النص المفهرس
صفحات 21-40
النبات الله عز وجل الآيات التي تذکر العباد بنعمة النبات، وبما جعل الله عز وجل فيه للعباد من نعم ومنافع وخيرات، ومن تلك الآيات قوله تعالى في سياق تعداد نعمه على عباده: ﴿اَللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَآِ مَآءُ فَأَخْرَجَ بِهِ، مِنَ الثَّمَرَتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِىَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ، وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَرَ وَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَابِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الَّلَ وَالنَّهَارَ (٢) وَءَاتَنَّكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اَللَّهِ لَا تُخْصُوهَاً إِنَ الْإِنسَنَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٢ -٣٤]. ولا شك بأن مظاهر نعم الله عز وجل في النبات كثيرة لا تحصى؛ فهي عديدة ومتنوعة، منها ما تم اكتشافه والتعرف علیه، ومنها ما هو غائب عن العباد لم يعرفوه بعد، ولذا لا يمكن أن يستوفى الحديث عن تلك النعم في وريقات قليلة، أو مطالب قصيرة؛ بل الأمر يحتاج إلى بحوث مطولة، ومؤلفات مطنبة، إلا أن الباحثين أشاروا في المطالب الآتية إلى بعض مظاهر النعيم في النبات، وذلك من خلال الاستشهاد بآيات الذكر الحكيم، وبعض أقوال أهل التفسير. أولًا: النبات مصدر أساسي لغذاء الإنسان ورزقه: إن من أعظم النعيم الذي جعله الله عز وجل في النبات أن الله عز وجل جعله المصدر الأساسي لطعام الإنسان وغذائه على هذه الأرض؛ إذا النبات هو الأساس في غذاء الإنسان، ومعظم ما يتغذى عليه البشر إنما هو من النباتات التي ينبتها الله سبحانه لعباده؛ فالحبوب بشتى أنواعها، والبقول بشتى أصنافها، والخضار بجميع أشكاله وألوانه، والفواكه كلها، كل ذلك من النبات، ومعلوم أن تلك الأغذية هي أساس طعام الإنسان، وعلیھا یعتمد في غذائه. وكم لفت الخالق سبحانه أنظار عباده إلى نعمة الغذاء في النبات الذي أخرجه لهم، وبين لهم أنه قد جعل لهم في هذا النبات ما يأكلون. ومن الآيات التي ذكرت ذلك قوله تعالى: ﴿وَءَايَةٌ لَُّمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْبَيْتَهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبَّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ ﴾ وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّتٍ مِّن ◌َّخِيلٍ وَأَعْنَبٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ ، لِيَأْكُلُواْ مِن ثَمَرِهِ، وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾ [يس: ٣٣-٣٥]. إن ذلك لمن آيات الله الباهرات، والتي فيها دلالة واضحة، وبرهانٌ بين ساطع على قدرة الخالق سبحانه، وعلى عظيم عطاياه لعباده؛ فهو سبحانه الذي أخرج الزرع www. modoee.com ٢٧٥ حرف النون والحب، وهو سبحانه الذي جعل الجنات والخضار، وفي ذلك كله غذاء وطعام يتغذى عليه الإنسان ويتنعم به، ويطلب رزقه من خلاله. وأصناف الفاكهة والثمار، وما ذاك كله إلا من رحمته تعالى بعباده، لا بسعیھم ولا كدهم، ولا بحولهم وقوتهم (١). والملاحظ أن القرآن الكريم لم يقتصر على ذكر الفاكهة والثمار على وجه العموم والإجمال؛ بل ذكر أصنافًا وأنواعًا خاصة منها؛ فذكر الزيتون، والرمان، والنخيل، والعنب، والتین. وذلك كما في قوله تعالى: ﴿يُنْبِتُ لَكُم ◌ِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَاْأَعْنَبَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَتِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِّقَوْمٍ يَنَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١١]. وفي قوله عز وجل: ﴿وَهُوَ الَّذِى أَنشَأَ جَنَّتٍ مَّعْرُوشَتٍ وَغَيْرَ مَعْرُ وشَتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّعَ مُخْتَلِمَا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَبِهَا وَغَيْرَ مُتَشَيِةٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ: إِذَا. أَثْمَرَ وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِهُ وَلَا تُشَرِفُواْ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١]. ولا شك بأن تخصيص بعض النباتات والأشجار والثمار بالذكر دون غيرها فيه تنبيه على فضلها وعظيم نفعها. لقد أخبر الله سبحانه في كتابه العزيز أنه جعل من النبات جنات النخيل والأعناب، وبساتين الفاكهة والثمار، ومزارع الحبوب (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٦٠/١١. قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَلَ بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّهُ فِى الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَاٍ إِ لَقَدِرُونَ( ١٨ فَأَنشَأْنَا لَكُ بِه جَنَّتٍ مِّن ◌َّخِيلٍ وَأَعْنٍَ لَّكُتْفِيهَا فَوَكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴿ وَشَجَرَةٌ تَخْرُجُ مِنْ طُورٍ سَيْنَآَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِيْعْ لِلَكِينَ﴾ [المؤمنون: ١٨- ٢٠]. پخبر سبحانه في هذه الآيات بأنه أنزل الماء من السماء، وأنشأ به جنات النخيل والأعناب، التي يتغذى عليها العباد، ويتفكهون بها، وقد خصت الآية ذكر الأعتاب والنخيل دون غيرهما من الثمار لبيان فضل هاتين الشجرتين، قال الشوكاني: ((واقتصر سبحانه على النخيل والأعناب لأنها الموجودة بالطائف والمدينة وما يتصل بذلك، وقيل: لأنها أشرف الأشجار ثمرةً، وأطيبها منفعةً وطعمًا ولذةً))(٢). وفي قوله تعالى: ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ أي: تتغذون، أو المعنى: منها ترزقون، وتحصلون معاشكم، وذلك من خلال الفلاحة والزراعة، والتي هي من أبواب الرزق الوفير الذي جعله الله عز وجل لعباده (٣). (٢) فتح القدير ٦٨٤/٣. (٣) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ١/ ١٥٠، إرشاد العقل السليم، أبو السعود ١٢٨/٦. ٢٧٦ جَوْسُو ◌َرَ النَّفْسَيّةْ الْقُرآن الكَرِيمِ النبات وفي قوله تعالى: ﴿وَشَجَرٌَ تَّخْرُمِنطُورِ سَيْنَآء تَثْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِيْعْ لِلَّكِينَ﴾ إخبار عن شجرة الزيتون المباركة، والتي تنبت في أرض مباركة، وتنبت للعباد الصبغ والدهن، ومعنى ذلك أن من فوائد هذه الشجرة المباركة أنها تنبت ثمرة فيها الزيت الذي هو صبغ وطعام وإدام يأتدمون به، ويأكلون منه، ويدهنون ويصطبغون به (١). ومن رحمة الله عز وجل وفضله على عباده أن جعل النباتات مختلفة متنوعة؛ منها الخضار، ومنها الحبوب، ومنها الفاكهة والثمار، منها ما يؤكل مباشرة دون طهي، ومنها ما يحتاج لطهي، منا الحلو، ومنها المالح والحامض، منها الرطب اللين، ومنها الجاف واليابس، منها ما يؤكل كطعام أساسي، ومنها ما يؤكل للتفكه، وإن من النبات أصنافًا لم يتعرف عليها الإنسان بعد، ولم يدرك قدر نفعها وقيمة التغذي عليها؛ فأصناف النبات عظيمة، ومنافعها جليلة، وقد أخبر الله سبحانه بأنه أخرج للعباد نبات كل شيء، قال سبحانه: ﴿وَهُوَ أَلَّذِى أَنزَلَ مِنَ السَّمَآَهِ مَآءُ فَأَخْرَجْنَا بِهِ، نَبَاتَ كُلِّ شَىْءٍ﴾ [الأنعام: ٩٩]. فهذه الآية شملت جميع ما أخرجه الله عز وجل من نباتات متنوعة. والإنسان يحتاج في غذائه إلى التنوع، (١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٤/١٩. ولا يمكن أن يقتصر في غذائه على صنف واحدٍ من الطعام، أو على نوع واحدٍ من النبات أو الثمار؛ بل يحتاج لأنواع الخضار، والفاكهة، والنباتات، فجسم الإنسان يحتاج إلى البروتين اللازم لبناء الأنسجة، وتعويض التالف منها، ويحتاج للكربوهيدرات والدهون اللازمة لتوليد الطاقة الحرارية للحركة والنشاط، ويحتاج للفيتامينات الضرورية لنمو العضلات، وقوة الإبصار، وقوة الغضاريف والأربطة ومرونتها، ويحتاج إلى الأملاح المعدنية، اللازمة لتكوين العظام والأسنان، وكل تلك المغذيات متوفرة في أصناف النباتات، وأنواع الزروع والثمار. وفضلاً عن ذلك فإن الفواكه والخضروات تمتاز بنكهتها اللطيفة، وألوانها الجذابة، وتحوي الفواكه على نسب متفاوتة من السكر، كما تحوي على نسب عالية من الماء، وتمتاز الفواكه بأنها مصدر مهم للألياف غير القابلة للهضم، والتي تساعد على تنظيم سير الكتلة الغذائية المتبقية بعد الهضم في الأمعاء الغليظة، وطرحها إلى الخارج (٢)، فسبحان من جعل في تركيب النبات عناصر تتوافق مع حاجات جسم الإنسان، بنسب معينة، ومقادير محددة، (٢) انظر: تغذية الإنسان، فاروق فاضل ولا معة جمال ص٣٥٦. www. modoee.com ٢٧٧ حرفالنون وسبحان من جعل في النبات الغذاء الكامل ذلك، قال الله سبحانه ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ الْمَآءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ للإنسان (١). مِنْهُ أَنْعَمُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾ [السجدة: ٢٧]. وقد أباح الله عز وجل لعباده أن يأكلوا مما أنبت لهم من النبات، ومما أخرج لهم من الأرض من أصناف الفاكهة والحبوب والثمار؛ بل إنه سبحانه أمرهم بذلك أمر إباحة و تحلیل. قال تعالى: ﴿كُلُواْ مِن ثَمَرِوَ إِذَا أَثْمَرَ﴾ [الأنعام: ١٤١]. وأمرهم بأن يأكلوا مما رزقهم حلالًا طيبًا فقال تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَا طَيِّبًا وَأَشْكُرُ واْنِعْمَتَ اللَّهِ إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [النحل: ١١٤]. فهذا أمرٌ من الله عز وجل لعباده بأن يأكلوا من رزقه، وبأن يشكروا نعمه التي أنعم علیھم، قال ابن کثیر: «یقول تعالی آمرًا عباده المؤمنين بأكل رزقه الحلال الطيب، وبشكره على ذلك؛ فإنه المنعم المتفضل به ابتداءً، الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له)» (٢). و کما أن النبات غذاء للإنسان فهو أيضًا غذاء للحيوانات والطيور؛ فالحیوان یأکل النبات ويتغذى عليه، وكذلك أمم من الطیور لا یحصیها إلا خالقها لا تتغذى إلا على النبات، وقد أشار القرآن الكريم إلى (١) انظر: النبات في ضوء القرآن الكريم والسنة، جواهر محمد باسلوم ص ١٦١ . (٢) تفسير القرآن العظيم ٣٦٣/٨. ولا شك بأن تغذي الحيوانات والأنعام علی النبات يعود بالنفع على الإنسان؛ إذ إن الإنسان يتغذى على تلك الأنعام، وينتفع من لبنها، وأصوافها، وأشعارها، وجلودها، ولذا فقد امتن الله سبحانه على عباده بأن جعل لهم من النبات ما يسيمون أنعامهم فیه، ويرعون. قال الله عز وجل: ﴿هُوَ أَلَّذِىَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءُ لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجٌَ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل: ١٠]. وبهذا فإن من مظاهر النعم في النبات أن جعله الله عز وجل غذاءً للحيوان والأنعام، ثم يعود نفعها على الإنسان في مأكله ومشربه وملبسه ومسكنه، فلله الحمد والشكر. وفضلًا على أن النبات مصدر غذاء الإنسان فهو أيضًا مصدر للصحة والدواء والعلاج؛ فکم من دواء جعله الله عز وجل في أصناف النبات، وكم من علاج وشفاء وضعه الله عز وجل في النبات، ولقد اكتشف علماء الطب والتغذية الكثير من الأدوية والعلاجات الموجودة في النبات والثمار، ويكفي الإشارة هنا إلى أن العسل الذي ينتجه النحل إنما أصله من النبات ٢٧٨ حَرُ النَّسية جوبيبو القرآن الكريم النبات والثمار؛ حيث إن النحل يتغذى على النبات الله عز وجل بذلك في غير آية من الكتاب العزيز. فقط، كما ألهما ربها عز وجل (١)؛ فلقد أوحى الله سبحانه إلى النحل أن تتخذ من الجبال والأشجار بيوتًا، وأن تأكل من كل الثمرات؛ ليخرج من بطونها ذلك الشراب المبارك، الذي فيه غذاءٌ، وشفاءٌ، ودواءٌ للعالمين. قال الله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى الَّْلِ أَنِ اتَّخِذِى مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ثُمَّ كُلِ مِنْ كُلِ الثَّمَرَتِ فَاسْلُكِ سُبُلَ رَبِّكِ ٦٨ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفُ أَلْوَنُهُ فِيهِ شِفَآءُ لِلنَّاسِنُّ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآَيَّةً لِقَوْمٍ يَنَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٦٨-٦٩]. والنباتات التي تدخل في علاج الإنسان و غذائه كثيرة لا تعد ولا تحصى، و على العباد أن يجتهدوا في معرفة الفوائد والمنافع التي أودعها الخالق سبحانه فيما خلق من نبات وزروع و ثمار. ومما لا ينبغي أن يغفل عنه أن النفع المادي للنبات لا يقتصر على كون النبات مصدر للطعام والغذاء والدواء فقط؛ بل وكذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ اُلَّذِى يُرِيكُمْ يجب أن ينظر إلى النبات على أنه رزق (٢) من الله عز وجل لخلقه وعباده، بكل ما ءَايَتِهِ، وَيُنَزِّكُ لَكُمْ مِّنَ السَّمَآءِ رِزْقًا وَمَا تحمله كلمة رزق من دلالات، وقد أخبر يَتَذَكَّرُ إِلََّ مَن يُنِيبُ﴾ [غافر: ١٣]. (١) انظر: الطب النبوي، ابن القيم ص٢٧. (٢) الرزق كلمة شاملة لعطاء الله عز وجل. انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٣٨٨/٢، المفردات، الراغب الأصفهاني ص ١٩٤. من ذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَشًا وَالسَّمَآءَ بِنَآءَ وَأَنَزَلَ مِنَّ ◌َأَلسَّمَآءِ مَآءَ فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَتِ رِزْقًا لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢]. وقوله عز وجل: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ مُّبَرَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ، جَنَّتٍ وَحَبَّ المَصِيدِ وَالنَّخْلَ بَاسِقَتٍ لَا طَلْعٌ نَضِيدٌ ﴾ رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْبَيْنَا بِهِ، بَلْدَةً مَّيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ [ق: ٩-١١]. فلقد وصف الله عز وجل ما يخرجه للعباد من ثمرات بأنه رزق لهم، وفي آيات عدة استعمل القرآن الكريم لفظ الرزق للدلالة على الغيث الذي ينزله الله عز وجل من السماء، وينبت به الزرع والثمار للعباد (٣). من ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَخْلَفِ الَّتْلِ وَالنَّارِ وَمَّ أَنَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِمِن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتَهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَجِ ءَايَتُّ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الجاثية: ٥]. فقد سمى الله عز وجل ما ينزله من السماء (٣) انظر: نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي ص٣٢٥. www. modoee.com ٢٧٩ حرفالنون من غيث رزقًا للعباد؛ وذلك لأنه بهذا الغيث فيها الخضرة المبهجة، وفيها الأزهار الزاهية، وفيها الثمار اليانعة، ومنها الرياحين تحيى الأرض، وينبت النبات والشجر، وتخرج الحبوب والثمار، ويحصل الرزق للعباد. الفواحة، والورود الزاهية، ومنها جنات معروشات وغیر معروشات، وحدائق ذات بهجة وسرور، وكل هذا من مظاهر النعيم في النبات، فسبحان من خلقها، وتبارك من زینھا وصورها. ويفهم من هذه الآيات أن النبات هو المصدر الأول لرزق الإنسان على الأرض، وهو مورد النعم المباشرة وغير المباشرة، وهو من أعظم طرق الكسب المشروع، وعلى العباد أن يشكروا من خلق لهم النبات، وجعل فيه الغذاء والدواء، وجعله رزقًا وافرًا للعباد، فسبحان الخالق، وتبارك المنعم(١). (١) ثانيًا: النبات من مصادر الإبهاج والإسعاد: إن مظاهر النعم التي أودعها الله عز وجل في النبات لا تقتصر على كون النبات مصدر أساسي لرزق الإنسان وغذائه ودوائه؛ بل إن تلك المظاهر أجل من ذلك وأعظم، فهناك وجوه أخرى للنعيم جعلها الخالق المصور سبحانه في النباتات؛ فمن ذلك مظهرها الجميل، وشكلها البهيج، وصورتها البديعة، تنشرح لرؤيتها الصدور، وتدخل على النفس السرور؛ تتمتع بها الأعين، وتسر بها النفوس، وتسعد بها القلوب، تعجب المتأملين، وتسر الناظرين، (١) انظر: النبات في ضوء القرآن والسنة، جواهر محمد باسلوم ص١٩٤. قال الله عز وجل ممتنًا على عباده، ومذكرًا لهم ببعض مظاهر النعيم فيما خلق لهم من النباتات: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَّتِ وَاْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِّنَ السَّمَكْوَمَآءُ فَأَنْجَتْنَا ◌ِهِ حَدَابِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُلِتُواْ شَجَرَهَاْ أَوِلَةٌ مَعَ اللَّهِّ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل: ٦٠]. فالمولى سبحانه هو الذي خلق السماوات والأرض، وأنزل الماء للعباد، فأنبت به الحدائق ذات الحسن والبهاء والجمال، والتي تبهج من رآها، وتدخل السرور إلى قلب من شاهدها، وهذا من فضله سبحانه على عباده (٢). وفي موضع آخر من الكتاب العزيز يلفت الخالق سبحانه أنظار عباده إلى ما ينبت لهم من نبات بھیج؛ ليتفكروا في آیات ربهم، وليعلموا عظیم نعمه، وجزيل فضله سبحانه علیهم. (٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٢١/١٣. جَوَسُولَةُ النَّقِينَ الْقُرْآن الكَرِيمِ ٢٨٠ النبات قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةٌ فَإِنَّاً أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَآءَ أَهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْعِ بَهِيج﴾ [الحج: ٥]. وقال سبحانه في موضع آخر: ﴿وَاْأَرْضَ مَدَدْنَهَا وَأَلْقَيْنَا فِيَهَا رَوَسِىَ وَلْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْج بَهِيج ٥ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُِّيبٍ﴾ [ق: ٧-٨]. والبهيج من النبات هو: الحسن الجميل، وهو الذي يسر به الناظرون، ويسعد به المشاهدون، ووصف النبات بهذا الوصف يفيد تقوية الاستدلال على دقة صنع الله تعالی، ویفید أيضًا الامتنان علیهم بذلك؛ ليشكروا النعمة ولا يكفروها (١). وبهذا فإن ما في النبات من بهجة وحسن يعد من مظاهر النعم التي أودعها الخالق سبحانه في النبات؛ فينعم العباد بالبهاء والجمال، وحسن المنظر، وطيب الرائحة، ويتفكروا في آيات ربهم، ويشكروا نعمه العظيمة عليهم. ثالثًا: النبات ونعمة الإقامة والسكنى: لا شك أن من حاجات الإنسان الضرورية في هذه الحياة الدنيا الحاجة إلى السكنى والقرار؛ إذ الإنسان محتاج إلى بيت يؤويه، وإلى مكان آمن مريح يحتمي فيه، ويقي به نفسه الحر والبرد، ويستر فيه عورته، ويضع (١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٨٩/٢٦. فيه متاعه، ويتمتع فيه بالاستقرار، ولا يمكن أن تستقيم حياة الإنسان بدون ذلك، وقد ذكر القرآن الكريم هذه النعمة. وذلك في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنَا وَجَعَلَ لَكُ مِّن جُلُودِ اَلْأَنْعَمِ بُوْنَا تَسْتَخِقُّونَهَا يَوْمَ طَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثْئًا وَمَتَعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠]. حيث ذكرت هذه الآية أن من نعم الله عز وجل على عباده أن جعل لهم بيوتا يسكنون فيها، ويحتمون بها، ويحفظون فيها أنفسهم وأهليهم وأمتعتهم، ويقضون حاجاتهم ومنافعهم فيها، وينتفعون بها بسائر وجوه الانتفاع، وجعل سبحانه لعباده أيضًا من جلود الأنعام بیوتًا خفيفة، يستخفون حملها في أسفارهم؛ يضربونها في إقامتهم وفي سفرهم وحضرهم، و کل ذلك من نعم الله عز وجل على عباده (٢). وقد قرن الله عز وجل بين نعمة المقام الكريم ونعمة الجنات والعيون والزروع وذلك في قوله عز وجل في سياق الحديث عن إهلاك فرعون وجنده: ﴿فَأَخْرَحْنَهُم مِّنِ جَثَّتٍ وَعُيُونٍ ، وَكُنُرٍ وَمَقَامٍ كَرِيرٍ﴾ [الشعراء: ٥٧-٥٨]. وفي موضع آخر قال سبحانه في (٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٣٧/٨، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٤٥. www. modoee.com ٢٨١ حرفالنون نفس السياق: ﴿كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّتٍ وَعُيُونٍ وَدُّدُوِعٍ وَمَقَاءٍ كَرِيمٍ ﴿ وَتَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا ٢٥ فَكِهِينَ﴾ [الدخان: ٢٥-٢٧]. ((والمراد بالمقام الكريم ما كان لهم من المجالس والمنازل الحسنة)) (١). وفي هذا دلالة واضحة على أن نعمة السكنى والمقام الكريم نعمة جليلة، قرنت بنعمة الجنات والعيون والزروع والفاكهة، ولا يحصل النعيم بالجنات والعيون إذا فقدت نعمة الإقامة بأمن واستقرار. وللنبات الذي أنعم به الخالق سبحانه على عباده دور كبير في توفير نعمة الإقامة والسكن للإنسان؛ فلقد علم الله عز وجل الإنسان -من لحظة نزوله على الأرض- كيف يستفيد من الأشجار والنباتات في بناء بيوته، وإقامة مساكنه من جذوع النبات وأغصانها وأوراقها، ولا زال الناس إلى عصرنا هذا يستفيدون مما خلق الله عز وجل لهم من أشجار في بناء بيوتهم، وصنع أمتعتھم وأثاثهم، وحتی تلك البيوت العصرية لا تستغني عن أخشاب الأشجار في صنع أبوابها وأثاثها. ولا يقتصر نفع النبات والأشجار على الإنسان في توفير نعمة السكن والإقامة في کونها أساسًا لبناء البيوت وأماكن السكنی؛ بل الأمر أعظم من ذلك بكثير، فالنبات کان منذ العصور الأولى لحياة الإنسان على الأرض سببًا لاستقراره وإقامته؛ وذلك أن الإنسان قد علمه الله عز وجل الزراعة، والزراعة تتطلب من الإنسان أن يستقر بجانبها؛ يبذر بذورها، ويرعاها ويعتني بها، ثم يحصد ويجني ثمارها، وبهذا تعلم الإنسان الاستقرار والسکنی في مكان واحد. والإنسان المعاصر يعتمد كثيرًا في صناعاته على أخشاب النباتات والأشجار، وما أكثر الصناعات القائمة على النبات؛ كصناعة الأوراق، والأثاث، والأدوات، والمعدات، والفحم النباتي، والألياف، والنسيج، وصناعة الزهور والعطور، وكثيرًا من الصناعات المتنوعة، وهذا كله من الفوائد والمنافع التي أودعها الله عز وجل في النبات، ولم يذكر القرآن الكريم هذه الفوائد بالتفصيل؛ وإنما أشار إليها ضمنًا على أنها رزقًا للعباد، ﴿الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَشًا وَالسَّمَآءَ بِنَاءُ وَأَنْزَلَ مِنَالسَّمَآءِ مَآءُ فَأَخَِْهِ، مِنَ الثَّعَرَتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢]. حتى يستخدم الإنسان عقله وتفكيره في البحث عن تلك المنافع والفوائد. ولا شك أن من الفوائد والنعم التي جعلها الله عز وجل في النبات -مما يتصل بنعمة الإقامة والسكنى- أن فيها نعمة الظل الظليل، والوقاية من حر الشمس؛ يستريح في ظلها (١) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٧/ ٦٦٤. مَوْسُورُ القرآن الكريم ٢٨٢ النبات العباد، وينعم تحت أغصانها الناس، وقد ذكر الخالق تعالى عباده بتلك النعم العظيمة. قال عز وجل: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّمَا خَلَقَ ظِلَلًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْتَنَّا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَبِيلَ تَفِيَكُمُ اَلْحَرَّ وَسَرَبِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ [النحل: ٨١]. فالله سبحانه هو الذي جعل لعباده الظل في النبات والشجر وفي كل ما يستظل به؛ يستريحون فيه من حر الشمس، ويكنهم من الأمطار والرياح (١). وهو سبحانه من ألهم عباده إلى الانتفاع بتلك المخلوقات، والتوقي بها من أضرار الحر والبرد؛ فخلق الظلال صالحة للتوقي من حر الشمس، وخلق الكهوف في الجبال لیمکن الالتجاء إليها، وخلق مواد اللباس مع الإلهام إلى صناعة نسجها، وخلق الحديد لاتخاذ الدروع للقتال (٢). وبهذا فإن النبات فيه نعمة توفير الإقامة والسكنى للإنسان، وتلك نعمة عظيمة لا يستغني عنها الإنسان، ولا يعيش بدونها، وتلك النعم تستوجب على العباد شكر المنعم سبحانه، والإقرار بمنته وفضله على عباده، ولله الحمد والشكر. (١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٧/ ٢٦٩. (٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٤٠/١٤. نبات الدنيا والآخرة إن المتأمل في آيات الكتاب العزيز التي ذكرت النبات يجد أن هذه الآيات قد ذكرت أنواعًا متعددة، وأصنافًا كثيرة من النبات والأشجار، وذكرت بعضًا مما تثمره من الفاكهة والثمار، والملاحظ أن آيات الذكر الحكيم فصلت الحديث عن بعض أصناف النبات، وأجملت الحديث عن بعضها الآخر، وبعض الآيات شملت جميع أصناف النبات، كما في قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَّذِىّ أَنزَلَ مِنَ السَّمَآِ مَآءُ فَخْرَجْنَا بِهِ، نَبَاتَ كُلِّ شَىْءٍ﴾ [الأنعام: ٩٩]. وفي قوله عز وجل: ﴿وَقَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةٌ فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَآءَ أَهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْعِ بَهِيج﴾ [الحج: ٥]. ومما ينبغي الإشارة إليه هنا أن القرآن الكريم كتاب هداية وإرشاد للعالمين، وليس كتابًا متخصصًا بالنباتات وأنواعها وخصائصها وفوائده؛ وما في القرآن الكريم من حديث عن النبات إنما هو في سياق الحديث عن آيات الله عز وجل، وبراهين وجوده، ودلائل عظمته، وبيان فضله ونعمه على عباده، إلا أنه لا يخلوا تخصيص هذه النباتات والثمار بالذكر دون غيرها من فوائد دنيوية تنفع الإنسان في معاشه، وهذا يحتاج إلى مزيد جهد وبحث من العلماء للوقوف www. modoee.com ٢٨٣ حرف النون على ما في تلك النباتات والثمار من فوائد. ويجد المتأمل لكتاب الله عز وجل أن الآيات التي ذكرت النبات منها ما تحدثت عما ينبته الله عز وجل من الأرض من نبات الدنیا، ومنها آیات تحدثت عن بعض ما في الآخرة من نبات وأشجار، وفي النقاط الآتية بيان ذلك. أولًا: نبات الدنیا : لقد ذكر القرآن الكريم أنواعًا عديدة من النباتات التي يخرجها الله عز وجل لعباده من الأرض؛ فذكر الحب المتراكب، وذكر أصنافًا من الخضار؛ كالبصل والقثاء والفوم، وذكر أصنافًا من الفاكهة؛ کالعنب والتين، والرمان وغير ذلك، والآيات في ذلك عديدة. فبعض الآيات ذكرت ما يخرجه الله عز وجل من الأرض من ثمرات للعباد، كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِّرَشًا وَالسَّمَآءَ بِنَآءُ وَأَنَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءٍ فَأَخْرَ بِهِ، مِنَ الثَّمَرَتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢]. فذكر الله عز وجل هنا ما يخرجه لعباده من الثمرات، وذلك في سياق الاستدلال على ربوبيته سبحانه، ووجوب عبادته وحده، وبيان فضله سبحانه ونعمه على عباده؛ فهو سبحانه من جعل الأرض فراشًا والسماء بناءً، وهو سبحانه من ينزل الماء من السماء، ويخرج به من الثمرات رزقًا للعباد، فوجب بذلك على العباد أن يفردوه وحده بالعبادة دون سواه؛ لذا سبقت هذه الآية بقول الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَعْبُدُ واْرَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ وَلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١]. ولفظ الثمرات في الآية لفظٌ عامٌ يشمل جميع ما يطعمه العباد وينتفعون به من النبات والشجر (١). قال القرطبي في معنى الآية: ((والمعنى في الآية أخرجنا لكم ألوانًا من الثمرات، وأنواعًا من النبات؛ طعامًا لكم، وعلفًا لدوابکم» (٢). والملاحظ هنا أن القرآن الكريم استعمل جمع القلة (الثمرات)، ولم يستعمل جمع الکثرة (الثمر) أو (الثمار)، مع أن ما يخرجه الله عز وجل لعباده من الأرض كثيرٌ جمٌّ، وأصنافه كثيرة عظيمة، وكذا أنواعه وأشكاله، وعلل بعض المفسرين ذلك بأنه قصد بالثمرات جماعة الثمرة، كما في قولهم: فلان أدرك ثمرة بستانه، يريدون ثماره كلها، أو أن الجموع يحل بعضها مكان بعض؛ لالتقائها في الجمعية (٣). وذكر بعض المفسرين أن في ذلك (١) انظر: المفردات، الأصفهاني ص ٨١. (٢) الجامع لأحكام القرآن ٢٢٩/١. (٣) انظر: الكشاف، الزمخشري ٢١٦/١. ٢٨٤ جَوْسُو القرآن الكريمِ النبات تنبيهًا على قلة ثمار الدنيا، وإشعارًا بتعظيم والخصائص والأطعمة والألوان. أمر الآخرة وما فيها من ثمارٍ ونعيمٍ، والله أعلم(١). وفي آية أخرى -وهي من أعظم الآيات التي تحدثت عن النبات- ذكر الله عز وجل ما يخرجه من نبات على وجه الإجمال، ثم فصل ذكر بعض أصنافها. قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ فَأَخَْجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَىْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًّا تُخْرِجُ مِنْهُ حَبَّا مَُّرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْمِهَا قِنْوَانٌ دَائِبَةٌ وَجَنَّتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَاُلَّيْتُونَ وَالرُّمَانَ مُشْتَّبِهَا وَغَيْرَ مُتَشَيِةٍ أَنْظُرُوّا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ: إِنَّ فِ ذَلِكُمْ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٩٩]. فقوله تعالى في بداية الآية: ﴿ وَهُوَ الَّذِىّ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءٍ فَخْرَجْنَا بِهِ، نَبَاتَ كُلِّ شئء ﴾ یشمل جميع أصناف النبات، ویشمل كل ما أطلق عليه نبات؛ فیشمل ما كان له ساق قوية كالنخل والزيتون والرمان، ويشمل الزرع الذي له ساق لينة كالقصب وأصنافًا من الخضار، ويشمل الشجر المعروش كالعنب، ويشمل ما كان على وجه التربة بلا ساق، وهو النجم، مثل البطيخ واليقطين والقرع؛ فقوله تعالى: ﴿نَبَاتَ كُلِّ شَىْءٍ ﴾ يفيد العموم في الخبر، فيشمل النباتات مختلفة الأصناف والأنواع والثمرات والأشكال (١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٣١٩/٣. ثم بعد هذا الإجمال أتت الآية بالتفصيل في أنواع بعض النبات؛ فقال تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا ﴾، والخضر هو أول ما یکون علیه النبات عند خروجه من الأرض؛ حیث یکون طريًا غضًا أخضر اللون، وقد خص بعض المفسرين المراد بالخضر بالزرع والحبوب؛ كالقمح والذرة والشعير وغيرها (٢) ولعل الأصوب أن لفظ: (خضرًا) يشمل جميع النبات؛ إذ إن لفظ: (خضرًا) نكرة، والنكرة تفيد العموم، والمراد به أول خروج النبات من التربة. ثم فصلت الآية في ذكر بعض أنواع النبات فقال تعالى: ﴿تُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّتٍ مِّنْ أَعْنَابِ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَيِهٍ﴾، فذكرت الآية الحب المتراكب؛ كالأرز والقمح والشعير، وذکرت بعض الأشجار التي تقوم على ساقٍ قويةٍ؛ کالنخيل والزيتون والرمان، وذكرت الآية أيضًا من النبات ما كان بحاجة إلی أن یعرش له كالعنب، ووصفت الآية ذلك النبات كله بأنه ﴿مُشْتَبِهَا وَغَيْرَ مُتَشَبِهِ﴾، إشارة إلى أن بعض النبات يشبه بعضه، وبعض الثمر يشبه بعضه في الشكل أو اللون أو المذاق، يقول (٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٨٨/١٣. www. modoee.com ٢٨٥ حرف النون محمد رشيد رضا في تفسيره: ((وصرحوا والتحريم بأهوائهم، وجعلهم لشركائهم نصيبًا مما رزقهم الله عز وجل، وتحريم بأن المشتبه والمتشابه هنا بمعنى واحد، والحق أن في الصفتين فرقًا؛ فمعنى اشتبها: التبس أحدهما بالآخر من شدة الشبه بينهما، ومعنی تشابها: أشبه أحدهما الآخر ولو في بعض الوجوه والصفات، فهذا أعم مما قبله، ولا شك في أن بعض ما ذكر يتشابه ولا یشتبه، وبعضه یتشابه حتی یشتبه على البستاني الماهر»(١). بعض ما أحل الله سبحانه، فناسب أن یذکر الله عز وجل في هذه الآية أنه سبحانه هو الذي خلق تلك الأشجار والثمار، وهو الذي رزق العباد بأصناف الأطعمة، وألوان النعيم، وهو سبحانه من أحل ذلك لعباده، ولا ينبغي أن يحرم أحدٌ شيئًا مما أحله الله عز وجل؛ فالله هو وحده الخالق، وهو سبحانه وحده المحلل والمحرم، ﴿أَلَا لَهُ اَلْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]. وفي آية أخرى يخبر الله سبحانه عن بعض أصناف النبات فيقول سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِىّ أَنشَأَ جَنَّتٍ مَّعْرُوشَتٍ وَغَيْرَ مَعْرُ وشَبٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْخَلِمَا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَبِهَا وَغَيْرَ مُتَشٍَِ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ* إِذَا أَثْمَرَ وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِيِّ وَلَا تُشَرِفُوَاْ إِنَّهُ، لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١]. فذكرت هذه الآية الجنات من النباتات المعروشات، وهي النباتات التي تحتاج لإسنادها على العرش؛ لصيانة ثمرها من الهلاك، وذكرت الجنات من النبات غير المعروش، وهي تشمل جميع النباتات التي تقوم على سيقان قوية، ولا تحتاج لعرش، کالنخيل والزيتون والرمان. وقد وردت هذه الآية في سياق الحديث عن ضلالات المشركين في التحليل وفي كتاب الله عز وجل آيات أخرى ذكرت أصنافًا معينة من النبات والثمار كما في قوله تعالى: ﴿يُنْبِتُ لَكُرْيِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَبَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَتِ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَةٌ لِّقَوْمِ يَنَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١١]. وفي قوله عز وجل: ﴿وَفِ اَلْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَوِّرَتُ وَجَنَّتٌ مِّنْ أَعْنَبٍ وَزَرْعٌ وَتَخِيِلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانِ يُسْقَى بِمَآءٍ وَحِدٍ وَتُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتِ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٤]. وكذا فى قوله سبحانه: ﴿فَلْنَظَرِ الْإِنسَنُ إِلَى طَعَامِهِ- أَنَا صَبَبْنَا الْمََّ صَبَّانِ ، ثُمّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقَّا فَنْبَنَا فِيهَا حَبَّا وَعِنَبًا وَقَضْبًا وَزَيْتُونَا وَنَخْلاً وَحَدَابِقَ غُلْبًا وَفَكِهَةً وَأَبَّا مَنَعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَمِكُمْ﴾ [عبس: ٢٤ -٣٢]. (١) تفسير المنار ٥٣٥/٧. صَوَسُوبة النفسية القرآن الكَرِيْمِ ٢٨٦ النبات والملاحظ في هذه الآيات ونظائرها في کتاب الله عز وجل أنها تذکر ما أخرج الله عز وجل لعباده من الأرض من نبات وثمار في سياق تعداد الله عز وجل لنعمه على عباده، وتذکیرهم بفضله علیهم، أو في سياق دعوة العباد للتفكر والنظر في آيات ربهم عز وجل؛ ليصلوا بهذه الآيات الباهرات إلى الإيمان بعظمة الخالق سبحانه، واستحقاقه للعبادة دون سواه، قال الشنقيطي -رحمه الله- في تفسير الآية الأول من هذه الآيات: (بين الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن إنباته بالماء ما یأکله الناس من الحبوب والثمار، وما تأكله المواشي من المرعى، من أعظم نعمه على بني آدم، ومن أوضح آياته الدالة على أنه هو المستحق لأن یعبد وحده، وأوضح سبحانه هذا المعنى في آیات کثیرة)»(١). وقد ختمت كثير من هذه الآيات بما يحث العباد على التفكر والتعقل والنظر فيما خلق الله عز وجل لهم، وفيما أخرجه لهم من الأرض، كقوله تعالى: ﴿أَفَلاَ يُبْصِرُونَ﴾ [السجدة: ٢٧]. وقوله عز وجل: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لََّيَتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٤]. وقوله: ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتٍ لِأُوْلِىِ النُّهَى﴾ [طه: ٥٤]. (١) أضواء البيان ٣٣٧/٢. وفي ذلك تحفيز للعباد على التفكر فيما أخرج الله عز وجل لهم من نبات الأرض، للوصول إلى الإيمان بعظمة الخالق، وعظيم منته وفضله على خلقه. وعند التأمل في الآيات التي تحدثت عن النبات وبعض أصنافها نجد أن هذه الآيات ذكرت بعض النباتات بأسماء ثمارها؛ كالعنب والتين والزيتون والرمان، وذكرت نباتات أخرى بأسماء أشجارها مثل النخيل والزرع، وذكرت بعضها باسم نوعه فقط كالفاكهة والحبوب، وفي ذلك إشارة إلى التفاضل بين النبات، واعتماد الإنسان في غذائه على أنواع أكثر من أنواع أخرى؛ فغذاء الإنسان يعتمد أكثر على الحبوب والزروع، وهي أقوات للإنسان، أما أنواع الفاكهة فهي للتفکه أكثر مما هي قوت، فلا يعتمد عليها الإنسان في قوته. وقد خص القرآن الكريم بعض أصناف الفاكهة بالذکر دون بقية الأصناف، فخص العنب والتين والزيتون والرمان والنخيل، ولعل الحكمة من ذلك أن هذه الأنواع هي المعروفة والمشهورة أکثر لدى الناس في كل زمان ومكان، ثم إن هذه الأنواع هي التي كانت موجودة في أرض العرب وقت نزول القرآن، ثم إن هذه الأنواع فيها الكثير من الفوائد الغذائية والصحية -منها ما تم اكتشافه ومنها ما يحتاج إلى بحث-، www. modoee.com ٢٨٧ حرف النون وهي ثمار تؤكل على مدار السنة؛ طازجة فيزيدهم ذلك قربًا إلى ربهم عز وجل، ومزيدًا من شکره على فضله ونعمه. ومجففة. أما الحبوب والخضار فلم يرد في القرآن الكريم تفصيل أنواعها؛ إلا ما ورد في سياق قصة موسى عليه السلام مع قومه لما طلبوا منه أن يسأل ربه أن يخرج لهم مما تنبت الأرض. وذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَمُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُلْبِتُّ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِشَّابِهَا وَقُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾ [البقرة: ٦١]. ولعل الحكمة من عدم التفصيل في ذكر أصناف الحبوب والخضار أنهما يعدان قوتًا أساسيًا للإنسان، فالإنسان يتغذى عليها کأقوات ولیس للتفكه، و کأن حاجته إليها هي التي تدفعه إلى تناولها، وليس رغبة في التفكه كما الحال في أصناف الفاكهة والله أعلم(١). وهكذا يجد المتأمل في كتاب ربه أن حديث القرآن عن النبات جاء في سياق أمرين؛ إما للدلالة على عظمة الخالق المصور، أو لبيان فضل الله وكرمه على عباده، وفي كلا الأمرين مصلحة كبرى للعباد؛ إذ بهما يتوصلون إلى الإيمان العميق بعظمة ربهم، واستشعار عظيم نعمه عليهم، (١) انظر: النبات في ضوء القرآن الكريم والسنة، جواهر محمد ص٤٧١. ثانيًا: نبات الآخرة: تحدث عن نبات الآخرة وأشجارها، وقد ذكرت آيات كثيرة ما يتعلق ببعض أشجار الجنة. إنه من خلال استقراء آيات القرآن الكريم التي ذكرت النبات نجد أن جزءًا من هذه الآيات قد تحدث عن نبات الآخرة وأشجارها، وقد ذكرت آيات كثيرة بعض ما في الجنة من أشجار ظليلة مثمرة، وثمار دانية منضودة، وذكرت بعض الآيات شيئًا مما في نار جهنم من شجر الزقوم الذي فيه العذاب والغصة لأهل النار. وبتأمل الآيات التي تحدثت عن أشجار الجنة نجد أن الله عز وجل قد أخبر عن أوصافها وثمارها بما يشوق المؤمنين لها، ويرغبهم بالعمل الجاد لتحصيلها؛ ومن ذلك أنه سبحانه أخبر عن أشجار الجنة بأنها أشجار كثيفة ملتفة الأغصان، متنوعة الثمار، وإنما سميت الجنة بذلك لكثرة شجرها، وتشابك أغصانها(٢). (٢) قال الراغب: ((أصل الجن سترِ الشيء عن الحاسة، يقال: جنة الليل، وأجنه ستره .. والجنة كل بستان ذي شجر يستر بأشجاره الأرض .. وسميت الجنة إما تشبيها بالجنة في الأرض وإن كان بينهما بون، وإما لستره نعمها عنا)» المفردات، الراغب الأصفهاني ص٩٨. صَوَبُوالَهُ النَّقِينَ لِلْقُرآن الكَرِيمِ ٢٨٨ النبات وقد قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الْمُنَّقِينَفِ وفيها أصناف الفاكهة مما يشتهون، وفيها النعيم المقيم. جَنَّتٍ وَعُيُونٍ ﴾ [الحجر: ٤٥]. وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِى مَقَامٍ أَمِينٍ ٦ في جَنَّتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الدخان: ٥١-٥٢]. وقد أخبر الله عز وجل بأن أشجار الجنة شديدة الخضرة، كثيرة الري، فقال سبحانه: ﴿وَمِن دُونِهِمَا جَنََّانِ ﴿ فَأَتِّ ءَالَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٣ مُدْهَآَمَتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٢-٦٤]. ومعنى مدهامتان: شديدتا الخضرة، فهما خضراوان تضربان إلى السواد من شدة الري(١)، وإذا كان الشجر والنبات بهذه الصفة فهو في غاية الحسن والجمال. ولقد أخبر الله عز وجل عن نبات وأشجار الجنة بأنه حدائق وبساتين، تحتوي على جميع الأشجار والفاكهة والثمار. قال تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَغَازَا حَدَابِقَ وَأَعْنَبًا﴾ [النبأ: ٣١-٣٢]. قال ابن عاشور: ((والحدائق: جمع حديقة، وهي الجنة من النخيل، والأشجار ذوات الساق، المحوطة بحائط أو جدار أو حضائر، والأعناب: جمع عنب وهو اسم يطلق على شجرة الكرم ويطلق على ثمرها»(٢). لقد أخبر الله عز وجل عباده بأنه قد أعد للمتقين منهم جنات فيها الظلال والعيون، (١) انظر: تفسير السمر قندي ٣٦٧/٣. (٢) التحرير والتنوير ٤٤/٣٠. ﴿إِنَّالْمُنَّقِينَ فِي ظِلَلِ قال الله سبحانه: وَعُيُونٍ ، وَفَوَّكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ كُواْ وَأَشْرَبُواْ هَنِيِّئَأُ بِمَا كُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْرِى اْمُحْسِنِينَ﴾ [المرسلات: ٤١ -٤٤]. ومما أخبر الله عز وجل به أيضًا عن أشجار الجنة أن ظلها ممدودٌ عظيمٌ، لا ينحسر ولا ينقطع، ولا تنسخه الشمس (٣)، قال الله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا أَزْوَجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلَّا ظَلِيلًا﴾ [النساء: ٥٧]. وقال سبحانه: ﴿وَأَصْحَبُ اَلْيَمِينِ مَآ أَصْحَبُ اَلْيَمِينِ ٦ فيِ سِدْرٍ تَخْضُودٍ وَطَلْجُ مَّنضُورٍ وَظِلّ ◌َمَّدُونِنُ وَمَآءٍ مَسْكُوبٍ ﴿ وَفَكِهَةٍ كَثِيرَةْ ٦ لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٢٧ -٣٣]. ومعنى قوله: ﴿فسِدرِغَسُور﴾: الذي لا شوك فيه، الوافر الحمل الموقر (٤). ومعنى قوله: ﴿وَطَلْحٍ مَّنْضُورٍ﴾: الموز الذي نضد بعضه على بعض، وجمع بعضه إلى بعض، وهذا من خصائص ثمار أشجار الجنة كلها منضودة، بعضها فوق بعض، من أسفل الشجرة إلى أعلاها، لا يرى الساق من تراكب الثمر(٥) في غاية الحسن والبهاء. إن الثمار التي تنتجها أشجار الجنة ثمارٌ عظيمة، لا تنقطع، ولا تمنع، قال الله عز (٣) انظر: جامع البيان، الطبري ١١٤/٢٣. (٤) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ١٣٩/٨. (٥) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٢٠٦/٨. www. modoee.com ٢٨٩ حرف النون وجل: ﴿وَفَكِهَةٍ كَثِيرَةِ ◌َ لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا شجرةٌ تدعى طوبى، هي تطابق الفردوس)، مَمْتُوعَةٍ ﴾ [الواقعة: ٣٢ -٣٣]. فثمار الجنة وفاكهتها دائمة؛ لا تنقطع في حين دون حين، ولا تمنع بالحيطان والنواطیر، ولا تنقطع إذا جنیت ولا تمنع من أحد إذا أريدت؛ إنما هي مطلقة لمن أرادها، قريبة لمن اشتهاها (١). قال ابن كثير: «أي: لا تنقطع شتاءً ولا صيفًا؛ بل أكلها دائمٌ مستمرٌ أبدًا، مهما طلبوا وجدوا، لا يمتنع عليهم بقدرة الله شيء، وقال قتادة: لا يمنعهم من تناولها عودٌ ولا شوكٌ ولا بعدٌ) (٢). ولقد ورد فى السنة المطهرة أخبار كثيرة في وصف أشجار الجنة وثمارها وسيقانها، من ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما في الجنة شجرة إلا وساقها من ذهب)(٣). ومن ذلك حديث عتبة بن عبد السلمي أن أعرابيًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ... وفي الحديث: (فقال الأعرابي: يا رسول الله فيها فاكهة؟ قال: (نعم؛ وفيها (١) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ٨/ ١٤١. (٢) تفسير القرآن العظيم ١٣ / ٣٧٠. (٣) أخرجه الترمذي في سننه عن أبي هريرة رضي الله عنه، أبواب صفة الجنة، باب ما جاء في صفة شجر الجنة، رقم ٢٥٢٥، ٤ /٢٩٢. قال الترمذي: حديث حسن غريب. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، رقم ٣٧٣٢، ٣/ ٢٦٤. فقال: أي شجر أرضنا تشبه؟ قال: (ليس تشبه شيئًا من شجر أرضك؛ ولكن أتيت الشام؟) قال: لا يا رسول الله، قال: (فإنها تشبه شجرة بالشام تدعى الجوزة، تنبت علی ساق واحد، ثم ينتشر أعلاها)، قال: فما عظم أهلها؟ قال: (لو ارتحلت جذعة من إیل أهلك لما قطعتها حتى تنکسر تر قوتها هرمًا)، قال: فیها عنب؟ قال: (نعم)، قال: فما عظم العنقود منها؟ قال: (مسيرة شهر للغراب الأبقع لا یقع ولا ینثني ولا يفتر)، قال: فما عظم الحبة منه؟ قال: (هل ذبح أبوك تيسًا من غنمه عظيمًا فسلخ إهابه فأعطاه أمك فقال ادبغي هذا ثم افري لنا منه ذنوبا يروي ماشيتنا؟) قال: نعم، قال: فإن تلك الحبة تشبعني وأهل بيتي، فقال: النبي صلى الله عليه وسلم: (وعامة عشيرتك) (٤). وفي السنة أخبار كثيرة عن أشجار الجنة لا مجال لحصرها هنا. وفي القرآن الكريم ذكر شجرة من أشجار الجنة، وهي شجرة طوبى، ورد ذكرها في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُوا الصَِّحَتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَثَابٍ﴾ [الرعد: ٢٩]. (٤) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ١٧٦٧٩، ٤/ ١٨٣. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، رقم ٢٦٣/٣،٣٧٢٩. مَوَسُول القرآن الكريم ٢٩٠ النبات فقد ذكر المفسرون أن من معاني طوبى أنها شجرة في الجنة (١). قال ابن عطية: ((وقيل: طوبى اسم شجرة في الجنة، وبهذا تواترت الأحاديث، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (طوبى شجرة في الجنة، يسير الراكب المجد في ظلها مائة عام لا يقطعها اقرؤوا إن شئتم : ﴿وَظِلِ تَمْدُورٍ﴾))(٢). ومن أشجار الجنة أيضًا سدرة المنتهى، والتي ورد ذكرها في كتاب الله عز وجل في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنَغَىِ عِندَهَا جَنَّةُ الْأْوَى﴾ [النجم: ١٣ - ١٥]. وهي شجرة عظيمة، أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن بعض أخبارها في حديث الإسراء فقال: (ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى؛ وإذا ورقها كآذان الفيلة، وإذا ثمرها كالقلال)(٣). (١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٦ / ٤٣٤ - ٤٤٤. (٢) المحرر الوجيز ٣١٢/٣. والحديث أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها، باب إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة، ٢١٧٥/٤، رقم ٢٨٢٦، بلفظ: إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة، كتاب الجنة وصفة نعيمها، باب إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها. (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السموات وفرض الصلوات، رقم ٣٢٩، ١/ ٩٩. قال ابن الجوزي: ((قال المفسرون وإنما سمیت سدرة المنتهى: لأنه إليها منتھی ما يصعد به من الأرض فيقبض منها وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها فيقبض منها وإليها ينتهي علم جميع الملائكة))(٤). وكما أن القرآن الكريم ذكر بعض أشجار الجنة وثمارها، فقد ذكر أيضًا بعض أشجار النار، وهي شجرة الزقوم، والتي جعلها الله عز وجل لونًا من ألوان العذاب لأهل النار. وقد أخبر الله عز وجل عن بعض أوصافها، فقال سبحانه: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ إِنَّا جَعَلْنَهَا فِتْنَةٌ لِلْظَّالِمِينَ إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَّخْرُجُ فِىَ أَصْلِ الْجَحِيمِ ( ٦٤ طَلْعُهَا كَنَّهُ, رُءُوسُ الشَّيَطِينِ ، فَإِنَّهُمْ لَكُونَ مِنْهَا فَمَالِقُونَ مِنْهَا الْبُعُونَ ، ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًّا مِنْ حَمِيمٍ ، ثُمَّإِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٢-٦٨]. وفي موضع آخر من الكتاب العزيز قال سبحانه: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُومِ طَعَامُ الْأَثِيمِ ن كَالْمُهْلِ يَغْلِىِ فِ اَلْبُعُونِ كَعَلِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان: ٤٣-٤٦]. إنها لشجرة شنيعة المنظر، فظيعة المظهر، مرة المذاق، وهي شجرة خلقها الله في نار جهنم، وسماها الشجرة الملعونة، فإذا جاع أهل النار التجؤوا إليها فأكلوا منها، فغلت في بطونهم کما یغلي المهل، وهو النحاس (٤) زاد المسير ٦٩/٨. www. modoee.com ٢٩١ حرفالنون المذاب (١). وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن شدة مرارة تلك الشجرة فقال: (ولو أن قطرةً من الزقوم قطرت؛ لأمرت على أهل الأرض عيشهم؛ فكيف من ليس لهم طعام إلا الزقوم؟!)(٢). (١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٤٩/١٦. (٢) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ٢٧٣٥، ٣٠٠/١. وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة، رقم ٠٦٣٣/١٤،٦٧٨٢ النباتات والأمثال لقد استعمل القرآن الكريم أساليب عدة للتأثير على النفس البشرية؛ من أجل هدايتها وتزكيتها، ومن أعظم هذه الأساليب أسلوب ضرب المثل، وهذا الأسلوب كثيرٌ في القرآن الكريم، استعمله القرآن للكشف عن الحقائق، وإبراز المعاني في ثوب جميل، يجذب الأذهان، ويؤثر في السامع، فيحضه على الخير، وينفره من الإثم والشر، ويدفعه إلى فعل الفضائل. وللمثل مدلولات كثيرة في اللغة العربية، وقد وضع العلماء له تعريفات عديدة؛ كتعريف الراغب إذ يقول: ((والمثل عبارة عن قول في شيءٍ يشبه قولًا في شيءٍ آخر، بينهما مشابهة؛ ليبين أحدهما الآخر ويصوره، نحو قولهم: الصيف ضيعت اللبن، فإن هذا القول يشبه قولك: أهملت وقت الإمكان أمرك، وعلى هذا الوجه ما ضرب الله تعالى من الأمثال)) (٣). وقال ابن القيم: ((وقع في القرآن أمثالٌ، وإن أمثال القرآن لا يعقلها إلا العالمون، وأنها شبيه شيءٍ بشيءٍ في حكمه، وتقريب المعقول من المحسوس، أو أحد المحسوسين من الآخر)) (٤). ويمكن تعريف المثل بأنه: أسلوب من (٣) المفردات ص٤٦٢. (٤) الأمثال في القرآن ص٩. ٢٩٢ القرآن الكريمِ النبات أساليب الخطاب، يقوم على إبراز المعنى والكمال، فقال تعالى: ﴿أَلَمَّ تَرَكَيْفَ ضَرَبَ اَللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ كَشَجَرَقِ طَتِبَةٍ أَصْلُهَا المعقول في صورةٍ حسيةٍ تزيده وضوحًا وجمالًا. ثَابِتُ وَفَعُهَا فِى السَّمَآِ تُوْقٍ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَأُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [إبراهيم: ٢٤ -٢٥]. وإذا ما تأمل المرء ما في القرآن الكريم من أمثال وجد أن النبات له نصيبٌ کبیرٌ من ضرب المثل به، فكثيرة هي الأمثال القرآنية التي يكون فيها الممثل به هو النبات أو الشجر؛ كضرب مثل كلمة التوحيد بالشجرة الطيبة، وضرب مثل مضاعفة أجر الإنفاق في سبيل الله عز وجل بالسنبلة التي أنبتت سبع سنابل، وضرب مثل الحياة الدنيا بالزرع الهائج الذي سرعان ما يصير حطامًا، وغير ذلك من الأمثال التي كان فيها النبات هو المضروب به. وفي النقاط الآتية بيان بعض الأمثال القرآنية التي کان النبات فيها هو الممثل به. أولًا: كلمة التوحيد: إن كلمة التوحيد هي أصل الإيمان، وبها يخرج العبد من الكفر إلى الإيمان، ولأجلها أرسل الله عز وجل الرسل والأنبياء، وهي مفتاح الجنة، والمنجية من النار، ولقد ضرب الله عز وجل مثلًا عظيمًا لكلمة التوحيد (لا إله إلا الله)؛ وذلك لبيان أهميتها وفضلها وشرفها، ولبيان منافعها على الموحدين، ضرب سبحانه لها مثلًا بالشجرة الطيبة المباركة، التي جمعت أوصاف الحسن لقد أخبر الله سبحانه أن مثل كلمة التوحيد كمثل تلك الشجرة الطيبة؛ في كمال صفاتها، وعظيم نفعها، وقد ذكر سبحانه لتلك الشجرة المضروب بها المثل صفات أربع، هن أعظم صفات يجتمعن في شجرة من الشجر: فالصفة الأولى: كونها طيبة؛ طيبة المنظر والصورة، وطيبة الرائحة، وطيبة الثمرة، وطيبة المنفعة. والصفة الثانية: أصلها ثابتٌ راسخٌ باقٍ، آمنٌّ من الانقلاع والزوال. والصفة الثالثة: أن فرعها في السماء، وهذا من كمال حالها؛ إذ إن ارتفاع الأغصان وقوتها يدل على ثبات الأصل ورسوخ العروق، وكلما كانت الفروع متصاعدةً مرتفعةً كانت بعيدة عن عفن الأرض، فكانت ثمراتها نقية ظاهرة طيبة عن جميع الشوائب. والصفة الرابعة: أنها تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، فثمرها حاضرٌ دائمٌ في كل الأوقات، ليست كغيرها من الأشجار التي يكون ثمرها حاضرًا في بعض الأوقات، www. modoee.com ٢٩٣ حرفالنون مقطوعًا في بعضها الآخر (١). هذه الشجرة الطيبة العظيمة هي التي ضرب الله عز وجل بها المثل لكلمة التوحيد، ووجه الشبه بين كلمة التوحيد وتلك الشجرة الطيبة إن كلمة التوحيد كلمة طيبة، أصلها ثابت في قلب المؤمن، لا تتزعزع، ولا يشوبها شك ولا ريب، فهي كالشجرة ذات الأصول القوية الثابتة في الأرض، لا تزعزعها الرياح أو السيول، ثم كلمة التوحيد لها فروعها من الكلم الطيب، والعمل الصالح، والأخلاق المرضية، والآداب الحسنة، تصعد إلى الله عز وجل في السماء دائمًا، كفروع الشجرة العظيمة الممتدة في السماء، وكلمة التوحيد تثمر دائمًا وبدون انقطاع الطيبات من الأقوال والأعمال الصالحات، كثمار الشجرة الطيبة التي لا تنقطع (٢). قال ابن القيم: ((شبه سبحانه الكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة؛ لأن الكلمة الطيبة تثمر العمل الصالح، والشجرة الطيبة تثمر الثمر النافع، وهذا ظاهر على قول جمهور المفسرين الذين يقولون: الكلمة الطيبة هي شهادة أن لا إله إلا الله؛ فإنها تثمر جميع الأعمال الصالحة؛ الظاهرة والباطنة؛ فكل عمل صالح مرضي لله عز وجل فهو ثمرة (١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١٩/ ٩٣. (٢) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٤ / ٣٤٦، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٤٢٥. هذا الكلمة)»(٣). فهذه كلمة التوحيد والإيمان؛ من آمن بها كانت له كالشجرة الطيبة المثمرة، ومن حرم منها حرم الخير كله، وهذا المثل القرآني العظيم يبين أعظم بيان عظمة تلك الكلمة، ويصورها بأحسن صورة، وأجمل هيئة؛ ليقرب المعنى إلى الأذهان، وليغرس في القلوب الإيمان. ثانيًا: الإنفاق في سبيل الله: إن النفس البشرية مفطورةٌ على حب المال، وحب کنزه والاحتفاظ به؛ فهو عزيز عليها، لا تستطيع أن تتخلى عنه أو تنفقه بسهولة، لذا فقد جعل الله عز وجل إنفاق المال في سبيله من أعظم الطاعات، ومن أجل القربات، ينال به العبد ثواب الله عز وجل ورضوانه، ولبيان فضل إنفاق المال في سبيل الله عز وجل ولتوضيح عظم ربح المنفقين عند ربهم عز وجل، ضرب الله سبحانه لعباده مثلًا عظيمًا للمنفقين في سبيله، فقال سبحانه: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَاِلَ فِي كُلِّ سُتْلَةٍ مِّأْئَةُ حَّةٍ وَاللّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَآءُ وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١]. والمقصود بالإنفاق في سبيل الله عز وجل في الآية - حسب أقوال المفسرين-؛ (٣) الأمثال في القرآن ص٣٥. جَوَسُولَةُ النَّقِينَ القرآن الكريمِ ٢٩٤