النص المفهرس
صفحات 41-47
الميسر رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه، وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول في اجتنابكم ذلك واتباعكم أمره فيما أمركم به من الانزجار عما زجرکم عنه من هذه المعاني التي بينها لكم في هذه الآية وغيرها، وخالفوا الشيطان في أمره إياكم بمعصية الله في ذلك وفي غيره، فإنه إنما يبغي لكم العداوة والبغضاء بينكم بالخمر والميسر))(١). وجميع المعاصي يجتمع فيها هذان الوصفان: العداوة والبغضاء، والصد عن ذكر الله وعن الصلاة (٢). رابعًا: إفساد التربية السليمة والفطرة المستقيمة، القائمة على السعي في طلب الرزق الحلال والكسب المشروع، وذلك عن طريق تعويد النفس الكسل وانتظار الرزق من الأسباب الوهمية، أو اللجوء إلى السرقة ونحوها من المحرمات (٣). خامسًا: إضعاف القوة العقلية للمرء، بترك الأعمال المفيدة فى طرق الكسب الطبيعية، وإهمال الياسرين (المقامرين) للزراعة والصناعة والتجارة التي هي أركان العمران (٤). القسم الثاني: الآثار المتعلقة بالحالة النفسية للفرد: ويقصد بها تلك المضار التي (١) جامع البيان، الطبري ٧/ ٣٥. (٢) الضوء المنير، ابن القيم ٢ / ٤٥١. (٣) انظر: تفسير المنار ٢/ ٢٦٣. (٤) انظر: المصدر السابق ٢/ ٢٦٣. تؤثر بالسلب على الحالة النفسية للفرد جراء ممارسته للميسر والقمار بصوره المختلفة. وبدايةً أشير إلى أن علماء النفس والاجتماع يعتبرون لعب اليسر من الأمراض النفسية والاجتماعية الخطيرة، وأن له تأثيرًا على الأفراد بصورة قد تؤدي إلى تدميرهم نفسيًا، خاصة الفقراء منهم، ويعتبر علماء النفس المقامرة لونًا من الإدمان، ومرضًا نفسيًا خطيرًا(٥). ويسبب الميسر عددًا من التأثيرات السلبية على نفسية المقامر، أهمها: أولًا: يسبب تشوهًا معرفيًا، وفقدان التحكم، ونقصًا في تقدير الذات، وشعورًا بالیاس. ثانيًا: يؤدي بالمقامر إلى التفكير غير العقلاني، والشعور بالذنب، والرغبة في المخاطرة. ثالثًا: يؤدي إلى عزلة المقامر عن المجتمع، حال اضطراره إلى التوقف عن المقامرة والمراهنة. رابعًا: التوتر العصبي، وهو تطور نفسي في الجسم يسبب الإثارة والاندفاع واضطراب الجهاز العصبي(٦). ويظهر أثر هذه التأثيرات النفسانية على (٥) انظر: القمار نظرة سيكولوجية اجتماعية، مجلة الفكر العربي، المجلد ١٨ ص ١٦٣ - ١٦٦، سيكولوجية المقامر ص ٤. (٦) انظر: سيكولوجية المقامر ص ١٥. www. modoee.com ١٥٩ حرف الميم سلوك المقامر، فيحرص على المخاطرة والمغامرة، حتى يفنى ماله ويهلك عقله. جاء في تفسير المنار (١): « وأما كون إثم الميسر أكبر من نفعه فهو أظهر مما تقدم في الخمر ولا سيما في هذا العصر الذي کثرت فيه أنواع القمار وعم ضررها، حتى إن الحكومات الحرة التي تبيح تجارة الخمر تمنع أكثر أنواع القمار وتعاقب عليها، على احترامها للحرية الشخصية في جميع ضروب التصرف التي لا تضر بغير العامل، فمنفعة القمار وهمية ومضراته حقيقية، فإن المقامر يبذل ماله المملوك له حقيقة على وجه اليقين لأجل ربح موهوم ليس عنده وزن ذرة لترجيحه على خطر الخسران والضياع، والمسترسل في إضاعة المحقق طلبا للمتوهم يفسد فكره ويضعف عقله، ولذلك ينتهي الأمر بكثير من المقامرین إلى بخع أنفسهم - قتلها غما - أو الرضى بعيشة الذل والمهانة. قال الأستاذ الإمام: إنني أعرف رجلا كانت ثروته لا تقل عن ثلاثة آلاف ألف جنيه (ثلاثة ملايين)، فما زال شيطان القمار يغريه باللعب فيه حتى فقد ثروته كلها، وعاش بقية حیاته فقيرا معدما حتى مات جائعا، وذكر أنه ربح في ليلة تسعمائة ألف فرنك، فقال: لا أبرح حتى أتمها مليونا، فلم يبرح حتى خسرها إلى مليون آخر، وهكذا شأن أكثر المقامرین یغترون بالربح الذي یکون لهم أو لغيرهم أحيانا فيسترسلون في المقامرة حتى لا یبقی لهم شيء». وجاء فيه أيضًا: ((ويشترك الميسر مع الخمر في أن متعاطيهما قلما يقدر على تركهما والسلامة من بلائهما؛ لأن للخمر تأثیرا في العصب یدعو إلى العود إلى شربها والإكثار منها، فإن ما تحدثه من التنبيه يعقبه خمود وفتور بمقتضى سنة رد الفعل، فيشعر السكران بعد الصحو أنه مضطر إلى معاودة السكر، لیزول عنه ما حل به، فإذا هو عاد قويت الداعية، وأما الميسر فإن صاحبه كلما ربح طمع في الزيادة، وكلما خسر طمع في تعويض الخسارة، ويضعف الإدراك حتى تعز مقاومة هذا الطمع الوهمي، وهذا شر ما في هاتين الجريمتين» (٢). ثانيًا: آثار الميسر على العلاقات الاجتماعية: أشار القرآن الكريم إلى آثار الميسر على العلاقات الاجتماعية فى قوله تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِّ قُلْ فِيهِمَآ ◌ِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبُرُ مِن نَّفْعِهِمَا وَيَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوُّ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمُ اْآَيَتِ لَعَلَّكُمْ (١) تفسير المنار ٢/ ٢٦٦. مَوَبُو حَرَ النفسية القرآن الكريم (٢) المصدر السابق ٢/ ٢٦٧. ١٦٠ الميسر تَنَفَكَّرُونَ (٣)﴾ [البقرة: ٢١٩]. فالإثم المذکور في الآية يشمل کل سيء من الأفعال، ومن ضمنها ما يكون بين الناس من سوء في العلاقات الاجتماعية. ونص عليها في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنََّا الْخَتُرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَأَجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُعْلِحُونَ ﴾ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْتَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ في اَلْخَمْرِ وَالْمَيْسِ وَيَصُدُّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَوَّةَ فَهَلْ أَنْثُم مُّنْتَهُونَ ﴾ [المائدة: ٩٠- ٩١]. ويمكن استخلاص آثار الميسر السيئة على العلاقات الاجتماعية، وإجمالها في: أولًا: وقوع العداوة والبغضاء والحسد بين المتقامرين: فالقمار يورث العداوة، لأن مال الإنسان یصیر إلى غيره بغير جزاء یأخذه علیه، فیبقی مسلوبًا، مغتاظًا على قرنائه(١). وقد حذر القرآن الكريم من هذا الحال في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَوَةَ وَاَلْبَغْضَآءَ فِى الْخَيْرِ وَالْمَيْسِ﴾ [المائدة: ٩١]. فقد (( أعلم تعالى عباده أن الشيطان إنما يريد أن تقع العداوة بسبب الخمر، وما كان یغري عليها بين المؤمنین، وبسبب الميسر، إذ كانوا يتقامرون على الأموال والأهل، حتى (١) انظر: معاني القرآن، الزجاج ١٧٤/١، التفسير الوجيز، الواحدي ٣٣٤/١، تفسير السمعاني ٦٢/٢، الهداية، مكي بن أبي طالب ٣/ ١٨٦٤. ربما بقي المقمور حزينا فقيرًا، فتحدث من ذلك ضغائن وعداوة، فإن لم يصل الأمر إلى حد العداوة كانت بغضاء، ولا تحسن عاقبة قوم متباغضين، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ولا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا)(٢). وباجتماع النفوس والكلمة يحمى الدين ويجاهد العدو، والبغضاء تنقض عرى الدين، وتهدم عماد الحماية))(٣). ثانيًا: ضعف جماعة الأمة ووحدتها بین الناس: وذلك أثر من آثار وقوع العداوة والبغضاء بين أفراد الأمة، ومن خلال غیاب المقامرين عن الصلاة ومجالس الذكر، أو انزوائهم وهروبهم من رحابة المجتمع إلى ضيق الأفق والحال. يقول الإمام الطبري: ((يقول -تعالى ذكره -: إنما يريد لكم الشيطان شرب الخمر، والمياسرة بالقداح، ويحسن ذلك لكم؛ إرادة منه أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في شربكم الخمر ومياسرتكم بالقداح؛ لیعادي بعضكم بعضا، ويبغض بعضكم إلى بعض؛ فيشتت أمركم بعد تأليف الله بينكم (٢) أخرجه: البخاري في صحيحه ٢٢٥٣/٥، كتاب الأدب، باب ما ينهى عن التحاسد والتدابر، رقم ٥٧١٧، ومسلم في صحيحه ٤ / ١٩٨٥، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظن والتجسس والتنافس والتناجش ونحوها، رقم ٢٥٦٣. (٣) المحرر الوجيز ٢٣٤/٢. www. modoee.com ١٦١ حرف الميم بالإيمان وجمعه بينكم بأخوة الإسلام)»(١). هذا الأثر أيضًا من عموم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [المائدة: ٩١](٣). ثالثًا: انهيار بناء الأسر وتفککها: وله-في نظري- شقان: اقتصادي، ویکون بسبب ما يصيبهم من كساد وإفلاس، و اجتماعي، ویکون بسبب انشغال الراعي وغفلته، وهذا مفهوم من عموم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَوَةَ وَاَلْبَعْضَآءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَّيْسِرِ﴾ [المائدة: ٩١]. أشهرها - تخريب البيوت فجأة، بالانتقال من الغنى إلى الفقر في ساعة واحدة، فكم من عشيرة كبيرة نشأت في الغنى والعز، وانحصرت ثروتها في رجل أضاعها عليها في ليلة واحدة فأصبحت غنية وأمست فقيرة لا قدرة لها على أن تعيش على ما تعودت من السعة ولا ما دون ذلك))(٢). رابعًا: فساد الحياة واختلال منظومة القيم والأخلاق في المجتمع وانهيارها: وذلك ناتج عن تفشي سوء الأخلاق والفعال بين المتقامرين ومن يتعاملون معهم، لأنهم جزء من مكونات المجتمع، ومعلوم أن المقامر يبذل الكذب والتحايل والسرقة أحيانًا وكل وسيلة لإرضاء شهوته وکسب ربح سرابه، وهذا بلا شك يؤثر على منظومة القيم والأخلاق المجتمعية، ويفهم (١) جامع البيان، الطبري ٧/ ٣٢. (٢) تفسير المنار ٢/ ٢٦٣. كما نص القرآن الكريم على تضمن الميسر معنى الإثم بمفهومه الشامل لكافة المساوئ المنابذة للشرع من الكذب والشتم وزوال العقل واستحلال مال الغير (٤). والميسر بكونه سببًا في الصد عن ذكر قال صاحب المنار: (( ومنها - وهو الله وعن الصلاة يفسد الدنيا بأسرها؛ حیث صلاح الدنيا والدين في ذكر الله وفي الصلاة، كما أنهما ينفيان الفحشاء والمنكر﴿ إِنَ الضَّلَوةَ تَنْهَى عَنِ اٌلْفَحْشَاءِ وَالْمُكْرِّ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥]. يقول الإمام الطبري: ((﴿وَيَصُدُّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ﴾ يقول: ويصرفكم بغلبة هذه الخمر بسكرها إياكم عليكم وباشتغالكم بهذا المیسر عن ذکر الله الذي به صلاح دنياكم وآخرتكم وعن الصلاة التي فرضها عليكم ربكم)). (٥) ثالثًا: آثار الميسر على اقتصاد الأمة: أشار القرآن الكريم إلى الآثار الاقتصادية للميسر ضمن وصفه له بالاشتمال على الإثم الكبير في قوله تعالى: ﴿قُلْ فِيهِمَآ (٣) انظر: سيكولوجية المقامر ص ١٤. (٤) انظر: نظم الدرر ١ / ٤٠٨ - ٤٠٩. (٥) جامع البيان، الطبري ٧/ ٣٢. ١٦٢ جَوَسُورَةُ الَّفي القرآن الكريم الميسر إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن والعلاقة بين الجانبين أساسية. نَّفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩]. فالإثم المذكور في الآية شامل لكافة ألوان المساوئ المنابذة لمحاسن الشرع، ومن ضروريات مقاصد الشريعة حفظ المال من جانب الحفاظ على وجوده ونمائه، ومن جانب منع ما یضره أو یؤدي إلی کساده، فکل ما أضر بالمال فیه إثم. قال البرهان البقاعي: ( وإن کان تعالی اقتصر هنا على ضرر الدين وهو الإثم لأنه أس یتبعه كل ضرر)) (١). وقال ابن القيم: (( وإذا تأملت أحوال هذه المغالبات رأيتها في ذلك كالخمر، قلیلها یدعو إلی کثیرها، و کثیرها یصد عما يحبه الله ورسوله، ويوقع فيما يبغضه الله ورسوله، فلو لم يكن في تحريمها نص لكانت أصول الشريعة، وقواعدها، وما اشتملت علیه من الحکم والمصالح، وعدم الفرق بين المتماثلین، توجب تحریم ذلك، والنهي عنه))(٢). وقد أشار المفسرون إلى المعنى ذاته ضمن تفسيرهم لسبب وقوع العداوة والبغضاء في الخمر والميسر، وهو ضياع الأموال، وإن كان هذا أثرًا اجتماعيًا إلا أن أثره يمتد ليشمل الجانب الاقتصادي، (١) نظم الدرر ١ / ٤٠٨. (٢) الفروسية ص ١٧٥ - ١٧٦. قال صاحب المنار: ((ومنها - وهو أشهرها - تخريب البيوت فجأة، بالانتقال من الغنى إلى الفقر في ساعة واحدة، فكم من عشيرة كبيرة نشأت في الغنى والعز، وانحصرت ثروتها في رجل أضاعها عليها في ليلة واحدة فأصبحت غنية وأمست فقيرة لا قدرة لها علی أن تعیش علی ما تعودت من السعة ولا ما دون ذلك))(٣). وآثار الميسر السيئة على الحالة الاقتصادية درجات، منها الخاص بالأفراد، ومنها العام الشامل الأمة بأسرها، والتلازم بين الجانبين ظاهر. ويمكن إجمال الآثار السيئة للميسر على اقتصاد الأمة بمعنييه الخاص والعام في: أولًا: رفع نسبة الفقر بين أفراد الأمة: حیث یکون المقامر في الغالب من أصحاب رؤوس الأموال، فينجرف إلى الميسر والقمار، فيكسب ثم يخسر، فيستمر في المخاطرة رغبة الفوز، وتتكرر خسارته، فيتحول إلى الفقر المدقع. يقول الفخر الرازي: (( وأما الميسر ففيه بإزاء التوسعة على المحتاجين الإجحاف بأرباب الأموال، لأن من صار مغلوبا في القمار مرة دعاه ذلك إلى اللجاج فيه عن رجاء أنه ربما صار غالبا فیه، وقد يتفق أن (٣) تفسير المنار ٢/ ٢٦٣. www. modoee.com ١٦٣ حرف الميم لا يحصل له ذلك إلى أن لا يبقى له شيء بالأزمة الاقتصادية العالمية في أكتوبر من المال، وإلى أن يقامر على لحيته وأهله ١٩٩٨م، وما حدث في دول شرق آسيا سنة ١٩٩٩ م، وما زالت آثارها باقية. وولده، ولا شك أنه بعد ذلك یبقی فقيرا مسكينا ويصير من أعدى الأعداء لأولئك الذين كانوا غالبين له. فظهر من هذا الوجه أن الخمر والميسر سببان عظيمان في إثارة العداوة والبغضاء بين الناس، ولا شك أن شدة العداوة والبغضاء تفضي إلى أحوال مذمومة من الهرج والمرج والفتن، وكل ذلك مضاد لمصالح العالم(١). ثانيًا: التسبب في حدوث الأزمات الاقتصادية وارتباك الأسواق دون مبرر: والأزمة الاقتصادية هي: التدهور الحاد في الأسواق المالية لدولة ما أو مجموعة من الدول؛ والتي من أبرز سماتها فشل النظام المصرفي المحلي في أداء مهامه الرئيسية، والذي ينعكس سلبا في تدهور کبير في قيمة العملة و أسعار الأسهم، مما ينجم عنه آثار سلبية في قطاع الإنتاج والعمالة؛ وما ينجم عنها من إعادة توزيع الدخول والثروات فيما بين الأسواق المالية الدولية (٢). وقد بدأت جذور هذه الأزمات في القطاع المالي، وتضخمت من خلاله، فالبداية كانت من التخفيض المصطنع لمعدلات الفائدة في مطلع القرن، الذي شجع على التوسع في الاقتراض دون وجود قيمة مضافة أو نمو في الإنتاجية، وكانت النتيجة فقاعة في سوق العقار، ورافق ذلك مبتكرات المشتقات المالية التي حيدت مخاطر الإقراض، فلم يعد المقرض يستشعر مسؤولية القرض، ويهتم بقدرة المدين على السداد، فنشأ عن ذلك الممارسات المستنكرة في استدراج العملاء وإغراقهم بالديون، أي إن الأزمة ابتدأت بالربا، وتطورت إلى الميسر، وأصبح أحدهما یغذي الآخر، لتنتهي بالكارثة. والمقامرة، مثلها مثل نظام الفائدة الربوية، تزيد الفجوة بين الالتزامات المالية والثروة الحقيقية، وكلما ازدادت أعداد المراهنين ازداد مجموع خسائر الخاسرين وخير شاهد على هذا الأثر ما يعرف من جراء هبوط في السوق، وهذا ما حصل في الأزمة المالية الراهنة، فقد اكتظت الأسواق المالية بتجارة المخاطر المبنية على الميسر والقمار، فأصبح لا يمكن التفريق بين المعاملات الحقيقية وبين المقامرة التي تتسم اقتصاديًا بأنها مباراة نتيجتها صفر، (١) مفاتيح الغيب ١٢ / ٦٧. (٢) انظر: فصول الأزمة المالية العالمية: أسبابها، جذورها وتبعاتها الاقتصادية، محمد أحمد زيدان ص ٤ ، أسباب الأزمة المالية وجذورها، جميلة الجوزي ص١، الأزمة المالية العالمية انعکساتها وحلولها، الداوي الشیخ ص ٣. جَوَسُولَةُ النَّقتي الْقُرآن الكَرِيمِ ١٦٤ الميسر لأنها على المستوى الجزئي لطرفيها لا تولد المقلوب، حيث ترتكز جبال شاهقة من الديون على قاعدة ضئيلة من الثروة، ومع تزايد عبء هذه الديون ستعجز قاعدة الثروة عن احتمالها، لتكون الخسارة حين وقوع تولده من حوافز ضارة اقتصاديا ذات مخاطر الخطر أضعافا مضاعفة(١). قیمة، إذ إن ما يربحه طرف يساوي تماما ما يخسره الآخر، أما على مستوى الاقتصاد كله فإنها مباراة نتيجتها سالبة، بسبب ما أخلاقية. فإذا بترنا الارتباط بين المخاطر وملكية الأصول، مالية كانت أو حقيقية، فقد المالكون الحافز للحفاظ على جودة أصولهم، وتصرفوا بما يحقق لهم أعلى عائد، وفي الأزمة الحالية حيث أمكن للمؤسسات المالية التخلص من مخاطر أصولها بفصل المخاطر عن الملكية فقد جمحت إلى تحقيق أهداف أخرى دون مراعاة للتدهور في نوعية الأصول ؛ طمعًا في زيادة العائدات، وتحولت السوق إلى ساحة للرهان، فلم يكن هناك ما يحد من نموها وتضخمها سوى استعداد الأطراف للمجازفة، وكما هو الشأن في الربا، فإن المراهنة لا تتطلب أكثر من اتفاق الطرفين على أن يدفع أحدهما للآخر مبلغا من المال حين وقوع الخطر مقابل رسوم محددة، فالتكلفة الابتدائية للرهان محدودة، ولذلك لا يوجد ما یعوق توسعه وتضاعفه. والنتيجة من الميسر هي تضاعف الالتزامات والمديونيات بعيدًا عن الثروة الحقيقية، لينشأ عن ذلك ما يسمى الهرم موضوعات ذات صلة: الخمر، الذنب، الزور، اللعب، اللھو (١) انظر: أسلحة الدمار المالي الشامل، سامي بن إبراهيم السويلم، منشور ضمن بحوث كتاب الأزمة المالية العالمية أسباب وحلول من منظور إسلامي ص ٤٦ - ٤٧، حلول اقتصادية من التمويل الإسلامي، بيان الجمعية الدولية للاقتصاد الإسلامي، منشور ضمن بحوث كتاب الأزمة المالية العالمية أسباب وحلول من منظور إسلامي ص ٣٥٨، المنهج الإسلامي لتشخيص ومعالجة الأزمات في سوق الأوراق المالية، حسين شحاتة ص ١٤، الجرائم الاقتصادية: عقوبتها ومكافحتها في ضوء الشريعة الإسلامية، حسين شحاتة ص ١٧. www. modoee.com ١٦٥