النص المفهرس

صفحات 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
١
المِلاَكَ
هـ
عناصر الموضوع
مفهوم الملائكة
٢٠٠
الملائكة في الاستعمال القرآني
٢٠١
الألفاظ ذات الصلة
٢٠٢
٢٠٣
الملائكة وآدم
٢٠٥
صفات الملائكة
٢١١
وظائف الملائكة
٢١٩
الملائكة الوارد ذكرهم في القرآن
٢٢٦
موقف المؤمن من الملائكة
٢٣٠
موقف الكافرين من الملائكة
٢٣٧
وظائف الملائكة في الآخرة
المُجَلَدَ الخَّادِى وَالثَّلاثُونْ

حرف الميمر
مفهوم الملائكة
أولًا: المعنى اللغوي:
الملائكة في اللغة: جمع ملكٍ، والملك أصله مشتق من الفعل (ألك) أي: حمل الرسالة،
قال ابن فارس: ((الهمزة واللام والكاف أصل واحد، وهو تحمل الرسالة))(١)، ومنه الألوكة
والمألكة والألوك (٢)، قال الخليل: الألوك: الرسالة، وإنما سميت الرسالة ألوكًا؛ لأنها تؤلك
في الفم، مشتق من قول العرب، الفرس يألك باللجام ويعلكه (٣)، وسميت الملائكة ملائكةً،
لتبليغها رسائل الله عز وجل إلى أنبيائه صلوات الله عليهم، ومن أرسلت إليه من عباده (٤)،
وهو قول الجمهور(٥)، وقيل: إن أصله من (ملك) الدال على قوة في الشيء وصحة، يقال:
أملك عجينه: قَوَّى ع اجْنَهُ وشَدَّهُ، وملكت الشيء: قويته (٦).
و(الملك) من (الملائكة) واحدٌ وجمعٌ، ويقال: ملائكةٌ وملائك(٧).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
عرفها ابن عاشور بأنها: «أجسام لطيفة نورانية أخيار ذوو قوة عظيمة، ومن خصائصهم
القدرة على التشكل بأشكال مختلفة، والعلم بما تتوقف عليه أعمالهم، ومقرهم السماوات
ما لم يرسلوا إلى جهة من الأرض))(٨).
وأما الفوزان فعرفها قائلًا: ((الملائكة خلق من خلق الله في عالم الغيب، خلقهم الله
لعبادته، ولتنفيذ أوامره سبحانه وتعالى في ملكه، وهم أصناف، كل صنف له عمل موكل به
ويقوم به، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون (٩).
(١) مقاييس اللغة، ابن فارس ١/ ١٣٢
(٢) انظر: تاج العروس، الزبيدي ٢٧/ ٤٨
(٣) انظر: العين، الفراهيدي ٥/ ٤٠٩.
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ١/ ٤٤٧، الزاهر في معاني كلمات الناس، الأنباري ٢/ ٢٥٤.
(٥) انظر: النكت في القرآن الكريم، أبو الحسن المجاشعي ص ١٢٥.
(٦) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٥/ ٣٥١.
(٧) مختار الصحاح، الرازي ص ٢٩٨.
(٨) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٢/ ٢٥٠.
(٩) شرح الأصول الثلاثة، صالح الفوزان ص ٢٠٧.
٢٠٠
جوسيس
القرآن الكريمِ

الملائكة
الملائكة في الاستعمال القرآني
وردت (الملائكة) في القرآن الكريم (٨٨) مرة (١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
﴿وَقَالُواْ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٨].
وَمَآ أَنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَرُوتَ وَمَرُونَ
اسم
٨٨
[البقرة: ١٠٢].
وَعَلَّمَ ءَادَمَ اُلْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَئِكَةِ﴾
[البقرة: ٣١]
وجاءت الملائكة في القرآن بمعناها في اللغة وهي: جمع مَلَك بفتح اللام، والملك
أصله: ألك، والمألكة، والمألك: الرسالة. ومنه اشتق الملائك؛ لأنهم رسل الله(٢).
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٦٧٤ -٦٧٦.
(٢) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ١٣٢/١، المصباح المنير ٢٣/١.
www. modoee.com
٢٠١

حرف الميم
الألفاظ ذات الصلة
الجن:
١
الجن لغة:
قال الجوهري: الجن: خلاف الإنس، والواحد جنيٌ. يقال: سميت بذلك؛ لأنها تتقى ولا
ترى. وجن الرجل جنونًا، وأجنه الله، فهو مجنونٌ (١).
الجن اصطلاحًا:
نوع من الأرواح العاقلة المكلفة على نحو ما عليه الإنسان، مجردون عن المادة، مستترون
عن الحواس، لا يرون على طبيعتهم، ولا بصورتهم الحقيقية، ولهم قدرة على التشكل (٢).
الصلة بين الجن والملائكة:
الملائكة معصومون عن الزلل، والجن كالإنس غير معصومين، والملائكة وإن كانت
مثل الجن من حيث الخفاء، إلا أنهم أرقى المخلوقات، من حيث فضلهم وطاعتهم.
الإنس:
٢
الإنس لغةً:
مادة (أن س) تدور في اللغة حول معنيين رئيسين هما: الظهور والنسيان (٣).
الإنس اصطلاحًا:
هم كل حيوان ناطق يرى شكله، ولا يستطيع أن يرى الجن ولا الملائكة.
وقال الجرجاني: الإنسان هو الحيوان الناطق (٤).
الصلة بين الإنس والملائكة:
الإنس والملائكة من مخلوقات الله، إلا أن الإنس خلقوا من طين، وخلقت الملائكة
من نور. والملائكة معصومون عن الزلل، والإنس كالجن من حيث الشهوة وأصنافهم،
والملائكة غیر مکلفین ولا يتناکحون ولا یأکلون ولا يشربون، بخلاف الإنس.
(١) مختار الصحاح، الجوهري ٢٠٩٣/٥.
وانظر: المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده ٧/ ٢١٣، الكليات، الكفوي ص١٦٩.
(٢) الموسوعة العقدية، مجموعة من الباحثين ٣٣٠/٨.
(٣) مقاييس اللغة، ابن فارس ١٤٥/١، لسان العرب، ابن منظور ١٤٧/١.
(٤) التعريفات، الجرجاني ص٣٨.
٢٠٢
جوية
القرآن الكريمِ

الملائكة
الملائكة وآدم
اقتضت حكمة الله وإرادته أن يخلق
آدم عليه السلام، وأن يجعله وذريته خلفاء
في الأرض؛ ليقوموا بعمارتها وفق منهج
الله تعالى وشريعته؛ فيحققوا بذلك غاية
وجودهم، توحيدًا لله تعالى وعبادة له
وطاعة، وعندما أراد الله سبحانه أن يخلق
آدم أعلم ملائكته بمراده، فسألوه عن
الحكمة من وراء ذلك، فأخبرهم سبحانه،
أن من وراء خلقه لآدم حكمًا لا يعلمونها،
وعندما خلقه وسواه ونفخ فيه الروح أمر
ملائكته بالسجود له، فاستجابوا لأمره
سبحانه وتعالى، وسوف نتحدث عن خلافة
آدم والسجود له بشيء من التفصيل في
النقاط الآتية:
أولًا: خلافة آدم:
أخبر الله تعالى ملائكته الكرام بأنه
سيجعل في الأرض خليفة يسكنها.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَتِكَةِ
إِنِّي جَاعِلٌ فِىِ الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا
مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الذِمَآءَ وَغَحْنُ نُسَبْحُ
بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكِّ قَالَ إِّ أَعْلَمُ مَا لَا
نَعْلَمُونَ (٥)﴾ [البقرة: ٣٠].
قال البغوي: ((والمراد بالخليفة ها هنا
آدم سماه خليفة؛ لأنه خلف الجن، أي: جاء
بعدهم، وقيل: لأنه يخلفه غيره، والصحيح
أنه خليفة الله في أرضه؛ لإقامة أحكامه
وتنفيذ قضاياه))(١).
وذكر الشيخ الشنقيطي وجهين لأهل
التفسير في قوله ﴿خَلِيفَةً﴾:
أحدهما: أن المراد بالخليفة أبونا آدم
عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام؛ لأنه خليفة
الله في أرضه في تنفيذ أوامره.
والثاني: أن المراد بالخليفة: الخلائف
من آدم وبنیه لا آدم نفسه وحده، وقد دلت
آيات على ذلك مثل قوله تعالى: ﴿قَالُوا
أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ﴾
[البقرة: ٣٠].
وقوله تعالى: ﴿هُوَالَّذِی جَعَلَكُتْ خَلَیِفَ فِی
الأَرْضِ﴾ [فاطر: ٣٩].
ونحو ذلك من الآيات، ومعلوم أن آدم
عليه السلام ليس ممن يفسد فيها ولا ممن
یسفك الدماء، ویمکن الجواب على ذلك:
بأن المراد بالخليفة آدم، وأن الله أعلم
ملائكته بأنه سيكون من ذريته من يفعل
ذلك الفساد، وسفك الدماء، فقالوا ما قالوا،
وأن المراد بخلافة آدم الخلافة الشرعية،
وبخلافة ذريته أعم من ذلك، وهو أنهم
يذهب منهم قرن ویخلفه قرن آخر (٢).
وهذه الآية أصلٌ في نصب إمام وخليفة
يسمع له ويطاع، لتجتمع به الكلمة، وتنفذ به
(١) معالم التنزيل، البغوي ١/ ١٠٢.
(٢) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ١/ ٢٠-٢١.
www. modoee.com
٢٠٣

حرف الميم
أحکام الخلیفة، ولا خلاف في وجوب ذلك
بين الأمة(١).
وأما عن سؤال الملائكة لربهم ﴿أَجْعَلُ
فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ وَفَحْنُ
نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ فقال ابن
كثير: ((وقول الملائكة هذا ليس على وجه
الاعتراض على الله، ولا على وجه الحسد
لبني آدم، كما قد يتوهمه بعض المفسرين،
وإنما هو سؤال استعلام واستكشاف عن
الحكمة في ذلك»(٢).
من الله سبحانه بوجه من الوجوه؛ لأنهم
لا يعلمون الغيب، قال بهذا جماعة من
المفسرين (٣).
ويستفاد من قوله تعالى: ﴿إِنِّيَّ أَعْلَمُ مَا
لَا نَعْلَمُونَ﴾ أن العبد إذا خفیت علیه حكمة
الله في بعض المخلوقات والمأمورات،
فالواجب عليه التسليم بها، واتهام عقله،
والإقرار لله بالحكمة (٤).
ثانيًا: السجود لآدم:
أمر الله تعالى ملائكته الكرام بالسجود
لآدم، فاستجابوا طاعة له وامتثالا لأمره جل
وعلا.
(١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١/ ٢٦٤.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١ / ٢١٦.
(٣) انظر: فتح القدير، الشوكاني ١/ ٧٤.
(٤) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
٤٩.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَئِكَةِ أَسْجُدُواْ
◌ِلَّدَمَ فَسَجَدُوْاْ إِلَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَأَسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ
اَلْكَفِرِينَ ﴾ [البقرة: ٣٤].
اختلفوا في هذا الخطاب مع أي
الملائكة كان؟ فقيل: إن هذا الخطاب كان
مع الملائكة الذين كانوا سكان الأرض،
والأصح أنه خطاب مع جميع الملائكة
بدليل قوله تعالى: ﴿ فَسَجَدَ الْمَلَتِكَةُ
كُلُهُمْ أَجْمَعُونَ ﴾ [الحجر: ٣٠](٥).
وأصل السجود في اللغة: الخضوع
وإنما قالوا هذه المقالة؛ لعلم قد علموه والتذلل، وكل من ذل وخضع لما أمر به
فقد سجد (٢)، وأجمع المسلمون على
أن ذلك السجود ليس سجود عبادة؛ لأن
سجود العبادة لغير الله كفر، والأمر لا يرد
بالكفر (٧)، ولكن اختلفوا في كيفية السجود.
قال السمعاني: ((وفي قوله تعالى:
﴿أَسْجُدُوالِّدَمَ ﴾ قولان:
أحدهما: أن معناه اسجدوا إلى آدم،
فیکون آدم کالقبلة، والسجود لله تعالى.
والأصح: أن السجود كان لآدم على
الحقيقة.
وتضمن معنى الطاعة لله تعالى بامتثال
أمره فیه، فعلى هذا يكون السجود لآدم على
سبيل التحية له، وهو كسجود إخوة يوسف
لیوسف بمعنی التحية له.
(٥) انظر: لباب التأويل، الخازن ١/ ٣٧.
(٦) الوسيط، الواحدي ١/ ١١٩.
(٧) مفاتيح الغيب، الرازي ٢/ ٤٢٧.
٢٠٤
جوبيـ
القرآن الكريم

الملائكة
قال تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ
وَخَرُّواْلَهُ سُجَّدًا﴾ [يوسف: ١٠٠]))(١).
وهذه كرامة عظيمة من الله تعالى لآدم
امتن بها على ذريته(٢)، ودليل على فضل
آدم عليه السلام؛ إذ جعل موضع عبادة خيار
خلق الله معه(٣).
والخلاصة في القول: إن السجود كان
تعظيمًا وتحيةً؛ تكريمًا لآدم وإظهارًا لفضله،
وطاعة لله تعالى لا سجود عبادة.
(١) تفسير السمعاني ١/ ٦٧.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ٢٢٧.
(٣) تأويلات أهل السنة، الماتريدي ١/ ٤١٩.
صفات الملائكة
إن العلم بالملائكة من الأمور الغيبية
التي لا يصل إليها العقل المجرد، وإنما
السبيل لمعرفتهم هو الخبر الصادق عن
الله عز وجل، أو عن رسوله صلى الله عليه
وسلم، وقد جاءت الأخبار التي تفيد بوجود
الملائكة، وتذكر بعض صفاتهم، فللملائكة
صفات متعددة ومتنوعة، ومن هذه الصفات
ما يأتي:
أولًا: أولو أجنحة:
ذكر الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم
أنه اصطفی من الملائكة رسلاً.
قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ
الْمَلَبِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ
سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴾ [الحج: ٧٥].
وذكر جل وعلا في موضع آخر أن أولئك
الرسل من الملائكة لهم أجنحة وتلك
الأجنحة متعددة.
قال تعالى: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَئِكَةِ رُسُلًا أُوْلٍ أَجْنِحَةٍ مَّشْفَ
وَثُلَثَ وَرُبَعَّ يَزِيدٌ فِ اٌلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ
شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [فاطر: ١].
قال البيضاوي: ((﴿أُوْلِ أَجْنِحَةٍ مَّتْفَ وَثُلَثَ
وَرُبَعَ﴾ أي: ذوي أجنحة متعددة متفاوتة
بتفاوت ما لهم من المراتب ينزلون بها
ويعرجون، أو يسرعون بها نحو ما وكلهم
www. modoee.com
٢٠٥

حرف الميم
الله عليه فيتصرفون فيه على ما أمرهم به ومنهم من له أربعة، ومنهم من له ستمائة
جناح، وهذا دليل على كمال قدرته وسعه
﴿يَزِيدُ فِ الْخَلْقِ مَا يَشَآءُ﴾ استئناف للدلالة
على أن تفاوتهم في ذلك بمقتضى مشيئته
ومؤدی حکمته))(١).
ملکه سبحانه وتعالى، و کثرة الأجنحة دلیل
القدرة على السرعة في تنفيذ أوامر الله
وتبليغ رسالته.
وقال ابن كثير: (( وقوله: ﴿مَاعِلِ الْمَلِكَةِ
رُسُلًا﴾ أي: بينه وبين أنبيائه ﴿أُوْلِّ أَجْنِحَةٍ﴾
أي: يطيرون بها ليبلغوا ما أمروا به سريعًا
﴿َثْقَ وَتُلَثَ وَرُّبَعَ﴾ أي: منهم من له
جناحان، ومنهم من له ثلاثة، ومنهم من له
أربعة، ومنهم من له أكثر من ذلك))(٢).
كما جاء في الحديث الصحيح عن ابن
مسعود رضي الله عنه (أن النبي صلى الله
عليه وسلم رأى جبريل له ستمائة جناح)(٣).
ولهذا قال سبحانه: ﴿َزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا
يَشَآءُ﴾ قال الشوكاني: ((والمعنى: أنه يزيد
في خلق الملائكة ما يشاء، وهو قول أكثر
المفسرين» (٤).
والخلاصة في القول: إن الملائكة
يتفاوتون في الخلق والمقدار، وهذا يدل
عظم خلقهم، فهم ليسوا على درجة واحدة،
فمنهم من له جناحان، ومنهم من له ثلاثة،
(١) أنوار التنزيل، البيضاوي ٤/ ٢٥٣.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ٥٣٢.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير
القرآن، باب قوله تعالى: (فأوحى إلى عبده
ما أوحى)، رقم ٤٨٥٧، ومسلم في صحيحه،
كتاب الإيمان، باب في ذكر سدرة المنتهى،
رقم ٢٨٠.
(٤) فتح القدير، الشوكاني ٤/ ٣٨٨.
ثانيًا: الطاعة المطلقة:
فالملائكة مطبوعون على طاعة الله،
ليس لديهم القدرة على العصيان، فمن
صفاتهم أنهم لا يعصون الله في شيء، ولا
تصدر منهم الذنوب، بل طبعهم الله على
طاعته، والقيام بأمره، كما قال تعالى في
وصفهم: ﴿لَا يَعْصُونَ اَللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا
يُؤْمَّرُونَ﴾ [التحريم: ٦].
قال البيضاوي: ((لا يعصون الله ما
أمرهم فيما مضى، ويفعلون ما يؤمرون فيما
يستقبل، أو لا يمتنعون عن قبول الأوامر
والتزامها ويؤدون ما يؤمرون به))(٥).
وأما ابن كثير فيقول في تفسير هذه الآية:
«أي: مهما أمرهم به تعالی یبادروا إليه، لا
يتأخرون عنه طرفة عین، وهم قادرون على
فعله ليس بهم عجز عنه))(٦)، وفي الآية
دليل على أن الملائكة لا يقدمون على
عمل إلا بأمره تعالى وإذنه (٧)، وفيه أيضًا
مدح للملائكة الکرام، لانقیادهم لأمر الله،
(٥) أنوار التنزيل، البيضاوي ٥/ ٢٢٥.
(٦) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٨ / ١٦٨.
(٧) تفسير المراغي ١٤/ ٥٣.
٢٠٦
القرآن الكريمِ

الملائكة
وطاعتهم له في كل ما أمرهم به (١).
عن سفاهة المشركين المكذبين لرسوله عليه
وقال تعالى في موضع آخر مبينًا الانقياد الصلاة والسلام، حيث زعموا أن الله اتخذ
التام لطاعته حيث قال جل وعلا: ﴿بَلْ عِبَادٌ
مُكْرَمُونَ ﴿ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم
بِأَمْرِهِ، يَعْمَلُونَ (٣)﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٧].
قال ابن كثير: ((وقوله: ﴿بَلْ عِبَادٌ
تُكَّرَمُونَ﴾ أي: الملائكة عباد الله
مكرمون عنده، في منازل عالية ومقامات
سامية، وهم له في غاية الطاعة قولًا
وفعلًا ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ.
يَعْمَلُونَ﴾ أي: لا يتقدمون بين يديه
بأمر، ولا يخالفونه فیما أمر به بل یبادرون
إلى فعله، وهو تعالى علمه محيط بهم، فلا
يخفى عليه منهم خافية)»(٢)، وفي الآية دليل
(٣)
على كمال طاعتهم وانقيادهم
والخلاصة في القول: إن الملائكة لا
يقدمون علی عمل إلا بإذنه تعالى، ولا
يخالفون فیما أمر به، وهم له في غاية الطاعة
قولًا وفعلًا، وهذا دليل الانقياد التام لطاعته
سبحانه وتعالى.
ثالثًا: لا يوصفون بالذكورة ولا
بالأنوثة:
أخبر الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
٨٧٤.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ٥/ ٣٣٨ بتصرف يسير.
(٣) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٣/ ٤٧٨.
ولدًا، فقالوا: الملائكة بنات الله، فرد الله
عليهم تنزيهًا لملائكته الكرام بقوله تعالى:
وَقَالُواْ أَتَّخَذَّ الرَّحْنُ وَلَدَا سُبْحَنَةٌ بَلْ عِبَادٌ
مُكَّرَمُونَ ﴾ [الأنبياء: ٢٦].
حيث نزلت هذه الآية في خزاعة حيث
قالوا: إن الملائكة بنات الله، فنزه الله تعالی
نفسه عما قالوا (٤).
وفي تفسير هذه الآية، يقول السعدي:
(يخبر تعالى عن سفاهة المشركين المكذبين
للرسول، وأنهم زعموا - قبحهم الله - أن
الله اتخذ ولدًا فقالوا: الملائكة بنات الله،
تعالى الله عن قولهم، وأخبر عن وصف
الملائکة بأنهم عبید مربوبون مدبرون، لیس
لهم من الأمر شيء، وإنما هم مکرمون عند
الله، قد أکرمهم الله، وصیرهم من عبيد
كرامته ورحمته، وذلك لما خصهم به من
الفضائل والتطهير عن الرذائل، وأنهم في
غاية الأدب مع الله، والامتثال لأوامره))(٥).
فالملائكة عبيده و ملکه، والعبد لا يمكن
أن يكون ولدًا لسيده(٦).
وقد أنكر الله تعالى عليهم ما نسبوه
إليه في موضع آخر، حیث قال جل علا:
وَجَعَلُواْ الْمَلَتِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَدُ الرَّحْمَنِ
(٤) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٣/ ٢٨٦.
(٥) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٥٢٢.
(٦) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٤ / ١٣٨.
www. modoee.com
٢٠٧

حرف الميم
إِنَشَأْ أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمَّ سَتُكْنَبُ شَهَدَتُهُمْ
وَيُسَْلُونَ ﴾ [الزخرف: ١٩].
قال القاسمي في تفسير هذه الآية: ((أي
جعلوا ملائكة الله الذين هم عنده يسبحونه
ويقدسونه إناثا، فقالوا: هم بنات الله جهلًا
منهم بحق الله سبحانه، وجراءة منهم
على قيل الكذب ﴿أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ ﴾ أي:
أحضروا خلق الله إياهم، فوصفوهم بذلك
لعلمهم بهم وبرؤيتهم إياهم؟ وهو تجهيل
لهم، وتهكم بهم ﴿سَتُكْنَبُ شَهَدَتُهُمّ﴾
أي على الملائكة بما هم مبرءون
عنه ﴿وَيُسْئَلُونَ﴾ أي: عنها يوم القيامة، بأن
يأتوا بيرهان على حقيقتها، ولن يجدوا
إلى ذلك سبيلا، وفيه من الوعيد ما فيه؛
لأن كتابتها والسؤال عنها يقتضي العقاب
والمجازاة عليها، وهو المراد))(١)، وفى هذا
دليل على أن القول بغير برهان منكر، وأن
التقليد لا يغني من الحق شيئًا(٢).
ومن خلال هذه الآيات وغيرها يتبين لنا
أن الملائكة منزهون عما قاله المشركون
فيهم، فقد رد الله علیهم في هذه الآيات
وغيرها في كتابه الكريم ووبخهم وعاتبهم
على ذلك، وأثنى على ملائكته الكرام
ووصفهم بالعبودية وهذا تشريف لهم
وتكريم من الله جل وعلا، فهم عبيده
(١) محاسن التأويل، القاسمي ٨/ ٣٨٢ باختصار.
(٢) تفسير المراغي ٢٥/ ٧٨.
وملكه، والعبد لا يمكن أن يكون ولدًا
لسیده.
رابعًا: عددهم كثير جدًّا:
أخبر الله جل وعلا في كتابه الكريم أن
النار عذابها شديد وهي إحدى الدواهي
العظيمة، ثم ذكر عدد خزنة أهل النار من
الملائكة حيث قال تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةً عَشَرَ
[المدثر: ٣٠].
قال القرطبي: ((والصحيح أن هؤلاء
التسعة عشر، هم الرؤساء والنقباء، وأما
جملتهم فالعبارة تعجز عنها، كما قال
الله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَُّ جُنُودَ رَيِكَ إِلََّ هُوَ﴾
[المدثر:٣١])(٣).
وهذا يدل على كثرة عددهم، يقول
الطبري في تفسير هذه الآية: ((﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ
رَيِّكَ﴾ من كثرتهم ﴿إِلَّهُوَ﴾ يعني: الله)»(٤).
ومما يؤكد كذلك علی کثرة عددهم، ما
جاء في الحديث الصحيح عن ابن مسعود
رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: (یؤتی بجهنم يومئذ لها
سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف
ملك يجرونها)(٥).
(٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٩/ ٨٠.
(٤) جامع البيان، الطبري ٢٤/ ٣١.
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة
وصفة نعيمها وأهلها، باب في شدة حر نار
جهنم وبعد قعرها وما تأخذ من المعذبين،
رقم ٢٨٤٢.
٢٠٨
النفسية
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ

الملائكة
النبي صلی الله عليه وسلم قال: (البيت
المعمور في السماء السابعة، يدخله كل يوم
سبعون ألف ملك، ثم لا يعودون إليه)(١).
وقد أخبر الله سبحانه وتعالى عن
الحكمة التي جعل لأجلها عدة الملائكة
الموكلين بالنار تسعة عشر، حيث قال
تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَعْحَبَ النَّارِ إِلَّ مَلَتِكَةُ وَمَا جَعَلْنَا
عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ [المدثر: ٣١].
وسبب نزول هذه الآية أن أبا جهل لما
وَعَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشْرَ
سمع قول الله تعالى:
[المدثر: ٣٠].
قال لقريش: ثكلتكم أمهاتكم! أسمع
ابن أبي كبشة يخبركم أن خزنة النار تسعة
عشر، وأنتم الدهم- أي: العدد- والشجعان
أفيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل من
خزنة جهنم؟!(٢) فأنزل الله هذه الآية.
قال المراغي في تفسير هذه الآية: ((وما
جعلنا المدبرين لأمر النار القائمين بعذاب
من فيها إلا ملائكة، فمن يطيق الملائكة
ومن يغلبهم؟ وإنما كانوا ملائكة؛ لأنهم
أقوى الخلق وأشدهم بأسًا وأقومهم بحق
(١) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ١٢٥٥٨،
والحاکم في مستدر كه، رقم ٣٧٤٢.
قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين
ولم يخرجاه، ولم يتعقبه الذهبي.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٥٥٨/١، رقم ٢٨٩١.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٤/ ٢٨.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن الله والغضب له سبحانه؛ وليكونوا من
غير جنس المعذبين حتى لا يرقوا لهم
ويرحموهم، ثم ذكر الحكمة في اختيار
هذا العدد القليل فقال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا
فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي: وما جعلنا هذا العدد
إلا محنة وضلالة للكافرين، حتى قالوا ما
قالوا؛ ليتضاعف عذابهم، ويكثر غضب الله
عليهم، وفتنتهم به أنهم استقلوه واستهزءوا
به واستبعدوه وقالوا: كيف يتولى هذا العدد
القليل تعذيب الثقلين؟!))(٣).
والخلاصة في القول: إن من الحكم في
ذكر عدد خزنة أهل النار المحنة والابتلاء
للكافرين، فيكون ذلك زيادة في كفرهم
وضلالهم بسبب تكذيبهم واستهزائهم، وإن
كانوا تسعة عشر، فلهم من الأعوان والجنود
من الملائكة ما لا يعلمه إلا الله سبحانه، فلا
يعلم عدد خلقه من الملائكة وكثرة عددهم
إلا الله سبحانه وتعالى.
خامسًا: لا يأكلون ولا يشربون:
لقد دلت النصوص القرآنية على عدم
حاجة الملائكة إلى الطعام أو الشراب،
فقد أخبرنا الله أن الملائكة جاؤوا إبراهيم
في صورة بشر، فقدم لهم الطعام، فلم تمتد
أيديهم إليه، فأوجس منهم خيفة، فكشفوا له
عن حقيقتهم، فزال خوفه واستغرابه﴿هَلّ
(٣) تفسير المراغي ٢٩/ ١٣٦ باختصار يسير.
www. modoee.com
٢٠٩

حرف الميم
أَنَنْكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَهِيَمَ الْمُكْرَمِينَ إِذْ دَخَلُواْ
عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلَمَا قَالَ سَلَمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ فَرَاغَ إِلَىّ
أَهْلِهِ، فَجَآَّةَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ { فَقَرَّدُ إِلَيْهِمْ قَالَ
أَلَا تَأَكُونَ ﴿ فَأَوْحَسَ مِنْهُمْ خِيفَةٌ قَالُواْ لَا تَخَفٌ
وَبَشَّرُوهُ بِغُلَمِ عَلِيمٍ ﴾﴾ [الذاريات: ٢٤-٢٨].
وفي آية أخرى قال: ﴿فَلَمَّارَءَآ أَيْدِيَهُمْ لَا
تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةٌ قَالُوا
لَا ◌َخَفَ إِنَّا أُرْسِلْنَآ إِلَى قَوْمِ لُوطٍ ﴾ [هود: ٧٠].
قال ابن كثير: وفي قوله: ﴿فَلَمَّارَءَآ أَيْدِيَهُمْلَا
تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ﴾ تنكرهم ﴿فَوْحَسَ مِنْهُمْ
خِيفَةٌ﴾ وذلك أن الملائكة لا همة لهم إلى
الطعام ولا یشتهونه ولا يأكلونه؛ فلهذا رأی
حالهم معرضين عما جاءهم به، فارغين
عنه بالكلية فعند ذلك نكرهم ﴿فَأَوْحَسَمِنْهُمْ
خِيفَةً﴾(١).
وقد حکی غير واحد من محققي العلم
الاتفاق على أن الملائكة لا يأكلون ولا
يشربون ولا ينكحون (٢).
سادسًا: يعقلون ويتكلمون:
أما الأدلة على أن الملائكة متصفون
بالكلام فقد أخبرنا الله سبحانه وتعالى عن
ذلك بقوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُُّعُ وَالْمَلَئِكَةُ صَفَّاً لَا
يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾
[النبأ: ٣٨].
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٣٣/٤.
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٨١/١، الجامع
لأحكام القرآن، القرطبي ٦٨/٩.
فهم موصوفون بالکلام بعد إذن الرحمن.
وفي المحاورة التي جرت بين الله عز
وجل وبین ملائکتہ علیھم السلام دلیل علی
ذلك.
﴿وَ إِذْ قَالَ رَبُّكَ
قال تبارك وتعالى:
لِلْمَلَتبِكَةِ إِنِ جَاعِلٌ فِى الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ قَالُواْ
أَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِمَآءَ
وَتَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَّ قَالَ إِّ
أَعْلَمُ مَا لَا نَعْلَمُونَ ﴾ الآيات [البقرة: ٣٠].
وقد أخبر الله سبحانه وتعالى أيضًا أن
الملائكة عليهم السلام يكلم بعضهم بعضًا،
وأن لهم قلوبًا يعقلون بها، ومن الأدلة على
ذلك قوله تعالى: ﴿حََّ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ
قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِىُّ
الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣](٣).
وجاء في الحديث عن النبي صلى الله
عليه وسلم: (إذا قضى الله الأمر في السماء
ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله،
كأنه سلسلة على صفوان ينفذهم ذلك ﴿حَقَّق
إِذَا فُزِعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَيُّكُمْ قَالُواْ
الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِىُّ الْكَبِيرُ ﴾ [سبأ: ٢٣]) (٤).
وقد ذكر الشيخ ابن عثيمين أن في
(٣) انظر: المسائل العقدية التي حكى فيها ابن
تيمية الإجماع ص٦٦٤.
(٤) أخرجه البخاري، كتاب تفسير القرآن، باب
قوله: (إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب
مبين)، ٦/ ٨٠، رقم ٤٧٠١، من حديث أبي
هريرة رضي الله عنه.
جَوَسُولَة النَّتِيّة
القرآن الكريمِ
٢١٠

الملائكة
هذه الآية: ((إثبات بأن الملائكة يتكلمون
ويفهمون ويعقلون لأنهم يسألون: ﴿مَاذَا
قَالَ رَبُّكُمْ﴾ ويجابون: ﴿قَالُواْ الْحَقَّ﴾ خلافًا
لمن قال: إنهم لا يوصفون بذلك؛ فيلزم من
قولهم هذا أننا تلقينا الشريعة ممن لا عقول
لهم، وهذا قدح في الشريعة بلا ريب)».
ثم قال: ((وفي قوله تعالى: ﴿حَّ إِذَا فُزِّعَ
عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ إثبات القلوب للملائكة))(١).
وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن المعني
بالكلام في الآية الكريمة هم الكفار، ولیس
الملائكة وهو مردود عليهم لمخالفتهم
الحديث الصحيح السابق ذكره(٢).
(١) انظر: القول المفيد على كتاب التوحيد
ص١١.
(٢) انظر: الفتح ٤٥٩/١٣.
وظائف الملائكة
الملائكة خلق من خلقه تبارك وتعالى،
خصهم الله جل وعلا بخصائص، ووهبهم
عظم الخلقة، والقدرة على التشکیل، وأو کل
إليهم القيام بأمور هذا الكون، فلهم أعمال
ووظائف متعددة، يقومون بها امتثالا لأمره
تبارك وتعالى، وأعطاهم القدرة على تأديتها
على أكمل وجه، وسوف نبين في المطالب
التالية هذه الأعمال والوظائف التي يقومون
بها، فمن ذلك:
أولًا: عبادة الله:
الملائكة عباد الله، مكلفون بطاعته، وقد
جاء في الكتاب والسنة ذكر بعض العبادات
التي تتعبد بها الملائكة ربها تعالى، ومن
نماذج عبادتهم ما يلي:
١. أنهم يشهدون بوحدانية الله.
قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلََّ هُوَ
وَالْمَلَتِكَةُ وَأُوْلُواْ أَلْعِلْرِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ
اَلْعَهِزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨].
٢. أنهم يشهدون على صحة ما جاء به
الرسول صلی الله علیه وسلم.
قال تعالى: ﴿لَكِنِ اَللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ
إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ، وَالْمَلَئِكَةُ يَشْهَدُونَ
ج
وَكَفَى بِاَللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٦٦].
٣. أنهم يصلون.
وورد في النصوص تفصيل بعض صفة
www. modoee.com
٢١١

حرف الميم
صلاتهم، فورد أنهم يصفون عند ربهم.
﴿وَالصَّفَّتِ صَنَّا﴾
قال تعالى:
[الصافات: ١].
وقال تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّآفُونَ
[الصافات: ١٦٥].
ولعل المقصود بالصف هنا صف
الملائكة للصلاة، وهو مروي عن عائشة
والسدي(١)، ويؤيد ذلك ما ورد عن النبي
صلى الله عليه وسلم أنه خرج على أصحابه
فال: (ألا تصفون كما تصف الملائكة عند
ربها؟ فقلنا: يا رسول الله وكيف تصف
الملائكة عند ربها؟ قال: يتمون الصف
الأول ويتراصون في الصف)(٢).
وكان ورود الحديث حال الاصطفاف
للصلاة، فهي قرينة دالة أن الملائكة يتمون
الصفوف ويتراصون صفوفهم في الصلاة.
ومما جاء في صفة صلاتهم أنهم
﴿وَلِلَّهِ
يسجدون ويركعون ويقومون:
يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرَهَا﴾
[الرعد: ١٥].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا
يَسْتَكْثِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَيُسَِّحُونَهُ(وَلَهُ,يَسْجُدُونَ﴾
(١) انظر: جامع البيان ١٩/ ٦٥١ -٦٥٤.
(٢) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب الأمر
بالسكون في الصلاة، والنهي عن الإشارة
باليد، ورفعها عند السلام وإتمام الصفوف
الأَوَلِ والتراص فيها والأمر بالاجتماع،
٣٢٢/١، رقم ٤٣٠، من حديث جابر بن
سمرة.
[الأعراف: ٢٠٦].
وعن حكيم بن حزام قال: (بينما رسول
الله صلی الله عليه وسلم في أصحابه إذ قال
لهم: أتسمعون ما أسمع؟ قالوا: ما نسمع
من شيء، قال: إني لأسمع أطيط السماء،
وما تلام أن تئط، ما فيها موضع شبر إلا عليه
ملك ساجد أو قائم)(٣).
فهذا كله بيان لصفة وهيئة من هيئات
صلاتهم.
٤. أنهم يطوفون.
للملائكة كعبة في السماء السابعة
يطوفون بها، وهذه الكعبة هي التي أسماها
الله تعالى: البيت المعمور، وأقسم به في
سورة الطور: ﴿وَالْبَيْتِ الْمَصْمُورِ﴾ [الطور: ٤].
قال ابن كثير عند تفسير هذه الآية:
يتعبدون في البيت المعمور، ويطوفون به
کما یطوف أهل الأرض بکعبتهم، والبيت
المعمور هو كعبة أهل السماء السابعة؛
ولهذا وجد إبراهيم الخليل عليه الصلاة
والسلام مسندًا ظهره إلى البيت المعمور؛
(٣) أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني،
٤٢٢/١، رقم ٥٩٧، والمروزي في تعظيم
قدر الصلاة ٢٥٨/١، رقم ٢٥٠، والطحاوي
في شرح مشكل الآثار ١٦٧/٣، رقم ١١٣٤،
والطبراني في المعجم الكبير ٢٠١/٣، رقم
٣١٢٢، وابن أبي حاتم في تفسيره ١/ ٢٠٢،
وأبو الشيخ في العظمة ٣ / ٩٨٦، ح٥٠٩.
وصححه، الألباني السلسلة الصحيحة ، رقم
١٠٦٠.
٢١٢
جَوَسُو
القرآن الكريمِ

الملائكة
لأنه بانى الكعبة الأرضية، والجزاء من جنس
العمل)(١).
٥. أنهم يذكرون الله.
O
﴿وَالْقَّفَّتِ صَنَّا !
قال تعالى:
فَالزَّجَرَّتِ نَحًْ ) فَالنَّلِيَتِ ذِكْرًا ﴾﴾
[الصافات: ١- ٣].
أي: الملائكة تتلو ذكر الله(٢).
ومن أنواع ذكرهم التسبيح: ﴿وَالْمَلَئِكَةُ
يُسَبِّحُونَ بِحَمْدٍ رَبِهِمْ﴾ [الشورى: ٥].
﴿وَّحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَّ﴾
[البقرة: ٣٠].
﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الْعَّآفُونَ (٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ اَلْسُبِحُونَ﴾
[الصافات: ١٦٥-١٦٦].
٦. أنهم يخافون الله ويخشونه.
لما كانت معرفة الملائكة بربهم كبيرة جاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة:
کان تعظیمهم له وخشیتهم له أعظم.
قال تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَهُم مِّن فَوْفِهِمْ)
[النحل: ٥٠].
﴿وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ، مُشْفِقُونَ﴾
وقال:
[الأنبياء: ٢٨].
ثانيًا: تنفيذ أوامر الله:
ومن أعمال الملائكة تثبیت المؤمنین عند
الموت، فحين يتعرض المؤمنون لغمرات
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٢٨/٧،
تفسير الوسيط، الواحدي ٥٢١/٣، معالم
التنزيل، البغوي ٤ /٢٦.
(٢) انظر: تفسير الوسيط، الواحدي ٥٢١/٣،
معالم التنزيل، البغوي ٢٦/٤.
الموت، فإن الملائكة تبشرهم بالجنة.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ نَنَوَقَّهُمُ الْمَلَتِكَةُ طَبِينٌّ
يَقُولُونَ سَلَمُ عَلَيْكُمْ أَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ
تَعْمَلُونَ ﴿
[النحل: ٣٢].
قال ابن كثير: ((أخبر تعالى عن حالهم
عند الاحتضار، أنهم طيبون، أي: مخلصون
من الشرك والدنس وكل سوء، وأن
الملائكة تسلم عليهم وتبشرهم بالجنة،
كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ
ثُمَّ أُسْتَقَمُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَتَبِكَةُ أَلَّا
تَخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِى كُتُمْ
تُوعَدُونَ (
٣٠) ﴾ [فصلت: ٣٠]) (٣).
وفي الآيتين دليل واضح على أن المؤمن
پبشر بالجنة قبل موته، ومما يؤكد كذلك ما
(أن الملائكة تقول لروح المؤمن: (اخرجي
أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب،
اخرجي حميدة، وابشري بروح وريحان
ورب غير غضبان)(٤).
وعلى النقيض مما سبق، يكون موقف
الملائكة مع الكافرین الجاحدین، وذلك أن
الكافر إذا احتضر بشرته الملائكة بالعذاب.
قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَىَ إِذْ يَتَوََّى الَّذِينَ
كَفَرُواْ الْمَلَتِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤ / ٥٦٨.
(٤) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ٢٥٠٩٠.
وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم
١٩٦٨.
www. modoee.com
٢١٣

حرف الميم
وَأَدْبَرَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ
[الأنفال: ٥٠].
قال الطبري في تفسير هذه الآية:
(يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله
عليه وسلم: ولو تعاين يا محمد، حين
يتوفى الملائكة أرواح الكفار، فتنزعها من
أجسادهم، تضرب الوجوه منهم والأستاه،
ويقولون لهم: ذوقوا عذاب النار التي
تحرقکم یوم ورودکم جهنم» (١).
یبشر بالعذاب قبل موته.
ومما يؤكد على ذلك ما جاء في الحديث
الصحيح المذكور سابقًا عن أبي هريرة
والذي جاء فيه: (أن الملائكة تقول لروح
الكافر: (اخرجي أيتها النفس الخبيثة، كانت
في الجسد الخبيث، اخرجي ذميمة، وأبشري
بحميم وغساق، وآخر من شكله أزواج)(٢).
ثالثًا: حفظ الإنسان:
ومن الأعمال والمهام التي كلفهم الله
بها حفظ الإنسان من بين يديه ومن خلفه.
قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ*
وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَقَّىَ إِذَا جَلَّ أَحَدَكُمُ
اَلْمَوْتُ تَوَقَّتْهُ رُسُلْنَا وَهُمْ لَا يُفَرُِّطُونَ
[الأنعام: ٦١].
قال ابن كثير في قوله تعالى: ﴿وَيُرْسِلُ
(١) جامع البيان، الطبري ١٣ / ١٥.
(٢) سبق تخريجه.
عَلَيْكُمْ حَفَظَةٌ ﴾ (( أي: من الملائكة يحفظون
بدن الإنسان، كما قال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَتٌ
مِّنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ، يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ﴾
[الرعد: ١١]))(٣).
وفي هذه الآية يقول السعدي: ((أي:
للإنسان ﴿مُعَقِبَتُ﴾ من الملائكة يتعاقبون
في الليل والنهار ﴿مِّنُ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ.
يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ أي: يحفظون بدنه
وروحه من کل من یریده بسوء، ويحفظون
وفي الآية دليل واضح على أن الكافر عليه أعماله، وهم ملازمون له دائمًا)» (٤).
وقال عكرمة عن ابن عباس في قوله
تعالى: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ قال: ملائكة
يحفظونه من بين يديه ومن خلفه، فإذا جاء
قدر الله خلوا عنه(٥).
رابعًا: قبض الأرواح:
ومن أعمالهم كذلك قبض أرواح العباد
عندما تنتهي آجالهم.
قال تعالى: ﴿وَهُوَ اَلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِيَّةُ
وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَّى إِذَا جَّةَ أَحَدَكُمُ
الْمَوْتُ تَوَقَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرُِّونَ (١)
[الأنعام: ٦١].
والمراد بالرسل هنا الملائكة الموكلون
بقبض الأرواح، وقد فسرها ابن عباس بهذا
المعنى حيث قال: ((إن لملك الموت أعوانًا
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣/ ٢٦٧.
(٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤١٤.
(٥) انظر: جامع البيان، الطبري ١٦/ ٣٧١.
٢١٤
مَوَسُو ◌َرَا
القرآن الكريم

الملائكة
من الملائكة))(١).
وقال المراغي:(( وهؤلاء الرسل هم
أعوان ملك الموت الذين يتولون ذلك
قُلْ يَثَوَقَّكُمْ مَّلَكُ
بأمره، كما قال تعالى:
الْمَوْتِ الَّذِىِ ؤُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ
[السجدة: ١١]))(٢).
قال الشنقيطي في هذه الآية: ((وظاهر هذه
الآية الكريمة أن الذي یقبض أرواح الناس
ملك واحد معین، وهذا هو المشهور، وقد
بين تعالى في آيات أخر أن الناس تتوفاهم
ملائکة لا ملك واحد.
بقبض الأرواح ملك واحد هو المذكور
هنا، ولکن له أعوان يعملون بأمره ينتزعون
الروح إلى الحلقوم، فيأخذها ملك الموت،
أو يعينونه إعانة غير ذلك)) (٣).
خامسًا: النزول بالوحي:
ومن الأعمال كذلك النزول بالوحي
على أنبيائه ورسله.
قال تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَبِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ
أَمْرِهِ، عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِّ أَنْ أَنْذِرُواْ أَنَّهُ، لَآَ
إِلَهَ إِلَّ أَنَا فَاتَّقُونِ ﴾ [النحل: ٢].
قال الشنقيطي: ((وأظهر الأقوال في
معنى الروح في هذه الآية الكريمة: أن المراد
(١) انظر: المصدر السابق ١١ / ٤١٠.
(٢) تفسير المراغي ٧/ ١٤٩.
(٣) أضواء البيان ٦/ ١٨٤ باختصار.
بها الوحي؛ لأن الوحي به حیاة الأرواح، كما
أن الغذاء به حياة الأجسام، ويدل لهذا قوله
تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾
[الشورى: ٥٢])»(٤).
وفي قوله تعالى: ﴿عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾
يقول ابن كثير: هم الأنبياء، كما قال تعالى:
﴿اللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ الْمَلْبِكَةِ رُسُلًا
وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥].(٥).
وقال أبو زهرة: ((أي: من اختارهم
لرسالته، ويصطفیهم الله: يختبر من يشاء من
عباده، وهو أعلم حيث يجعل رسالته))(٦)،
وإيضاح هذا عند أهل العلم: أن الموكل كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْمَلُ
﴾ [الأنعام: ١٢٤].
رِسَالَتَهُ.
سادسًا: الدعاء للمؤمنين:
أخبر الله تعالى في كتابه الكريم بأن
ملائكته الكرام تصلي على المؤمنين،
والصلاة من الملائكة بمعنى الدعاء
والاستغفار، كما ذكر أهل العلم.
قال تعالى: ﴿هُوَ اُلَّذِى يُصَلّى عَلَيْكُمْ
وَمَلَتَمِكَتُهُ لِيُخْرِحَكُمْ مِنَ الظُّلُمَتِ إِلَى
النُّورِّ وَكَانَ بِلْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ﴾
[الأحزاب: ٤٣].
قال الشوكاني: والصلاة من الملائكة
(٤) المصدر السابق ٢/ ٣٢٨.
(٥) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤/
٥٥٦.
(٦) زهرة التفاسير، أبو زهرة ٨/ ٤١٢٩- ٤١٣٠.
www. modoee.com
٢١٥

حرف الميم
الدعاء لهم والاستغفار كما قال تعالى:
﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [غافر: ٧](١).
وهذا يدل على رحمة الله ولطفه بعباده
أن جعل من صلاته عليهم وثنائه، وصلاة
ملائكته ودعائهم ما يخرجهم من ظلمات
الذنوب والجهل إلى نور الإيمان، والتوفيق،
والعلم، والعمل، فهذه أعظم نعمة أنعم بها
على عباده الطائعین، تستدعي منهم شکرها،
والإكثار من ذكر الله، الذي لطف بهم
(٢)
ورحمهم(٢).
سابعًا: تبشير المؤمنين:
ومن أعمالهم كذلك تبشير المؤمنين،
فقد بشر ملائكة الرحمن إبراهيم عليه
السلام بذرية صالحة.
خِيفَةٌ
قال تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ
قَالُواْ لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَمِ عَلِيمِ ،
[الذاريات: ٢٨].
قال السمعاني في تفسير هذه الآية: أي:
دخل في نفسه منهم خيفة، والسبب في ذلك
أن الرجل كان إذا طرقه ضیف فقدم إليه شيئًا
وأكله أمن منه، وإن لم يأكل خاف شره،
وقوله: ﴿قَالُواْ لَا تَّخَفْ﴾ يعني: نحن ملائكة
الله فلا تخف (٣).
(١) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٤ / ٣٣٠.
(٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
٦٦٧.
(٣) تفسير السمعاني ٥/ ٢٥٧ بتصرف.
جَوُورُ
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
وفي قوله تعالى: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَمِ عَلِيمٍ﴾
يقول القرطبي: ((أي: بولد يولد له من سارة
زوجته، والجمهور على أن المبشر به هو
إسحاق عليه السلام)»(٤).
وبشرت كذلك مريم بعيسى عليه السلام.
قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَتِكَةُ يَمَرْيَمُ
إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ أَسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ
مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ
٤٥
[آل عمران: ٤٥].
وبشرت كذلك زكريا بيحيى عليهما
السلام.
قال تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَلِكَةُ وَهُوَ قَآئِمٌ
يُصَلّى فِ اَلْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْبَى﴾ [آل
عمران: ٣٩].
وجاء في الحديث الصحيح عن أبي
هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن
رجلاً زار أخاله في قرية أخرى، فأرصد الله
له، علی مدرجته ملگا، فلما أتی علیه قال:
أين تريد؟ قال: أريد أخالي في هذه القرية،
قال: هل لك عليه من نعمة قربها؟ قال: لا،
غير أني أحببته في الله عز وجل، قال: فإني
رسول الله إليك، بأن الله قد أحبك كما
أحببته فيه)(٥).
(٤) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٧ / ٤٦
باختصار.
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة
والآداب، باب في فضل الحب في الله، رقم
٢٥٦٧.
٢١٦

الملائكة
ثامنًا: مناصرة المؤمنين في القتال:
ومن أعمالهم كذلك مشاركة المؤمنين
في قتالهم؛ لتثبيتهم وتقوية عزائمهم.
قال تعالى: ﴿إِذْ يُوجِى رَبُّكَ إِلَى الْمَلِكَةِ
أَنِي مَعَكُمْ فَشِتُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ سَأُلِّى فِ
قُلُوبٍ أَلَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ فَأَضْرِبُواْ فَوْقَ
اُلْأَعْنَاقِ وَأَضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانِ
[الأنفال: ١٢].
قال البغوي: ((﴿إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى
وَأَنِى
الملِگةِ ﴾الذین أمد بهم المؤمنين
مَعَكُمْ﴾ بالعون والنصرة ﴿فَشَبِتُواْ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ﴾ أي: قووا قلوبهم، قيل: إن ذلك
التثبيت حضورهم معهم القتال ومعونتهم،
أي: ثبتوهم بقتالكم معهم المشركين))(١)،
وهذه نعمة خفية أظهرها الله تعالى لهم،
ليشكروه عليها (٢).
والحكمة في قتال الملائكة؛ لإرادة
أن يكون الفضل للنبي وأصحابه، وتكون
الملائكة مددًا على عادة مدد الجيوش،
رعاية لصورة الأسباب التي أجراها الله
تعالى في عباده، والله فاعل الجميع (٣).
تاسعًا: حمل العرش:
ومن الأعمال الموكلة إلى الملائكة
حمل عرش الرحمن.
(١) معالم التنزيل، البغوي ٢ / ٢٧٤.
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤ / ٢٥.
(٣) انظر: محاسن التأويل، القاسمي ٢/ ٤٠٧.
قال تعالى: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَىْ أَرْجَآئِهَا وَيَعْلُ عَرْشَ
رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَيِذٍ تَنِيَةٌ ﴾ [الحاقة: ١٧].
قال ابن كثير في تفسير هذه الآية:
(﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَآيِهَا﴾ أي: الملائكة على
أرجاء السماء، وقوله: ﴿وَيَحْلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ
يَوْمَيِذٍ ثَمَنِيَّةٌ﴾ أي: يوم القيامة يحمل العرش
ويحتمل أن يكون
ثمانية من الملائكة،
المراد بهذا العرش العرش العظيم، أو:
العرش الذي يوضع في الأرض يوم القيامة
لفصل القضاء، والله أعلم بالصواب)) (٤).
ونحو هذه الآية قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ
الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمّدٍ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ
بِهِ، وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [غافر: ٧].
والآيتان تدلان على أن لعرشه تبارك
وتعالى حملة يحملونه اليوم ويوم القيامة،
وأن حملته ومن حوله يسبحون ويستغفرون
للمؤمنين (٥).
عاشرًا: تنفيذ أحداث الساعة:
ومن أعمالهم كذلك: تنفيذ أحداث
الساعة، كالنفخ في الصور.
وقد أخبر القرآن الكريم بثلاث نفخات:
نفخة الفزع ذكرها في سورة النمل في قوله
تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِ الصُّورِ فَفَزِعَ مَن ◌ِ
السَّمَوَتِ وَمَن فِ الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اَللَّهُ ﴾
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٨/ ٢١٢
باختصار.
(٥) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٦/ ٥٥٠.
www. modoee.com
٢١٧

حرف الميمر
[النمل: ٨٧].
ونفخة الصعق والقيام، ذكرهما في
قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِ الصُّورِ فَصَعِقَ مَن
فِي السَّمَوَتِ وَمَن فِ الْأَرْضِ إِلَّ مَنْ شَآءَ اَللّهُ مُ
نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنَظُرُونَ
٦٨
[الزمر: ٦٨].(١).
حادي عشر: النزول بالأمر المقدر:
ومن أعمال الملائكة النزول إلى الأرض
في هذه الليلة بالخير والبركة والرحمة لأهل
الإيمان.
قال تعالى: ﴿نَنَزَّلُ الْمَلَتِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا
◌ِإِذْنِ رَبِهِم مِّنْ كُلِّ أَمٍْ ﴾ [القدر: ٤].
قال ابن كثير في هذه الآية: «أي: یکثر
تنزل الملائكة في هذه الليلة لكثرة بركتها،
والملائكة يتنزلون مع تنزل البركة والرحمة،
كما يتنزلون عند تلاوة القرآن ويحيطون
بحلق الذکر»(٢).
والروح هو جبريل عند جمهور المفسرين
أي: ومعهم جبريل، ووجه ذكره بعد دخوله
في الملائكة التعظيم له والتشريف لشأنه (٣).
وسميت ليلة القدر؛ لعظم قدرها وفضلها
عند الله؛ ولأنه يقدر فيها ما يكون في العام
(١) مجموع فتاوى ابن تيمية ٤/ ٢٦٠-٢٦١
بتصرف يسير.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٨/ ٤٤٤.
من الأجل والأرزاق والمقادير القدرية (٤).
وقال ابن عثيمين في هذه الآية: ((أي: تنزل
شيئًا فشيئًا؛ لأن الملائكة سكان السموات،
والسموات سبع، فتتنزل الملائكة إلى
الأرض شيئًا فشيئًا حتى تملأ الأرض، ونزول
الملائكة في الأرض عنوان على الرحمة
والخير والبركة؛ ولهذا إذا امتنعت الملائكة
من دخول شيء كان ذلك دليلًا على أن هذا
المكان الذي امتنعت الملائکة من دخوله قد
يخلو من الخير والبركة، فالملائكة تتنزل في
ليلة القدر بكثرة، ونزولهم خير وبركة.
وقوله تعالى: ﴿ إِذْنِ رَبِّهِم﴾ أي: بأمره
القدري.
وقوله: ﴿مِّنْ كُلِ آَمْيِ﴾ أي: بكل أمر مما
یأمرهم الله به، وهو مبهم لا نعلم ما هو،
لكننا نقول: إن تنزل الملائكة في الأرض
عنوان على الخير والرحمة والبركة)»(٥).
(٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٩٣١.
(٣) فتح البيان في مقاصد القرآن، صديق خان (٥) تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين، جزء عم
ص ٢٧١ باختصار.
١٥/ ٣٢٤.
٢١٨
جوبي
القرآن الكريمِ