النص المفهرس
صفحات 21-40
الميسى
وأبو حيان الأندلسي، وظاهر اختيار البرهان
البقاعي (١).
قال الجصاص: ((هذه الآية قد اقتضت
تحريم الخمر، لو لم يرد غيرها في تحريمها
لكانت كافية مغنية، وذلك لقوله: ﴿قُلّ
فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩].
والإثم كله محرم بقوله تعالى: ﴿قُلّ إِنَّمَا
حَرَّمَ رَنِيَ اَلْفَوَحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَاَلْإِثْمَ﴾
[الأعراف: ٣٣].
فأخبر أن الإثم محرم، ولم يقتصر على
إخباره بأن فيها أثمًا حتى وصفه بأنه کبیر؛
﴿وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ
تأكيدا لحظرها، وقوله:
لا دلالة فيه على إباحتها؛ لأن المراد
منافع الدنيا، وأن في سائر الحرمات منافع
لمرتكبيها في دنياهم، إلا أن تلك المنافع
لا تفي بضررها من العقاب المستحق
بارتكابها، فذكره لمنافعها غير دال على
إباحتها، لا سيما وقد أكد حظرها مع ذکر
منافعها بقوله في سياق الآية: ﴿وَإِثْمُهُمَا
أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾، يعني أن ما يستحق
بهما من العقاب أعظم من النفع العاجل
الذي ينبغي منهما، وبما نزل في شأن الخمر
قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ
الصَّلَوةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى حَتَّى تَعْلَمُواْ مَا نَقُولُونَ﴾
[النساء: ٤٣].
(١) انظر: أحكام القرآن، ابن العربي ١/ ٢١٠، زاد
المسير، ابن الجوزي ١/ ٢٤١.
وليس فى هذه الآية دلالة على تحريم
ما لم يسكر منها، وفيها الدلالة على تحريم
ما يسكر منها، لأنه إذا كانت الصلاة فرضا
فنحن مأمورون بفعلها في أوقاتها، فكل ما
أدى إلى المنع منها فهو محظور، فإذا كانت
الصلاة ممنوعة في حال السكر، وکان شربها
مؤديًا إلى ترك الصلاة، كان محظورًا؛ لأن
فعل ما یمنع من الفرض محظور ومما نزل
في شأن الخمر مما لا مساغ للتأويل فيه قوله
تعالى: ﴿إِنَّمَا ◌ٌلْخَتَّرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَصَابُ وَالْأَرْلَمُ
رِجْسُ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ إلى قوله:
﴿فَهَلْ أَنْتُم مُّنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩٠ -٩١]))(٢).
واستدل أصحاب هذا الرأي بأدلة
ملخصها:
# أن الله تعالى في الآية نص على تغليب
إثم الخمر والميسر على نفعهما في
قوله تعالى: ﴿وَإِنْمُهُمَآ أَكْبُرُ مِنْ
نَّفْعِهِمًا﴾ [البقرة: ٢١٩].
والتغليب يدل على التحريم ابتداءً.
واعترض على هذا بنص الآية ذاتها أيضًا
على أن فيهما منافع للناس ﴿قُلّ فِيهِمَآ إِثْمٌ
كَبِيرٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ﴾، وتلك قرينة أخرى
تفيد الإباحة، فيجمع بين الدلالتين بالكراهة،
كما اعترض بأنه لا يلزم من غلبة المفسدة
(٣)
على المصلحة الدلالة على التحريم
.
(٢) انظر: انظر: أحكام القرآن، الجصاص ٣/٢.
(٣) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ١٣٨/١.
www. modoee.com
١٣٩
حرف الميم
أن الله تعالى جعل في اقترافهما إثمًا، الاعتراض بقوله: «فإن قيل: الآية لا تدل
على أن شرب الخمر إثم، بل تدل على أن
وقد حرم جل جلاله الإثم نصًّا في
قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِىِ اَلْفَوَحِشَ مَا ظَهَرَ
مِنْهَا وَمَا بَطْنَ وَآلْإِثْمَ وَاَلْبَغَىَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ
تُشْرِكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ، سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُواْ
عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣].
فیہ إثما، فهب أن ذلك الإثم حرام، فلم قلتم:
إن شرب الخمر لما حصل فيه ذلك الإثم
وجب أن يكون حرامًا؟ قلنا: لأن السؤال
كان واقعًا عن مطلق الخمر، فلما بين تعالى
أن فيه إثمًا، كان المراد أن ذلك الإثم لازم له
على جميع التقديرات، فكان شرب الخمر
مستلزمًا لهذه الملازمة المحرمة، ومستلزم
المحرم محرم، فوجب أن يكون الشرب
محرمًا)» (٤).
فلما تناول التحريم الإثم، وكان الإثم
من صفات الخمر والميسر ولوازمهما،
وجب تحريمهما، وذلك أن الإثم قد یراد به
العقاب، وقد يراد به ما يستحق به العقاب من
الذنوب، وأیھما کان فلا يصح أن يوصف به
إلا المحرم(١).
واعترض بأن الآية الأولى لم تسم الخمر
والميسر إثمًا، بل جعلت الإثم في اقترافهما،
وفرق بين التعبيرين ودلالتهما.
الإثم الذي فيها هو الحرام، لا هي بعينها،
على ما يقتضيه هذا النظر))(٢).
وقال القرطبي: « قلت: وهذا أيضا ليس
بجيد، لأن الله تعالى لم يسم الخمر إثمًا
في هذه الآية، وإنما قال: ﴿قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ
ڪَبِرٌ﴾، ولم يقل: قل هما إثم کبیر))(٣).
وقد أجاب الفخر الرازي عن هذا
(١) انظر: تفسير السمر قندي ١٧٠/١، أحكام
القرآن، ابن العربي ٢١٠/١، مفاتيح الغيب،
الرازي ٣٨/٦.
(٢) المحرر الوجيز ٢٩٤/١.
(٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣/ ٦٠.
جوبيبو
القرآن الكريمِ
· واستدلوا أيضًا بدلالة وصف الإثم
بالكبير، ففي هذا الوصف تأكيد
لحظرهما، ومن ثم تحريمهما.
واعترض بأن مقتضى إخباره تعالى أن
قال ابن عطية ليس هذا النظر بجيد؛ لأن فيهما إثمًا كبيرًا، أن ذلك الإثم الكبير يكون
حاصلا ما داما موجودین، فلو كان ذلك
الإثم الكبير سببًا لحرمتهما، لوجب القول
بثبوت حرمتهما في سائر الشرائع، ولا تکون
حاجة إلى تحريمهما ثانية (٥).
وأجاب أصحاب هذا الرأي عن حكمة
تتابع الآيات في بيان حكم الخمر والميسر:
بأن دلالة قوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنٍ
الْخَمْرِ وَالْمَيْسِّ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِرٌ وَمَنَفِعُ
(٤) انظر: تفسير السمر قندي (١/ ١٧٠، أحكام
القرآن، ابن العربي ١/ ٢١٠، مفاتيح الغيب،
الرازي ٣٨/٦.
(٥) انظر: مفاتيح الغيب ٣٩/٦.
١٤٠
الميسر
لِلنَّاسِ وَإِنْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا وَيَسْتَلُونَكَ
مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْمَفْوُّ كَذَلِكَ يُبَيِنُ اللَّهُ لَكُمُ
[البقرة :
الْآَيَتِ لَعَلَّكُمْ تَنَفَكَُّونَ ()
٢١٩].
تحتمل التأويل بحالة دون أخرى؛
لاشتمالها على ذكر المنافع والإثم، فيربط
البعض بين المنافع والحل، ويربط الآخر
بين الإثم والحرمة، كما أن قوله تعالى:
يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الضَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ
سُكَرَى حَقَّ تَعْلَمُواْ مَا نَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣].
مخصوص بحالة الصلاة، كما يدل لفظ
الآية، ومما يؤكد حالة الاحتمال وإمكانية
التأويل سؤال سيدنا عمر رضي الله عنه في
الخمر جوابًا شافيًا، لهذا كله كانت الحاجة
ماسة إلى بيان قاطع، فجاء قوله تعالى:
﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا الْخَتْرُ وَالْمَيْسُِ وَالْأَصَابُ
وَاْأَزْلَمُ رِجْسُ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ
تُفْلِحُونَ ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْتَكُمْ
الْعَدَوَةَ وَاَلْبَغْضَآءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِ وَيَصُدُّكُمْ عَن ذِكْرِ
اللّهِ وَعَنِ الصَّلَوَةِ فَهَلْ أَنْتُم مُّنْنَهُونَ﴾ [المائدة: ٩٠ -
٩١].
قال الجصاص: «فمن الناس من یظن أن
قوله: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِرٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ﴾
لم يدل على التحريم، لأنه لو كان دالًا لما
شربوه، ولما أقرهم النبي صلى الله عليه
وسلم، ولما سئل عمر البيان بعده، وليس
هذا كذلك عندنا، وذلك لأنه جائز أن يكونوا
تأولوا في قوله: ﴿وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ﴾ جواز
استباحة منافعها، فإن الإثم مقصور على
بعض الأحوال دون بعض، فإنما ذهبوا عن
حكم الآية بالتأويل، وأما قوله: إنها لو كانت
حرامًا لما أقرهم النبي صلى الله عليه وسلم
على شربها، فإنه ليس في شيء من الأخبار
علم النبي صلى الله عليه وسلم بشربها ولا
إقرارهم عليه بعد علمه، وأما سؤال عمر
رضي الله عنه بيانًا بعد نزول هذه الآية،
فلأنه کان للتأويل فیه مساغ، وقد علم هو
وجه دلالتها على التحریم، ولكنه سأل بیانًا
یزول معه احتمال التأويل، فأنزل الله تعالی:
﴿إِنَّمَا الْخَتَّرُ وَالْمَيْسُِ ﴾ الآية [المائدة: ٩٠]))(١).
الفريق الثاني: وذهب إلى إثبات
التدرج في تحريم الخمر والميسر، حيث
جعلوا دلالة آية سورة البقرة على كراهة
الخمر والميسر وذمهما، واعتبارها بذلك
تمهيدًا لمرحلة تالية من مراحل التدرج في
(٢)
التحريم (٢).
وقد نسب هذا القول لقتادة رحمه الله،
وهو المشهور، ونسب لابن عباس رضي
الله عنه، وعليه جمهور المفسرين، ورواه
السدي عن أشياخه، وبه قال سعيد بن
جبير ومجاهد ومقاتل، وهو رأي جمهور
المفسرين (٣).
(١) أحكام القرآن، الجصاص ٢/ ٤ - ٥.
(٢) انظر: تفسير ابن أبي زمنين ٢١٩/١.
(٣) انظر: الناسخ والنسوخ، قتادة ص ٣٥ - ٣٦،
www. modoee.com
١٤١
حرف الميم
قال الماوردي: ((واختلفوا في هذه الآية المشركين، حتى نزلت: ﴿الَّمَّ ل غُلِبَتِ
الزُّومُ ﴾ [الروم: ١- ٢].
هل كان تحريم الخمر بها أو بغيرها؟ فقال
قوم من أهل النظر: حرمت الخمر بهذه
الآية، وقال قتادة وعليه أكثر العلماء: أنها
حرمت بآية المائدة)»(١).
وبناءً على هذا الرأي فقد ((حرم الميسر
مع الخمر على مراحل، ))وجعل الرسول
صلى الله عليه وسلم عقوبة الميسر التعزير،
ولكن لا يعلم أن أحدًا عوقب على لعب
الميسر قبل نزول التحريم، ولا يعلم أن نصًا
من نصوص التحريم كان له أثر رجعي، ومن
ثم يمكن القول بأن النصوص التي حرمت
الخمر والميسر لم يكن لها أثر رجعي)» (٢).
ويمكن أن يستخلص مما سبق أن تحریم
الميسر مر بمراحل ثلاث هي:
المرحلة الأولى: مرحلة الإباحة، وكانت
قبل نزول آية سورة البقرة.
المرحلة الثانية: مرحلة الكراهة، وذلك
بعد نزول آية سورة البقرة، حيث أفادت
الإباحة مع الكراهة.
المرحلة الثالثة: مرحلة التحريم، وذلك
بعد نزول آية سورة المائدة.
قال الكيا الهراسي: « وكانت المخاطرة
في أول الإسلام مباحة، حتى خاطر أبو بكر
تفسير عبد الرزاق الصنعاني ٨٨/١.
(١) النكت والعيون ٢٧٨/١.
(٢) انظر: التشريع الجنائي في الإسلام، عبدالقادر
عودة (٤٠٩/١) بتصرف.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (زد في
المخاطرة وامدد في الأجل)، ثم حظر ذلك،
ونسخ بتحريم القمار)»(٣).
وورد في عدد من كتب التفسير أن تحريم
الميسر كان بعد غزوة الأحزاب (٤).
والراجح في المسألة بناءً على ما ورد من
روايات: القول بالتدرج في تحريم الميسر
مثل الخمر.
ويدل على رجحان القول بالتدرج:
ظاهر القرآن الكريم، حيث ورد بيان
حکم المیسر مقترنًا بالخمر في أکثر من
موضع مع اختلاف الأسلوب في كلٍّ،
وجمع بينهما في الحديث والحكم؛
لاجتماعهما في الواقع.
قال الطاهر ابن عاشور: « وذکر في هذه
الآية الميسر عطفًا على الخمر ومخبرًا عنهما
بأخبار متحدة، فما قيل في مقتضى هذه الآية
من تحريم الخمر أو من التنزيه عن شربها
يقال مثله في الميسر، وقد بان أن الميسر
قرين الخمر في التمكن من نفوس العرب
(٣) أحكام القرآن، الكيا الهراسي ١/ ١٢٥ -
١٢٦.
وحديث مخاطرة أبي بكر رضي الله عنه
المشركين أخرجه بمعناه: أحمد في مسنده
٣٠٤/١، رقم ٢٧٧٠.
(٤) انظر: تفسير يحيى بن سلام ٢ / ٦٤٤، تفسير
ابن أبي زمنين ٣/ ٣٥٥.
جَوَبُوالَةُ الَّقسيمة
القرآن الكريمِ
١٤٢
الميسر
وأيضًا إن كانت آية سورة البقرة تحتمل
يومئذ، وهو أکبر لھو یلهون به، و کثیرًا ما
يأتونه وقت الشراب إذا أعوزهم اللحم التأويل بين الحل والإباحة، بخلاف آية
سورة المائدة، فهي صريحة في التحريم،
ولا تحتمل التأويل.
للشواء عند شرب الخمر، فهم يتوسلون
لنحر الجزور ساعتئذ بوسائل قد تبلغ بهم
(١)
إلى الاعتداء على جزر الناس بالنحر))
والمتأمل آية سورة البقرة يجد أنها
وصفت الخمر والميسر بأن فيهما إثمًا کبیرًا
ومنافع للناس وأن إثمهما أکبر من نفعهما،
وقد اعتمد أصحاب الفريق الأول على هذا
في إفادتها تحريم الخمر والميسر، غير أن
المتأمل آية سورة المائدة يجد في أسلوب
تحريمها الخمر والميسر قرائن أبلغ في
الدلالة، فقد وصف الخمر والميسر بأنهما
رجس من عمل الشيطان، وتضمنت الأمر
باجتنابها بغية الفلاح، ثم أتبعت ذلك
بتعلیلات تفصيلية لما يلزم الخمر والميسر
من المحرمات (العداوة- البغضاء- الصد
عن ذكر الله - الصد عن الصلاة).
وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ
الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَوَةَ وَاَلْبَغْضَآءَ فِي الْخَمْرِ
وَالْمَيْسِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلَوَّةِ فَهَلْ أَنْتُمُ
مُنْتَهُونَ ﴾ [المائدة: ٩١].
ثم ذيلت الآية بالاستفهام المفيد للنهي
بعد التهديد والوعيد، کما أن الحدیث عن
الانتهاء لم يرد في غير آية سورة المائدة(٢).
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٤٥/٢.
(٢) انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي
١١٧/٢.
قال الزجاج: ((فبالغ الله في ذم هذه
الأشياء فسماها رجسًا، وأعلم أن الشيطان
یسول ذلك لبني آدم)»(٣).
وقال الواحدي: (( والرجس واقع على
الخمر وما ذکر بعدها، وقد قرن الله تعالى
تحريم الخمر بتحريم عبادة الأوثان تغليظًا
وإبلاغًا في النهي عن شربها)) (٤).
و(( جاز في صيغة الاستفهام أن يكون
على معنى النهي؛ لأن الله تعالى ذم هذه
الأفعال وأظهر قبحها، وإذا ظهر قبح الفعل
للمخاطب، ثم استفهم عن تركه، لم يسعه
إلا الإقرار بالترك، فكأنه قيل: أتفعله بعد
ما قد ظهر من قبحه ما ظهر؟ فصار المنهي
بقوله: ﴿فَهَلْ أَنُم مُّنَهُونَ﴾ في محل قد عقد
عليه ذلك بإقراره، فكان هذا أبلغ في باب
النهي من أن لو قيل: انتهوا ولا تشربوا))(٥).
وقال الزمخشري: ((أكد تحريم الخمر
والميسر وجوهًا من التأكيد، منها تصدير
الجملة بإنما، ومنها أنه قرنهما بعبادة
الأصنام، ..... ، ومنها أنه جعلهما رجسًا،
كما قال تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُواْ الرّْسَ مِنَ
(٣) معاني القرآن ٢/ ٢٠٣.
(٤) التفسير البسيط، الواحدي ٧ / ٥١٠.
(٥) المصدر السابق ٧ / ٥١٢.
www. modoee.com
١٤٣
حرف الميم
الْأَوْثَنِ﴾ [الحج: ٣٠].
ومنها أنه جعلهما من عمل الشيطان،
والشيطان لا يأتي منه إلا الشر البحت، ومنها
أنه أمر بالاجتناب، ومنها أنه جعل الاجتناب
من الفلاح، وإذا کان الا جتناب فلاحا، کان
الارتكاب خيبة ومَحْقَةً. ومنها أنه ذكر ما
ينتج منهما من الوبال، وهو وقوع التعادي
والتباغض من أصحاب الخمر والقمر-
القمار-، وما يؤديان إلیه من الصد عن ذکر
الله، وعن مراعاة أوقات الصلاة، وقوله:
﴿فَهَلْ أَثُم مُنَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]، من أبلغ ما
ینھی به، کأنه قيل: قد تلي علیکم ما فيهما
من أنواع الصوارف والموانع، فهل أنتم مع
هذه الصوارف منتهون؟ أم أنتم على ما كنتم
عليه، كأن لم توعظوا ولم تزجروا؟))(١).
كما يظهر في آيات سورة المائدة
اهتمامٌ بشأن الخمر والميسر عن المنهيات
والمحرمات الأخرى المذكورة (الأنصاب-
الأزلام)، بدلالة أنه خصهما بالذكر في الآية
التالية: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ
الْعَدَوَةَ وَاَلْبَغْضَآءَ فِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِ وَيَصُدُّكُمْ عَن ذِكْرِ
اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَوَةِ فَهَلْ أَنُ مُنَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١].
وكذلك ما يستفاد من اقتران الميسر
والخمر بالأنصاب والأزلام من دلالة على
عظم إثمهما البالغ وتساويهما مع الشرك،
(١) الكشاف ١/ ٦٧٤ - ٦٧٥.
وانظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١٢/ ٦٨.
وهذا من مؤكدات تحريمهما بهذه الآية.
قال الزمخشري: ((فإن قلت: لم جمع
الخمر والميسر مع الأنصاب والأزلام أولًا،
ثم أفردهما آخرًا؟ قلت: لأن الخطاب مع
المؤمنين، وإنما نهاهم عما كانوا يتعاطونه
من شرب الخمر واللعب بالميسر، وذكر
الأنصاب والأزلام لتأكيد تحريم الخمر
والميسر وإظهار أن ذلك جميعًا من أعمال
الجاهلية وأهل الشرك، فوجب اجتنابه
بأسره، وكأنه لا مباينة بين من عبد صنمًا
وأشرك بالله في علم الغيب، وبين من شرب
خمرًا، أو قامر، ثم أفردهما بالذكر ليري أن
المقصود بالذكر الخمر والميسر)»(٢).
كما لا يخفى ما في دلالة الآية التالية
لآيات الخمر والميسر في سورة المائدة من
تأكيد لتحريم الخمر والميسر في الآيات
السابقة، وهو قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ
وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأَحْذَرُواْ فَإِن تَوَلَيْتُمْ فَأَعْلَمُوا أَنَّمَا
عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَغُ اَلْمُِّينُ (
﴾ [المائدة: ٩٢].
٩٢
قال ابن العربي في تفسيرها: (( وهذا
تأکید للتحريم وتشديد في الوعيد، قال:
فإن توليتم فليس على الرسول إلا البلاغ
فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين أما
عقاب التولية والمعصية فعلى المرسل لا
على الرسول))(٣).
(٢) الكشاف ١/ ٧٠٨.
(٣) أحكام القرآن، ابن العربي ٢/ ١٦٦.
١٤٤
الْقُرآن الكَرِيْمِ
الميسر
السنة النبوية.
ومنها ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده
عن أبي هريرة قال: (حرمت الخمر ثلاث
مراتٍ، قدم رسول الله صلى الله عليه
وسلم المدينة وهم يشربون الخمر ويأكلون
الميسر، فسألوا رسول الله صلى الله عليه
وسلم عنهما، فأنزل الله على نبيه صلى
الله عليه وسلم: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ
وَالْمَيْسِرِّ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ
وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩].
إلى آخر الآية، فقال الناس: ما حرم
علينا إنما قال: فيهما إثمٌّ كبيرٌ، وكانوا
يشربون الخمر، حتى إذا كان يومٌّ من الأيام
صلى رجلٌ من المهاجرين أم الصحابة في
المغرب فخلط في قراءته، فأنزل الله فيها آيةً
أغلظ منها: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ
الصَّلَوةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى حَقَّ تَعْلَمُواْ مَا نَقُولُونَ﴾
[النساء: ٤٣].
وكان الناس يشربون، حتى يأتي أحدهم
الصلاة وهو مفيقٌ، ثم أنزلت آيةٌ أغلظ من
ذلك: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا الْخَتُ وَالْمَيْسِرُ
وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسُ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [المائدة: ٩٠].
فقالوا: انتهينا ربنا، فقال الناس: يا رسول
الله، ناسٌ قتلوا في سبيل الله، أو ماتوا
على فرشهم كانوا يشربون الخمر ويأكلون
الميسر، وقد جعله الله رجسًا ومن عمل
الشيطان فأنزل الله: ﴿لَيْسَ عَلَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا أَتَّقَواْ
وَءَامَنُواْ ﴾ [المائدة: ٩٣].
إلى آخر الآية، فقال النبي صلى الله
علیه وسلم: لو حرمت علیھم لتر کوها كما
ترکتم»(١).
ويدل لهذا القول أيضًا أن الله تعالى
أخبر في آية سورة البقرة بأن في الخمر
والميسر منافع، وفي الإخبار المذكور
قرينة تدل على الإباحة، وما ذكره
أصحاب الرأي الأول من دلالة اقتران
الإثم بهما لا يزيل الإباحة(٢).
ومما يؤكد القول بالتدرج ما ذكره
بعض المفسرين من دعوى نسخ آية
سورة المائدة لآية سورة البقرة.
أخرج ابن أبي حاتم بسنده عن ابن عباس
رضي الله عنه في قوله: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنٍ
الْخَمْرِ وَالْمَيْسِّ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَفِعُ
لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩].
فنسختها هذه الآية: ﴿إِنََّا الْخَتُرُ﴾ [المائدة:
(١) أخرجه أحمد في مسنده، ٣٥١/٢، رقم
٨٦٠٥، والترمذي في سننه، ٢٥٣/٥، كتاب
تفسير القرآن، باب ومن سورة المائدة، رقم
٣٠٤٩، وأبو داود في سننه، ٣/ ٣٢٥، كتاب
الأشربة، باب في تحريم الخمر، رقم ٣٦٧٠،
والنسائي في سننه المجتبى، ٢٨٦/٨، كتاب
الأشربة، باب تحريم الخمر، رقم ٥٥٤٠.
وصححه أحمد شاكر في تعليقه على المسند.
(٢) انظر: أحكام القرآن، ابن الفرس ٢٧٨/١.
www. modoee.com
١٤٥
حرف الميم
٩٠](١).
وما يرجح هذا القول أيضا ما ورد من
روايات تفيد شرب الصحابة للخمر
بعد نزول آية سورة البقرة؛ إذ لو دلت
قطعًا على التحريم لما شربوا.
قال العلامة الآلوسي: ((والحق أن الآية
لیست نصًّا في التحریم کما قال قتادة، إذ
للقائل أن يقول: الإثم بمعنى المفسدة،
وليس رجحان المفسدة مقتضيًا لتحريم
الفعل، بل لرجحانه؛ ومن هنا شربها كبار
الصحابة رضي الله تعالى عنهم بعد نزولها،
وقالوا: إنما نشرب ما ينفعنا ولم يمتنعوا
حتى نزلت آية المائدة فهي المحرمة)»(٢).
ومما يرجح القول بالتدرج أيضًا ما
أورده أصحاب الصحاح والسنن من
إيراد آية سورة المائدة في سیاق باب
تحريم الخمر.
فقد جاء في ترجمة الإمام البخاري:
(باب قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا اٌلْخَّرُ
وَالْمَيْسِرُ وَالْأَصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسٌُ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ
فَأَجْتِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠](٣)، ثم
أورد عددًا من الأحاديث المتعلقة بتحريم
الخمر.
(١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم ٣٨٩/٢، رقم
٢٠٤٥، المصفى بأكف أهل الرسوخ، ابن
الجوزي ص ٢٠.
(٢) روح المعاني، الألوسي ١١٥/٢.
(٣) صحيح البخاري ٤ / ١٦٨٧.
وجاء في سنن النسائي: (( باب تحریم
الخمر قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ إِنَّمَا الْخَتُرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَصَابُ وَالْأَزْلَمُ بِجْسٌ مِنْ
عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿ إِنَّمَا
يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَاَلْبَعْضَآءَ
فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَوَّةَ
فَهَلْ أَنتُم مُّنْفَهُونَ﴾ [المائدة: ٩٠ - ٩١] (٤)،
ثم ساق حديث عمر رضي الله عنه المتقدم
وغيره من الأحاديث المتعلقة بتحريم
الخمر.
وختامًا لهذا المطلب ينبغي الإشارة
إلى ملمح الإعجاز التشريعي في تدرج
القرآن الكريم في تحريم الميسر، وذلك
أن مرور تحريم الميسر بمراحل غرضه أن
ينقل الناس من الأخف إلى الأشد تدریجیًّا،
ويتضمن سیاسةً تربوية ناجحة، يستفاد منها
في تقنين الأحكام وتطبيقها (٥).
قال الفخر الرازي: (( قال القفال رحمه
الله: والحكمة في وقوع التحريم على هذا
الترتيب: أن الله تعالى علم أن القوم كانوا
قد ألفوا شرب الخمر، وکان انتفاعهم بها
كثيرًا، فعلم الله أنه لو منعهم دفعة واحدة
لشق عليهم، فلا جرم استعمل في التحريم
هذا التدريج وهذا الرفق)» (٦).
(٤) سنن النسائي ٨/ ٢٨٦.
(٥) انظر: التفسير المنير ٢٧٠/١.
(٦) مفاتيح الغيب ٦/ ٣٥.
١٤٦
القرآن الكريمِ
الميسر
ثالثًا: الميسر في العصر الحاضر:
جاء حديث القرآن الكريم عن الميسر
مقصورًا في لفظه على لون واحد من ألوانه،
وهو الميسر في الجزور، واتفق المفسرون
على شمول التحريم كل صور الميسر
وأشكاله.
ولا يخفي ما في التعبير القرآني من رقي
وسمو خلقي واجتماعي، کما لا يخفى ما
فيه من إعجاز في عرض الحكم الشرعي.
وقد تنوعت صور الميسر عبر الأزمان
والبلاد، فكما اشتهر بين العرب في الجاهلية
الإيسار بالجزور، اختصت الجاهلية
المعاصرة بعدد من صور الميسر وأشكاله،
واتخذ بعضها شكل الميسر الخالص،
واتخذ البعض شكلًا خيريًّا أو اجتماعيًّا في
ظاهره، غير أنها تقصد الميسر وتدور في
فلكه و دائر ته.
ويمكن إجمال أهم صور الميسر
المعاصرة في:
١. القمار في عقود التأمين.
يعتبر عقد التأمين صورة تطبيقية واقعية
لنظام التأمين، ویعرف بأنه: (( عقد یتم بین
شركة التأمين ومستأمن معين تتعهد هذه
الشركة بمقتضاه بدفع مبلغ من المال، عند
حدوث خطر معين، مقابل التزام المستأمن
بدفع مبلغ مالي محدد»(١).
(١) انظر: مباحث في الاقتصاد الإسلامي من
ولعقد التأمين أركان هي إجمالًا:
الخطر المؤمن ضده: ويشبه المبيع
في البيع، وهو حدث احتمالي يؤدي
وقوعه إلى خسائر في الأشخاص أو
الممتلكات، وهو أمر غيبي لا يعلمه
إلا الله تعالى، ويتضمن معنى القمار
والغرر الفاحش.
مبلغ التأمين: ويشبه الثمن في البيع،
وهو مبلغ من المال، أو إیراد مرتب، أو
أي عوض مالي آخر، والأول معلوم،
وفي الإيراد المرتب غرر فاحش
ومقامرة، وأما العوض المالي فيحتمل
العلم والجهل.
قسط التأمين: وهو المبلغ الذي يدفعه
المستأمن للشركة مقابل التعويض عن
الخطر، ولا دخل له في تقديره رغم
تحمله له، ولا يحق له الاعتراض،
وهذا من شأنه أن يوجد حالة من عدم
التراضي بين طرفي العقد، كما أنه يزيد
تبعًا لحجم الخطر.
المستأمن: وهو المؤمن له، ويكون
شخصًا أو مؤسسة تطلب التأمين من
أخطار مستقبلية.
المؤمن: وغالبًا ما يتمثل في صورة
أصوله الفقهية، محمد رواس قلعجي ص
١٣١، التأمين بين الحل والتحريم، عيسى
عبده ص ٢٦.
www. modoee.com
١٤٧
حرف الميم
مؤسسة تجارية(١).
بشرط خلوه من الربا؛ اعتمادًا على قيامه
وللتأمين تقسيمات باعتبار شكله على أساس من التعاون، وذهب ثالثٌ إلى
التردد بین الجواز والمنع، وذهب رابع إلی
التفصيل والتمييز بين التعاوني والتجاري
منه، وبين تأمين الأضرار والأشخاص (٤).
وموضوعه، فينقسم من حيث الشكل
إلى: التأمين التعاوني (التبادلي)، وغرضه
اجتماعي إنساني، والثاني: التأمين عن
وقد أشار عدد من الفقهاء والباحثين إلى
أن النوع الشائع المعروف من عقود التأمين
غير جائز؛ لكونه مبنيًّا على الاحتمال،
بمعنى احتمال وقوع الخسارة في الوسائل
أو الأدوات، وبهذا يتضمن معنى المخاطرة،
كم أن فيه غررًا وجهالة، لأنه مستور العاقبة،
مجهول الأجل، على الرغم من كونه ملزمًا
لطرفيه، ويعتبر من عقود المعاوضات،
وأدنى ما يقال فيه: إنه عقد تدور حوله
الشبهات(٥).
طريق قسط ثابت، وتتولاه شركات مساهمة
ومؤسسات مصرفية ضخمة بغرض تحقيق
أرباح وفوائد، وينقسم باعتبار موضوعه
تقسيمات منها: التأمين الاجتماعي، وهو
التأمين الإجباري الذي تقوم به الدول
وتشرف عليه ضد أخطار معينة يتعرض
لها أصحاب الحرف والمهن، والتأمين
الخاص، وهو التأمين الخاص بفرد معين أو
مؤسسة معينة، وإلى: تأمين الأضرار وتأمين
الأشخاص (٢).
والجامع بين أنواع التأمين المختلفة أن
أهم خصائص وأركان عقد التأمين متوفرة
في جميعها(٣).
وللفقهاء حول التأمين آراء: حيث ذهب
فريق إلى المنع مطلقًا، وذهب ثانٍ إلى الجواز
كما أشار بعضهم إلى أن نظام التكافل
الاجتماعي الإسلامي يغني عن أفضل أنواع
التأمين- من وجهة نظر المجيزين-، وهو
التعاوني والاجتماعي، حیث لا يشترط في
نظام التكافل الإسلامي اشتراك، ولا يفرق
(١) انظر: موسوعة القضايا الفقهية المعاصرة
والاقتصاد الإسلامي، علي السالوس ص
٣٦٥، المعاملات المالية المعاصرة في ضوء
الإسلام، سعد الدين الكبي ص ٢٠٦.
(٢) انظر: التأمين بين الحل والتحريم، عيسى عبده
ص ٢٧، التأمين وأحكامه، سليمان الثنيان ص
٧٠.
(٣) انظر: التأمين وأحكامه، سليمان الثنيان ص
٨٧.
(٤) انظر: نظام التأمين حقيقته والرأي الشرعي
فيه، مصطفى الزرقا ص ٢٥، المعاملات
المالية المعاصرة في ضوء الإسلام، سعد
الدين الكبي ص ٢١١.
(٥) انظر: بحوث فقهية في قضايا اقتصادية
معاصرة، محمد الأشقرّ وآخرون ص ١٢،
١٣)، التأمين بين الحل والتحريم، عيسى
عبده ص ٣٠، التأمين وأحكامه، سليمان
الثنيان ص ٦٣.
١٤٨
صَوْسُوء
القرآن الكريمِ
الميسر
فيه بين صاحب حرفة ومهنة وبين عاطل عن تحصيل ما هو أكثر منه، فهو بين أن يفقد ما
العمل أو عاجز (١).
والخلاصة: إن عقود التأمين بنظامها
الغربي الشائع تتضمن صورة من صور
الميسر، حيث تبنى على الخطر، وتعليق
المعاملات على الغيبيات.
٢. أوراق اليانصيب.
ويقوم هذا النظام على شراء شخص
كوبونًا (ورقة يانصيب) بمبلغ من المال،
بغرض أن يشارك في السحب على الجائزة
أیا کانت، مالًا نقديًّا، أو سيارة، أو غير ذلك،
ثم يجرى السحب لاختيار أرقام معينة وهذا
خاضع كلية للحظ، ويترتب على ذلك أن
مشترگا یکسب بدون جهد، ومشتركًا آخر
يخسر بسبب الحظ، وهذا هو عين القمار
الذى كان فى الجاهلية ونهى الله عز وجل
عنه وحر مه(٢).
وعمليات اليانصيب من الميسر- حتى
ولوكان قسم منه يذهب للفقراء-؛ لأنه
مخاطرة، ولأن تمییز المستحق له من بین
المشاركين بواسطة القرعة أو أي طريقة
أخرى تعتمد على الحظ والمصادفة، فكل
مشارك فيه مخاطر بشيء من ماله بغية
(١) انظر: التأمين الاجتماعي في ضوء الشريعة
الإسلامية، عبد اللطيف آل محمود ص ٤١٧.
(٢) انظر: التحليل الاقتصادي الإسلامي لصور
القمار والميسر المعاصرة، حسين شحاتة
ص٢.
خاطر به أو أن يربح ما خاطر من أجله، وقد
علق ذلك على حصول أمر لم يجعله الشارع
سببًا في انتقال الأملاك؛ لأنه لم يكن من
الرابح عمل يستحق عليه الأجر، ولا عوض
يستحق عليه البدل(٣).
قال صاحب المنار: ((وأما كون هذا
النوع لا يظهر فيه ما في سائر الأنواع من
ضرر العداوة والبغضاء والصد عن ذكر
الله وعن الصلاة؛ فلأن دافعي المال فيه لا
يجتمعون عند السحب، وقد يكونون في
بلاد أو أقطار بعيدة عن موضعه، ولا يعملون
له عملا آخر فيشغلهم عن الصلاة أو ذكر
الله تعالى، كقمار الموائد المشهورة، ولا
يعرف الخاسر منهم فردا أو أفرادا أكلوا ماله
فيبغضهم ويعاديهم كميسر العرب وقمار
الموائد ونحوه.
وكثيرًا ما يجعل (اليانصيب) لمصلحة
عامة؛ كإنشاء المستشفيات والمدارس
الخيرية وإعانة الفقراء، أو مصلحة دولية
ولا سيما الإعانات الحربية، والحكومات
التي تحرم القمار تبيح (اليانصيب) الخاص
بالأعمال الخيرية العامة أو الدولية.
ولكن فيه مضار القمار الأخرى،
وأظهرها أنه طريق لأكل أموال الناس
(٣) انظر: القمار حقيقته وأحكامه ص٥٣٨،
الأساس في التفسير، سعيد حوى ١ / ٥٠٩.
www. modoee.com
١٤٩
حرف الميم
بالباطل، أي: بغير عوض حقيقي من عين أو
منفعة، هذا محرم بنص القرآن كما تقدم في
محله.
وقد يقال: إن المال الذي يبنى به
مستشفى لمعالجة المرضى، أو مدرسة
لتعليم أولاد الفقراء، أو ملجأ لتربية اللقطاء
لا یظهر فیه معنی أکل أموال الناس بالباطل
إلا في آخذي ربح النمر الرابحة دون آخذي
بقية المال من جمعية أو حكومة، وهو على
کل حال ليس فيه عداوة ولا بغضاء لأحد
معین، کالذي کان یغرم ثمن الجزور عند
العرب، وليس فيه صد عن ذكر الله وعن
الصلاة))(١).
ولقد أجمع فقهاء المسلمین علی تحريم
أوراق اليانصيب حتى ولو كان جزء من ثمنها
يستخدم أو يوجه إلى أغراض خيرية (٢).
٣. المضاربة في سوق الأسهم.
وله صور متنوعة أشهرها عمليات بيع
وشراء صوريان غرضها الاستفادة من فروق
الأسعار والتغيرات في القيمة السوقية في
أقصر أجل (٣).
(١) تفسير المنار، محمد رشيد رضا ٢/ ٢٦٢.
(٢) انظر: التحليل الاقتصادي الإسلامي لصور
القمار والميسر المعاصرة، حسين شحاتة
ص٢.
(٣) انظر: المضاربة والقمار في الأسواق
المالية المعاصرة تحليل اقتصادي وشرعي،
عبدالرحيم الساعاتي، مجلة جامعة الملك
عبد العزيز: الاقتصاد الإسلامي، م٢٠، ع١،
وفي الغالب تعتمد اعتمادًا أساسيًّا على
معاملات وهمية ورقية شكلية تقوم على
الاحتمالات، ولا یترتب عليها أي مبادلات
فعلية للسلع والخدمات، فهي عينها
المقامرات والمراهنات التي تقوم على
الحظ والقدر (٤).
وقد ذهب أهل الاختصاص إلى أن
حرمة المضاربة المذكورة وسائر العقود
المستقبلية لتضمنها معنى الميسر، حيث
إن المضاربة هي مراهنة على سعر السهم،
وتنطبق عليها شروط الغرر المحرم، وبها
أضرار مشابهة لأضرار الميسر والقمار،
كما ثبت ضررها على المؤسسات المالية
والعاملين بها والمتعاملين معها وعلى
اقتصاد الدول، واعتبرها المختصون في
الغرب قمارًا، وعليه فإنها صورة من صور
الميسر المحرم(٥).
٤. جوائز السحب المرصودة للمشتركين.
وصورته أن تقوم بعض الشركات
ص ٦.
(٤) انظر: أزمة النظام المالي العالمي في ميزان
الاقتصاد الإسلامي، حسين شحاتة ص٧،
تحريم القمار في الشريعة الإسلامية وأثره
في علاج الأزمة الاقتصادية المعاصرة، أحمد
الرفاعي الجهني ص ٨٦.
(٥) انظر: أحكام التعامل في الأسواق المالية
المعاصرة، مبارك آل سليمان ص ١١٤٧،
المضاربة والقمار في الأسواق المالية
المعاصرة تحليل اقتصادي وشرعي،
عبدالرحيم الساعاتي ص ٢٦.
١٥٠
الْقُرآن الكَرِيمِ
الميسر
والمحلات والأفراد برصد جوائز ضخمة الآخرين على الشراء ملوحًا لهم بالجائزة(٢).
وتعرف هذه العملية بلعبة النصب
تغري جمهور المستهلكين بالشراء، أو
الإكثار من الشراء بدون ضرورة معتبرة
شرعًا؛ لتزداد فرصته فى الحصول على المال
النقدي، أو السيارة، أو المنزل، أو الرحلة
السياحية ونحو ذلك، وكلما كان الشراء أكثر
كانت فرصة الفوز أكبر، ثم يعطى المشتري
بكل مبلغ يشترى به كوبونًا .... ، وفى ميعاد
وتاريخ معين يعلن بطريق القرعة عن الفائز
أو الفائزين .... فالقصد من الشراء أن يغنم
بالجائزة.
الهرمية، ولها أسماء منها: هانك، الدولار،
البنتاجونو، ومقر شركاتها في بلاد الغرب،
ولا يستفيد من التعامل فيها سوى أصحاب
الشركات، وتشترك هذه المعاملة مع الميسر
المحرم في أمور منها: أنها تقوم على الحظ،
ما تتضمنه من التحريض على شراء خدمة
ليس المشتري فى حاجة إليها، ولكن لغاية
أخرى هي المكافأة، انتهاؤها بفريق رابح
وفريق خاسر. (٣)
ولقد اختلف الفقهاء بين مجيز وغير
مجيز، فإذا لم تضيف الشركة تكلفة الجائزة
ومصروفاتها إلى ثمن السلعة فهذا جائز، أما
إذا حملت الشركة المستهلك بتلك التكلفة
فهذا غير جائز، وهذا ما يحدث فعلًا(١).
٥. التسويق الشبكى القائم على المكافآت
والجوائز.
وملخصه أن يقوم الشخص بشراء
خدمة موقع على الإنترنت ويدفع مبلغًا من
المال، ويغري آخرين بعملية الشراء، فإذا
بلغ من أغراهم تسعة يستحق له جائزة مبلغًا
من المال وهكذا، وكل فرد يحاول بكافة
السبل المشروعة وغير المشروعة أن يغري
(١) انظر: التحليل الاقتصادي الإسلامي لصور
القمار والميسر المعاصرة، حسين شحاتة
ص٣.
٦. البيع عن طريق سحب الأرقام.
بأن تكون البضاعة مرقمة، فيدفع
المشتري مبلغًا محددًا، أو یأخذ رقمًا يستلم
به بضاعة أعلى مما دفع أو أقل مما دفع، كأن
يدفع عشرة، ويأخذ سلعة بمائة، أو بريال،
ولها أحوال تفصیلیة، غالبها يدور في فلك
الميسر والقمار (٤).
٧. مسابقات الصحف والفضائيات.
وصورتها: أن تعلن إحدى الصحف أو
القنوات عن مسابقة عن طريق الاتصال برقم
معين وللفائز جائزة كبيرة.
وغالبًا ما تنطوي هذه المعاملة على
تحريض وخطر وجهالة بينة، وشبهها
بالمیسر واضح، حيث يدور المشترك فيها
(٢) انظر: المصدر السابق ص٤.
(٣) انظر: المصدر السابق.
(٤) انظر: القمار حقيقته وأحكامه ص ٥٥٣.
www. modoee.com
١٥١
حرف الميم
الباذل للمال باتصال ونحوه بين الغنم
والغرم والسلامة.
وقد عرف القمار كما مربأنه: ((المخاطرة كالطير في الهواء، وقليلٌ جائزٌ إجماعًا،
الدائرة بین أن یغنم باذل المال أو یغرم أو
يسلم)). (١)
٨. بيع الغرر (٢).
وهو البيع المجهول العاقبة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «والغرر هو
المجهول العاقبة، فإن بيعه من الميسر الذي
هو القمار))(٣).
والجهل المقصود في بیوع الغرر یکون
من جهة: الجهل بتعيين المعقود عليه أو
تعيين العقد، أو الجهل بوصف الثمن
والمثمون المبيع، أو بقدره، أو بأجله إن
کان هناك أجل، أو من جهة الجهل بوجوده،
أو تعذر القدرة عليه، أو من جهة الجهل
بسلامته وبقائه(٤).
ويوجد في مجتمعاتنا المعاصرة في
صور مختلفة ومتعددة، ووسائله كذلك
وفيرة، خاصة مع تقدم التقنيات ووسائل
الاتصال.
البيوع أن یکون کثیرًا مؤثرًا.
(١) انظر: مختصر الفتاوى المصرية، البعلي ص
٥٢٩.
(٢) انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية ٣١/ ١٥٥.
(٣) الفتاوى الكبرى، ابن تيمية ٤١٥/٣.
(٤) انظر: بداية المجتهد، ابن رشد ٢/ ١٧٨.
قال القرافي: « الغرر والجهالة - أي:
في البيع - ثلاثة أقسام: کثیرٌ ممتنعٌ إجماعًا،
كأساس الدار وقطن الجبة، ومتوسطٌ اختلف
فيه، هل يلحق بالأول أم بالثاني ؟))(٥).
وقال ابن رشدٍ: ((الفقهاء متفقون على
أن الغرر الكثير في المبيعات لا يجوز،
وأن القليل يجوز، ويختلفون في أشياء من
أنواع الغرر، فبعضهم يلحقها بالغرر الكثير،
وبعضهم يلحقها بالغرر القليل المباح؛
لترددها بين القليل والكثير))(٦).
٩. الشطرنج والنرد.
والشطرنج لعبة ذهنية تلعب على لوحة
(رقعة) مقسمة إلى أربعة وستين مربعًا،
(ثمانية مربعات × ثمانية مربعات) من لونين،
بحيث يكون كل مربع من لون، وبجانبه
مربع من اللون الثاني (غالبًا الأبيض أو
الأسود) يملك كل لاعب ستة عشرة حجرًا
(قطعة) تتحرك كل منها باتجاهات محددة،
والأحجار مقسمة كالتالي: ثمانية جنود
أو بيادق، وقلعتين (أو رخ)، وحصانين،
وقد اشترط الفقهاء لتأثير الغرر في بطلان وفيلين، ووزير (أو ملكة) وملك (أو شاه)
يتحكم أحد اللاعبين بالأحجار من اللون
الأول (الأبيض عادة) ويتحكم اللاعب
الآخر بالأحجار المماثلة من اللون الآخر
(٥) الفروق، القرافي ٢٦٥/٣ - ٢٦٦، الموسوعة
الفقهية الكويتية ٣١ / ١٥١.
(٦) بداية المجتهد ٢/ ١٨٧.
١٥٢
القرآن الكريمِ
الميسر
(الأسود عادة) والهدف من اللعبة هو
الوصول إلى حصر الملك (أو الشاه)،
بحيث لا يستطيع الهروب، وتنتهي اللعبة
عند تلك النقطة.
والنرد: وهو ما يعرف في الوقت الحاضر
بالطاولة، هي لعبة مشهورة جدًا في الشرق
الأوسط والبلاد الفارسية، تتكون من رقعة
خشبية، أو صندوق خشبي، يمكن أن يكون
مزخرفًا ومطعمًا بالصدف أو بقطع خشبية
ثمينة من الأبنوس، وعدد من الأقراص
العاجية أو البلاستيكية أو الخشبية بلونين
مختلفين عددها خمسة عشر من كل لون
ونردین سداسیین.
وقد أجمع الفقهاء على حرمة لعب
الشطرنج والنرد واعتبارهما من الميسر
المحرم، إذا كانا على مال أو شغلا عن
واجب أو اشتملا على محرم، واختلفوا فيما
إذا وقع اللعب بهما مجانًا، ولم يغلب على
الظن إفضاؤه إلى محرم، أو تفويته لواجب،
ويمكن حصر آرائهم في ثلاثة:
الأول: أنه محرم، وهو مذهب جمهور
العلماء من سلف الأمة وخلفها.
الثاني: أنه مكروه كراهة تنزيه، وهو
المشهور عند الشافعية.
الثالث: أنه مباح، وهذا القول وإن نسب
إلى قليلين من العلماء، إلا أنه شاذ لا يلتفت
إليه.
الآثار السيئة للميسر
للميسر آثاره السيئة على الفرد والمجتمع
ومنظومة القيم والحضارة الإنسانية، ولا
تنحصر آثار الميسر السيئة في جانب دون
آخر، أو تختص بفئة دون أخرى، بل تشمل
كافة الجوانب والميادين، وكافة الفئات.
وفي حديث القرآن عن الميسر إشارةٌ
وافية بهذه الآثار، رغم وجازة العبارة، في
تجانس عجيب بين إعجاز التعبير والتشريع
كما سيتضح إن شاء الله تعالى.
غير أنه ينبغي الإشارة إلى منافع الميسر،
اتباعًا لمنهج القرآن الكريم في حديثه
الميسر، فقد نصت آية سورة البقرة على أن
في الميسر منافع للناس: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنٍ
الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَفِعُ
لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَاً وَيَسْتَلُونَكَ
مَاذَا يُنفِقُّونَ قُلِ الْعَفْوُّ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ
الْآَيَتِ لَعَلَّكُمْ تَنَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢١٩].
رغم اشتمالها ذاتها على أن في اقترافه
إثمًا.
وفي تعرضنا لبيان منافع الميسر رغبة
في بيان دقة التعبير القرآني في عرضه الواقع
والحقيقة، بنصه على اشتمال الميسر على
منافع، على الرغم من حكمه بتحريمه،
وهذا ينطوي على دلالات متنوعة وبراهين
ساطعة لمن تدبر وتأمل، كما لا يخفى ما فيه
www. modoee.com
١٥٣
حرف الميم
من إعجاز التشريع كما مر.
و «الفائدة في ذکر المنافع هي بیان حكمة
التشريع ليعتاد المسلمون مراعاة علل
الأشياء، لأن الله جعل هذا الدین دینًا دائمًا،
وأودعه أمة أراد أن يكون منها مشرعون
لمختلف ومتجدد الحوادث، فلذلك أشار
لعلل الأحكام في غير موضع، كقوله تعالی:
أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ
مَيّنًا﴾ [الحجرات: ١٢].
ونحو ذلك، وتخصيص التنصيص على
العلل ببعض الأحكام في بعض الآيات إنما
هو في مواضع خفاء العلل، فإن الخمر قد
اشتهر بينهم نفعها، والميسر قد اتخذوه
ذريعة لنفع الفقراء، فوجب بيان ما فيهما
من المفاسد إنباء بحكمة التحريم، وفائدة
أخرى وهي تأنيس المكلفين فطامهم عن
أکبر لذائذهم؛ تذکیرًا لهم بأن ربهم لا یرید
إلا صلاحهم دون نكايتهم كقوله: ﴿كُتِبَ
عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَكُزْهُ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦].
وقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ
عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣].
وهنالك أيضًا فائدة أخرى وهي عذرهم
عما سلف منهم، حتى لا يستكينوا لهذا
التحريم، والتنديد على المفاسد كقوله:
﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ
فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]))(١).
ويلاحظ أن منافع الميسر كانت مادية
عارضة، وخاصة وعامة، إلا أنه لا يمكن
تجاهلها بحال، فلعلها كانت سببًا في مقارفته
من بعض الناس، وفي بعض الأزمنة.
وقد أشار المفسرون إلى المراد بمنافع
الميسر في الآية الكريمة إشارات متنوعة بين
الاختصار (٢)، والشرح (٣)، ويمكن إجمال
تلك المنافع من كلامهم في:
١. انتفاع الفقراء به.
وذلك أمر معلوم، حيث كان من عادة
الأيسار أن يوزعوا ما يصيبون من أجزاء
الجزور بين الفقراء، بل ويعاب من يطعم
مثل هذا اللحم منهم، وقد أشار إلى هذه
المنفعة جماعة من المفسرين (٤).
يقول العلامة عبد السلام هارون: (( ولا
ریب أن المیسر کان نافعًا للعرب، کان نافعًا
لذوي الحاجة منهم، لأن العرب في أكثر
ما يقامرون إنما يبغون بذلك نفع الفقراء،
والترفيه عن المحتاجين المعوزين، وقل أن
يطعم الأيسار من لحم اليسر، وإنما كانوا
(٢) انظر: تفسير مجاهد ١٠٦/١، تفسير مقاتل
ابن سليمان ١١٦/١، معالم التنزيل، البغوي
١/ ١٩٣.
(٣) انظر: تفسير مجاهد ١٠٦/١.
(٤) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان ١١٦/١،
الكشف والبيان، الثعلبي ٢/ ١٥٢، التفسير
الوجيز، الواحدي ١/ ١٦٥، المحرر الوجيز،
ابن عطية ٢٩٣/١، الجامع لأحكام القرآن،
القرطبي ٣/ ٥٧.
(١) التحرير والتنوير ٣٥٠/٢.
جَوَُّور
القرآن الكريمِ
١٥٤
الميسر
يفرقونه في البائسين)»(١).
٢. اكتساب المال وإصابته من غیر کد ولا
تعب.
وقد أشار إلى هذه المنفعة جماعة من
المفسرين (٢).
٣. ما يصيبون من أنصبة الجزور، فينتفعون
به ويتفاخرون(٣).
فلا تتوقف الإصابة هنا على مجرد
اللحم، بل تتعداه إلى ما يكتسبه من المدح
والثناء من الفقراء، وما يتفاخرون به على
الأبرام - من لا يقامرون- ویترفعون(٤).
((قيل: ربما أن الواحد منهم كان يقمر
في المجلس الواحد مائة بعير، فيحصل
له المال الكثير، وربما كان يصرفه إلى
المحتاجين فيكسب بذلك الثناء والمدح،
وهو المنفعة))(٥).
٤. اللهو والسرور.
ويقصد به السمر والاستمتاع بمجالس
الميسر ومخالطة الناس، وكذلك ما يدخله
(١) الميسر والأزلام ص ٤٧.
(٢) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٢٧٨/١،
تفسير السمعاني ٢١٩/١، معالم التنزيل،
البغوي ١٩٣/١، زاد المسير ٢٤١/١، تفسير
العزبن عبد السلام ٢١١/١.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٢/ ٣٦٠، التفسير
الوجيز، الواحدي ١/ ١٦٥.
(٤) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٤١/٦، نظم
الدرر ، البقاعي ٤٠٩/١.
(٥) لباب التأويل، الخازن ٢١٢/١.
من السرور حال الفوز (٦).
قال ابن عاشور: (( وأصل المقصد
من الميسر هو المقصد من القمار كله،
وهو الربح واللهو، يدل لذلك تمدحهم
وتفاخرهم بإعطاء ربح الميسر للفقراء؛ لأنه
لو كان هذا الإعطاء مطردًا لكل من يلعب
المیسر لما كان تمدح به»(٧).
٥. حدوث رواج في سوق الإبل وبيعها
وشرائها (٨).
وذلك بين، فهي محل الميسر ومحوره
الأساس.
ويتعلق بالحديث عن منافع الميسر
مسألة هامة، وهي هل منافع الميسر دائمة
مستمرة، أو هي محدودة بزمان حله؟
وهذه المسألة متصلة برأيهم في دلالة آية
سورة البقرة على تحريم الخمر والميسر،
أو على ذمهما، فمن ذهب إلى دلالتها على
التحريم رأى أن منافع الخمر المذكورة
محدودة بزمن ما بعد التحریم، ومن ذهب
إلى دلالتها على الذم رأى أن منافع الخمر
عامة دائمة؛ لأنها منافع ذاتية غير عارضة.
قال ابن الجوزي: (( اختلف العلماء في
هذه الآية، فقال قوم: إنها تضمنت ذم الخمر
لا تحریمها، وهو مذهب ابن عباس وسعید
(٦) انظر: الكشاف، الزمخشري ٢٨٩/١، نظم
الدرر، البقاعي ٤٠٩/١.
(٧) التحرير والتنوير ٣٤٩/٢.
(٨) انظر: الميسر والأزلام ص ٤٨.
www. modoee.com
١٥٥
حرف الميم
بن جبير ومجاهد وقتادة، وقال آخرون: بل
تضمنت تحريمها، وهو مذهب الحسن
وعطاء، فأما قوله تعالى: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبِرُ
مِن نَّفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩].
فیتجاذبه أرباب القولین، فأما أصحاب
القول الأول، فإنهم قالوا: إثمهما بعد
التحریم أکبر من نفعهما قبله، وقال أصحاب
القول الثاني: إثمهما قبل التحريم أكبر من
نفعهما حينئذ أيضا؛ لأن الإثم الحادث عن
شربها من ترك الصلاة والإفساد الواقع عن
السكر لا يوازي منفعتها الحاصلة من لذة أو
بیع»(١).
ويمكن تلخيص وجمع كلام المفسرين
في رأيين:
الأول: وذهب أصحابه إلى أن منافع
الخمر والميسر محدودة بزمان حله دون
زمن تحريمه، فهي منافع مؤقتة، فيصير
المعنى: وإثمهما بعد التحريم أكبر من
نفعهما قبله. ونسب هذا القول إلى ابن
عباس ومقاتل والضحاك والربيع وسعيد بن
جبیر ومقاتل، وحکاه جماعة من المفسرين،
ورجحه بعضهم. (٢)
(١) نواسخ القرآن، ابن الجوزي ص ٨٢.
(٢) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان ١١٦/١،
الكشف والبيان، الثعلبي ٢/ ١٥٢، معالم
التنزيل، البغوي ١٩٣/١، مفاتيح الغيب
٣٩/٦، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٦٠/٣، البحر المحيط ١٦٨/٢.
قال مقاتل: (( يعني بالمنافع اللذة
والتجارة في ركوبهما قبل التحريم، فلما
حرمهما الله عز وجل، قال:) ﴿وَإِنْمُهُمَا﴾
(بعد التحريم،) ﴿أَكْبِرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾ قبل
التحريم»(٣).
الثاني: وذهب أصحابه إلى أن منافع
الخمر والميسر عامة دائمة، ليست محدودة
بزمان دون آخر، لأنها منافع ذاتية، والمعنى:
أن إثمهما قبل التحريم أكبر من نفعهما
حينئذ أيضا، لأن الإثم الحادث عن شربها
من ترك الصلاة والإفساد الواقع عن السكر
لا يوازي منفعتها الحاصلة من لذة أو بيع،
ونسب إلى سعيد ابن جبير واختاره جماعة
من المفسرين
قال الطبري: ((وإنما اخترنا ما قلنا في
ذلك من التأويل، لتواتر الأخبار وتظاهرها
بأن هذه نزلت قبل تحريم الخمر والميسر،
فكان معلومًا بذلك أن الإثم الذي ذكر الله
في هذه الآية، فأضافه إليهما إنما عنى به
الإثم الذي يحدث عن أسبابهما)»(٥).
والراجح هو الرأي الثاني القائل بعموم
منافع الخمر والميسر ودوامهما في كل
(٣) تفسير مقاتل بن سليمان ١١٦/١.
(٤) جامع البيان، الطبري ٣٦١/٢، النكت
والعيون، الماوردي ٢٧٨/١، نواسخ القرآن،
ابن الجوزي ص ٨٢، أنوار التنزيل، البيضاوي
٥٠٥/١.
(٥) جامع البيان، الطبري ٣٦١/٢.
١٥٦
جوسين
لِلْقُرآن الكَرِيمِ
الميسر
زمن؛ لاتفاقه مع ظاهر القرآن الكريم، وعدم ضئيل للناس ومشتق من أحوالهم)).(٢)
الحاجة فیہ إلی تأويل.
وعلى كلا الرأيين فإن في الميسر منافع
قال ابن العربي: ((المسألة السادسة: ما ولو محدودة، بقي بيان آثاره السيئة على
الفرد والجماعة واقتصاد الأمة، وهذا ما
سيتضح بتوفيق الله في النقاط الآتية.
هذا الإثم؟ فيه قولان: أحدهما: أن الإثم ما
بعد التحريم، والمنفعة قبل التحريم، الثاني:
أن إثمها كانوا إذا شربوا سكروا، فسبوا
وجرحوا وقتلوا، والصحيح أنها إثم في
الوجهين))(١).
ويقول العلامة أبو زهرة: ((ويلاحظ في
الكلمات السامية: ﴿قُلْ فِيهِمَاْ إِثْمٌ كَبِيرٌ
وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩].
أنه أطلق الإثم ولم يضفه، فلم يقل: إثم
على الناس، أو للناس، وقيد المنافع بأنها
للناس، وهذا يدل على أن الإثم في الخمر
والميسر ذاتي، فهما في ذاتهما رجس كبير،
وخطر وبيل، وأن ما فيهما من منافع فهي
ضئيلة وهي بالنسبة لبعض الناس، فهي
منافع إضافية، لا منافع ذاتية، فجوهر الخمر
والمیسر شر لا خیر فیه، وما يكون من نفع
فيهما في بعض الملابسات، كما يلاحظ في
بيع الأوراق لتمويل بعض جماعات البر،
فليس ذلك لأن في الميسر خيرا أو نفعا، بل
لأن النفوس فسدت، وشحت بالخير، فلا
تجود إلا من هذا الطريق الفاسد، فما فيه
من نفع إضافي سببه فساد الناس، وهو نفع
(١) أحكام القرآن، ابن العربي ١/ ٢١٠.
أولًا: آثار الميسر النفسية على الفرد:
بين القرآن الكريم آثار الميسر النفسية
على الفرد في قوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنٍ
الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِّ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِرٌ وَمَنَفِعُ
لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَاً وَيَسْئَلُونَكَ
مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوُّ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ
[البقرة:
اْآَيَتِ لَعَلَّكُمْ تَنَفَكَّرُونَ (٦)﴾
٢١٩].
وفي قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنَّمَا
اْخَّرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسُ مِّنْ عَمَلِ
الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ { إِنَّمَا يُرِيدُ
الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَعْضَآءَ فِي الْخَمْرِ
وَالْمَيْسِ وَيَصُدُّكُمْ عَن ذِكْرِ الّهِ وَعَنِ الصَّلَوَّةَ فَهَلْ أَنُم
مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩٠ - ٩١].
وبيان ذلك تفصيلًا يقتضي تقسيم الآثار
النفسية للميسر على الفرد إلى قسمين:
القسم الأول: الآثار المتعلقة بالدين:
ويقصد بها تلك المضار التي تؤثر بالسلب
على ضرورة من الضرورات أو كلية من
الكليات الخمس المأمور بحفظها، وهي
(٢) زهرة التفاسير ٢/ ٧٠٨.
www. modoee.com
١٥٧
حرف الميم
الدين والنفس والعقل والمال والعرض.
ويمكن إجمال الآثار السيئة للميسر على
هذا الجانب فيما يلي:
أولًا: الصد عن ذكر الله وعن الصلاة:
وقد نصت على هذا الأثر السيئ آية سورة
المائدة؛ تعليلاً للأمر بالاجتناب والتحريم،
وذلك بسبب اللهو بالميسر عن ذكر الله
والانشغال به عن الصلاة وإضاعتها، وهذا
أمر ظاهر، فمتى اشتغل بمخاطرة يتوقع فيها
فوزًا أو خسارة أو سلامة، فلا بد أن ينشغل
ذهنه وفكره بذلك، أو على الأقل يشوش(١).
قال الفخر الرازي: « وأما أن الميسر مانع
عن ذكر الله وعن الصلاة فكذلك؛ لأنه إن
كان غالبًا صار استغراقه في لذة الغلبة مانعا
من أن يخطر بباله شيء سواه، ولا شك
أن هذه الحالة مما تصد عن ذكر الله وعن
الصلاة))(٢).
والصد عن ذكر الله وعن الصلاة داخل
في مفهوم الإثم في الميسر في قوله تعالى:
﴿قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩](٣)،
والمراد بالصد عن ذكر الله: الصد عن كل
الطاعات بإعادة ذكرها خاصة بعد العموم
(١) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٦٢/٢.
(٢) مفاتيح الغيب ١٢ / ٦٨.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٥٩/٢، النكت
والعيون، الماوردي ١/ ٢٧٧.
جوبيع
القرآن الكريم
الشامل لها؛ لأهميتها ومكانتها. (٤)
ثانيًا: ما فيه من الإثم: وذلك يتمثل في
ارتكاب المحرمات من السرقة والتحايل
وأكل أموال الناس بالباطل، وقول الفحش
والحلف الكاذب ونحوها. (٥)، وقد نصت
على هذا الأثر آية سورة البقرة.
ثالثًا: متابعة الشيطان: ففى اقتراف الميسر
عصيان لله وطاعة للشيطان- والعياذ بالله
من ذلك- وهذا بين في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا اُلَّْرُ وَالْمَيْسُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَمُ
يِجْسُ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَوَةَ
وَالْبَغْضَآءَ فِ الْخَيْرِ وَالْمَيْسِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِوَعَنِ
الصَّلَوَةِ فَهَلْ أَنُ مُّنْنَهُونَ﴾ [المائدة: ٩٠ - ٩١].
فقد نص علی کون اقتراف المیسر رجسًا
من عمل الشيطان(٦)، وكذلك ما يفهم من
الربط بين الآيتين وبين الآية التالية لهما:
﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأَحْذَرُواْ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ
فَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَغُ الْمُبِينُ﴾ [المائدة:
٩٢].
يقول الإمام الطبري: «يقول تعالى ذكره:
طاعة لله تعالى، وخص الصلاة من سائر إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام
(٤) انظر: تفسير السمر قندي ٤٣٨/١، الكشاف
٧٠٨/١.
(٥) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان ١/ ١١٦، بلوغ
الأرب ٦٩/٣، التفسير الوجيز، الواحدي
ص١٦٥.
(٦) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٢/ ٦٥.
١٥٨