النص المفهرس

صفحات 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
6
المَكَـ
عناصر الموضوع
مفهوم المكر
١٢٤
المكر في الاستعمال القرآني
١٢٥
الألفاظ ذات الصلة
١٢٦
١٢٨
المكر وأسبابه
١٤٥
عواقب المكر
المُجَلَّدَ الخَاذِنى وَالثَّلاثُونْ

حرف الميمر
مفهوم المكر
أولًا: المعنى اللغوي:
الميم والكاف والراء أصل صحيح يدل على الالتفاف، ولذلك سمي الشجر الملتف
مكرًا، وعلى هذا فإن المعنى اللغوي للمكر هو أحد أمرين: الاحتيال في خفية والخداع،
والآخر: خدالة الساق، وامرأةٌ ممكورة الساقين. أي: مستديرة الساقين(١).
فمادة (مكر) الواردة في معاجم اللغة تدور حول الالتفاف، والفتل، والخداع، والتدبير(٢).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
فرق كثير من العلماء بين المكر المضاف إلى الله تعالى، والمكر الواقع من الخلق،
فأما المكر المضاف إلى الله تعالى يكون تعريفه، كما ذكر العلماء: ((هو إرداف النعم مع
المخالفة، وإبقاء الحال مع سوء الأدب، وإظهار الكرامات من غير جهد»(٣)، ومن المعلوم
أن هذا الشرح هو توضيح لمعنىّ ظاهر؛ لكن في حق الله تعالى فإن المكر صفة من صفاته،
نؤمن بها بلا تكييف ولا تأويل ولا تعطيل ولا تشبيه.
يضاف إلى أن بعض العلماء ذكر أن إمهال الله تعالى للعبد وتمكينه من بعض أعراض
الدنيا من مكره جل جلاله، ولذلك قال أمير المؤمنين رضي الله عنه: ((من وسع عليه دنياه
ولم يعلم أنه مکر به فهو مخدوع عن عقله))(٤).
وأما مكر العبد، فقد عرفه أكثر من واحد، منهم:
تعريف الراغب الأصفهاني بأنه: ((صرف الغير عما يقصده بحيلة))(٥).
وعرفه الجرجاني بأنه: ((إيصال المكروه إلى الإنسان من حيث لا يشعر))(٦).
(١) انظر: العين، الفراهيدي ٥/ ٤٧٠، تهذيب اللغة، الأزهري ١٣٥/١٠، مقاييس اللغة، ابن فارس
٢٦٣/٥، ٣٤٥، المحيط في اللغة، الصاحب بن عباد ٥/ ٦، لسان العرب، ابن منظور ١٨٤/٥.
(٢) انظر: لسان العرب ١٨٣/٥، الفروق اللغوية، العسكري ص٢٦٠.
(٣) التعريفات، الجرجاني ص٢٢٧.
(٤) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٧٧٢.
(٥) المصدر السابق.
(٦) التعريفات ص٢٢٧.
١٢٤
جوبي
الْقُرآن الكَرِيمِ

المکر
المكر في الاستعمال القرآني
وردت مادة (مكر) في القرآن على صيغ متعددة، بلغت (٤٣) مرة (١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا﴾
الفعل الماضي
١١
[الرعد: ٤٢]
الفعل المضارع
١١
﴿إِنَّ رُسُلَنَا يَكْثُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ ﴾ [يونس: ٢١]
المصدر
١٩
﴿أَفَأَ مِنُواْ مَكْرَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٩٩]
اسم الفاعل
[آل عمران: ٥٤]
وورد المكر في الاستعمال القرآني بمعنى: الاحتيال، ويكون بالقول والفعل، وهو
ضربان:
· محمود، وهو: ما يتحرى به أمر جميل، وعلى ذلك قول الله عز وجل: ﴿وَاللَّهُ خَيّرُ
اَلْمَكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤].
ومذموم وهو: ما يتحرى به فعل ذميم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّبِىُّ إِلَّا
بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣].(٢).
(١) انظر: المعجم المفهرس الشامل لألفاظ القرآن الكريم، عبد الله جلغوم، باب الميم ٢، ص١٢١٨ -
١٢١٩.
(٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص ٤٣٢-٤٣٣، بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي ٤ /٥١٦.
www. modoee.com
١٢٥
﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَكِينَ
٢

حرف الميم
الألفاظ ذات الصلة
الخيانة:
١
الخيانة لغةً:
الاحتيال والخداع. فالخيانة خلاف الأمانة (١).
الخيانة اصطلاحًا:
«مخالفة الحق بنقض العهد في السر»(٢).
الصلة بين الخيانة والمكر:
الخيانة والمكر يشتركان في الاحتيال في الخفاء(٣)، ويختلفان في أن المكر: صرف
الغير عما يقصده بحيلة، وقد یکون محمودًا، عندما يتحری بذلك فعل جميل، وقد يكون
مذمومًا، وهو: أن يتحرى به فعل قبيح، بينما الخيانة لا تكون إلا شرًا محضًا، فلا توجد خيانة
محمودة؛ لذلك لا تضاف الخيانة إلى الله تعالى بأي حال من الأحوال.
الكيد:
٢
الكيد لغةً:
هو المكر والخبث، والحيلة، والحرب (٤).
الکید اصطلاحًا:
((إرادة مضرة الغير خفية، وهو من الخلق: الحيلة السيئة، ومن الله سبحانه وتعالى: التدبير
بالحق لمجازاة أعمال الخلق)»(٥).
الصلة بين الكيد والمكر:
بينهما تشابه من حیث إن المکر مثل الکید في أنه لا یکون إلا مع تدبر وفکر.
ويفترقان فى كون الكيد أقوى من المكر، والدليل أنه يتعدى بنفسه والمكر يتعدى بحرف،
وأن المكر تقدير ضرر الغير من دون أن يعلم به، والكيد: اسم لإيقاع المكروه بالغير قهرًا
(١) انظر: المغرب في ترتيب المعرب، الخوارزمي ص ١٥٦.
(٢) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٣٠٥.
(٣) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ١٤/ ٤٤٠.
(٤) انظر: القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص٣١٦.
(٥) التعريفات، الجرجاني ص١٨٩.
١٢٦
جَوْسُور
القرآن الكريمِ

المكر
سواء علم أم لا(١).
الاحتيال:
٣
الاحتيال لغةً:
(احتال) من الحيلة. واحتال عليه بالدين من الحوالة(٢).
الاحتيال اصطلاحًا:
استنفاذ طريقة أو طرق؛ لتحويل المرء عما يكرهه إلى ما يحبه(٣).
الصلة بين المكر والاحتيال:
ذكر أبو هلال العسكري فرقين بينهما:
الأول: أن من الحيل ما ليس بمكر، وهو أن يقدر نفع الغير لا من وجهه، فیسمی ذلك
حیلة مع کونه نفعًا، والمكر لا يكون نفعًا.
والآخر: أن المكر تقدير ضرر الغير من غير أن يعلم به وسواء كان من وجهه أو لا،
والحیلة: لا تکون من غیر وجهه(٤).
الخديعة:
٤
الخديعة لغةً:
(((خدع) خدعًا، تغير من حالٍ إلى حالٍ، يقال: خدع فلان، تخلق بغير خلقه»(٥).
الخديعة اصطلاحًا:
تخلقٌ بغير الخلق السائد بين الناس؛ لجر المخدوع لما يريده المخادع.
الفرق بين المكر والخديعة:
الممكور به لا يحتسب أن يأتي من الماكر سوء، ولكن المخدوع عداوته ظاهرة،
وتربصهما معلوم، ولكنه ينتظر السوء، ويتحسب له من طريق فيفاجئه من طريق أخرى(٦).
(١) انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص٢٥٩.
(٢) مختار الصحاح، الرازي ص ٨٤.
(٣) انظر: التعريفات، الجرجاني ص٩٤.
(٤) انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص٢٦٠.
(٥) المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ٢٢٠/١.
(٦) انظر: لسان العرب، ابن منظور ١٨٣/٥.
www. modoee.com
١٢٧

حرف الميم
المكر وأسبابه
يتحدث هذا العنوان عن أسباب المكر
كما وردت في القرآن:
أولًا: إسناد المكر إلى الله:
جاء إضافة المكر إلى الله تعالى في
العديد من الآيات، كما في قوله تعالى:
﴿أَفَأَ مِنُواْ مَكْرَ اَللَّهِ فَلَ بَأْمَنُ مَكْرَ اَللَّهِ إِلَّا
اٌلْقَوْمُ الْخَسِرُونَ﴾ [الأعراف ٩٩].
وقوله تعالى: ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللَّهَ
وَاَللَّهُ خَيْرُ الْمَكِرِينَ ﴾ [آل عمران ٥٤].
وقوله تعالى: ﴿وَيَمْكُّرُونَ وَيَمْكُمُ اللَّهُ وَاَللَّهُ
[الأنفال ٣٠].
خَيْرُ الْمُكِرِينَ
واختلف المفسرون في هذه الإضافة
وتوجيهها على أقوال:
الأول: إن ذلك من باب المشاكلة
والمقابلة.
والمشاكلة: ذكر الشيء بلفظ غيره
لوقوعه في صحبته (١). فإضافة المكر إلى
الله من باب المشاكلة؛ لأن الله تقدس عن
أن يستعمل في حقه المكر، وقد جاء هذا
الأسلوب - المشاكلة- في مواضع كثيرة من
القرآن.
فيكون المراد بمكر الله هو إهلاك الكفار
من حيث لا يشعرون على سبيل الاستعارة
(١) معجم مقاليد العلوم في الحدود والرسوم،
السيوطي ص١٠١.
المنضمة الى المشاكلة، وفيه تشبيه الإهلاك
بالمكر في كونه إضرارًا في الخفاء؛ لأن
حقيقة المکر هو الإيقاع بالآخرين.
قال البغوي في قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا
وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَكِرِينَ﴾ [آل عمران
٥٤].
فالمكر من المخلوقين: الخبث
والخديعة والحيلة، والمكر من الله:
استدراج العبد وأخذه بغتة من حيث لا
يعلم، كما قال: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا
يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف ١٨٢](٢).
ويشكل على هذا أن المكر قد جاء
في غير المشاكلة، كما في قوله تعالى:
﴿أَفَأَ مِنُواْ مَكْرَ اللَّهَّ فَلَ بَأْمَنُ مَكْرَ اَللّهِ إِلَّا
اَلْقَوْمُ الْخَسِرُونَ﴾ [الأعراف ٩٩].
فقد ذكر الله تعالى هنا مكره وحده، ولم
يذكر مكر عبده، كما قال هناك: ﴿وَيَمْكُرُونَ
وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَكِرِينَ ﴾ [الأنفال
٣٠].
ذكر مكرهم ومكره، وهنا ذكر مكره
وحده(٣).
وقد رد على هذا الإشكال ابن عاشور،
حيث قال: ((وجاز إطلاق المكر على فعل
الله تعالى دون مشاكلة، كما في قوله:
﴿أَفَأَ مِنُواْ مَكْرَ اَللَّهِ﴾ وبعض أساتذتنا
(٢) معالم التنزيل، البغوي ٢/ ٤٤.
(٣) انظر: العذب النمير من مجالس الشنقيطي في
التفسير ٤/ ٧.
١٢٨
الْقُرآن الكَرِيْمِ

المكر
يسمي مثل ذلك مشاكلة تقديرية(١).
فيكون المكر الوراد في آية الأعراف
﴿أَفَأَ مِنُواْ مَكْرَ اللَّهَ فَلَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلََّّ
الْقَوْمُ الْخَسِرُونَ﴾ [الأعراف ٩٩].
من باب المشاكلة التقديرية، وهو موافق
لتعريف المشاكلة عند السيوطي، حيث
يقول: المشاكلة: ذكر الشيء بلفظ غيره
لوقوعه في صحبته تحقيقًا أو تقديرًا(٢).
الثاني: إن المكر أسند إلى الله على سبيل
المجازاة.
فقوله: ﴿أَفَأَ مِنُواْ مَكْرَ اَللَّهِ﴾ [الأعراف
٩٩].
أي: جزاء مکرهم، وسمي جزاء المکر
مکرًا كما سمي جزاء السيئة سيئة، وجزاء
الاعتداء اعتداء، وإن لم يكن الثاني اعتداء
ولا سيئة، فعلى ذلك تسمية جزاء المكر
مکرًا وإن لم یکن الثاني مکرًا.
قال الماتريدي: ((ألا ترى أنه لم يجز أن في قوله تعالى: ﴿أَفَأَ مِنُواْ مَكْرَ اللَّهِ﴾
یسمی مکارًا ولو كان على حقيقة المکر
إضافة مخلوق إلى الخالق، كما تقول:
ناقة الله، وبيت الله(٧).
لسمي بذلك؛ فدل أنه جزاء، و جائز أن يكون
المراد من مكره جزاء مكرهم سمي الجزاء
باسم المكر لأنه جزاؤه؛ كقوله: ﴿وَجَزَّقُّأْ
سَيِّئَّةٍ سَيِّئَّةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى ٤٠].
والثانية ليست بسيئة (٣).
(١) التحرير والتنوير ٣/ ٢٥٧.
(٢) معجم مقاليد العلوم في الحدود والرسوم،
السيوطي ص ١٠١.
(٣) تأويلات أهل السنة، الماتريدي ٥١٢/٤.
وقال الزجاج: مكر الله عز وجل مجازاته
على مكرهم، فسمى الجزاء باسم الابتداء
لأنه في مقابلته؛ كقوله تعالى: ﴿ اَللّهُيَسْتَهْزِئُ
﴾ [البقرة ١٥].
﴿وَهُوَ خَدِعُهُمْ﴾ [النساء
و قوله:
١٤٢] (٤). وكما قال عمرو بن كلثوم(٥):
ألا لا یجهلن أحد علینا
فنجهل فوق جهل الجاهلينا
والمقصود أن من الوجوه في إطلاق
المكر على الله أن يكون ذلك من باب
الجزاء؛ لأنه لا يجوز إضافة المكر والخداع
والاستهزاء مبتدأً إلى الله؛ لأنه مذموم من
الخلق إلا على المجازاة، فكيف من الله عز
وجل ؟!(٦).
الثالث: إن إضافة المکر إلی الله من باب
إضافة المخلوق إلى خالقه.
قال ابن عطية: إضافة (مكر) إلى الله
[الأعراف ٩٩].
وكذا قال الحلبي: ((ومعنى (مكر الله)
أي إضافة المخلوق إلى الخالق؛ كقولهم:
(٤) معالم التنزيل، البغوي ١/ ٤٤٦.
(٥) ديوانه ص٧٨.
(٦) انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي
٣٨٧/١.
(٧) المحرر الوجيز، ابن عطية ٢/ ٤٣٣.
www. modoee.com
١٢٩

حرف الميم
ناقة الله وبيت الله، والمراد به فعل يعاقب
به الكفرة، وأضيف إلى الله لما كان عقوبة شريفة حتى قتله، وأراح الناس منه، فكلهم
الذنب، فإن العرب تسمي العقوبة على أي
جهة كانت باسم الذنب الذي وقعت عليه
العقوبة، وهذا نص في قوله: ﴿وَمَكَرُوا
وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران ٥٤]. قاله ابن
عطية. قلت: وهو تأويل حسن))(١).
الرابع: إن إضافة المکر إلی الله من باب
إضافة الصفة إلى الموصوف.
قال الشنقيطي بعد أن ذکر قول من قال
إن ذلك من باب المشاكلة: ((والتحقيق: أن
المكر صفة أطلقها الله على نفسه، ولا يجوز
إطلاقها على الله إلا في الموضع الذي
يطلقها هو على نفسه، أو رسوله صلى الله
عليه وسلم، وقد أجمع جميع العلماء أنه
لا يجوز أن يشتق له منها اسم، فلا تقل: من
أسمائه الماکر؛ لأن ذلك لا يجوز إجماعًا.
ومعنى (مكر الله): أنه جل وعلا
يستدرجهم، ويغدق عليهم النعم والصحة
والعافية، حتى يكونوا أغفل ما كانوا، ثم
يأخذهم بغتة، ويهلكهم في غاية الغفلة،
وهذا فعل أحسن ما يكون وأبلغ ما يتصور،
وقد ضربوا مثلًا -ولله المثل الأعلى-
قالوا: لو فرضنا أن هنالك رجلًا شدید
البلية على الناس، يقتل هذا، ويظلم هذا،
وجميع الناس في غاية التأذي منه، ثم إن
(١) الدر المصون ٣٩٣/٥.
مَوَسُو
القرآن الكريم
رجلًا صالحًا كريمًا طيبًا احتال عليه بحيلة
یقول: جزاك الله خيرًا، والله إن قتلك له في
صورة خفاء إنه أحسن ما يكون، وعلى كل
حال فالله لا يصف نفسه إلا بما هو في غاية
الحسن والجمال واللياقة، فوصف نفسه هنا
بأنه یهلك الکافرین بمکره، وأن کیده متین،
كما قال: ﴿ وَأُمْلِ لَهُمَّ إِنَّ كَيْدِى مَتِينُ﴾
[الأعراف ١٨٣])»(٢).
والمقصود أن المكر وصف لله،
وصفات الله تعالی کلھا صفات کمال، دالة
على أحسن المعاني وأكملها.
قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ اَلْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾
[النحل ٦٠].
وقال تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِ السَّمَوَتِ
وَاْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الروم ٢٧].
ومعنى المثل الأعلى أي: الوصف
الأكمل، قال السعدي: «المثل الأعلى هو
كل صفة كمال))(٣).
فلا يجوز إذن وصف الله بالمكر على
سبيل الإطلاق، أما وصف الله بالمكر في
موضعه في مقابلة أولئك الذين يمكرون به
وبرسله فإن هذا جائز؛ لأنه في هذه الحال
یکون صفة کمال.
فعلى المسلم أن يعتقد بأن الله عز
(٢) العذب النمير من مجالس الشنقيطي في
التفسير ٧/٤.
(٣) تيسير الكريم الرحمن ص٧١٨.
١٣٠

المكر
وجل منزه عن كل ما لا يليق به سبحانه مخادعة رسله أوليائه فلا أحسن من تلك
من النقائض، وصفات المخلوقين، كما المخادعة والمكر))(١).
قال: ﴿لَيَسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ
اَلْبَصِيرُ﴾ [الشورى ١١].
وتنزيه الله تعالى يكون وفق المنهج
الرباني الذي ورد في النصوص الشرعية،
بحيث لا يثبت الإنسان لله تعالى ما لم يثبته
لنفسه ولا رسوله صلی الله علیه وسلم، ولا
ينفي عنه ما أثبته لنفسه، وأثبته له رسوله صلى
الله عليه وسلم، وإنما يقف مع النصوص
الشرعية إثباتًا ونفیًا مع اعتقاد کمال الله.
ومن هذا القبيل لفظ: (المكر) حيث
أضيف في القرآن إلى الله تعالى: ويتمثل
الموقف الصحيح فيما قرره ابن القيم
حيث قال: ((وأما ما ورد بلفظ الفعل كقوله
تعالى: ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اَللّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ
الْمَكِرِينَ ﴾ [آل عمران ٥٤].
﴿وَمَكَرُواْ مَكْرًا وَمَكَّرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا
يَشْعُرُونَ﴾ [النمل ٥٠].
فهذا يطلق على الله كما ورد، ولا يجوز
أن یشتق لله منه اسم، فلا يقال: من أسمائه
(الماکر) ولا الکائد؛ لأنه لم يرد».
وقال: ((وأما المكر الذي وصف به نفسه
فھو مجازاته للماکرین بأوليائه ورسله فیقابل
مکرهم السيئ بمکره الحسن، فیکون المکر
منهم أقبح شيء ومنه أحسن شيء لأنه عدل
ومجازاة، وكذلك المخادعة منه جزاء على
والحاصل أن هذه الأفعال أطلقها الله
تعالى على نفسه على سبيل الجزاء العدل
والمقابلة، وهي فيما سيقت فيه مدح و کمال،
لكن لا يجوز أن يشتق منها أسماء ولا تطلق
علیه عز وجل في غير ما سيقت له من آيات.
قال صاحب المنار: ((ولما كان المكر في
الأصل: التدبير الخفي المفضي بالممكور
به إلى ما لا يحتسب؛ وكان الغالب أن يكون
ذلك في السوء؛ لأنه من العباد مراوغة
وخداع للوصول إلى أهدافهم الخبيثة، غلب
استعمال المكر في التدبير السيئ وإن كان
في المكر الحسن والسيئ جميعًا.
قال تعالى: ﴿أَسْتِكَبَارًا فِىِ الْأَرْضِ
وَمَكْرَ السَِّّ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّبِّئُ إِلَّا يَأَهْلِهِ﴾
[فاطر ٤٣].
ووجه الحاجة إلى المكر الحسن أن
من الناس من إذا علم بما يدبر له من الخير
أفسد على الفاعل تدبيره لجهله، فيحتاج
مربيه أو متولي شئونه إلى أن يحتال عليه،
ويمكر به ليوصله إلى ما لا يصح أن يعرفه
قبل الوصول؛ إذ يوجد في الماكرين الأشرار
والأخيار والله خير الماكرين، فإن تدبيره
الذي يخفى على عباده إنما يكون لإقامة
سننه، وإتمام حکمه، و کلها خير في نفسها،
(١) الفوائد، ابن القيم ص٢١٣.
www. modoee.com
١٣١

حرف الميم
وإن قصر كثير من الناس في الاستفادة منها مستقراتها لقوته، ولكن الله تعالى أبطله،
ونصر أولياءه، وهذا أشد في العبرة)»(٢).
بجهلهم، وسوء اختيارهم»(١).
وهذه الأقوال كلها صواب، سواء من
قال: إن ذلك من باب المشاكلة والمقابلة،
أو إن المكر أطلق على الله على سبيل
المجازاة، أو من باب إضافة المخلوق إلى
خالقه أو إن إضافة المکر إلی الله من باب
إضافة الصفة إلى الموصوف.
ثانيًا: أسباب المكر:
المكر نوعان، مكر محمود، ومكر
مذموم، ولكل نوعٍ أسباب.
١. أسباب المكر الحسن.
من يتتبع أسباب المكر الحسن في القرآن
الكريم يجدها على النحو الآتي:
١. نصرة لأولياء الله.
مکر الله تعالی بأعداء دینه ورسله -بعد
أن يستفرغوا كل أنواع الكيد والمكر في
الصد عن دينه ومحاربة أوليائه- يأتي نصرة
لأوليائه، وتأييدًا لعباده المؤمنين.
وقد وصف الله تعالی شدة مكر الأعداء
بالمؤمنين، فقال: ﴿وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ
وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ
لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ [إبراهيم ٤٦].
قال ابن عطية: «تعظیم مکرهم وشدته،
أي: أنه مما يشقى به، ويزيل الجبال عن
(١) تفسير المنار ٣/ ٢٥٩.
جَوَسُوعَةُ النفسية
القرآن الكريم
ومع أن مکرهم بالمؤمنین شدید إلا أن
الله قد جعل مكرهم كأن لم یکن؛ إذ أضاف
المكر كله له، فقال: ﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ
فَلِلَّهِ الْمَكْرُجَمِيعًا﴾ [الرعد ٤٢].
ومعنى مكره تعالى: عقوبته إياهم،
سماها مكرًا إذا كانت ناشئة عن المكر؛
وذلك على سبيل المقابلة (٣).
ومن المهم معرفته في هذه القضية أن
تحذير الله المؤمنين من الماكرين ليس
من التخويف؛ وإنما لأخذ الحيطة، وبذل
الأسباب في دفع مكر الماكرين؛ وللعلم
في المقابل بأن مكرهم محدودً، ولن يبلغ
مبلغه.
فالمسلم يعلم يقينا أن سنة الله في
الماكرين لا بد لها من أسباب، ومن أهم
هذه الأسباب أن يعمل المسلمون الأعمال
التي تمنع وقوع مكر المجرمين، أو تبطل
وتزيل مكر المفسدين، أو تخفف ضرر
مكر الماكرين، وكذلك سنن الله في
نصر المؤمنين، والتمكين لهم، والدفاع
عنهم، وحفظهم وتأییدهم وإظهارهم على
عدوهم لا تحصل للمؤمنين إلا بالأعمال
المحققة والجالبة لوجود هذه السنن بفضل
(٢) المحرر الوجيز، ابن عطية ٣٤٦/٣.
(٣) البحر المحيط ٤٠١/٦.
١٣٢

المكر
الله ورحمته وإحسانه، ولن تحصل هذه
السنن للبطالين، أو المقصرين في الأعمال
الصالحة المناسبة لهذه السنن الربانية، كما
بينها الله لنا في كتابه، وربط السنن بأسبابها.
ولهذا قال: ﴿فَلِلَّهِ الْمَكْرُجَمِيعًا﴾ أي: أن
مکر جميع الماکرین له ومنه، أي: هو حاصل
بتخليقه وإرادته؛ لأنه ثبت أن الله تعالى هو
الخالق لجميع أعمال العباد، وأيضًا فذلك
المکر لا یضر إلا بإذن الله تعالى، ولا يؤثر
إلی بتقديره، وفيه تسلية للنبي صلی الله علیه
وسلم، وأمان له من مكرهم، كأنه قيل له:
إذا كان حدوث المكر من الله، وتأثيره من
الممکور به أيضًا من الله، وجب أن لا یکون
الخوف إلا من الله تعالى، وأن لا يكون
الرجاء إلا في الله تعالى، وذهب بعض
الناس إلى أن المعنى: فلله جزاء المكر؛
وذلك لأنهم لما مکروا بالمؤمنين بين الله
تعالى أنه يجازيهم على مكرهم(١).
وقد أخبر الله تعالى في القرآن أنه أبطل
مکر الماکرین، و کید الکائدین بأوليائه،
حيث قال عن كيد الكفار بإبراهيم: ﴿وَأَرَادُواْ
بِهِ، كَيْدًا فَجَعَلْنَهُمُ الْأَخْسَرِنَ ل وَجَيْنَكَهُ
وَلُوطَّا إِلَى الْأَرْضِ اَلَّتِىِ بَرَّكْنَا فِيَهَا لِلْعَلَمِينَ﴾
[الأنبياء ٧٠ - ٧١].
وقال تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ
فَلِلّهِ الْمَكْرُجَمِيعَا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلّ نَفْسِ وَسَيَعْلَمُ
(١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١٩/ ٥٤.
الْكُفَرُ لِمَنْ عُقْىَ الدَّارِ﴾ [الرعد ٤٢].
فحذر الله تعالى هؤلاء الكفار من سوء
عاقبة مكرهم، وتكذيبهم للرسل، وعدم
اعتبارهم بمن سبقهم، وبين أن هذا المكر
سیجدون عاقبته مهما كان شديدًا ومحكمًا،
فهو لا يساوي شيئًا أمام مكر الله الذي
أعده لهم، انتصارًا لرسله، ووفاء بعهده لهم
بالنصر والتمكين.
ومما يؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿ فَلاَ
◌َّحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ، رُسُلَهُ ﴾ [إبراهيم
٤٧].
بنجاتهم ونجاة أتباعهم وسعادتهم
وإهلاك أعدائهم وخذلانهم في الدنيا،
وعقابهم في الآخرة، فهذا لا بد من وقوعه؛
لأنه وعد به الصادق، قولًا على ألسنة
أصدق خلقه وهم الرسل، وهذا أعلى ما
يكون من الأخبار، خصوصًا وهو مطابق
الحكمة الإلهية، والسنن الربانية، وللعقول
الصحيحة، والله تعالى لا يعجزه شيء فإنه
﴿عَزِيزٌ ذُوْ اَنِقَامِ﴾ [إبراهيم ٤٧](٢).
وهكذا سنة الله في الماكرين، فقد أهلك
الله قریشًا حین مکرت بنبي الله محمد صلى
الله عليه وسلم، ونصره الله عليهم، ومن
قبلها مکر فرعون فكان مکره وبالًا عليه،
وحاق به العذاب في الدنيا بالغرق، وفي
الآخرة بالحرق.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٢٨.
www. modoee.com
١٣٣

حرف الميم
قال تعالى في قصة الرجل المؤمن
بموسى من قوم فرعون: ﴿فَوَقَتُهُ اللهُ
سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُواْ وَحَاقَ بِثَالِ فِرْعُوْنَ سُوَّءُ
الْعَذَابِ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيّاً
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْ ◌ِلُواْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ
اَلْعَذَابِ﴾ [غافر ٤٥-٤٦].
وصدق الله تعالى بالقائل: ﴿وَلَا يَحِيقُ
الْمَكْرُ السَّبِىُّ إِلَّ بِأَهْلِهِ، فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلََّ سُنَّتَ
اْأَوَّلِينَّ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اَللَّهِ تَبْدِيلًاٌ وَلَن تَّجِدَ لِسُنَّتِ
اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر ٤٣].
ثم ذكر بعد ذلك في الآيات اللاحقة أن
الله ينصر رسله والذين آمنوا في الحياة الدنيا
وفي الآخرة، فقال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنَصُرُ
رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ
الْأَشْهَدُ﴾ [غافر ٥١].
فهذه سنة الله قديمًا وحديثًا، نصرة الحق
وأتباعه، وإزهاق الباطل وأشياعه، وهذا
الحكم وهذه السنة مما تقتضيه الحكمة
الإلهية، وهو شأن الله المستمر بنصرة
رسله وأتباعهم في الدنيا بالحجة والظفر،
والانتقام لهم من الكفرة بالاستئصال والقتل
والسبي، وغير ذلك من العقوبات، فضلًا
عن عذاب الآخرة.
٢. الإيقاع بالمتكبرين الظلمة.
ومن أسباب المكر الحسن أن الله يمکر
بالمتكبرين الظلمة، ويوقع بهم في شر
أعمالهم، من حيث لا يشعرون، وحقيقة
مكر الله جل وعلا أنه يستدرج العبد،
ويملي له، حتى إذا أخذه لم يفلته، فييسر له
الأمور حتی یظن أنه في غاية المآمن، فیکون
ذلك استدراجًا في حقه، كما قال النبي عليه
الصلاة والسلام: (إذا رأيت الله يعطي العبد
ما يحب، وهو مقيم على معاصيه، فإنما ذلك
له منه استدراج)(١).
وهذا ظاهر من معنى المكر؛ لأن في
المكر والکید وأمثالهما معنى الاستدراج.
والاستدراج من أكثر أنواع المكر الإلهي
حيلة، فالله سبحانه وتعالى بحكمته يفتح
على أهل المكر من نعيم الدنيا ما يشغلهم
عن توقع العقوبة، ويمهلهم طويلًا، حتى إذا
اطمأنوا، وفرحوا بما أوتوا، أخذهم بالعقوبة
على حين غرة، فالاستدراج دنو من العقوبة
شيئًا فشيئًا.
وأصل الاستدراج اغترار المستدرج
بلطف من استدرجه، حیث یری المستدرج
أن المستدرج إليه محسنٌّ، حتى يورطه
مكروهًا(٢).
وقد قال الجرجاني: الاستدراج: هو أن
تکون بعیدا من رحمة الله تعالى، وقریبًا إلى
العقاب تدريجيًا، أو هو: الدنو إلى عذاب
(١) أخرجه الطبراني في الأوسط ٩/ ١١٠، رقم
٩٢٧٢.
وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة،
رقم ٤١٤.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٨٧/١٣.
١٣٤
القرآن الكريم

المكر
الله بالإمهال قليلاً قليلاً(١). وهذا هو مكر العجب، وتسلط عليهم الغرور، والحقيقة
أن هذا ما هو إلا مكر من الله بهم واستدراج!
الله بالعبد، نسأل الله السلامة والعافية.
انخدع به من كان قبلهم! فأخذهم رب العزة
-جل وعلا - أخذ عزيز مقتدر، فتركهم لمن
خلفهم عبرة، ولغيرهم آية!
وعرفه المناوي بقوله: الاستدراج: تلوين
المنة بغير خوف الفتنة، وقيل: انتشار الذكر
بدون خوف المکر، وقيل: تعلیل برجاء،
وتأصيل بغير وفاء(٢).
وقال الكفوي: الاستدراج: هو أن يعطي
الله العبد کل ما يريده في الدنيا ليزداد غیه
وضلاله، وجهله وعناده، فیزداد کل یوم بعدًا
من الله تعالی"
٠
وسنة الاستدراج من المکر الذي يحل
بالظالمين، يستدرجهم الله بالنعم التي
ظاهرها الرحمة، وباطنها العذاب والنقمة،
يستدرج بها الله تعالى المسرفين والظالمين،
فتلهیهم النعمة وتبطرهم، فینخر بنیانهم من
الداخل فينهار، وذلك هو المحق والسقوط
في حياة هذه الأمم، وهذا السقوط يتم عادة
بغتة، وبصورة مفاجئة.
فبعض من أغدق الله جل جلاله عليهم
بالصحة في الأبدان، والسعة في الرزق،
والأمن في الأوطان، مع ما يرتكبون من
المعاصي والآثام، والتكبر والظلم، والتجرؤ
على ما حرم الله يظنون أن تتابع هذه النعم،
وتزايد هذه المنن هو دليل على حب المنان،
ورضا الرحمن! فأصابهم بسبب ذلك
(١) التعريفات ص ٢٠.
(٢) التوقيف على مهمات التعاريف ص ٤٨.
(٣) الكليات ص١١٣.
قال سبحانه: ﴿فَلَمَّافَسُواْ مَا ذُكِرُواْبِهِ،
فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَبَ كُلِّ شَىْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ
بِمَا أُوتُواْ لَخَذْنَهُمْ بَغْنَةٌ فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ﴾ [الأنعام
٤٤].
قال ابن كثير رحمه الله: ((﴿فَلَمَّا فَسُواْ
مَاذُكِرُوا بِهِ ﴾ أي: أعرضوا عنه وتناسوه،
وجعلوه وراء ظهورهم ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ
أَبْوَبَ كُلِّ شَىْءٍ﴾ أي: فتحنا عليهم أبواب
الرزق من كل ما يختارون، وهذا استدراج
منه تعالى، وإملاء لهم عياذا بالله من مكره؛
ولهذا قال: ﴿حَّ إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ﴾ من
الأموال والأولاد والأرزاق ﴿أَخَذْنَهُمْ بَغْنَةً ﴾
أي: على غفلة ﴿فَإِذَا هُمْ تُبْلِسُونَ﴾ أي: آيسون
من کل خیر»(٤).
وقال تعالى: ﴿فَذَرْنِ وَمَن يُكَذِّبُ بِهَذَا لَلَدِيثِّ
سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ﴿ وَأَمْلِ لَهُمَّ إِنَّ
کَیْدِیمَتِینُ﴾ [القلم ٤٤ -٤٥].
ويستفاد من الآيات السابقة وآيات
أخرى، وبعض الأحاديث الشريفة
الواردة في شأن الاستدراج، أو العذاب
الاستدراجي أن الله لا يتعجل بالعذاب على
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٣٣/٢.
www. modoee.com
١٣٥

حرف الميم
الطغاة والعاصين المتجرئين، وفقًا لسنته في (في الظهر)(١).
عباده، بل يفتح عليهم أبواب النعم، فكلما
ازدادوا طغيانًا زادهم نعمًا، وهذا الأمر لا
يخلو من إحدى حالتين:
فإما أن تكون هذه النعم مدعاة للتنبيه
والإيقاظ، فتكون الهداية الإلهية في هذه
الحال عملية، أو أن هذه النعم تزيدهم
غرورًا وجهلًا؛ فعندئذٍ یکون عقاب الله لهم
في آخر مرحلة أوجع؛ لأنهم حين يغرقون
في نعم الله وملذاتهم ويبطرون، فإن الله
سبحانه يسلب عندئذٍ هذه النعم منهم،
ويطوي سجل حياتهم، فيكون هذا العقاب
صارمًا وشديدًا.
والآية الثانية وهي قوله تعالى: ﴿وَأَمْلِهَمّ
إِنَّكَيْدِیمَتِينٌ﴾ [القلم ٤٥].
تؤكد الموضوع ذاته، وتشير بأن الله
لا يتعجل بالعذاب عليهم، بل يمهلهم
لعلهم يحذرون ويتعظون، فإذا لم ينتبهوا
من نومتهم ابتلوا بعذاب الله، فتقول الآية:
﴿وَأَمْلِلَمْ﴾ [القلم ٤٥].
لأن الاستعجال يتذرع به من يخاف
الفوت، والله قوي ولا يفلت من قبضته أحد
﴿إِنَّكَيْدِیمَتِينٌ﴾ [القلم ٤٥].
و(المتين) معناه: القوي المحكم
الشديد، وأصله مأخوذ من المتن، وهو
العضلة المحكمة التي تقع في جانب الكتف
وهذه السنة هي نفسها سنة الإملاء في
القرآن، وإنما يسميها القرآن بالاستدراج؛
لأن الله تعالى يستدرج بها المسرفين الى
السقوط، ويسميها القرآن بـ((الاملاء)) لأن
الله يملي فيها للمسرفين، والإملاء هو
الإمداد، كما قال الله: ﴿فَأَعْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ
ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابٍ﴾ [الرعد ٣٢].
وكما يقول الراغب في المفردات في
قوله:
﴿ وَأَمَلِ لَهُمَّ إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ ﴾
[الأعراف ١٨٣].
قال بعضهم: أراد بالكيد العذاب،
والصحيح أنه هو الإملاء والإمهال المؤدي
إلى العقاب، كقوله: ﴿إِنََّا تُمْلِ لَهُمْ لِيَزْدَادُوّا
إِثْمًا﴾ [آل عمران ١٧٨].
وقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى كَيْدَ الْخَايِنِينَ﴾
[يوسف ٥٢].
فخص الخائنين تنبيهًا أنه قد يهدي کید
من لم يقصد بکیده خيانة، ککید یوسف
﴿لَأَكِيدَنَّ أَصْتَكُمْ﴾
بأخيه، وقوله:
[الأنبياء ٥٧].
أي: لأريدن بها سوءًا، وقال: ﴿فَرَادُوا
بِهِ، كَيْداً فَعَلْنَهُمُ الْأَسْفَلِينَ ﴾ [الصافات ٩٨].
وقوله: ﴿فَإِن كَانَ لَگُوْ كَيْدٌ فَكِدُونِ﴾
[المرسلات ٣٩].
(١) تهذيب اللغة، الأزهري ٢١٧/١٤.
١٣٦
جوبيع
القرآن الكريم

المكر
وقال: ﴿كَيْدُ سَحِرٍ﴾ [طه ٦٩](١).
والمقصود أن معنى مكر الله سبحانه
وخدعته هو جزاؤه الإنسان الماكر والخادع
على مكره وخديعته، فالله عز وجل لا
یسخر، ولا يستهزئ، ولا یمکر، ولا يخادع؛
ولكنه عز وجل يجازيهم جزاء السخرية،
وجزاء الاستهزاء، وجزاء المكر والخديعة،
فمكر الله سبحانه وتعالى نوع من العقوبة
والانتقام والقهر، يجري على العباد لمواجهة
أعمالهم السيئة.
ومكر الله يجري على المسيء بأسلوب
خفي دون أن يعرف به، أو يطلع عليه في مقام
الانتقام؛ لما قام به من أعمال سيئة، ومظالم
مشينة، ومکر الله في خفائه يتمثل بالإملاء
حينما يمهل الله سبحانه وتعالى الكفار
والفاسقين؛ ليزدادوا في ظلمهم وطغيانهم،
ويملي لهم لتزداد عقوبتهم ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ
الَّذِينَ كَفَرُوْ أَنَّمَا تُمْلِهِمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا تُمْلِي
لَمُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَّأْ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [آل
عمران ١٧٨].
ومن أسباب المكر الحسن المكر في
الحرب؛ فليس في الحرب لين ولا هوادة،
إما نصر وغلبة، وإما ذل وهزيمة، وقد أباح
الله تعالى المكر والخديعة في الحرب لنصر
دينه، وإعلاء كلمته، وللإيقاع بالكفار أعداء
الله ودينه، ونصر المستضعفين الذين فتنهم
(١) المفردات، الراغب ص ٧٢٨.
الجبابرة، ومنعوا الدين الحق من الوصول
إليهم؛ لذلك كان التهديد بغضب الله
والوعيد بعذاب النار لمن فر يوم الزحف؛
لأن ذلك یؤدي إلی کشف ظهور المسلمين
وهزيمتهم، والحرب ليست بالأمر الهين،
بل تحتاج إلى إعمال عقل، وتدبير محكم،
وتخطيط جيد، وصبر على مشاقها، يقول
صاحب العقد الفريد: ((الحرب رحی ثقالها
الصبر، وقطبها المكر، ومدارها الاجتهاد،
وثقافتها الأناة، وزمامها الحذر، ولكل شيء
من هذه ثمرة، فثمرة الصبر التأييد، وثمرة
المكر الظفر، وثمرة الاجتهاد التوفيق،
وثمرة الآناة اليمن، وثمرة الحذر السلامة،
ولكل مقام مقال، ولكل زمان رجال،
والحرب بين الناس سجال، والرأي فيها
أبلغ من القتال(٢).
لذلك كانت الحيلة والمكر مباحة في
الحرب لحقن دماء المسلمين، وقد جاء
الإذن بالتحرف للقتال، واستعمال الحيلة
في الحرب في قوله تعالى: ﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ
يَوْمَيِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِثَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا
إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَنهُ
جَهَنَّمٌ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال ٦
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:
(الحرب خدعة)(٣).
(٢) العقد الفريد، ابن عبدربه ٨٦/١ بتصرف
يسير.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد
www. modoee.com
١٣٧

حرف الميم
٣. الانتقام ممن حاد الله ورسوله.
ومن دواعي المكر الإلهي الانتقام ممن
حاد الله ورسوله.
قال تعالى: ﴿فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ
عَقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَقَّرْنَهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾
[النمل ٥١].
ومكرهم ما روي أن هؤلاء التسعة الذين
عقروا الناقة لما كان في صدر الثلاثة الأيام
بعد عقر الناقة، وقد أخبرهم صالح بمجيء
العذاب اتفقوا وتحالفوا علی أن يأتوا دار
صالح ليلًا، ويقتلوه وأهله المختصين به،
قالوا: فإذا کان کاذبًا في وعيده أوقعنا به ما
يستحق، وإن کان صادقًا كنا عجلناه قبلنا،
وشفينا نفوسنا(١).
فهذا هو مکرهم الذي أشار الله إليه في
قوله: ﴿قَالُواْ تَقَاسَمُواْ بِاللَّهِ لَتُبَيِّتَنَّهُ, وَأَهْلَهُ.
ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِّهِ، مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ، وَإِنَّا
لَصَدِقُونَ﴾ [النمل ٤٩].
وقال تعالى في آية أخرى: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا
مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ
مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ اَلْجِبَالُ﴾ [إبراهيم
٤٦].
والمعنى: أن الله محيط بهم وبمکرهم،
والسير، باب الحرب خدعة، ٤ /٦٤، رقم
٣٠٣٠، ومسلم في صحيحه، كتاب الجهاد
والسير، باب جواز الخداع في الحرب،
١٣٦١/٣، رقم ١٧٣٩.
(١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢١٧/١٣.
وإن كان مكرهم من القوة والتأثير حتى
ليؤدي إلى زوال الجبال، أثقل شيء
وأصلب شيء، وأبعد شيء عن تصور
التحرك والزوال، فإن مكرهم هذا ليس
مجهولًا، وليس خافيا، وليس بعيدًا عن
متناول القدرة، بل إنه لحاضر (عند الله)
يفعل به كيفما يشاء ﴿فَلَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ
وَعْدِهِ، رُسُلَهُ﴾ [إبراهيم ٤٧].
فما لهذا المكر من أثر، وما يعوق تحقيق
وعد الله لرسله بالنصر، وأخذ الماكرين
أخذ عزيز مقتدر ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو أَنِقَامٍ﴾
لا یدع الظالم یفلت، ولا يدع الماکر ینجو،
وكلمة الانتقام هنا تلقي الظل المناسب
للظلم والمكر، فالظالم الماكر يستحق
الانتقام، وهو بالقياس إلى الله تعالى يعني
تعذيبهم جزاء ظلمهم، وجزاء مكرهم،
تحقيقًا لعدل الله في الجزاء، وسيكون
ذلك لا محالة ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ
وَالسَّمَوَتُ ﴾ [إبراهيم ٤٨].
ولا ندري نحن كيف يتم هذا؟ ولا طبيعة
الأرض الجديدة وطبيعة السماوات، ولا
مكانها، ولكن النص يلقي ظلال القدرة
القادرة التي تبدل الأرض، وتبدل السماوات
في مقابل ذلك المکر الذي مهما اشتد فهو
ضئيل عاجز حسير.
وفجأة نرى ذلك قد تحقق ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ
اٌلْوَحِدِ الْقَهَّارِ﴾ وأحسوا أنهم مكشوفون
جَوَسُولَرُ النَّفِيَّة
القرآن الكريمِ
١٣٨

المكر
لا یسترهم ساتر، ولا یقیھم واق، ليسوا
في دورهم، وليسوا في قبورهم، إنما إضافة الموصوف إلى صفته في الأصل؛ إذ
الأصل (والمكر السيِّئ) أي: الذي من شأنه
أن يسوء صاحبه وغيره، وهو إرادتهم لإهانة
أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وإطفاء نور
الله عز وجل (٥).
هم في العراء أمام الواحد القهار، ولفظة
(القهار) هنا تشترك في ظل التهديد بالقوة
القاهرة التي لا يقف لها كيد الجبابرة، وإن
کان مکرهم لتزول منه الجبال، ثم ها نحن
أولاء أمام مشهد من مشاهد العذاب العنيف
القاسي المذل، يناسب ذلك المكر، وذلك
الجبروت(١).
٢. أسباب المكر السيِّئ.
١. الاستكبار في الأرض.
الاستكبار طلب الكبر من غير
استحقاق(٢). والكبرياء: اسم للتكبر
والعظمة)»(٣).
وقد أشار الله سبحانه وتعالى أن من
دواعي مكر الماكرين الاستكبار في الأرض،
حيث قال: ﴿أَسْتِكْبَارًا فِ اْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّ
وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّبِىُّ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر ٤٣].
فقوله: ﴿أَسْتِكْبَارًا﴾ أي: طلبًا لإيجاد
الكبر لأنفسهم ﴿فِى الأَرْضِ﴾ أي: التي من
شأنها السفول والتواضع والخمول، فلم
یکن نفورهم لأمر محمود ولا مباح، ويجوز
أن یکون استکبارًا بدلا من نفورًا، وأن یکون
حالًا، أي: حال كونهم مستكبرين (٤).
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٤ / ٢١١٢.
(٢) الفروق اللغوية، العسكري ص ٤٩.
(٣) العين، الفراهيدي ٣٦١/٥.
(٤) السراج المنير ٣٣٣/٣.
وقوله تعالى: ﴿وَمَكْرَ السَِّ﴾ هذا من
والمقصود أن سبب النفور هو الاستكبار
ومكر السيئ، أي: الحامل لهم على الابتعاد
من الحق هو الاستكبار والمكر السيئ، وهو
الخداع الذي ترومونه برسول الله صلی الله
عليه وسلم، والكيد له(٦).
﴿وَلَا﴾ أي: والحال أنه لا ﴿ وَلَا يَحِيقُ﴾
أي: يحيط إحاطة لازمة خسارة ﴿الْمَكْرُ
السَّبِّئُّ﴾ أي: الذي هو عريق في السوء ﴿إِلَّا
بِأَهْلِهِ﴾ أي: وإن أذى غير أهله، لكنه لا
يحيط بذلك الغير، فإن قيل: كثيرًا ما نرى
الماکر یمکر ویفیده المكر، ويغلب الخصم
بالمكر، والآية تدل على عدم ذلك، أجيب
بأجوبة:
أحدها: أن المكر في الآية هو المكر
الذي مکروه مع النبي صلى الله عليه وسلم،
من العزم على القتل والإخراج، ولم يحق
إلا بهم، حیث قتلوا یوم بدر وغيره.
ثانيها: أنه عام، وهو الأصح.
ثالثها: أن الأعمال بعواقبها، ومن مكر
(٥) المصدر السابق.
(٦) البحر المحيط، أبو حيان ٩/ ٤١.
www. modoee.com
١٣٩

حرف الميم
بغيره ونفذ فيه المكر عاجلًا في الظاهر لا يصل إلى ذلك في دار ربط المسببات
بحكمة الأسباب إلا بالمكر، وكان الأكابر
أقدر على إنفاذ المکر، وترويج الأباطيل بما
لأغلب الناس من السعي في رضاهم طمعًا
فيما عندهم، وكان الإنسان كلما تمكن من
ذلك أمعن فیه، و کان الکبیر إنما يصل إلی ما
قدر له من ذلك(٢).
فهو في الحقيقة هو الفائز، والماكر هو
الهالك، كمثل راحة الكافر ومشقة المسلم
في الدنيا، ويؤيد هذا المعنى قوله تعالى:
﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ﴾ أي: ينتظرون ﴿إِلََّّسُنَّتَ
اٌلْأَوَّلِينَ﴾ أي: سنة الله تعالى فيهم من
تعذيبهم (١).
ومما يدل على أن من دواعي المكر الكبر
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِى
والاستكبار قوله تعالى:
كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا
وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُونَ﴾
[الأنعام ١٢٣].
أي: ﴿ وَكَذَلِكَ﴾ أي: مثل ما زينا
للكافرين سوء أعمالهم، فكان أكابر
أهل مكة يمكرون فيتبع غيرهم مكرهم
﴿جَعَلْنَا﴾ أي: بما لنا من العظمة في إقامة
الأسباب لما يعلي كلمة الإنسان، أو يجعله
حقیر الشأن ﴿فِي كُلِّ قريةٍ﴾ أي بلد جامع،
ولما كان الكبر مختلف الأنواع باختلاف
أشخاص المجرمين، طابق بأفعال التفضيل
المقصودين لها في الجمع على إحدى
اللغتين، وعبر بصيغة منتهى الجمع دلالة
على تناهيهم في الكثرة، فقال: ﴿أَكَبِرَ
مُجْرِمِيهَا﴾ أي: القاطعين لما ينبغي
أن يوصل؛ ولما كان من شأن الإنسان
استجلاب أسباب الرفعة لنفسه، وكان
(١) السراج المنير ٣٣٣/٣.
مَوَسُولَةُ النَّتِيَّة
جوسين
العضوي
١٤٠
الْقُرْآن الكَرِيمِ
٢. حب الشهوات.
ومن دواعي المكر السيّئع: الإفراط
في حب الشهوات الذي يؤدي إلى المكر
والطغيان، والمتأمل في حياة الكفار وأرباب
الشهوات يجد أن من الأخلاق البارزة في
حياتهم المكر والخداع من أجل الحفاظ
علی شهواتهم ومصالحهم؛ إذ لا رادع لهم
عن ذلك؛ لأنهم فقدوا الإيمان، ودوره في
محاسبة النفس.
ومن الشواهد القرآنية على هذا المنحى
المنحرف ما قصه الله تعالى من مكر زليخا
امرأة العزيز بالنسوة، عندما علمت بمكرهن
بها، حيث قال تعالى: ﴿فَلَمَا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ
أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَكَعًا وَءَاتَتْ كُلّ وَبِدَةٍ
مِنْهُنَّ سِكْنَا وَقَالَتِ أَخْرُجْ عَتِهِنٌ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ: أَكْبُرْنَهُ
وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا
إِلَّا مَلَكُ كَرِيمٌ﴾ [يوسف ٣١].
فإن قيل: فما كان مكر النسوة اللاتي
مكرن به وسمعته امرأة العزيز، فإن الله
(٢) نظم الدرر، البقاعي ٧/ ٢٥٤.

المكر
سبحانه لم يقصه في كتابه؟
قيل: بلى؛ قد أشار إليه بقوله: ﴿وَقَالَ حالًا واستقبالًا، وأن هذا شأنها، ولم يقلن:
نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ أَمْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُزَوِدُ فَنَنْهَا عَن
نَفْسِةِ، قَدْ شَغَفَهَا حُبّا إِنَّا لَهَا فِي ضَلَلِ
مِينٍ ﴾ [يوسف ٣٠].
وهذا الكلام متضمن لوجوه من المكر:
أحدها: قولهن: ﴿أَمْرَأَتُ اَلْعَزِيزِتُرَوِدُ فَنَنهَا
عَن نَّفْسِهِ﴾ [يوسف ٣٠].
ولم يسمينها باسمها، بل ذكرنها
بالوصف الذي ينادى عليها بقبيح فعلها
بكونها ذات بعل؛ فصدور الفاحشة منها
أقبح من صدورها ممن لا زوج لها.
الثاني: أن زوجها عزيز مصر ورئيسها
و کبيرها، وذلك أقبح لوقوع الفاحشة منها.
الثالث: أن الذي تراوده مملوك لا حر،
وذلك أبلغ في القبح.
الرابع: أنه فتاها الذي هو في بيتها،
وتحت كنفها؛ فحكمه حكم أهل البيت،
بخلاف طلب ذلك من الأجنبي البعيد.
الخامس: أنها هي المراودة الطالبة.
السادس: أنها قد بلغ بها عشقها له کل
مبلغ، حتى وصل حبها له إلی شغاف قلبها.
السابع: أن في ضمن هذا أنه أعف منها
وأبر وأوفى؛ حيث كانت هي المراودة
الطالبة، وهو الممتنع عفافًا وكرمًا وحياء،
وهذا غاية الذم لها.
الثامن: أنهن أتين بفعل المراودة بصيغة
المستقبل الدالة على الاستمرار، والوقوع
راودت فتاها، وفرق بين قولك: فلان أضاف
ضيفًا، وفلان يقري الضيف، ويطعم الطعام،
ويحمل الكل؛ فإن هذا يدل على أن هذا
شأنه وعادته.
التاسع: قولهن: ﴿إِنَّا لَغَرَهَا فِ ضَلَلِ
◌ُبِينٍ ﴾ [يوسف ٣٠].
أي: إنا لنستقبح منها ذلك غاية
الاستقباح، فنسبن الاستقباح إليهن، ومن
شأنهن مساعدة بعضهن بعضًا على الهوى،
ولا یکدن یرین ذلك قبیحًا، كما يساعد
الرجال بعضهم بعضًا على ذلك، فحيث
استقبحن منها ذلك، كان هذا التسليم بأنه
من أقبح الأمور، وأنه مما لا ينبغي أن تساعد
علیه، ولا يحسن معاونتها عليه.
فقد جمعن لها في هذا الكلام واللوم
بين العشق المفرط، والطلب المفرط، فلم
تقتصد في حبها، ولا في طلبها، أما العشق
فقولهن: ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾ [يوسف ٣٠].
أي: وصل حبه إلى شغاف قلبها، وأما
الطلب المفرط فقولهن: ﴿تُزَوِدُ فَنَهَا﴾
[يوسف ٣٠].
والمراودة: الطلب مرة بعد مرة، فنسبوها
إلى شدة العشق، وشدة الحرص على
الفاحشة.
فلما سمعت بهذا المكر منهن: هيأت
www. modoee.com
١٤١

حرف الميم
لهن مكرًا أبلغ منه، فهيأت ﴿لَهُنَّ مُتَكَا﴾
[يوسف ٣١].
ثم أرسلت إليهن فجمعتهن، وخبأت
يوسف عليه السلام عنهن، وقيل: إنها جملته
وألبسته أحسن ما تقدر عليه، وأخرجته
علیهن فجأة، فلم يرعهن إلا وأحسن خلق
الله، وأجملهم قد طلع عليهن بغتة؛ فراعهن
ذلك المنظر البهي، وفي أیدیھن مدی یقطعن
بها ما يأكلنه، فدهشن حتى ﴿قَطَّعْنَ أَبْدِیَهُنَّ﴾
[یوسف ٥٠]، وهن لا يشعرن، وقد قيل: إنهن
أبن أيديهن، والظاهر خلاف ذلك، وإنما
تقطيعهن أيديهن: جرحها وشقها بالمدى؛
لدهشهن بما رأين، فقابلت مكرهن القولي
بهذا المكر الفعلي، وكانت هذه في النساء
غاية في المكر (١).
والمقصود أن سبب هذا المكر منها
ومنهن هو حب الشهوات، والتنافس عليها،
الذي دفع إليه الترف الذي تعيشه هؤلاء
النسوة.
فالمترفون هم أشد الناس بطرًا في
المعيشة، وهم أكثر الناس تجاوزًا في
الإسراف في الملذات والشهوات، بحكم
مناصبهم، و کثرةما في أيديهم من أموال؛ لأن
الاستمرار والمداومة على هذه الملذات،
والتوسع فيها يورث البلادة والغلظة، وظلمة
في القلب، بحيث لا يتسرب إليها نور
الإيمان، وبالتالي الوقوع في المكر، والأمر
بالمنكر، والنهي عن المعروف؛ لأجل البقاء
علی ملذاتهم وملاهیهم، وقد یتجاوز هذا
البطر إلى الفقراء والمستضعفين، فيقلدون
أهل الترف، إما بالتكبر على الحق، أو
بيطران النعم، في ملاهيهم ومعيشتهم.
ولا شك أن الانغماس في الشهوات
والملذات ينسي الآخرة وأهوالها، والموت
وسكراته، ويظن المترف بأن الدنيا ما
وجدت إلا للمتاع الذي هو فيها، ویظن أيضًا
أنه سوف يعيش آجالًا، ويحقق آمالًا.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِلِقَاءِ
اْأَخِرَةِ وَأَثْرَفْنَهُمْ فِي الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ [المؤمنون
٣٣].
وقال: ﴿فَلَمَّا أَحَسُواْ بَأَسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا
يَكُونَ ) لَا تَرْكُضُواْ وَأَرْجِعُواْ إِلَى مَآ أَثْرِفْتُمْ
فِيهِ وَمَسَكِنْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُتْلُونَ﴾ [الأنبياء ١٢ -
١٣].
قال سيد قطب: والترف لا بد أن يؤدي
إلى المنكر؛ لأن الطاقة الفائضة لا بد لها
من متصرف، فهناك مال فائض، وهو طاقة،
وهناك حيوية جسد فائضة كذلك، وهي
طاقة، وهناك فضلة زمن فائضة بلا عمل،
ولا تفكير، وهي طاقة، والفتية المترفون،
والفتيات المترفات، وهم يجدون الشباب،
والفراغ، والجدة، لا بد أن یفسقوا، ولا بد
أن يبحثوا عن مصارف أخرى لطاقة الجسد،
(١) إغاثة اللهفان، ابن القيم ٢/ ١٥٤ -١٥٧.
مَوْ قَ الَرَ النَّفْسَبِير
القرآن الكريمِ
١٤٢