النص المفهرس
صفحات 21-26
الملك وناقله. قال تعالى: ﴿إِّ وَجَدتُّ أَمْرَأَةٌ تَمْلِكُهُمْ وَأُوِيَتْ مِن كُلِّ شَىْءٍ وَلَا عَرْشُ عَظِيمٌ ﴾ [النمل: ٢٣]. قال الشوكاني: ((وأوتيت من كل شيءفيه مبالغة، والمراد أنها أوتيت من كل شيء من الأشياء التي تحتاجها، وقيل: المعنى: أوتيت من كل شيء في زمانها شيئًا، فحذف (شيئًا) لأن الكلام قد دل عليه))(١). ومن بين ما يملكه الملوك وخصه الله سبحانه وتعالى بالذكر في القرآن الكريم: الصواع، وهو جام كهيئة المكوك من فضة. وقرأ يحيى بن يعمر: (صوغ الملك) بغين معجمة، يذهب إلى أنه كان مصوغًا فسماه بالمصدر (٢)، فقال تعالى: ﴿قَالُواْ نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَآءَ بِهِ حِمِلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ. زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢]. وهذا الشيء المنسوب للملك -وهو من أشيائه وخواصه- ورد في معرض الحديث عن جريمة سرقة، وانشغال المملكة بفقدانه، وهذا ما يصوره القرآن الكريم في تعلق الممالك بملكها - وإن قل شأنه -. وما دمنا في الحديث عن هذا الملك في زمن سيدنا يوسف عليه السلام فمن المناسب استكمال بعض صفاته الملكية (١) فتح القدير، ٣/ ٧٧. (٢) انظر: غريب القرآن، السجستاني ص ٢٦٩. الدنيوية، منها أوامر الملك فقد ذكر القرآن الكريم أمرين له بصيغة: ﴿وَقَالَ المَلِكُ أَشْتُونِ بِهِّ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ أَرْجِعْ إِلَى رَيْكَ فَسْئَلَهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ الَّتِى قَطَّعْنَ أَيْدِ يَهُنَّ إِنَّ رَبِ بِكَيْدِهِنَّ عِـ ﴾ [يوسف: ٥٠]. وذكر القرآن الكريم اهتمام الملوك بالرؤيا، وفزعهم منها لا سيما إذا كانت تتعلق بممالكهم، أو فيها إشارة لذلك. قال تعالى: ﴿ وَقَالَ الْمَلِكُ إِّ أَرَى سَبْعَ بَقَرَتِ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَانٌ وَسَبْعَ سُتْبُلَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَاِسَتٍ يَأَيُهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِ فِ رُوْيَنِىَ إِن كُنتُمْ لِلْرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ [يوسف: ٤٣]. ولذلك كان نبي الله يوسف عليه السلام فطنًا لهذا الملك وتصرفاته وأوامره ونواهيه، فتمت عملية التفتيش بصورة متقنة فقال تعالى: ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِقَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِجَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَّ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي رِيِنِ اَلْمَلِكِ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَحَتٍ مَّن نَّشَاءُ وَقَوْقَ كُلِ ذِى عِلٍَّ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦]. ثم إن دین الملك هو غير دين نبي الله يوسف عليه السلام، وهنا إشارة قرآنية إلى دين الملوك الذي يجب أن يكون أفضل مما يملكون، وأن يكون دينهم أولى من ملكهم، كما قال بعض الحكماء: ((ينبغي للملك أن یأنف أن یکون في رعيته من هو أفضل دينا www. modoee.com ٢٦١ حرف الميم منه، كما يأنف أن يكون فيهم من هو أنفذ أمرًا منه))(١). وإن مما يملك الناس في الدنيا أيضًا، وذكره القرآن الکریم هو (ملك اليمين)، وقد ذكرنا مواضع وروده في مطلب ((الملك)) في الاستعمال القرآني. (١) درر السلوك في سياسة الملوك، ص٨٩. أنواع الملك في الرعية وآثاره أولًا: الملك الراشد: يتصف الملك أحيانًا بالراشد، من الرشد وهو نقيض كلمة (الغي) التي تستعمل في وصف كل ما يذم، وقد وصف به النبي محمد صلى الله عليه وسلم خلفاءه من بعده بهذا الوصف، فقال عليه الصلاة والسلام: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي)(٢). ذكر جلال الدين الشيزري خمسة عشر وصفًا في الملك الراشد، وهي: (العدل، العقل، الشجاعة، السخاء، الرفق، الوفاء، الصدق، الرأفة، الصبر، العفو، الشكر، الأناة، الحلم، العفاف، الوقار)(٣)، وكل خصلة من هذه الخصال الكريمة لها شواهدها من القرآن الكريم، إذا ما طبقها الملوك؛ كان بالإمكان وصف ملکهم بأنه ((راشد)». وقد عقد الماوردي بابًا في أخلاق الملك، وأوصى الملوك بسياسة أنفسهم (٢) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ١٧١٤٤، وأبو داود في سننه، كتاب السنة، باب لزوم السنة، رقم ٤٦٠٧، والترمذي في سننه، كتاب العلم، باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع، رقم ٢٦٧٦. وصححه الألباني في صحيح الجامع، ٤٩٩/١، رقم ٢٥٤٩. (٣) انظر: المنهج المسلوك في سياسة الملوك، الشیزري ص٢٤٢ -٣٥٧. ٢٦٢ مَوَسُولَة النفسية القرآن الكريم الملك قبل غيرهم، فقال: «فإذا بدأ الإنسان بسياسة نفسه كان على سياسة غيره أقدر وإذا أهمل مراعاة نفسه كان بإهمال غيره أجدر))(١). وثمرة الملك الراشد ونتيجته الطيبة تتجلى في تحقيق العزة للأمة، واستتباب الأمن، وتحقيق السعادة الدنيوية والأخروية، وقد ضرب الله لنا مثلاً للحكم الملكي الراشد في شرع من قبلنا، ومنه الأنبياء الملوك، وطالوت، وذو القرنين، وبلقيس ملكة سبأ، وقصصهم معلومة في القرآن الکریم. ثانيًا: الملك الفاسد: قابل جلال الدين الشيزري خمسة عشر وصفًا في الملك الفاسد، وهي: (الجور، الجهل، البخل، السرف، خلف الميعاد، الكذب، الغيبة، الغضب، العجب، الکبر، الحسد، العجلة، المزاح، الضحك، الغدر)(٢)، وهذه جميعًا من المناهي القرآنية، التي وردت فيها آیات کریمة، وهذه الخصال المذمومة إذا ما ظهرت على الملوك؛ فإنه يصدق فيهم وصف الملك بـ((الفاسد)). وأما ثمرة الملك الفاسد ونتيجته الخبيثة، فھي تعبيد الناس لغير الله، وشيوع الكفر، (١) درر السلوك في سياسة الملوك، الماوردي ص ٥٨. (٢) انظر: المنهج المسلوك في سياسة الملوك، الشيزري ٣٥٩- ٦٤٦. وانتشار الظلم والفواحش، والصد عن سبيل الله، والإفساد في الأرض، وفساد الرعية، وقد ضرب الله لنا مثلًا للحكم الملكي الفاسد في شرع من قبلنا، ومنه: فرعون، النمرود، وعزيز مصر، وقصصهم معلومة في القرآن الكريم. ثالثًا: سياسة الرعية: سياسة الرعية هو التخصص الدقيق للملوك - إن صح التعبير-، وهذه السياسة مبنية على قواعد قرآنية متينة، تعد بمثابة الأسس لقوام الملك، وهي ما يأتي: ١. الحكم بما أنزل الله. الحكم بما أنزل الله هو أول ما ينبغي أن يجعله الملوك نصب أعينهم، إذ به يتحقق العدل والخير والأمن وغيرها من سياسية الرعية، وقد أوصى الله تبارك وتعالى الأنبياء بالحكم بما أنزل الله، وهي الوصية نفسها لمن تقلد الملك من الأنبياء، يذكر أنه دخل ابن شهاب على الوليد بن عبد الملك فقال: يا ابن شهاب ما حدیث یحدثنا به أهل الشام؟ قال: وما هو يا أمير المؤمنين؟ قال: حدثونا أن الله - تبارك وتعالى - إذا استرعى عبدًا رعیة کتب له الحسنات ولم یکتب عليه السيئات! قال: كذبوا يا أمير المؤمنين! أنبيِّ خليفة أقرب إلى الله أم خليفةٌ ليس بنبيٍ؟ قال: بل نبيِّ خليفة. قال: أنا أحدثك يا أمير www. modoee.com ٢٦٣ حرف الميم المؤمنین بما لا شك فيه. يَدَاوُودُ إِنَّا قال الله تعالى لنبيه داود: جَعَلْنَكَ خَلِيفَةٌ فِ الْأَرْضِ فَأَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ بِلْحِّ وَلَا تَنَِّعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦]. يا أمير المؤمنين: هذا وعيد الله لنبي خليفة فما ظنك بخليفة غير نبي؟ فقال الوليد: إن الناس ليفرونا عن ديننا(١)، فكأنه لم يعجبه الكلام. ٢. العدل والإحسان. قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِ كُلِّ أُنَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمٌّ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءُ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ تِبْيَئِنَّا لِكُلِّ شَىْءٍ وَهُدِّى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩]. قال الحسن البصري: ((إن الله تعالى جمع الخير كله والشر كله في هذه الآية، وقال: إن استقامة الملك بالثلاثة المأمور بها في الآية واضطرابه بالثلاثة المنهي عنها فيها)) (٢). وقد خصص الطرطوشي بابًا في بيان معرفة الخصال التي هي قواعد السلطان ولا ثبات له دونها، وذكر أول الخصال وأحقها بالرعاية: ((العدل، الذي هو قوام الملك، (١) انظر: سراج الملوك، الطرطوشي ص ٣٧. (٢) انظر: المنهج المسلوك في سياسة الملوك، ص٢٤٣. ودوام الدول ورأس كل مملكة سواء كانت نبوية أو اصطلاحية»(٣). وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّواْ الْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوْ بِالْعَدَّلِّ إِنَّ اللَّهَ نِمَا يَعِظُكُمْ بِيُّهِ إِنَّاللَّهَ كَانَ سَمِيعً بَصِيرًا (٦) ◌َأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمِّ مِنْكُمْ فَإِن نَزَعْنُمْ فِي شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُمُتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاَلْيَّوْمِ الْآخِرِّ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٨-٥٩]. قال ابن تيمية: ((وإذا كانت الآية قد أوجبت أداء الأمانات إلى أهلها، والحكم بالعدل؛ فهذان جماع السياسة العادلة، والولاية الصالحة)) (٤). ٣. تعبید الناس لله. من وظائف الملوك الشرفية: أن يوصلوا الخلق بالخالق؛ فيدلوهم على طريق الهداية، ويعينوهم على طاعة الله، لا أن يجعلوهم عبيدًا لهم، فقال تعالى: ﴿ الَّذِينَ إِن مَّكُنَّهُمْ فِ الْأَرْضِ أَقَامُواْ الصَّلَوةَ وَءَاتَواْ الزَّكَوَةَ وَأَمَرُواْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ الْمُنكَرِّ وَإِلَّهِ عَقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤١]. قال الطرطوشي: ((ومن ذلك آية الملوك التي أنزلها الله تعالى في السلاطين؛ لما اقتضته من السياسة العامة، التي فيها بقاء الملك، وثبوت الدول. (٣) انظر: سراج الملوك، ص٥١. (٤) السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، ابن تيمية ص ٦. ٢٦٤ جوسين لِلْقُرْآنِ الْكَرِيْمِ الملك قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِحُواْ مِن دِيَرِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا اَللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضِ لَّدِّمَتْ صَوَمِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَتٌ وَمَسَجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا أَسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ: إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىُّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠]. ثم سمی المنصور وأوضح شرائط النصر فقال تعالى: ﴿اَلَِّينَ إِن مُّكُنَّهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُواْ الصَّلَوةَ وَءَاتَواْ الزَّكَوَةَ وَأَمَرُواْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ الْمُنكَرِّ وَللَّهِ عَقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤١]. فضمن الله تعالى النصر للمملوك، وشرط عليهم أربع شرائط كما ترى، فمتى تضعضعت قواعدهم، أو انتقض عليهم شيء من أطراف ممالكهم، أو ظهر عليهم عدو، أو باغي فتنة، أو حاسد نعمة، أو اضطربت عليهم الأمور، أو رأوا أسباب الغير؛ فليلجؤوا إلى الله تعالى، ويستجيروا من سوء أقداره؛ بإصلاح ما بينهم وبينه سبحانه وتعالى، بإقامة الميزان بالقسط الذي شرعه الله تعالى لعباده، وركوب سبيل العدل والحق، الذي قامت به السماوات والأرض، وإظهار شرائع الدین، ونصر المظلوم، والأخذ على يد الظالم، وكف يد القوي عن الضعيف، ومراعاة الفقراء والمساكين، وملاحظة ذوي الخاصة والفقراء المستضعفين، وليعلموا أنهم قد أخلوا بشيء من الشروط الأربعة التي شرطت في النصر))(١). ٤. البطانة الصالحة. قال الله تعالى في قصة موسى عليه السلام: ﴿وَأَجْعَل ◌ِلِ وَزِيْرًا مِنْ أَهْلِ﴾ [طه: ٢٩]. قال الطرطوشي: ((فلو كان السلطان يستغني عن الوزراء لكان أحق الناس بذلك کلیم الله موسى بن عمران. ثم ذكر حكمة الوزراء فقال: ﴿أَشْدُدْ يِ= أَزْرِی ) وَأَشْرِكُفِ أَمْرِى﴾ [طه: ٣١-٣٢]. دلت هذه الآية على أن موضع الوزير أن يشد قواعد المملكة وأن يفضي إليه السلطان بعجز ونحوه إذا استكملت فيه الخصال المحمودة. ثم قال: ﴿كَيْ نُسبِّحَكَ كَثِيرًا وَنَذْكُرُكَ كَثِيرًا﴾ [طه: ٣٣ -٣٤]. دلت هذه الكلمة على أن بصحبة العلماء والصالحين وأهل الخبرة والمعرفة؛ تنتظم أمور الدنيا والآخرة))(٢). ٥. الشورى. قال ابن تيمية: ((لا غنى لولي الأمر عن المشاورة؛ فإن الله تعالی أمر بها نبيه صلى الله عليه وسلم فقال تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَأُسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمِّيِّ فَإِذَا عَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِّ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِلِينَ﴾ [آل (١) انظر: سراج الملوك، ص٣٩- ٤٠. (٢) انظر: سراج الملوك، ص٦٩. www. modoee.com ٢٦٥ حرف الميم عمران: ١٥٩]». رابعًا: آثار الملك: يذكرنا القرآن الكريم بمصير الملوك والممالك، فقال تعالى: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ اَلْأَوَّلِينَ﴾ [المرسلات: ١٦]. وحتى لا نستصغر ملك الأولين وبساطته؛ فقد جاء التصريح القرآني بقوله تعالى: ﴿وَكََّأَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَشَّاً وَرِهْيًا ﴾ [مريم: ٧٤]. فمن من الملوك كان خدمه الإنس والجن والطير والشياطين والوحوش والبهائم؟، ومن من الملوك تجري له الريح بأمره؟ هكذا كانت الملکیة من قبل؛ حتى لا يستهين بها الملوك المتأخرين، فنبي الله سليمان عليه السلام كان مثالًا للملك الصالح، وعلى نظام الملكية الوراثي الذي أخذه عن أبيه النبي الملك داود عليه السلام، ومع كل ما آتاه الله من نعم، قال مقولةً خلدها القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِى عِندَهُ عِلٌ مِّنَ اُلْكِتَبِ أَنَاْ ءَائِكَ بِهِ، قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَجَاهُ مُسْتَقِرًا عِندَهُ، قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبٍِ لِيَبْلُوَبِّ ءَأَشْكُرُأَمْ أَكْفُرٌ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ، وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِ غَنِىٌّكَرِيمٌ﴾ [النمل: ٤٠]. ومقولة النبي الملك سليمان عليه السلام قررتها آية قرآنية أخرى، فقال سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِى جَعَلَكُمْ خَيْفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَّكُمْ فِي مَآ ءَاتَنْكُرُّ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٦٥]. ثم جاء الخطاب القرآني ليقرر أن هلاك الممالك سنة كونية؛ إذا ما اتبعت آثار الممالك الهالكة، فقال تعالى: ﴿ وَإِذَا أَرَدْنَاً أَنْ تُهْلِكَ قَرَّيَّةً أَمَرْنَا مُتْرَفِبَهَا فَفَسَقُواْ فِبَهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا اَلْقَوْلُ فَدَ قَرْنَهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: ١٦]. وهذه الحقيقة القرآنية قائمة على خصال الملك الفاسد التي مرت معنا في المطلب الثاني، وإلا فالممالك باستطاعتها أن تحافظ على نفسها؛ إذا ما تجنبت الظلم والفسق وغيرهما من المهالك للممالك. قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ اَلْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: ١١٧]. وأصرح آية في آثار الملك قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُواْ فِ الْأَرْضِ فَيَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ كَانُواْ مِن قَبْلِهِمَّ كَانُواْ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَءَاثَارًا فِ اُلْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اُلَّهِ مِن وَاقٍ ﴾ [غافر: ٢١]. قال ابن عطية: ((والآثار في ذلك: هي المباني والمآثر، والصيت الدنياوي))(١). (١) المحرر الوجيز، ٥٥٣/٤. ٢٦٦ مَةُ التَّهِيـ القرآن الكريم