النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقُرآن الكَرِيْمِ البَّاتْ عناصر الموضوع مفهوم النبات ٢٥٦ النبات في الاستعمال القرآني ٢٥٧ الألفاظ ذات الصلة ٢٥٨ ٢٦٠ النبات ومظاهر القدرة الإلهية ٢٧٤ النبات ومظاهر النعمة على البشر ٢٨٣ نبات الدنيا والآخرة ٢٩٢ النباتات والأمثال ٢٩٩ لمسات إعجازية في النبات المُجَلَدَ الثَّانِى وَالثَّلاثُنْ حرفالنون مفهوم النبات أولًا: المعنى اللغوي: قال ابن فارس: ((النون والباء والتاء أصلٌ واحدٌ يدل على نماء في مزروع، ثم يستعار، فالنبت معروف، يقال: نبت، وأنبتت الأرض، ونبت الشجر: غرسته، ويقال: إن في بني فلان لنابتة شر، ونبتت لبني فلان نابتة، إذا نشأ لهم نشء صغار من الولد)) (١). وقال ابن منظور: ((النبت والنبات كل ما أنبت الله في الأرض فهو نبتٌ، والنبات فعله، ويجري مجرى اسمه، يقال: أنبت الله النبات إنباتًا، ونحو ذلك قال الفراء: إن النبات اسم يقوم مقام المصدر)) (٢). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: لا يختلف المعنى الاصطلاحي للنبات عن معناه اللغوي؛ إذ النبات في الاصطلاح يطلق على ما يخرج من الأرض على صفة النمو، وهو ذات المعنى اللغوي الذي سبق ذكره. يقول الراغب الاصفهاني: ((والنبات: ما يخرج من الأرض من الناميات؛ سواء كان له ساق کالشجر، أو لم یکن له ساق کالنجم، لکن اختص في التعارف بما لا ساق له؛ بل قد اختص عند العامة بما يأكله الحيوان، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿لِسُخْرِجَ ◌ِحَبًّا وَبَاتًا﴾ [النبأ: ١٥]»(٣). وقيل: ((الحي النامي لا يملك فراق منشئه ويعيش بجذور ممتدة في الأرض أو في الماء وما أخرجته الأرض من شجر ونحوه، وأنبتت الأرض، أي: أخرجت النبات، والبقل نشأ وربا، ويقال: أنبت الله البقل، أخرجه من الأرض فهو منبوت))(٤). وهكذا يتبين لنا مما تقدم أن النبات هو: كل نامٍ وكل ما نبت من الأرض، كما يتبين لنا أنه لا فرق بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي للنبات. (١) مقاييس اللغة ٣٧٨/٥. (٢) لسان العرب ٦/ ٤٣١٧. (٣) المفردات في غريب القران ص ٧٨٧. (٤) المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ٢/ ٨٩٢. مُوسُو ◌َةُ النَّفِيَّة القرآن الكريم ٢٥٦ النبات النبات في الاستعمال القرآني وردت مادة (نبت) في القرآن الكريم (٢٦) مرة (١). والصيغ التي وردت، هي: الصيغة عدد المرات المثال فعل ماضي ١٢ ﴿وَأَنْبَتَهَا نَبَانًا حَسَنًا﴾ [آل عمران: ٣٧] ﴿وَشَجَرَةٌ تَخْرُجُ مِن طُورٍ سَيْنَاءَ تَثْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ فعل مضارع [المؤمنون: ٢٠] اسم مصدر ٩ ﴿وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَآِ مَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ، أَزْوَجًا مِّن نَّبَاتٍ شَفَّ ﴾ [طه: ٥٣] وجاء النبات في القرآن على أربعة أوجه (٢): أحدها: النبات بعينه: ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنْزَلْتَهُ مِنَ السَّمَاءِ فَأَخْتَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَمُ﴾ [ يونس: ٢٤]. الثاني: الإخراج: ومنه قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَثْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ [البقرة: ٢٦١]. أي: أخرجت. الثالث: الخلق: ومنه قوله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ أَنْبَّكُمْ مِنَ اْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: ١٧]. أي: خلقكم خلقًا. الرابع: التربية: ومنه قوله تعالى عن مريم عليها السلام: ﴿وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا ﴾ [آل عمران: ٣٧]. قال قتادة: لا تصيب الذنوب. (١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٤٩٢. (٢) انظر: نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي، ص ٥٨١ - ٥٨٢. www. modoee.com ٢٥٧ حرفالنون الألفاظ ذات الصلة ١ الزرع: الزرع لغةً: من الفعل زرع، بمعنى: طرح البذر في الأرض، يقال: يزرعه زرعًا وزراعةً: بذره، والاسم الزرع، وجمعه زروع، والزرع: الإنبات، يقال: زرعه الله أي: أنبته(١). الزرع اصطلاحًا: نفس المعنى اللغوي؛ إذ الزرع في الاصطلاح يعني: الإنبات، قال الراغب: ((الزرع الإنبات، وحقيقة ذلك تكون بالأمور الإلهية دون البشرية، قال: عز وجل ﴿ءَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ وَ أَمْ فَحْنُ الزَّرِعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٤]. فنسب الحرث إليهم، ونفى عنهم الزرع، ونسبه إلى نفسه، وإذا نسب إلى العبد فلكونه فاعلا للأسباب التي هي سبب الزرع، كما تقول أنبت كذا إذا كنت من أسباب نباته، والزرع في الأصل مصدر، وعبر به عن المزروع، ويقال: زرع الله ولدك، تشبيهًا، كما تقول: أنبته الله)) (٢). الصلة بين الزرع والنبات: من خلال التأمل في المعاني السابقة يظهر أن النبات عام يشمل ما له ساق وما ليس له ساق، ويشمل ما يأكله الإنسان، وما يأكله الحيوان، أما الزرع فهو خلاف الأشجار، وهو أيضا موسمي فله مواسم يزرع فيها، وأخرى يحصد فيها. الحرث: ٢ الحرث لغةً: مصدر حرث، بمعنى: عمل في الأرض، وشقها، وأثارها، وأعدها للزراعة (٣)، قال ابن منظور: ((العمل في الأرض زرعًا كان أو غرسًا، وقد يكون الحرث نفس الزرع)) (٤). الحرث اصطلاحًا: لا يختلف عن المعنى اللغوي؛ إذ هو: ((إلقاء البذر في الأرض، وتهيؤها للزرع، ويسمى (١) انظر: لسان العرب، ابن منظور ١٨٢٦/٣. (٢) المفردات ص ٢١٢. (٣) انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ١/ ١٦٤. (٤) لسان العرب ٨١٩/٢. ٢٥٨ جوبيـ القرآن الكريم النبات المحروث حرئًا)»(١). الصلة بين الحرث والنبات: من خلال ما سبق يتبين أن الحرث هو ما يقوم به الزارع في الأرض من عملٍ لإنبات النبات والحبوب والأشجار، ويطلق على ما يخرج من تلك الأرض التي حرثت، فالحرث عمل المزارع، أما الإنبات فهو بأمر الله عز وجل، فقد يحرث المزارع أرضه ولا تنب، والحرث بذلك أخص من النبات، ولفظ النبات أعم منه، إذ النبات يشمل الحرث، ويشمل غيره مم ینبته الله عز وجل. الشجر: ٣ الشجر لغة: جمع شجرة، وهي في اللغة ما كان على ساق من نبات الأرض، قال ابن فارس: ((الشين والجيم والراء أصلان متداخلان، يقرب بعضهما من بعض، ولا يخلو معناهما من تداخل الشيء بعضه في بعض، ومن علوٍ في شيءٍ وارتفاع؛ فالشجر معروفٌ، الواحدة شجرة، وهي لا تخلو من ارتفاع وتداخل أغصان، ووادٍ شجر: كثير الشجر، ويقال: هذه الأرض أشجر من غيرها، أي: أكثر شَجرًا. والشجر: كل نبتٍ له ساقٌ)) (٢). الشجر اصطلاحًا: لا يختلف عن المعنى اللغوي؛ ((الشجر من النبات ما له ساق)»(٣). وذكر الرازي رحمه الله أن: ((الشجرة لا تستحق أن تسمى شجرة إلا بثلاثة أشياء: عرقٌ راسخٌ، وأصلٌ قائمٌ، وأغصانٌ عاليةٌ)) (٤). الصلة بين الشجر والنبات: يظهر من التعريفات السابقة لكل من الشجر والنبات أن الشجر ما هو إلا نوعٌ من أنواع النبات، يتميز بأن له ساقا؛ وبذلك فالنبات أعم من الشجر، فهو يشمله ويشمل غيره من النباتات التي لا سيقان لها. (١) المفردات في غريب القرآن، الراغب الأصفهاني ص ١١٢. (٢) مقاييس اللغة ٢٤٦/٣. (٣) المفردات، الراغب الأصفهاني ص٢٥٦. (٤) مفاتيح الغيب ١/ ٩٣. www. modoee.com ٢٥٩ حرف النون النبات ومظاهر القدرة الإلهية إن لله عز وجل في خلقه آیاتٍ بیناتٍ تدل على وجوده، وتشهد بربوبيته، وتنطق بوحدانيته، وتقر بصمديته؛ فمن تأمل في الكون من حوله، وأدار بصره في خلق ربه عز وجل، وأطلق فكره في كل ما رأت عيناه من صنع الله تعالى علم علم اليقين أن لهذا الكون موجدًا، وأن لهذا الخلق صانعًا حكيمًا؛ فهذه السموات المرفوعة، وهذه الأرض الممدودة، وتلك الجبال الرواسي، وتلك الأنهار الجواري، والسحاب المسخر بين السماء والأرض، ونزول الماء من السماء، وإحياء الأرض بعد موتها، واختلاف الأشجار والزروع والثمار، ونبات كل شيء، وفي كل ما خلق الله عز وجل دلالات بينة، وبراهين واضحة على أنه سبحانه الخالق الحكيم، والمدبر الخبير؛ ففي كل شيء له آية تدل على أنه الخالق الواحد الأحد، الذي لم يلد ولم یلد، ولم یکن له کفوًا أحد. وكثيرًا ما يلفت الخالق الحكيم سبحانه أنظار عباده للتفكر في خلقه، ويدعوهم للتأمل في بديع صنعه، و کتاب الله عز وجل زاخر بالآيات التي تدعو العباد لذلك. فمن ذلك قول الله عز وجل: ﴿إنَّفِي خَلْقِ الشَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْقُلْكِ الَّتِى تَجْرِى فِ الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَآَ أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّآءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مّوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَجِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَآءِ وَالْأَرْضِ لَيَتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤]. وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ لَيَتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ ، وَفِي خَلْفِكُمْ وَمَا يَبْثُ مِن كَبَّةٍ مَايَتٌّ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴿ وَأَخْلَفِ اَلَيْلِ وَالنَّارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَلْ مِن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرَّجِ ءَايَتُ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الجاثية: ٣-٥]. و کم من آية في كتاب الله عز وجل ذكر فيها الخالق سبحانه عباده بما يستوجب عليهم شكره وعبادته، وحثهم على التفكر في أنفسهم، والتأمل في الكون من حولهم، وأمرهم بما يجب عليهم لربهم العظيم من العبادة والطاعة؛ فهو سبحانه الذي خلقهم، وخلق من قبلهم، وخلق الكون وجعل فيه الآيات والعبر. يَأَيُهَا النَّاسُ أَعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِّرَّشًا وَالسَّمَآءَ بِنَآءُ وَأَنْزَلَ مِن ◌َنَّ السَّمَلِ مَآءُ فَأَخَْبِهِ، مِنَ الثَّمَرَتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلَا [البقرة : تَجْعَلُواْ لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ٢١ -٢٢]. ويجد المتأمل في كتاب الله عز وجل أن الله سبحانه قد أنكر على الكافرين تغافلهم عن آيات الله عز وجل فيما حولهم من الکون، وأنکر علیھم عدم انتفاعهم بما ٢٦٠ جوبي القرآن الكريمِ النبات فيها من دلائل وبراهين، قال عز وجل: النبات من أرضٍ هامدةٍ ميتةٍ، لا حياة فيها، ينزل عليها الماء من السماء؛ فتهتز وتربوا، ﴿وَكَأَيْنِ مِنْ ءَايَةٍ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ﴾ [يوسف: ١٠٥]. ويخرج سبحانه منها أصناف النبات وأنواع الأشجار، قال الله عز وجل منبهًا العباد لتلك الآية من آياته: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيَّهَا الْمَآءَ أَهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْعِ بَهِيج ٥ ذَلِكَ بِأَنَّاللَّهَ هُوَ اَلُّْ وَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْقَ وَأَنَّهُ, عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحج: ٥-٦]. وإن من عظيم آيات الله عز وجل في خلقه ذلك النبات العظيم الأصناف، الجميل البهيج؛ يخرجه الله عز وجل من الأرض الميتة بعد إنزال الماء عليها؛ فتصبح الأرض به مخضرة، ذات حسن وجمال، هذا النبات الذي جعل الله عز وجل فيه طعامًا للإنسان والحيوان، فيه الغذاء والدواء، وفيه منافع شتى للعباد، لا ينظر إليه عاقلٌ إلا ويجذب نظره، ويشد وعيه، ويأسر عقله، ويملأ حسه وشعوره، فينطق القلب قبل اللسان: سبحان من أخرجه فسواه، وسبحان من أنبته ونماه، وسبحان من جعله ألوانًا لا تعد، وأصنافًا لا تحصی، وسبحان من جعل فیه آیات لمن اعتبر، وذکری لمن کان له بصر. وفي المطالب الآتية -بإذن الله تعالى- بعض الوقفات مع النبات، وما فيه من دلالات القدرة، وبراهين العظمة، وعظيم الصنعة، التي تدل على عظيم الخالق المبدع المصور. أولًا: الماء والإنبات: إن من عظيم آيات الله عز وجل فيما خلق من النبات أنه سبحانه ينبت ذلك فليتأمل العباد، وليتفكر العقلاء في تلك الآية العظيمة من آيات الله عز وجل؛ الأرض اليابسة القاحلة التي لا نبات فيها نزل عليها الماء بأمر الله سبحانه فتحركت واهتزت، وانتفخت وارتفعت، وأنبتت من أصناف الزروع والثمار، مختلفة الأشكال والألوان، متعددة الطعوم والروائح، حسنة المنظر، طيبة الريح، عظيمة النفع للعباد(١). ونظير هذه الآية من کتاب الله عز وجل قوله سبحانه: ﴿وَمِنْ ءَايَئِهِ= أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَشِعَةً فَإِذَا أَنْنَا عَلَيَّهَا الْمَآءَ أَهْتَزَّتْ وَرَبَتَّ إِنَّ الَّذِىّ أَحْيَاهَا لَمُحْىِ الْمَوْقَ إِنَّهُ، عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت: ٣٩]. فإنبات النبات آية من آيات الله العديدة، الدالة على وجوده وقدرته، الشاهدة على علمه وحكمته، والموجبة للإيمان به وتوحيده وعبادته، تنطق بأن خالقها عليمٌ (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٧/١٠. www. modoee.com ٢٦١ حرف النون حكيمٌ، وأنه لا يعجزه شيء، وهو على كل على الأرض، والإخراج به من بطنها أشباه شيء قدير (١). إنها لآيات عظيمة باهرة، لا يقدر عليها إلا الله تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِى أَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءُ فَخَجْنَا بِهِ، نَبَاتَ كُلِّ شَىْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا تُخْرِجُ مِنْهُ حَبَّا مُتَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْمِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَاُلَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَبِةٍ أَنْظُرُورًا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَ يَنْعِدَّ: إِنَّ فِ ذَلِكُمْ لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٩٩]. إنه سبحانه ينزل الماء من السماء، فيخرج به من الأرض الميتة أصناف الزروع والثمار، معاشًا للخلق، ينبت سبحانه الزرع فيخرج الحب بعضه راكبًا فوق بعض، ويخرج سبحانه النخل ذات العذوق والثمار الدانية المتدلية، ويخرج سبحانه جنات الأعناب والزيتون والرمان، كلها متشابهة في الأوراق وفي منظر الثمر، وغير متشابهة في الطعم والرائحة، فانظروا أيها العباد في ذلك الثمر حین یثمر، وانظروا وتفكروا فيه حين يطيب وينضج، لتعلموا أن له خالقًا قدیرًا، وصانعًا حكيمًا (٢). قال الرازي رحمه الله: «واعلم أنه تعالی لما ذكر الأرض والسماء، بين ما بينهما من شبه عقد النكاح؛ بإنزال الماء من السماء (١) انظر: أيسر التفاسير، الجزائري ٤ / ٥٨٠. (٢) انظر: تفسير السمر قندي ٤٨٩/١، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤٠٣/٧. النسل الحاصل من الحيوان، ومن أنواع الثمار، رزقًا لبني آدم؛ ليتفكروا في أنفسهم، وفي أحوال ما فوقهم وما تحتهم، ويعرفوا أن شيئًا من هذه الأشياء لا يقدر على تكوينها وتخليقها إلا من كان مخالفًا لها في الذات والصفات، وذلك هو الصانع الحكيم تعالی» (٣). إن الله تعالى وحده من خلق السماوات والأرض، وهو سبحانه وحده من ينزل الغيث للعباد، وينبت النبات والشجر، ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَاْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَكْوِمَآءُ فَأَنْجَتْنَا بِهِ حَدَابِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْأَنْ تُنْبِتُواْ شَجَرَهَاْ أَوِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلّ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل: ٦٠]. وإن هذه لحقيقة لا یمکن للعباد إنکارها، وإنها لآيات لا يمكن لعاقل أن يغفل عنها، يراها العباد مرارًا وتكرارًا، لا تغيب عن أعينهم، ولا تبعد عن نواظرهم، يقر بها الكبير والصغير، والعالم والجاهل، ولا يجرؤ أحد على نسبة تلك الآيات لنفسه، فالجمیع یقر بأنه لا ينزل الغیث إلا الله، ولا يحيي الأرض سواه، ولو أنه سبحانه أمسك المطر عن العباد فمن ينزله؟ ولو أنه سبحانه لم يحيي الأرض فمن غيره يحييها؟ ولو أن سبحانه لم ینبت النبات فمن ینبته؟ قال (٣) مفاتيح الغيب ٣١٩/٣. ٢٦٢ فَضْو جَوَسُورَةُ التَّقِين الْقُرْآن الكَرِيمِ النبات الله عز وجل: ﴿أَفْرَهَيْتُم مَّا تَخْرُونَ(٣) ،آَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ: أَمّ ◌َحْنُ الزَّرِعُونَ ) لَوْ نَشَآءٍ لَجَعَلْنَهُ حُطَمًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ إِنَّا لَمُغْرَمُونَ ) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٧) أَفَرَءَ يْتُمُ اَلْمَآءَ الَّذِى تَشْرَبُونَ ) ءَ أَنْتُمْ أَنْزَ لْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِأَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ ) لَوْنَشَآءُ جَعَلْنَهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣ - ٧٠]. وفي ذات السياق يقول الله عز وجل لافتًا أنظار العباد إلی عظیم صنعه وبديع خلقه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ فَسَلَكَهُ. يَنَبِيعَ فِىِ الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ، زَرْعًا تُخْتَلِفَا أَلْوَنُ. ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَمَاً إِنَّ فِ ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُوْلِ الْأَلْبَبِ ﴾ [الزمر: ٢١]. فالماء ینزله الله من السماء، فإذا به ينابيع وعيون وأنهار تسير هنا وهناك، وتسيل في مسالکھا متنقلة من مکان إلی مکان، ثم إذا بهذا الماء تحيى به الأرض بعد همودها، وإذا بها تهتز بالنبات الناضر البهيج المختلف الألوان والأصناف والأشكال، ثم إذا بهذا الزرع يبلغ غايته المقدرة له، فینضج للحصاد، ثم یتم جفافه فيصفر، فیغدو بعد ذلك حطامًا كأنه لم يكن زينة بالأمس؛ ولا بد أن لذلك کله صانع حكيم، ومدبر عليم(١). إن النبات تبدأ حياته في الغالب بذرة أو نواة؛ توضع في الأرض، وتسقى بالماء؛ (١) انظر: الكشاف، الزمخشري ٢٩٨/٥. فتنفلق وتنبت، فمن الذي يفلقها ويشقها؟ ومن الذي يخرجها وينبتها؟ ومن الذي يرعاها ويحفظها؟ يجيب القرآن الكريم عن ذلك بقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ لٌلْخَبِّ وَالنَّوَىّ يُخْرِجُ أْنَّ مِنَ الْمَيْتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيَّ ذَلِكُمُ اللّهُ فَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [الأنعام: ٩٥]. إنه الله اللطيف الخبير، يشق الحبة اليابسة، ويخرج منها النبتة الرطبة الخضراء اليانعة، ويخرج من النبتة الخضراء اليانعة الحبة اليابسة، والنواة الميتة، وهذا من عجيب صنعه، وبدیع خلقه تعالى (٢). إن العبد إذا أطلق نظره، وأرسل فكره في ذلك النبات العجيب ازداد إيمانه، وعظمت معرفته بربه، وشعر عظم فضل الله عز وجل على خلقه؛ إذ الخالق الحكيم الرحيم لم ينبت للخلائق صنفًا واحدًا من النبات، ولم يجعل الخارج من الأرض منه على صورة واحدة، ولا على لون أو طعم واحد؛ بل جعل سبحانه النبات أصنافًا، وجعل البساتين والجنات، وأنواع الزروع والأشجار والثمار. قال سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِىّ أَنشَأَ جَنَّتٍ مَّعْرُوشَتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّعَ مُخَْلِمَا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ (٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٤٤/٧. www. modoee.com ٢٦٣ حرف النون مُتَشَبِهَا وَغَيْرَ مُتَشَيِةٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ: إِذَا أَقْمَرَ وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِهُ وَلَا تُشَرِفُواْ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١]. والمراد بالجنات المعروشات في الآية: ما انبسط من النبات على وجه الأرض وانتشر مما يعرش؛ كالعنب والقرع والبطيخ، وغير المعروشات: ما قام على ساق كالنخل والزرع وسائر الأشجار، وقيل: إن المعروشات ما أنبته الناس، وغیر المعروشات ما خرج في البراري والجبال من الثمار (١). قال القرطبي: ((وفي هذه إشارة إلى الآية السابقة الذكر أدلة ثلاثة؛ أحدها: قيام الدليل على أن المتغيرات لا بد لها من مغير، والثاني: التنبيه على المنة منه سبحانه علينا؛ فلو شاء إذ خلقنا ألا يخلق لنا غذاءً، وإذ خلقه ألا يكون جميل المنظر، طيب الطعم، وإذ خلقه كذلك ألا يكون سهل الجني؛ فلم يكن عليه أن يفعل ذلك ابتداءً؛ لأنه سبحانه لا يجب عليه شيء، والثالث: التنبيه على القدرة في أن يكون الماء الذي من شأنه الرسوب يصعد بقدرة الله الواحد علام الغيوب من أسافل الشجرة إلى أعاليها، حتى إذا انتهى إلى آخرها نشأ فيها أوراق ليست من جنسها، وثمر خارج من صفته الجرم الوافر، واللون الزاهر، والجني الجديد، والطعم اللذيذ؛ فأين الطبائع وأجناسها؟ وأين الفلاسفة وأناسها؟ هل في قدرة الطبيعة أن تتقن هذا الإتقان؟ أو ترتب هذا الترتیب العجيب؟! كلا! لا يتم ذلك في العقول إلا لحىٍ عالمٍ قديرٍ مريدٍ، فسبحان من له في كل شيءٍ آية ونهاية)) (٢). فما أعظم الخالق الحكيم، خلق فسوى، وقدر فهدى، وأخرج المرعى، فمن يخلق كخلقه؟! ومن يقدر على فعله؟! ومن له ملك كملكه؟! ﴿خَلَقَ السَّمَوَتِ بِغَيْرٍ عَمَدٍ تَرَوَّنَهَا وَأَلْقَى فِ الْأَرْضِ رَوَسِىَ أَنْ تَمِيدَبِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَكٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءَ فَأَنْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجِ كَرِيمٍ ﴾ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ،ّ يَلِ الظَّالِمُونَ فِ ضَلَلِ تُبِينٍ ﴾ [لقمان: ١٠ - ١١]. ثانيًا: سقي النبات والزرع بماء واحد: إنه من عجيب قدرة الله عز وجل في النبات والأشجار وما يخرج منها من الثمار أن الله تعالى يخرج من الأرض الواحدة، والتربة الواحدة، والتي تسقى بماء واحد، يخرج منها سبحانه أصناف الزروع والثمار، وألوان الفاكهة والطعام، فلينظر الإنسان وليتأمل فيما يخرج من قطع الأرض المتجاورة، لیری زروعًا مختلفةً، وزهورًا (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٥٣/٥، زاد المسير، ابن الجوزي ١٣٤/٣. مَوَسُولَةُ النفسي القرآن الكريم (٢) الجامع لأحكام القرآن ٧/ ٩٩. ٢٦٤ النبات يانعةً، وفاكهةً كثيرةً متنوعةً، وثمارًا عديدة، ولكل صنف منها طعمٌ مختلفٌ، ولونٌ متباینٌ، وحجمٌ متفاوتٌ، ولکل صنف منها خصائصه ومنافعه وفوائده، فسبحان من أبدعها، وسبحان من يرعاها، وسبحان من نوعها. وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿ وَفِيالأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَوِرَتٌ وَجَنَّتٌ مِّنْ أَعْنَبٍ وَزَرْعٌ وَغِيِلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَآٍَ وَحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَتِ لِّقَوْمِ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٤](١) . إن هذه الآية الكريمة تلفت أنظار العباد إلى الأرض التي يعيشون عليها؛ فإن فيها ﴿قِطَعٌ مُتَجَوِّرَتٌ﴾ أي: أراضٍ يجاور بعضها بعضًا، مع أن هذه طيبة تنبت ما ينفع الناس، وهذه سبخة مالحة، لا تنبت شيئًا، ويدخل في هذه الآية اختلاف ألوان بقاع الأرض؛ فهذه تربة حمراء، وهذه بيضاء، وهذه صفراء، وهذه سوداء، وهذه محجرة، وهذه سهلة، وهذه سميكة، وهذه رقيقة، والكل متجاورات، وتقارب بعضها بعضًا، إله إلا هو سبحانه. ومع هذا الاختلاف في قطع الأرض هناك اختلاف عجيب آخر أشارت إليه الآية: ﴿وَجَنَّتُ مِنْ أَعْنَبٍ وَزَرْعٌ وَتَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيرُ (١) انظر: تفسير السمر قندي ٢١٧/٢. صِنْوَانِ﴾. فهذا الاختلاف في أجناس الثمرات والزروع في أشكالها وألوانها وطعومها وروائحها وأوراقها وأزهارها؛ فهذا في غاية الحلاوة، وهذا في غاية الحموضة، وذا في غاية المرارة، وهذا أصفر، وهذا أحمر، وهذا أبيض، وكذلك الأزهار، والأرض الواحدة يكون فيها الخوخ، والكمثرى، والعنب الأبيض والأسود، وبعضها أكثر حملاً من بعض، وبعضه حلو، وبعضه حامض، وبعضه أفضل من بعض، مع أنها كلها تستمد من طبيعة واحدة وهو الماء، مع هذا الاختلاف الكثير الذي لا ينحصر ولا ینضبط، ففي ذلك آیات لمن کان واعیًا، وهذا من أعظم الدلالات على الفاعل الحكيم الذي بقدرته فاوت بين الأشياء وخلقها على ما يريد (٢). قال القرطبي: «وفي هذا أدل دليل على وحدانيته، وعظم صمدیته، والإرشاد لمن ضل عن معرفته؛ فإنه سبحانه نبه بقوله: ﴿يُسْقَى بِمَآءِ وَاحِدٍ﴾ على أن ذلك كله ليس وهذا كله مما يدل على الفاعل الحكيم، لا إلا بمشيئته وإرادته، وأنه مقدور بقدرته، وهذا أدل دليل على بطلان القول بالطبع؛ إذ لو كان ذلك بالماء والتراب، والفاعل له الطبيعة لما وقع الاختلاف)» (٣). (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٣٣/١٦. (٣) الجامع لأحكام القرآن ٢٤٨/١١. www. modoee.com ٢٦٥ حرفالنون إن في ذلك كله آيات وعبر ودلائل لمن مصدر رئيسي من مصادر الطاقة للإنسان. نظر وتدبر باستبصار واعتبار، ولا ينتفع بكل تلك الآيات إلا العقلاء، ومن لم ينتفع بها فهو منزل منزلة من لا يعقل، وهذا ما يستفاد من وصف الآيات بأنها من اختصاص الذين يعقلون في قوله سبحانه في ختام الآية: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾(١). ثالثًا: النبات من مظاهر النعيم: إن من عجيب آيات الله عز وجل في خلق النبات أنه تعالى جعل في ذلك النبات ما لا يعد ولا يحصى من الفوائد والمنافع؛ فما أكثر منافعه، وما أعظم فوائده؛ فقد جعل الله عز وجل فيه حياة للإنسان والحيوان، وبه تستقيم الحياة على وجه الأرض، وفيه الغذاء لجميع الحيوانات والأنعام والإنسان. والنبات ضروري جدًا للتوازن الحراري على الأرض؛ إذ النبات يحفظ للأرض حرارتها المعتدلة، ويمنع الزيادة الضارة لحرارة الأرض، كما أنه يقوم بتنقية الجو من غاز ثاني أكسيد الكربون، وإخراج الأكسجين، من خلال ما يعرف بعملية البناء الضوئي. ويستفيد الإنسان من أخشاب النبات وأوراقه في بناء البيوت والمساكن، وصنع الأثاث والآلات والمعدات، كما أن النبات (١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٨٨/١٣. مُوسُوبَة النَِّين القرآن الكريمِ وللنبات فوائد نفسية للإنسان؛ فمنظره البهيج، وصورته الجميلة تبعث في النفس الطمأنينة والسرور، وأزهاره وثماره بأشكالها وألوانه الجذابة، وروائحها العطرة الفواحة تشرح الصدر، وتريح النفس، وتملأ القلب راحةً وسعادةً، وكل هذا معروف ومجرب لا یحتاج إلی دلیل أو برهان. وكثيرًا ما يذكر الله عز وجل عباده بما جعل لهم من منافع ونعم لا تحصى فيما خلقه سبحانه من نبات وزرع وجنات؛ فهو سبحانه الذي ساق الماء، وأنزلهعلى الأرض الميتة، وأخرج به سبحانه طعامًا ورزقًا يأكل منه العباد، وتتغذى عليه الخلائق. قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ الْمَآءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ، زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَمُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾ [السجدة: ٢٧]. والأرض الجرز هي: الأرض اليابسة الغليظة التي لا نبات فيها، وأصل الجرز من قولهم: ناقة جرز، وذلك إذا کانت تأکل کل شيء، وكذلك الأرض الجروز، أي: التي لا يبقى على ظهرها شيء إلا أفسدته (٢). تلك الأرض الجرز الميتة أصبحت حية خضراء منبتةً، فيها أنواع الزروع، وأصناف الثمر، ليأكل العباد ويرعوا أنعامهم، وليشكروا ربهم الذي أسبغ عليهم نعمه (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١٩٦/٢٠. ٢٦٦ النبات وعطاياه. قال سبحانه: ﴿الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيَهَا سُبُلًا وَأَنَزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءُ فَأَخْرَحْنَا بِهِ= أَزْوَجًا مِّن نَّبَاتٍ شَفَّى كُلُواْ وَأَرْعَوْ أَنْعَمَكُمْ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَتٍ لِأُوْلِ النُّهَىِ﴾ [طه: ٥٣ - ٥٤]. قال السعدي: ((وخص الله عز وجل أولي النهى بذلك، لأنهم المنتفعون بها، الناظرون إليها نظر اعتبارٍ، وأما من عداهم، فإنهم بمنزلة البهائم السارحة، والأنعام السائمة، لا ينظرون إليها نظر اعتبار، ولا تنفذ بصائرهم إلى المقصود منها، بل حظهم حظ البهائم؛ يأكلون ويشربون، وقلوبهم لاهية، وأجسامهم معرضة)) (١). إن ذلك لمن عظیم آیات الله عز وجل وبديع صنعه، وإن ذلك لمن عظيم نعمه سبحانه على خلقه، تستوجب على العباد الشكر للمنعم، وإخلاص الطاعة للمتفضل، قال الله عز وجل: ﴿وَءَايَةٌ لَُّ الْأَرْضُ الْمَيْنَةُ أَحْبَيْنَهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبَّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ ٣٣ وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّتٍ مِن ◌َّخِيلٍ وَأَعْنَسٍ وَفَجَّرْنَا فِيَهَا مِنَ الْعُيُونِ ( لِيَأْكُلُواْ مِنْ ثَمَرِهِ. وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾ [يس: ٣٣-٣٥]. إن الإنسان یعتمد في غذائه اعتمادًا كليًا على النبات؛ سواء كان ذلك بطريق مباشر (١) تيسير الكريم الرحمن ص٥٠٧. أو غير مباشر؛ فالإنسان يعيش على النبات وما يخرجه من ثمار، أو على لحوم الأنعام والطيور التي تتغذى على النبات؛ فالنبات أساس الغذاء للإنسان والحيوان (٢). وقد ذكر الله سبحانه العباد بأنه هو من يخرج الزرع من الأرض الميتة، فتكون المراعي الخضراء والكلأ تتغذى الدواب والبهائم، وتأكل الوحوش والضواري، ويرعى العباد أنعامهم، ويتنعمون بما لذ وطاب من أصناف الفاكهة والثمار، قال عز وجل ممتنًا على عباده: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَهُ لَّكُ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ شِيمُونَ ) يُنْبِتُ لَكُمُ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَبَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَتِ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَةٌ لِّقَوْمٍ يَنَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٠ -١١]. إنه الله الكريم الرحمن الذي أخرج الحب والزرع والجنات، ورزق العباد من ثمار النخل والأعناب، ﴿ وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءُ مُّبَرَّكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّتٍ وَحَبَّ اَلَْصِيدِ وَالنَّخْلَ بَاسِقَتٍ لَّا طَلْعٌ نَّضِيدٌ ن رِزْقًا لِّلْعِبَادِ وَأَحْبَيْنَا بِهِ، بَلْدَةً مَّيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ [ق: ٩-١١]. لقد دعا الله عز وجل عباده للتفكر فيما أخرج لهم من الزروع والثمار، وفيما رزقهم (٢) انظر: النبات في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، جواهر محمد باسلوم ص١٥٤. www. modoee.com ٢٦٧ حرف النون ربهم من أصناف الطعام وألوان الغذاء؛ ليعلموا عظمة الخالق المنعم الرزاق ذي القوة المتين، ﴿فَلْنُظُرِ الْإِنسَنُ إِلَى طَعَامِهِ-) أَنَّا صَبْنَا الْعَّهَ صَبَّاُنْ ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقَّا فَأَنْبَتَنَا فِيهَا حَبَّاُ وَيِنَبًا وَقَضْبًا وَزَيْتُونًا وَتَخْلًا (٢) وَحَدَآئِقَ غُلَا وَفَكِهَةً وَبََّ قَتَعً وَلِأَنْعَمِكُمْ﴾ [عبس: ٢٤ -٣٢]. وعلى العباد أن يعلموا أن من أنعم عليهم بكل تلك النعم، وتفضل عليهم بأنواع الفضائل والنعم، قادر سبحانه على منعها عنهم، وحرمانهم منها؛ فلو شاء سبحانه ما أنزل على العباد الغيث، ولو شاء سبحانه لأذهب الماء غورًا في الأرض، ولو شاء سبحانه لما أنبت نباتًا ولا أخرج حبًا، ولا خلق ثمرًا، ومن غيره سبحانه ينزل المطر إن منعه عن العباد؟! ومن غيره يرزق العباد إن حبس عنهم الرزق؟! قال سبحانه وتعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَّ بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّهُ فِى الْأَرْضِّ وَلِنَّا عَلَى ذَهَارٍ بِه لَقَدِّرُونَ ﴾ فَشَأْنَا لَكُ بِ جَنَّتٍ مِن تَّخِيلٍ وَأَعْنَبِ لَّكُمْ فِيَهَا فَكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُونَ ( ١٩ وَشَجَرَةٌ تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِيّعْ لِلْأَكِلِينَ﴾ [المؤمنون: ١٨ -٢٠]. إنه يجب على العباد أن يقابلوا نعمة الله عز وجل عليهم بإنبات النبات والشجر والثمر بالشكر الجميل، وبالثناء الحسن لمن أنعم عليهم وتفضل؛ فما أعظم نعم الخالق على خلقه، وما أشد تقصير العباد في شكر ربهم عز وجل على آلائه ونعمه، يقول ابن القيم: ((فجدير بمن له مسكة من عقل أن يسافر بفكره في هذه النعم والآلاء، ويكرر ذكرها؛ لعله يوقفه على المراد منها؛ ما هو؟ ولأي شيءٍ خلق؟ ولماذا هيئ، وأي أمر طلب منه على هذه النعم؟ كما قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُوَاْ ءَالَآءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ٦٩]. فذكر آلائه تبارك وتعالى ونعمه على عبده سبب الفلاح والسعادة؛ لأن ذلك لا يزيده إلا محبة لله، وحمدًا وشكرًا وطاعةً، وشهود تقصيره بل تفريطه في القليل مما يجب لله عليه))(١). رابعًا: النبات والسجود: النبات خلق من خلق الله عز وجل، و کل الخلائق تسجد لخالقها وتسبح بحمده، ولا يستنكف مخلوق من مخلوقات الله عز وجل عن الانقياد لأمره، والخضوع لسلطانه؛ فالكل يخر لعظمة الجبار سبحانه، والكل طوع أمره، وما ينبغي لمخلوق أن يعصي ربه. ولقد أخبر الله عز وجل عن سجود المخلوقات جميعًا له سبحانه فقال: وَلَعْـ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللّهُ مِن شَىْءٍ يَنَفَيَّوْاْ ظِلَلُهُ عَنِ (١) مفتاح دار السعادة ٢٣٨/١. ٢٦٨ جوي القرآن الكريمِ النبات أَلْيَمِينِ وَالشَّمَآئِلِ سُجَّدًا لِلّهِ وَهُمْ دَيْخُرُونَ ) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ مِن دَآبَةٍ وَالْمَلَتِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل: ٤٨-٤٩]. وقال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِىِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهَا وَظِلَلُهُمْ بِلْغُدُوِّ وَالْأَصَالِ﴾ [الرعد: ١٥]. ففي هاتين الآیتین یخبر الله تعالى عن عظمته وسلطانه، الذي قهر كل شيء، ودان له كل مخلوق؛ ولهذا يسجد له سبحانه ما في السموات وما في الأرض من دابة والملائكة، الكل يسجد لربه سجود الذل والقهر والخضوع؛ فكل أحد من مخلوقاته سبحانه خاضعٌ لربوبيته، دلیلٌ لعزته، مقهورٌ تحت سلطانه عز وجل. ولكل مخلوقٍ سجودٌ جعله الله عز وجل خاصًا به، كما أنه سبحانه جعل لكل مخلوقٍ من مخلوقاته تسبيحًا خاصًا، وصلاةً خاصةً. قال تعالى: ﴿أَرْتَرَ أَنَّاللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُهُ مَنْ فِى السَّمَوَّتِ وَالأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَفَّتِ كُلْ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ. وَتَسْبِحَهُ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَايَفْعَلُونَ﴾ [النور: ٤١]. فقد علم كل مصلٍ وكل مسبحٍ من مخلوقات الله عز وجل ما كلفه الله سبحانه به من صلاةٍ وتسبيح (١)، والناس لا يعلمون (١) والآية تحتمل وجهًا آخر، وهو: أن الله عز وجل قد علم صلاة كل مصلٍ، وعلم تسبيح كل مسبح، وهو سبحانه عليم بما يفعلون. انظر: جامع البيان، الطبري ٢٠٠/١٩، حقيقة سجود الخلائق وتسبيحها لله عز وجل، ولا یفقهون کیفیته. قال الله عز وجل: ﴿تُسَيِّحُ لَهُ السَّمَوَتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيِنَّ وَإِن ◌ِّنِ شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِحُ بِهِ وَلَكِن لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ، كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ﴾ [الإسراء: ٤٤]. وقد أخبر الله عز وجل أن من الخلائق من تسجد لربها طوعًا، ومنها من يسجد له سبحانه کرها. قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدٌ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَاْأَرْضِ طَّوْعًا وَكَرْهَا وَظِلَلُهُمْ بِلْغُدُوِّ وَالْأَصَالِ﴾ [الرعد: ١٥]. وفي معنى سجود الساجدين لله عز وجل كرهًا أقوالًا ذكرها المفسرون؛ أشهرها: أنه سجود ظل الكافر، أو أنه سجود الکاره بتذلله لله عز وجل، وانقیاده لما يريده سبحانه منه؛ من عافيةٍ ومرضٍ، وغنى وفقر، وغير ذلك من أقدار الله عز وجل (٢). ولعل الراجح -والله أعلم- أن من يسجد لله كرهًا هو الكافر فقط؛ إذ جميع الخلائق تسجد لربها وتطيعه طوعًا لا كرهًا، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّأَسْتَوَىَ إِلَى السَّمَاءِ وَهِىَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ أَثْنِيَا طَوَّعًا أَوْ كَرْهَا قَالَتَاً أَنْنَا طَآئِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]. والمخلوق الوحيد الذي يتصور أنه الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٢/ ٢٨٧. (٢) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ٤ /٣١٨، معالم التنزيل، البغوي ٤ /٣٠٦. www. modoee.com ٢٦٩ حرفالنون يسجد كرهًا هو الكافر من الإنس والجن، و کیفیة سجوده کرها إما بسجود ظله -كما ذكر بعض المفسرين-، وإما أن يكون بتذلله لله عز وجل، وانقياده لما يريده سبحانه منه؛ من عافيةٍ ومرضٍ، وغنى وفقر، وغير ذلك من أقدار الله عز وجل. وإذا كانت الخلائق کلها تسجد لله عز وجل فإن النبات من جملة ما خلق الله سبحانه، وهي تسجد ككل المخلوقات لله سبحانه، تسجد سجودًا جعله الله عز وجل لها، لا نعلمه، ولا نفقهه، وقد صرح الله عز وجل بسجود الشجر مع سجود غيرها من المخلوقات؛ كالشمس والقمر، والنجوم، والجبال، وغيرها من مخلوقات، وذلك في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَأَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ, مَنْ فِي السَّمَوَتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَلِلْبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَآتُ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِّ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن ◌ُِّنِ اَللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُكِّرِمَّإِنَّاللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ﴾ [الحج: ١٨]. والمقصود بالرؤية في الآية: العلم، أي: ألم تعلم أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض؛ إذ إنما عرف ذلك وعلم بخبر الله عز وجل لا أنه يرى بالعين الباصرة (١). وقد ورد أيضًا الإخبار الصريح عن (١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢١٦/٢٣. سجود النبات لله عز وجل في قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ بَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: ٦]. فقد رجح أكثر المفسرين أن المقصود بالنجم هنا: ما نجم (أي: خرج) من الأرض، مما ينبسط عليها، ولم يكن على ساق مثل: البقل ونحوه، فهو کل نبات لا ساق له، وأما الشجر فهو النبات الذي له ساق (٢). ولا شك أن سجود النبات ليس كسجود الإنسان بوضع الرأس على التراب؛ بل هو سجود يتضمن معنى التسليم و الخضوع لله المتعال، ويتضمن سجودًا حقيقيًا لله عز وجل لا نعرفه نحن البشر، ولا نفقهه؛ ولکننا نؤمن به، ونصدق خبر ربنا تعالى عنه. وقد ظن بعض الناس أن تسبيح الخلائق لله عز وجل، وسجودها له سبحانه هو دلالتها على خالقها، وذلك بما فيها من آیات وعبر، وهذا كلام مردود غير مقبول؛ فسجود المخلوقات لربها سجود حقيقي، طاعة لبارئها تعالى؛ ولكن نحن البشر لا نعلم کیفیته، ولا نفقه حقيقته. وقد رد ابن القيم على من قال مثل هذا الكلام بقوله: ((ولعلك أن تكون ممن غلظ حجابه فذهب إلى أن التسبيح دلالتها على صانعها فقط، فاعلم أن هذا القول يظهر بطلانه من أكثر من ثلاثين وجهًا .. وفي (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١١/٢٢، زاد المسير، الجوزي ٨/ ١٠٧. ٢٧٠ جَوَسُولَةُ التَّقِين القرآن الكريمِ النبات أي لغة تسمى الدلالة على الصانع تسبيحًا عليها جمالًا فوق جمالها، وبهجة فوق بهجتها؛ فسبحان من خلق النبات، وسبحان من يسجد له النبات وكل المخلوقات. وسجودًا وصلاةً وتأويبًا وهبوطًا من خشيته؟ كما ذكر تعالى ذلك في كتابه؛ فتارةً يخبر عنها بالتسبيح، وتارةً بالسجود، وتارةً بالصلاة؛ كقوله تعالى: ﴿أَوْتَرَ أَنَّاللَّهَ يُسَمِّحُ لَهُ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَاَلَّيْرُ صَفَّتِ كُلُّ قَدْ عَلِمَ صَلَانَهُ وَتَسَِْهُ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [النور: ٤١]. أفترى يقبل عقلك أن يكون معنى الآية: قد علم الله دلالته عليه؟ وسمى تلك الدلالة صلاةٌ وتسبيحًا؟ وفرق بينهما، وعطف إحداهما على الآخر، وتارةً يخبر عنها بالتأويب، وتارةً يخبر عنها بالتسبيح الخاص بوقت دون وقت؛ كالعشي والإشراق؛ أفترى دلالتها على صانعها إنما يكون في هذين الوقتين؟ وبالجملة فبطلان هذا القول أظهر لذوي البصائر من أن يطلبوا دليلًا على بطلانه، والحمد لله)» (١). والخلاصة أن الله عز وجل قد أخبر بأن النباتات والأشجار تسجد لربها عز وجل کغیرها من المخلوقات، والمؤمنون یؤمنون بما أنزل إليهم، ولا نفقه كيفية ذلك السجود ولا هیاته، ولا شك بان سجود النبات له عز وجل آية من آيات الله التي لا تحصى ولا تنتهي، ولا شك بأن علمنا بسجود النبات لله عز وجل يزيد من حبنا للنبات، ويضفي (١) مفتاح دار السعادة ١/ ٢٣٥. خامسًا: الدورة النباتية والبعث بعد الموت: إن من تأمل في آيات القرآن الكريم التي ذکر فیها النبات يجد أن کثیرًا من تلك الآيات قد ساقها الله عز وجل للدلالة على حقيقة البعث بعد الموت، تلك الحقيقة العظيمة التي يؤمن بها المؤمنون، وقد أنكرها الكفار والمشركون، وزعموا أن الله عز وجل لا يعيد الأموات إلى الحياة مرة أخرى، ﴿وَقَالُواْ أَوِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَنَا أَوِنَّا لَمَبْعُونُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٤٩]. وقد ساق الله عز وجل في كتابه العزيز الأدلة القاطعة، والبراهين الساطعة الدالة على حقيقة البعث بعد الموت. وقد تنوعت أساليب القرآن الكريم في إثبات حقيقة البعث؛ فتارة يستدل بالنشأة الأولى للخلق؛ وذلك كما في قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِىَ خَلْقَهُ، قَالَ مَن يُحْيِ الْعِظَمَ وَهِىَ رَمِيمٌ ﴿ قُلْ يُحْبِيهَا الَّذِىّ أَنشَأَهَاً أَوْلَ مَرٌَّ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٨- ٧٩]. فالذي خلق الخلق أول مرة قادر سبحانه على إعادة الخلق مرة أخرى، ﴿وَهُوَ اَلَّذِى www. modoee.com ٢٧١ حرف النون يَبْدَؤُأْ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ، وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْةٍ وَلَهُ الأرض قادرٌ على إحياء الموتى، وهذا من قبيل الاستدلال بالشاهد على الغائب (٢). اُلْمَثَلُ الْأَعْلَ فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِِّ وَهُوَ الْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ ﴾ [الروم: ٢٧]. وتارة يستدل القرآن الكريم على حقيقة البعث بخلق ما هو أعظم من بعث الناس، وهو خلق السماوات والأرض، والآيات في ذلك كثيرة؛ منها قوله تعالى: ﴿أَوْلَمْيَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَنِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْىَ يُخَلْقِهِنَّ بِقَدِرٍ عَلَى أَنْ يُحْسِىَ الْمَوْقَ بَلَإِنَّهُ, عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيْرٌ﴾ [الأحقاف: ٣٣]. فخلقه تعالى السماوات والأرض من أعظم البراهين على بعث الناس بعد الموت؛ ((لأن من خلق الأعظم الأكبر لا شك في قدرته على خلق الأضعف الأصغر)» (١). وتارة يستدل القرآن الكريم على حقيقة البعث بإحياء الأرض الميتة؛ فكما أن الله عز وجل یحي الأرض بعد موتها فهو سبحانه قادرٌ على إحياء الناس بعد أن تبلى أجسادهم، وتفنى عظامهم، وقد ذكرت آيات كثيرة من كتاب الله عز وجل هذه الحقيقة العظيمة؛ من ذلك قوله سبحانه: فَأَنْظُرْ إِلَى ءَاثَلِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَاْ إِنَّ ذَلِكَ لَمُحِىِ الْمَوْنَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الروم: ٥٠]. أي: انظروا نظر استبصار واستدلال، واستدلوا بذلك على أن من قدر على إحياء (١) أضواء البيان، الشنقيطي ٧/ ١٨٣. ومن آيات الاستدلال على حقيقة البعث بإحياء الأرض الميتة قول الله تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَيْهِ: أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَشِعَةً فَإِذَا أَنَزَلْنَا عَلَيْهَا اَلْمَآءَ أَهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِىّ أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْقَةُّ إِنَّهُ, عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت: ٣٩]. فتلك الأرض الخاشعة الميتة، التي لا نبات فيها ولا حياة أحياها الله عز وجل بما أنزل عليها من ماء من السماء، ولا ريب بأن من كانت هذه قدرته فهو قادرٌ على إحياء الناس بعد الموت والفناء، قال الشنقيطي: ((وما أشار إليه جل وعلا في هذه الآية الكريمة: من أن إحياء الأرض بعد موتها برهانٌ قاطعٌ على قدرة من فعل ذلك على إحياء الناس بعد موتهم؛ لأن الجميع إحياءً بعد موتٍ، وإيجادٌ بعد عدم)) (٣). ومن تلك الآيات أيضًا قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يُرْسِلُ الْرِّيَحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ، حَقَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابَائِقَا لَا سُقْنَهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ، مِن كُلِّ الثَّمَرَنِّ كَذَلِكَ تُخْرِجُ الْمَوْنَ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٥٧]. فکما أنه سبحانه أحیا الأرض بعد موتها بالنبات، فکذلك یخرج الموتی من قبورهم، (٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٤/ ٤٥. (٣) أضواء البيان ٢٧٩/٤. ٢٧٢ ◌َرُ النَّفِيَّة جوبي القرآن الكريمِ النبات بعد ما كانوا رفاتًا متمزقين، وهذا استدلال سائلين منكرين: أإنا لفي خلق جديد؟! واضحٌ بينٌ لكل ذي عقلٍ؛ فإنه لا فرق بين وكأنه لم تكن لهم أعين يبصرون بها قدرة الأمرین(١). قال ابن كثير: (( أي: كما أحيينا هذه الأرض بعد موتها کذلك نحيي الأجساد بعد صيرورتها رميمًا يوم القيامة؛ ينزل الله تعالى ماءً من السماء؛ فتمطر الأرض أربعين يومًا؛ فتنبت منه الأجساد في قبورها كما ينبت الحب)) (٢) . وهناك آیات کثیرٌ في کتاب الله عز وجل غير ما تلك الآيات السابقة فيها إنكارهم النشأة الآخرة، وتكذيبهم للبعث استدلال على قدرة الله عز وجل علی بعث الناس بعد موتهم بقدرته سبحانه على إحياء الأرض الموات، والعبرة في ذلك أن العبد عليه أن يتبصر ويتفكر في مخلوقات الله عز وجل من حوله، ويتأمل في آياته سبحانه في خلق النبات والشجر من الأرض الميتة؛ ليعلم علم اليقين أن من قدر على ذلك قادرٌ سبحانه على إحياء الموتى من قبورهم، وما يعجزه ذلك؛ فهو سبحانه على كل شيء قدير. وبعد هذه الأدلة الواضحة، والبراهين الساطعة، التي لا تخفى إلا على من عمي بصره، ولا ینکرها إلا من عطل فكره، نعلم أنه من أعجب العجب قول منكري البعث (١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٢٩٢. (٢) تفسير القرآن العظيم ٦/ ٣٢٥. الله عز وجل على الإحياء من حولهم، وكأنه لمن تکن لهم قلوب تعي آیات الله عز وجل من حولهم ﴿وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُمْ أَهِذَا كُنَّا تُرَّبًا أَوِنَّا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ أُوْلَيْكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ﴾ [الرعد: ٥]. والعجب تغير النفس برؤية المستبعد في العادة، والخطاب في هذه الآية للرسول صلى الله علیه وسلم، ومعناه: إنك إن تعجب من مع إقرارهم بابتداء الخلق فإن ذلك حقًا من العجائب؛ فإن الذي توضح له الآيات، ويرى من الأدلة القاطعة على البعث ما لا يقبل الشك والريب، ثم ينكر ذلك فإن قوله غاية العجب، وقيل: معنى الآية: وإن تعجب من تکذیبھم إياك بعدما كانوا حكموا عليك بأنك من الصادقين، فإن تكذيبهم بالبعث والنشور أعجب (٣). قال الزمخشري في معنى الآية: ((وإن تعجب یا محمد من قولهم في إنكار البعث فقولهم عجيبٌ، حقيقٌ بأن يتعجب منه؛ لأن من قدر على إنشاء ما عدد عليك من الفطر العظيمة، ولم يعي بخلقهن، كانت الإعادة أهون شيءٍ عليه وأيسره؛ فكان إنكارهم (٣) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٤ /٢٩٥، البحر المحيط، أبو حیان ٣٥٨/٥. www. modoee.com ٢٧٣ حرفالنون أعجوبةٌ من الأعاجيب)» (١). وفي ختام هذا المبحث يتبين أن آيات الله عز وجل في النبات -كغيرها من آيات الله في جميع المخلوقات- تدل بوضوح، وتشهد بجلاء على أن لها خالقًا عظيمًا، مدبرًا حكيمًا، لا يعجزه شيء، ولا تخفى عليه خافية، وإن تلك الآيات لا يغفل عنها إلا من صرف بصره، وعطل عقله، وطمس فطرته، وأعرض عن آیات ربه عز وجل وبراهينه متعالیًا مستكبرًا؛ فأعمى الله بصيرته، وختم على سمعه وقلبه؛ والمتدبر في تلك الآيات لا يجد مفرًا من الإقرار الجازم والاعتراف الصريح الحازم بوجود الله عز وجل ووحدانيته، واتصافه بكل صفات الجمال والكمال والجلال، وأنه سبحانه قادر على إحياء الموتى، ومحاسبهم على أعمالهم، تعالى ما أعظم ملكه، وما أعز سلطانه. النبات ومظاهر النعمة على البشر إن نعم الله عز وجل على عباده لا تعد ولا تحصى؛ فلقد أسبغ الله سبحانه على عباده نعمه الظاهرة والباطنة، وكلما تأمل العبد وتفكر في نعم المولى سبحانه زاد معرفة بعظمة تلك النعم، وزاد إيمانه بقول ربه جل وعلا: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اَللَّهِ لَا ◌ُصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤]. وأنى للعباد أن يحصوا تلك النعم، وفي كل قطرة ماء يشربونها نعمة، وفي كل نسمة هواء يستنشقونها نعمة، وفي أنفسهم وما حولهم من الكون نعمٌ ظاهرة وباطنة، ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةَ وَبَاطِنَةٌ﴾ [لقمان: ٢٠]. نعمٌ لا يعدها عادٌ، ولا يطيق إحصاؤها العباد، وقد امتن الرب سبحانه -في كثير من آيات الكتاب العزيز- على عباده بوفير نعمه علیهم، وذكرهم سبحانه بفضله، وحثهم على شكر تلك النعم، والقيام بحقها. ولا شك أن النبات الذي يخرجه الله عز وجل من الأرض الميتة، ويجعله رزقًا للعباد من النعم العظمى، والعطايا الكبرى من المولى تعالى، فكم فيه من المنافع العظيمة، وكم فيه من الفوائد الجليلة، وكم فيه من الخيرات والبركات التي تعود على الخلق والعباد؛ لذا فقد كثرت في كتاب (١) الكشاف ٣/ ٣٣٣. ٢٧٤ القرآن الكريم