاله
النجوم التي جعلها الله زينة للسماء.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِ السَّمَآءِ بُرُوجًا
وَزَيَّنَهَا لِلنَّظِرِينَ﴾ [الحجر: ١٦].
وأن تكون النجوم زينة للسماء فهذا لا
شك يشي ((بأن الجمال غاية مقصودة في
خلق هذا الكون، فليست الضخامة وحدها،
وليست الدقة وحدها إنما هو الجمال الذي
ينتظم المظاهر جميعًا، وينشأ من تناسقها
جمیعًا.
وإن نظرة مبصرة إلى السماء في الليلة
الحالكة وقد انتثرت فيها الكواكب والنجوم
توصوص بنورها، ثم یبدو کانما تخبو، ريثما
تنتقل العين لتلبي دعوة من نجم بعيد، ونظرة
مثلها في اللیلة القمرية والبدر حالم، والكون
من حوله مهوم كأنما يمسك أنفاسه لا يوقظ
الحالم السعيد!
إن نظرة واحدة شاعرة لكفيلة بإدراك
حقيقة الجمال الكوني، وعمق هذا الجمال
في تکوینه))(١).
وهذا لا شك يوجه المؤمنين بأن من
واجبهم أن ((يجعلوا حياتهم مبنية على
الجمال في الظاهر وفي الباطن؛ تأسيًا بسنة
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢١٣٣/٤.
الله تعالى في خلق هذا الكون))(٢).
وهكذا يظهر لنا كيف أن كون النجوم
زينة يلفت الأنظار بشدة لجمالية هذا الكون.
٣. شهود منة الله على خلقه.
فمن منن الله على عباده ورحمته
بهم وفضله عليهم أن جعل لهم المناظر
البهية التي تروق لنفوسهم وتملؤها بهجة
وسرورًا، يقول ابن عاشور رحمه الله
في قوله تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِنَةٍ
الْكَوَاكِبِ ﴾ [الصافات: ٦]: ((فيها منة على الناس
بأن جعل لهم في السماء زينة الكواكب
تروق أنظارهم؛ فإن محاسن المناظر لذة
للناظرين)» (٣).
فتزيين السماء بالنجوم والكواكب نعمة
من الله على خلقه ككثير من نعمه التي لا
تعد ولا تحصى، وحق على عباده الذين
يستمتعون بالنظر إليها أن يعرفوا فضله فيها،
ویشکروه علیھا.
ثالثًا: النجوم رجوم للشياطين:
السماء عالم فسيح واسع ممتد،
يستعصي على العقل حصره، وتعجز
الفهوم عن الإحاطة به، والإلمام بجوانبه،
وهو حافل بالأسرار، مليء بالعجائب التي
يقف العقل البشري أمامها عاجزًا، لا يبدي
جوابًا، ومن هذه العجائب النجوم وقد ذكر
(٢) التفسير الوسيط، طنطاوي ٢٧/٨-٢٨.
(٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٣/ ٨٧.
www. modoee.com
٤٤٥

حرف النون
الله للنجوم في كتابه عددًا من المنافع، ومن
هذه المنافع ما ذكره الله عز وجل من أنها
رجوم للشياطين ما أن يحاولوا التسمع
للملأ الأعلى حتى تنقض عليهم فتحرقهم،
وتقضي عليهم.
عن عائشة رضي الله عنها أنها سمعت
رسول الله صلی الله علیه وسلم يقول: (إن
الملائكة تنزل في العنان - وهو السحاب-
فتذكر الأمر قضي في السماء، فتسترق
الشياطين السمع فتسمعه، فتوحيه إلى
الکھان، فیکذبون معها مائة کذبةٍ من عند
أنفسهم)(١).
فأن تكون النجوم رجومًا للشياطين
أي: ((شهبًا محرقة لمسترقي السمع من
الشیاطین)»(٢) فهذا له فوائد عدة، منها:
بيان مدى شدة حفظ السماء، فالسماء
منها أتى الوحي، وتنزل الأوامر والمقادير
التي تضبط شأن العالم، فأن تكون محفوظة،
وعليها حراسة شديدة فهذا من المقاصد
العظيمة؛ ولقد ذكر القرآن أن من منافع
النجوم أن الله جعلها رجومًا للشياطين
الذين يحاولون الوصول إليها، ومعرفة ما
يجري فيها؛ ليصلوا به إلى الكهان؛ ليخدعوا
الناس به، ويفسدوا عليهم أمر حياتهم.
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء
الخلق، باب ذكر الملائكة، ٤ /١١١، رقم
٣٢١٠.
(٢) التفسير الميسر ص ٥٦٢.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِى السَّمَآءِ بُرُوجًا
وَزَّيَّنَهَا لِلنَّظِرِينَ ﴿ وَحَفِظْنَهَا مِن كُلِّ
شَيْطَانِ رَّحِيمٍ (٢) إِلَّا مَنِ أَسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَثْبَعَهُ.
شِهَابٌ مُّبِينٌ﴾ [الحجر: ١٦ -١٨].
وها هنا يخبرنا الرب جل جلاله أن
السماء محفوظة من كل شيطان رجيم حتى
لا يصل إليها فظاهرها ((مجمل بالنجوم
النيرات، وباطنها محروس ممنوع من
الآفات)»(٣).
ومع هذا فإن بعض الشياطين في بعض
الأوقات يسعى لاستراق السمع ومعرفة ما
يدور في الملأ الأعلى، فآنئذٍ يتبعه ﴿شِهَابٌ
تُبِينٌ﴾ أي: ((بين منير يقتله أو يخبله)) (٤).
قال الإمام البخاري عند تفسيره لهذه
الآية: حدثنا سفيان عن عمرو عن عكرمة
عن أبي هريرة رضي الله عنه يبلغ به النبي
صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قضى الله
الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها
خضعانًا لقوله، كالسلسلة على صفوانٍ -قال
عليٌّ: وقال غيره: صفوانٍ ينفذهم ذلك- فإذا
فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟
قالوا للذي قال: الحق، وهو العلي الكبير،
فيسمعها مسترقو السمع، ومسترقو السمع
هکذا واحدٌ فوق آخر -ووصف سفيان بيده
وفرج بين أصابع يده الیمنی نصبها بعضها
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٣٠
بتصرف.
(٤) المصدر السابق.
٤٤٦
جَوَسُو ◌َرَ النَّفِيَّ
القرآن الكريم

الخمر
فوق بعضٍ - فربما أدرك الشهاب المستمع
قبل أن يرمي بها إلى صاحبه فیحرقه، وربما
لم یدر که حتى يرمي بها إلى الذي یلیه إلى
الذي هو أسفل منه، حتى يلقوها إلى الأرض
-وربما قال سفيان: حتى تنتهي إلى الأرض-
فتلقى على فم الساحر، فيكذب معها مائة
كذبةٍ، فيصدق فيقولون: ألم يخبرنا يوم كذا
و کذا یکون كذا وكذا فوجدناه حقًّا؟ للكلمة
التي سمعت من السماء)(١).
ومما يدل على شدة حراسة السماء وقوة
حفظها تعبير القرآن بـ ﴿أَسْتَرَقَ﴾ ((فهناك من
سرق؛ وهناك من استرق؛ فالذي سرق هو
من دخل بيتًا على سبيل المثال، وأخذ يعبئ
ما فيه في حقائب، ونزل من المنزل على
راحته لینقلها حیث یرید».
لکن إن کان هناك أحد في المنزل فاللص
يتحرك في استخفاء خوفًا من أن يضبطه
من يوجد في المنزل؛ وهكذا يكون معنى
﴿أَسْتَقَ﴾: الحصول على السرقة مقرونة
بالخوف(٢). فأن تكون النجوم رجومًا
للشياطين بهذه القوة التي تجعلهم فقط
يسترقون السمع بكل وجل وخوف فهذا
يدل على شدة حفظ السماء.
الاستدلال على عظمة الخالق:
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير،
باب قوله: (إلا من استرق السمع فأتبعه
شهاب مبين)، ٦/ ٨٠، رقم ٤٧٠١.
(٢) تفسير الشعراوي ١٢/ ٧٦٦٧.
تنتصب شواهد عدة للتدليل على عظمة
الخالق وشدة قدرته وقهره، واتساع سلطانه،
ومن الأمور التي ذكرها القرآن في هذا
السياق هو كون النجوم رجومًا للشياطين.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَا السَّمَكَةُ الدُّنْيَا
بِمَصَبِيحَ وَجَعَلْتَهَا رُجُومًا لِلشَّيَطِينِّ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ
عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ٥].
فهذه الآية أتت في بدايات سورة الملك
التي تعنى بتفصيل مظاهر قدرة الرب
الجليل، يقول صاحب الظلال: ((ومفتاح
السورة كلها ومحورها الذي تشد إليه تلك
الحركة فيها هو مطلعها الجامع الموحي:
﴿تَكَ الَّذِى بِبَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾
[الملك: ١].
وعن حقيقة الملك وحقيقة القدرة تتفرع
سائر الصور التي عرضتها السورة، وسائر
الحركات المغيبة والظاهرة التي نبهت
القلوب إليها، فمن الملك ومن القدرة كان
خلق الموت والحياة، وکان الابتلاء بهما،
وكان خلق السموات وتزيينها بالمصابيح،
وجعلها رجومًا للشياطين)»(٣).
وهذه الآية كما - يقول الإمام الرازي-
دليل: ((على كونه تعالى قادرًا عالمًا؛ وذلك
لأن هذه الكواكب -نظرًا إلى أنها محدثة
ومختصة بمقدار خاص، وموضع معين،
(٣) في ظلال القرآن، سيد قطب ٦/ ٣٦٣٠ -
٣٦٣١.
www. modoee.com
٤٤٧

حرف النون
وسير معين- تدل على أن صانعها قادر معنى جعلها رجومًا ((جارٍ على طريقة إسناد
عمل بعض الشيء إلی جمیعه، مثل إسناد
الأعمال إلى القبائل لأن العاملين من أفراد
القبيلة)»(٦).
-ونظرًا إلى كونها محكمة متقنة موافقة
لمصالح العباد من كونها زينة لأهل الدنيا،
وسببًا لانتفاعهم بها- تدل على أن صانعها
عالم))(١).
فكون النجوم بكتلها الضخمة وسرعاتها
وكذلك من دلائل قدرته عز وجل ((أن العالية رجومًا للشياطين فهذا لا شك من
دلائل قدرة الله وشدة عظمته.
جعل جزءًا منها رجومًا للشياطين بانفصال
بعض الشهب عنها لرمي شياطين الجن
الذين كانوا يحاولون التسمع إلى الملأ
الأعلى، وهي آيات دالة على عظيم قدرته
جل جلاله بصون السماء وما فيها من
أخبار»(٢).
والرجوم: جمع رجم ((وهو اسم لما
یرجم به، أي: ما یرمي به الرامي من حجر
ونحوه))(٣).
والذي جعل رجومًا للشياطين هو النجوم
فـ(اضمير الغائبة في ﴿وَجَعَلْتَهَا﴾ المتبادر
أنه عائد إلى المصابيح، أي: إن المصابيح
رجوم للشياطين» (٤).
المضيئة))(٥)
والقرآن عالج الكثير من خرافات
((والمصابيح هي النجوم العظيمة الجاهلية، وصور الشرك التي كانت منتشرة
بينهم، وكشف زيفها، وفضح باطلها، وكان
وليس كل النجوم رجومًا للشياطين وإنما من بين هذه الأباطيل ما ادعاه أهل الجاهلية
من أن الجن يعلمون الغيب، ويتصلون
بالملأ الأعلى، وبينهم وبين الله نسبٌ، فرد
القرآن على ذلك ببيان أن النجوم رجوم
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ٥٨٣/٣٠.
(٢) التفسير الموضوعي للقرآن، مجموعة مؤلفين
٢٧٢/٨.
(٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢١/٢٩.
(٤) المصدر السابق.
(٥) انظر: التفسير الميسر ص ٥٦٢.
(٦) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢١/٢٩.
(٧) التفسير الميسر ص٤٧٨.
٤٤٨
جوية
لِلْقُرآن الكَرِيمِ
ومن الآيات التي أشارت لهذا قوله
تعالى: ﴿فَقَضَنُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِ يَوْمَيْنِ
وَأَوْحَى فِى كُلِّ سَمٍِّ أَمْرَهَا وَزَيَّنَا السَّمَآءَ الدُّنْيَا
بِمَصَبِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيُرُ اَلْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾
[فصلت: ١٢].
فهذه الآية تذكر عددًا من مظاهر قدرة
الباري جل جلاله؛ ولذا ختمت بقوله:
﴿ذَلِكَ تَقْدِيُرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ ومن بين تلك
الدلائل المذكورة قوله: ﴿وَزَيَّنَا السَّمَآءَ الدُّنْيَا
بِمَصَبِيحَ وَحِفْظًا﴾ أي: ((من الشياطين الذين
يسترقون السمع»(٧).

الخصم
للشياطين، وأنها تمنعهم من استراق السمع.
قال تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِيَةٍ
٧
ج وَحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطَنِ مَّارِهٍ
الكواكِب
لَّا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْعَلِّ الْأَعْلَى وَيُقْذَّفُونَ مِنْ كُلِّ
جَانِبٍ، ٥ مُحُورًا وَمْ عَذَابٌ وَاصِبُّ
إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَنْبَعَهُ، شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾
[الصافات: ٦ -١٠].
فهذه الآيات أتت في سورة الصافات
التي «تستهدف -كسائر السور المكية-
بناء العقيدة في النفوس، وتخليصها من
شوائب الشرك في كل صوره وأشكاله؛
ولكنها -بصفة خاصة- تعالج صورة معينة
من صور الشرك التي كانت سائدة في البيئة
العربية الأولى»(١).
فهذه الآيات أتت ((بعد ما عالج مطلع
السورة شطر الأسطورة الخاص بالملائكة؛
ليعالج شطرها الثاني وهو الخاص
بالشياطين، حيث أنهم كانوا يزعمون أن بين
الله وبین الجنة نسبًا، وبعضهم كانوا يعبدون
الشياطين على هذا الأساس، وعلى أساس
أن الشیاطین یعرفون الغیب لاتصالهم بالملا
الأعلى»(٢).
فبينت الآيات كيف أن السماء الدنيا
مزينة ﴿ِنَةِ الْكَوَاكِبِ﴾ [الصافات: ٦].
أي: (بزينة هي النجوم)) (٣) وكيف أن هذه
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٩٨٠/٥.
(٢) المصدر السابق ٢٩٨٣/٥ بتصرف.
(٣) التفسير الميسر ص٤٤٦.
النجوم تحفظ السماء ﴿وَحِفْظَّامِنْ كُلِّ شَيْطَانِ
مَّارِدٍ﴾ [الصافات: ٧].
يعني: ((المتمرد العاتي إذا أراد أن يسترق
السمع أتاه شهاب ثاقب فأحرقه)) (٤) ولذلك
قال بعدها: ﴿لَّا يَسَّمَّعُونَ﴾ [الصافات: ٨].
أي: ((لئلا يصلوا إلى الملأ الأعلى،
وهي السموات ومن فيها من الملائكة، إذا
تكلموا بما يوحيه الله مما يقوله من شرعه
و قدره»(٥).
وتأمل كيف أنه قال: ﴿لَّا يَسَّمَّعُونَ ﴾ فهذا
الفعل أصله ((يتسمعون)) وقد ضمن معنى
الفعل يصغون أو يدنون؛ ولهذا عدى بحرف
الجر ﴿إِلَى﴾ أي: لا يستطيعون أن يتسمعوا
إلى الملأ الأعلى، وهم في إصغاء شديد
حالة التسمع (٦).
وهذا يدل على شدة حراسة السماء
بالنجوم، فإنهم مع حرصهم على السماع
لا يستطيعون؛ ولذا قال الله في خاتمة الآية:
﴿وَيُقْذَّفُونَ مِنْ كُلِّ جَاِبٍ﴾ [الصافات: ٨].
ثم أوضحت الآيات أن بعض الشياطين
قد يتلقف شيئًا على وجه الخفية والسرعة
﴿ إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾ [الصافات: ١٠].
((والخطف: ابتدار تناول شيء بسرعة،
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧/ ٦.
(٥) المصدر السابق.
(٦) التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب
٠٩٦٦/١٢
www. modoee.com
٤٤٩

حرفالنون
والخطفة المرة منه)) (١).
فیکون جزاؤه الإحراق ﴿قانتعَهُ, شهَابٌ
نَاقِبٌ﴾ أي: «تارة یدر كه قبل أن يوصلها إلى
أوليائه، فينقطع خبر السماء، وتارة یخبر بها
قبل أن يدركه الشهاب، فیکذبون معها مائة
كذبة يروجونها بسبب الكلمة التي سمعت
من السماء))(٢).
وهكذا ترد الآيات على المشركين
معتقدهم الفاسد ((في أن الشياطين يعلمون
الغيب، وأنهم يتلقون ذلك باتصالهم
بالملأ الأعلى، واستماعهم إلى ما يدور
بين الملائكة هناك، مما يتصل بالعالم
الأرضي)» (٣).
وأن بينهم وبين الله نسبًا فلو «كان شيء من
هذا صحيحًا لتغير وجه المعاملة؛ ولما كان
مصير الأنسباء والأصهار -بزعمهم- هو
المطاردة والرجم والحرق أبدًا!)) (٤).
وهكذا يظهر كيف أن رجم النجوم
للشياطين يكشف عن تهافت مزاعم
المشرکین وأباطيلهم.
قال تعالى حاكيًا قول الجن: ﴿وَأَنَّا
لَمَسْنَا اُلسَّمَآءَ فَوَجَدْنَهَا مُلِّشَتْ حَرَسًا شَدِيدًا
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٩٣/٢٣.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٧٠١.
(٣) التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب
٠٩٦٦/١٢
(٤) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٩٨٤/٥.
وَشُيًّا ( ٥) وَأَنَّا كُنَا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَعِدَ لِلِسَّمْعَّ فَمَنْ
يَسْتَمِعِ آلْأَنَ يَجِدٌّ لَهُ شِهَابَا رَّصَدًا﴾ [الجن:٨-٩].
وفي هاتين الآيتين يخبر الجن أنهم
حاولوا طلب أخبار السماء ولمسها وحقيقة
المس: ((الجس باليد، واستعير هنا؛ لطلب
أخبار السماء؛ لأن الماس للشيء في العادة
إنما يفعل ذلك طلبًا لاختباره ومعرفته)) (٥).
ولكنهم وجدوها ﴿مُلِثَتْ حَرَسًا شَدِيدًا
وَشُهُبًا﴾ [الجن:٨].
أي: ((ملئت بالملائكة الكثيرين الذين
يحرسونها، وبالشهب المحرقة التي يرمى
بها من يقترب منها)) (٦).
ثم كشفوا عن شدة استغرابهم لذلك
وكذلك ترد عليهم خرافة اتخاذهم آلهة، قائلين: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن
يَسْتَمِعِ آلَآَنَ يَجِدٌّ لَهُ شِهَابًا وَّصَدًا﴾ [الجن :٩].
أي: ((مرصدًا له، معدًا لإتلافه
وإحراقه»(٧).
وهذا لا شك يدل على «لطف الله بخلقه
ورحمته بعباده، وحفظه لكتابه العزيز؛ ذلك
أن الله لما شاء بعث نبيه وإرساله وإنزال
القرآن عليه ملئت السماء حرسًا شديدًا،
وحفظت من سائر أرجائها، وطردت
الشياطين عن مقاعدها التي كانت تقعد
فيها قبل ذلك لئلا يسترقوا شيئًا من القرآن،
فيلقوه على ألسنة الكهنة، فيلتبس الأمر
(٥) التفسير الوسيط، طنطاوي ١٣٥/١٥.
(٦) التفسير الميسر ص٥٧٢.
(٧) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٨٩١.
٤٥٠
الْقُرآن الكَرِيمِ

الخمر
ويختلط، ولا يدرى من الصادق(١).
يقول الإمام الرازي: ((هذه الشهب كانت
موجودة قبل المبعث إلا أنها زيدت بعد
المبعث، وجعلت أكمل وأقوى؛ لأنه قال:
﴿فَوَجَدْنَهَا مُلِئَتْ﴾ [الجن:٨].
وهذا يدل على أن الحادث هو الملء
والكثرة وكذلك قوله: ﴿نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَعِدَ﴾
[الجن: ٩].
أي: كنا نجد فيها بعض المقاعد خالية
من الحرس والشهب، والآن ملئت المقاعد
كلها، فكثرة الرجم، ومنع الاستراق بالكلية
هي التي حملت الجن على الضرب في
البلاد، وطلب السبب))(٢). فأن يزداد الرجم
للشياطين، وأن تمنع من استراق السمع فهذا
لا شك فيه بيان لمدى مكانة القرآن وشرفه
ورفعته على سائر الكتب.
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٤٠/٨.
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٣٠/ ٦٧٠ بتصرف.
أسماء وصفات في عالم النجوم
أولًا: نجوم ذكرت بأسمائها:
ذكر الله تعالى النجوم في كتابه في
مواضع متعددة، لكن النجم الوحيد الذي
ذكر باسمه هو الشعرى.
قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾
[النجم : ٤٩].
فهذا هو الموضع الوحيد الذي ذكر فيه
النجم بالاسم دون الوصف.
والشعرى: «كوكب وهاج مضيء يطلع
بعد الجوزاء في شدة الحر»(٣) وقد يبدو من
خلال النظر في الآية وسياقها أنه ذکر باسمه
لتقرير التوحيد ونفي العقائد الشركية، فنجم
الشعرى كان له مكانته الخاصة عند العرب،
فهم کانوا في جاهليتهم يعبدونه من دون
الله (٤). وكانوا ينسبون إليه الغنى والفقر،
كما أشار إلى هذا الرازي (٥).
واختلف فيمن كان يعبده، فقال السدي:
کانت تعبده حمير و خزاعة، وقال غيره: أول
من عبده أبو کبشة أحد أجداد النبي صلى
الله عليه وسلم من قبل أمهاته؛ ولذلك
كان مشركو قريش يسمون النبي صلى الله
علیه وسلم ابن أبي كبشة حین دعا إلى الله،
(٣) انظر: تفسير القشيري ٤٩١/٣، تفسير
المراغي ٦٧/٢٧ بتصرف.
(٤) جامع البيان، الطبري ٢٢/ ٥٥٠.
(٥) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٨٣/٢٩.
www. modoee.com
٤٥١

حرف النون
وخالف أديانهم (١).
ولذا ذكره القرآن باسمه لـ((تقرير عقيدة
التوحيد، ونفي عقيدة الشرك الواهية
المتهافتة))(٢) وذلك من خلال إعلامهم بأنه
ربهم ورب هذا النجم الذي يعبدونه من دون
الله ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾ [النجم: ٤٩].
وتأمل كيف أنه أتى بضمير الفصل الذي
((يفيد قصر مربوبية الشعرى على الله تعالى؛
وذلك كناية عن كونه رب ما يعتقدون أنه من
تصرفات الشعری، أي هو رب تلك الآثار
ومقدرها وليست الشعرى ربة تلك الآثار
المسندة إليها في مزاعمهم)» (٣).
وذكر ربوبية الله لنجم الشعرى لا شك
يشير لعظم قدرة الله، فنجم الشعرى ((أثقل
من الشمس بعشرين مرة، ونوره خمسون
ضعف نور الشمس، وهي أبعد من الشمس
بمليون ضعف بعد الشمس عنا)»(٤) فأن
يكون مربوبًا لله جل جلاله فهذا لا شك يدل
على شدة قدرة الخالق عز وجل، وأن تذکر
ربوبية الله لنجم الشعرى العملاق في سورة
النجم التي «تتحدث عن الرحلة إلى الملأ
الأعلى)»(٥).
تلك الرحلة التي قد تستبعدها بعض
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١١٩/١٧.
(١)
(٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ٣٤١٨/٦.
(٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٥٢/٢٧.
(٤) في ظلال القرآن، سيد قطب ٣٤١٨/٦.
(٥) المصدر السابق.
العقول وتستعظمها، فهذا لا شك له وزنه
في بيان عظم قدرة الله في فعل ما يشاء.
ثانيًا: نجوم ذكرت بصفاتها:
وصف الله في كتابه النجوم بعدة
أوصاف؛ لهذه الأوصاف دلالات متنوعة،
وفيها إشارات، إما لبعض وظائف هذه
النجوم أو لتوضيح ماهيتها وشكلها، فتارة
يصفها بالثقوب، وتارة يصفها بالخنس
والجريان والكنس، وتارة يصفها بالطروق.
وفيما يلي تفصيل هذا:
١. وصفها بالثقوب.
ورد هذا في قوله تعالى: ﴿إِلََّ مَنْ خَطِفَ
اْتَغْفَةَ فَأَنْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠].
وهذا ورد في معرض الحديث عن حفظ
الله للسماء من تسلط الشيطان، بأن جعل
فيها الكواكب التي من وظائفها أنها تتبع من
استرق السمع من الشياطين فتحرقه وتهلكه.
وجاء هذا الوصف أيضًا في سورة
الطارق حين أقسم الله بالطارق - بعد القسم
بالسماء-، ثم وصف هذا الطارق وعرفه
بأنه: النجم الثاقب.
قال تعالى: ﴿وَالسَِّ وَالشَّارِقِ ، وَمَا أَذْرَئِكَ مَا
الطَّارِقُ النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ [الطارق: ١ -٣].
والثاقب يعني: النافذ بضوئه وشعاعه
المنير (٦).
(٦) المحرر الوجيز، ابن عطية ٤ / ٤٦٧.
٤٥٢
جونسون
القرآن الكريمِ