النص المفهرس
صفحات 21-24
المنْ
المن من الخلق
أولًا: المن الفعلي:
جعل الله عز وجل لكلِّ مؤمن نصيب من
الابتلاء کما أخبرنا الله في كتابه العزيز ﴿الّـ
٢) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَّكُواْ أَن يَقُولُوَأْءَامَنَا وَهُمْ
﴾ [العنكبوت: ١ - ٢].
لَأَيُفْتَنُونَ
وهذا الابتلاء تختلف صوره من عبد إلى
آخر وكل على حسب إيمانه ضعفًا وقوة،
فالأسر صورة واقع من صور الابتلاء، وفك
الأسر مِنَّةٌ ونعمة من الله عزوجل، وهذا ما
وصفه الله فى آياته قائلا في القرآن الكريم،
﴿فَإِذَا لَغِيْتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ أَلْرِقَابِ حَّى إِذَا
أَنْتَتُهُمْ فَشُدُواْ الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنَّأَ بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءُ حَّى
تَضَعَ الْحَرّبُ أَوْزَارَهَاْ ذَلِكَ وَلَوْ بَشَاءُ اللَّهُ لَأَنَصَرَ مِنْهُمْ
وَلَكِنْ لِسْلُوَّ بَعْضَكُمْ بِبَعْضَِّ وَالَّذِينَ قُئِلُواْ فِ سَبِيلِ
اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَلَهُمْ ﴾ [محمد: ٤].
وقد ذکر الماوردي في المن هنا قولين:
القول الأول: أنه العفو والإطلاق كما مَنَّ
رسول الله صلی الله علیه علی ثمامة بن أثال
بعد أسره.
القول الثاني: أنه العتق، قاله مقاتل.
وذكر في الفداء وجهين:
أحدهما: أنه المفاداة على مال يؤخذ من
أُسیر یطلق، کما فادی رسول الله صلی الله
عليه وسلم في بدر كل أسير بأربعة آلاف
درهم، وفادى في بعض المواطن رجلًا
برجلین.
الثاني: أنه البيع، قاله مقاتل (١).
ومن لطائف الآية: روي عن بعضهم أنه
قال: ((كنت واقفا على رأس الحجاج حين
أتي بالأسرى من أصحاب عبدالرحمن بن
الأشعث وهم أربعة آلاف وثمانمائة فقتل
منهم نحوًا من ثلاثة آلاف حتى قدم إليه
رجل من كندة فقال: يا حجاج، لا جازاك
الله عن السنة والكرم خيرًا، قال: ولم ذلك؟
قال: لأن الله تعالى قال: ﴿فَإِذَا لَقِيْتُمُ الَّذِينَ
كُفَرُواْ فَضَرْبَ الرِقَابِ حَّى إِذَا أَنْخَتُوهُمْ فَشُدُواْ الْوَثَاقَ
فَإِمَّا مَنَّأَبَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءَ﴾ في حق الذين كفروا،
فوالله ما مننت ولا فديت؟ وقد قال شاعركم
فيما وصف به قومه من مكارم الأخلاق:
ولا نقتل الأسرى ولكن نفكهم
إذا أثقل الأعناق حمل المغارم
فقال الحجاج: ((أفِّ لهذه الجيف أما كان
فيهم من يحسن مثل هذا الكلام؟ خلوا سبيل
من بقي. فخلي يومئذ عن بقية الأسرى، وهم
زهاء ألفين، بقول ذلك الرجل)) (٢).
ويتضح من خلال هذه الآية: أن الله
تبارك وتعالى فَضَّلَ المَنَّ بفك الأسرى
وقدمه على الفداء؛ لأنه من مكارم الأخلاق،
ولهذا كانت العرب تفتخر به.
وقد وصانا النبي صلى الله عليه وسلم
(١) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٢٩٣/٥.
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٢٦/١٦.
www. modoee.com
٢٨٧
حرف الميم
بمنة فك الأسرى، وجاءت في صورة الأمر من خيره بلا حدود تكريمًا لنبيه عليه السلام،
ولسليمان أن يعطي من هذا العطاء الكثير
لمن يشاء ویمنعه عن من يشاء.
وهي فريضة دينية، وقد كتبها الله عزوجل
علينا وعلى من سبقنا، عن أبي موسى
الأشعري، قال: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: (أطعموا الجائع، وعودوا
المريض، وفكوا العاني) (١).
وهناك أقوال كثيرة عن العلماء تدل
على وجوب العمل بهذه المنة، ألا وهي
فك الأسرى سأكتفي بذكر بعض من هذه
الأقوال:
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((فكاك
الأسارى من أعظم الواجبات، وبذل
المال الموقوف وغيره في ذلك من أعظم
القربات))(٢).
قال أبو بكر الجصاص رحمه الله: ((وهذا
الحكم من وجوب مفاداة الأسارى ثابت
علینا))(٣).
وتتأتي صورة أخرى من صور المَنِّ
الفعلي وهى العطاء، فالله سبحانه وتعالى
هو المنان صاحب العطاء الكثير فيبدأ جل
وعلا بالنوال قبل السؤال.
وتتمثل هذه المنة فيما فعله الله عزوجل
مع نبيه سليمان عليه السلام، فقد أعطاه الله
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
المرضى، باب وجوب عيادة المريض، رقم
٧،٥٦٤٩ /٠١١٥
(٢) مجموع فتاوى ابن تيمية، ٢٨/ ٦٤٢.
(٣) أحكام القرآن، الجصاص، ٢/ ٤٤٠.
وجاء هذا الأمر واضح من خلال قوله
سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَنَ وَأَلْفَيْنَاً
عَلَى كُرَّمِّهِ، جَسَدًا ثُمَّ أَنَبَ ا قَالَ رَبِّ أَغْفِرْ
◌ِ وَهَبْ لِ مُلْكَا لَّا يَنْبَغِى لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِىٌّ إِنَّكَ
أَنْتَ الْوَقَّابُ ﴿ فَسَخَرْنَا لَهُ الْرِّيَجَ تَجْرِى بِأَمْرِه ◌ُغَةً
حَيْثُ أَصَابَ ﴿ وَالشَّيَطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ
وَءَاخَرِينَ مُقَرَّفِينَ فِ اَلْأَصْفَادِ ) هَذَا عَطَآؤُنَا
[ص: ٣٤ -
فَأْنُنْ أَوْ أَسْسِكَ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾
٣٩].
قال أبو بكر الجزائري في تفسيره: ((أي:
أعطيناه ما طلب منا وقلنا له: هذا عطاؤنا لك
فامنن، أي: أعط ما شئت لمن شئت، وامنع
ما شئت عمن شئت بغير حساب مَنَّا عليك.
وفوق هذا وإن لك عندنا يوم القيامة للقربة
وحسن المرجع، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِنَّلَهُ.
عِنْدَنَُّْفَى وَحُسْنَ مَثَابٍ ﴾ [ص: ٤٠] (٤).
هكذا بَيَّنَ الله جل وعلا إنعامه على
عبده سليمان بالعطاء الوافر الذي لا يأتي
إلا من عند الله وحده، ولا يقدر عليه أحدٌ
إلا الله سبحانه وتعالى، فسبحانه يرزق من
يشاء بغير حساب فهو المنان صاحب النعمة
والفضل.
(٤) أيسر التفاسير، الجزائري، ٤/ ٤٥١.
٢٨٨
القرآن الكريمِ
المنْ
ثانيًا: المن القولي:
يعتبر الإنفاق صفة أساسية لدى المؤمن
الصادق الذي يحب البذل والعطاء إخلاصًا
وتقربًا إلى الله عزوجل فكان الجزاء
والعوض من ربه أضعافًا مضاعفةً من الذي
أنفقه ولا يماثله جزاء آخر، فالصدقة بعشرة
أمثالها، وآيات القرآن خير باعث لكل مسلم
على الإنفاق، فقال جل شأنه فى كتابه العزيز:
﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُم بِأَلَّيْلِ وَالنَّهَارِ
سِرَّا وَعَلَانِيَةٌ فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ
وَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)
[البقرة: ٢٧٤].
والله عز وجل يعلم ما ينفقه العبد ابتغاء
مرضاته، فيتقين أن ما ينفقه إنما سيخلفه
الله له، فالخير واصل إلى صاحبه بلا محالة
قُلْ إِنَّ رَبِّ يَبْسُطُ اَلْرِزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ،
وَيَقْدِرُ لَهُ، وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ.
وَهُوَ خَيْرُ الزَّزِقِينَ ﴾ [سبأ: ٣٩].
وورد من الحديث القدسي أن رب العزة
قال: ( أنفق أنفق عليك) (١).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، (أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على
بلال، فوجد عنده صبرا من تمر، فقال:
(ما هذا يا بلال؟) فقال: تمر أدخره، قال:
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير،
باب قول الله تعالى: (يريدون أن يبدلوا)، رقم
٠١٤٣/٩،٧٤٩٦
(ويحك يا بلال، أوما تخاف أن يكون له
بخار في النار؟ أنفق يا بلال، ولا تخش من
ذي العرش إقلالا)(٢).
والمن في الإنفاق يبطل الثواب والأجر؛
لأن الله حذر منه حيث يجعل المحسن
متطاولًا ومتفاخرا على من أحسن إليه، ويبين
القرآن الكريم أن الإنفاق الذي يصاحبه المن
والأذى إنما هو بغيض وقت الإنفاق وبعده.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِي
سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَآ أَنفَقُواْ مَنَّا وَلَا أَذَّىٌّ
لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ
﴿ قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةُ خَيْرٌ مِّن
يَحْزَنُونَ )
صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذَىُّ وَاللَّهُ غَنِىُّ حَلِيمٌ )
[البقرة: ٢٦٢- ٢٦٣].
وقد جاء في تفسير هذه الآية ((أن الصدقة
التي يعلم الله من صاحبها أنه يمن أو يؤذي،
فإنه لا يتقبل صدقته. وذلك لأن من من أو
آذى غيره كمن ينفق ماله للرياء والسمعة،
والذي يرائي کمثل حجر أصم عليه تراب،
وقد نزل عليه مطر شديد، فذهب التراب،
وبقي الحجر أملس، وهکذا الذي يمن أو
پرائي يلبس ثوبًا غير ثوبه، ثم لا يلبث أن
ینکشف أمره، فیکون ما يلبس به كالتراب
على الحجر الأملس الذي يذهب به الوابل
(٢) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، رقم
٣٤١/١،١٠٢٤.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٣١٦/١، رقم ١٥١٢.
www. modoee.com
٢٨٩
حرف الميم
أما المن بالإنعام فيأتي ليخبر المنعم
علیه بما أنعم به المنعم؛ لأنه يذكره به، وهذا
يتضح من خلال نموذجًا رائعًا تناوله القرآن
فیما ورد عن قصة سیدنا موسی مع فرعون،
فقد ذكره فرعون بأن كفر بالنعمة التي أنعم
بها عليه وهي تربيته له، وكان رد سیدنا
موسى عليه السلام: نعم هي نعمة علي أن
عبدت الناس ولم تستعبدني.
قال تعالى: ﴿قَالَ أَمْنُرَِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِئْتَ
فِينَا مِنْ عُرِكَ سِنِينَ * وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ أَلَتِى
فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَفِرِينَ ﴾ قَالَ فَعَلْنُهَا
إِذَا وَأَنَاْ مِنَ الضَّالِّينَ ﴿ فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ
فَوَهَبَ لِ رَبِّ حُكْمًا وَحَعَلَنِى مِنَ الْمُرْسَلِينَ
٢١
وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُّهَا عَلَىَّ أَنْ عَبَّدَتَّ بَنِيّ إِسْرَِّيلَ
[الشعراء: ١٨ - ٢٢ ].
ذكر الطبري في تفسير هذه الآية: « یقول
تعالی ذکره مخبرا عن قیل نبیه موسی صلی
الله عليه وسلم لفرعون ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمَنُهَا
عَّ﴾ يعني بقوله: وتلك تربية فرعون إياه،
يقول: وتربيتك إياي، وتركك استعبادي،
کما استعبدت بني إسرائيل نعمة منك تمنها
علي بحق.)) (٢).
وإذا كان القرآن الكريم قد حذر من
المَنَّ بالعطاء من المخلوق للمخلوق، فإنه
(١) التفسير الوسيط، الزحيلي ١/ ١٥٣.
(٢) جامع البيان، الطبري ١٩/ ٣٤٢.
المطر الشديد فلا يبقى من أثره شيء)) (١). يلحظ أنَّ المِنَّةَ إذا أتت من العبد فإنها تكون
مذمومة؛ لأنها تفسد الصنيعة، لذلك ذم الله
تعالى العبد الذي يمن على الناس ويكون
جزاؤه أن يحبط عمله، ولا يقبل بسبب المن.
وقد أشار تبارك وتعالى في آياته فقال:
﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا
يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواْ مَنَّا وَلَا أَذَىْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ
عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ
قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةُ خَيْرٌ مِّنْ صَدَقَةٍ
٢٦٢
يَتْبَعُهَآ أَذَىُّ وَاللَّهُ غَنِىُّ حَلِيمٌ يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ لَانُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُمْ بِأَلْمَنِّ وَاَلْأَذَىْ كَلَّذِى
يُنفِقُّ مَالَهُرِئَآءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاَلْيَّوْمِ الْآَخِّ
فَمَثَلُهُ، كَمَثَلٍ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ, وَابِلٌ
فَتَرَكَةُ صَلْدًا لَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ مِّمَّا
كَبُواْ وَاللهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَفِينَ {(
٢٦٤
[البقرة: ٢٦٢-٢٦٤].
ومن خلال عرض هذه الآيات يتبين أن
المَنَّ هو عطاء، ولكن يتحول هذا المعنى
إلى معانٍ أخرى على قدر تصرف العبد،
فإما أن يكون خیرًا، وإما أن يكون شرًّا، وأن
المرء الحسن ينبغي عليه أن ينسى ما فعله
من معروف مع غيره، وألا ينسى معروفًا
فعله غيره معه.
موضوعات ذات صلة:
الإحسان، الإنفاق، البر، الخير، السعة،
العطاء
٢٩٠
جوبيين
القرآن الكريم