النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
٧ د
الِمِنَّ
عناصر الموضوع
مفهوم المن
٢٦٨
المن في القرآن
٢٦٩
الألفاظ ذات الصلة
٢٧٠
المن الإلهي
٢٧٢
٢٨٧
المن من الخلق
المُجَلَّدَ الخَاذِنى وَالثَّلاثُونْ
حرف الميمر
مفهوم المن
أولًا: المعنى اللغوي:
جاء في كتب اللغة: مَنَّ عليه مِنَّةً أي: امتن عليه، يقال: المِنَّةُ تهدم الصنيعة، وفي الحديث
(ما أحدٌ أَمَنَّ علينا من ابن أبي قحافة)(١) أي: ما أحدٌ أجود بماله وذات يده، وفي التنزيل:
يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا نُبْطِلُواْصَدَ قَتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤].
فالمَنُّ ههنا أن تَمُنَّ بما أعطيت وتعتد به کأنك إنما تقصد به الاعتداد.
وقوله جل شأنه: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦]. أي: لا تعط شيئًا مقدرًا لتأخذ بدله ما هو
أكثر منه، وقد يطلق المنان على الذي لا يعطي شيئًا إلا مِنَّةً واعتد به على من أعطاه(٢).
ومن معاني المن في اللغة كذلك: الاعتداد، والعطاء، والقطع (٣).
ويأتي المن أيضًا بمعنى الإثقال بالنعمة، كما في قول الله تعالى ﴿لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَىَ
اُلْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٤](٤).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
عرف المَنُّ في الاصطلاح بتعريفات مختلفة بحسب موضوعه، فمنه المحمود الذي
يعني الإحسان إلى الناس وصنع الجميل لهم، ومنه المذموم الذي تبعه أذى أو طلب شكر
أو منفعة كان مذمومًا مقطوعًا عن الأجر، وأورد هنا طرفا من تعريفات المن على هذا النحو:
فعرفه الغزالي بأنه: التحدث بالمعروف على الفقير وإظهاره وطلب المكافأة منه بالشكر
والدعاء والخدمة والتوقير والتعظيم والقيام بالحقوق والتقديم في المجالس والمتابعة في
الأمور (٥).
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده، رقم ١٥٩٦٤، ٤٧٨/٣، والترمذي في سننه، أبواب المناقب،
٥/ ٦٠٧، رقم ٣٦٥٩.
قال الترمذي حديث غريب.
وضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي، ص ٤٩٠.
(٢) لسان العرب، ابن منظور ٤١٥/١٣ بتصرف.
(٣) المصدر السابق بتصرف يسير.
(٤) بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي ١/ ١٤٣٣، تاج العروس، الزبيدي ١٩٤/٣٦.
(٥) إحياء علوم الدين، الغزالي ١/ ٢١٧ بتصرف.
٢٦٨
جوسيس
القرآن الكريمِ
المنْ
المن في القرآن
وردت مادة (مَنَّ) في القرآن الكريم (٥١) مرة، يخص موضوع البحث منها (٢٦) مرة(١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيِهِمْ رَسُولًا﴾ [آل
الفعل الماضي
٨
عمران: ١٦٤]
الفعل المضارع
٧
﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [إبراهيم: ١١]
فعل الأمر
١
هَذَا عَطَآؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكَ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٦)﴾ [ص: ٣٩]
اسم مفعول
٤
﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًاً غَيْرَ مَمْنُونٍ ﴾ [القلم: ٣]
مصدر
٦
﴿فَإِمَّا مَنَّأَ بَعْدُ وَ إِمَّا فِدَآءُ﴾ [محمد: ٤]
وجاء المن في القرآن على وجهين(٢):
الأول: العطاء: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ﴾ [المدثر: ٦]. يعني: لا تعط شيئًا قليلًا
تزدریه؛ لتعطی أکثر منه.
الثاني: المنة بعينها: قال تعالى: ﴿بَلِ اَللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَنَّكُمْ لِلْإِيَمَنِ﴾ [الحجرات: ١٧]. أي:
المنة لله أن هداکم للإيمان.
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٦٧٦ - ٦٧٧.
(٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني ص ٤٣٣.
www. modoee.com
٢٦٩
حرف الميم
الألفاظ ذات الصلة
١
العطاء:
العطاء لغة:
جاء في كتب اللغة: العطاء والعطية اسمٌ لما يعطى، والجمع عطايا وأعطية، وأعطياتٌ
جمع الجمع، ويقال: إنه لجزيل العطاء، وهو اسمٌ جامعٌ فإذا أفرد قيل: العطية وجمعها
العطايا، وأما الأعطية فهو جمع العطاء، يقال: ثلاثة أعطيةٍ ثم أعطياتٌ جمع الجمع، ويقال:
رجلٌ معطاءٌ كثير العطاء، وامرأة معطاءٌ كذلك، ومفعالٌ يستوي فيه المذكر والمؤنث (١).
قال الشاعر: أعطى وهنأنا ولم تك من عطيته الصغاره ومن العطية ما تعى جذماء ليس لها
بذاره(٢).
العطاء اصطلاحًا:
والعطية عند الفقهاء ما يعطى بغير عوض هبة كان أو صدقة أو هدية (٣).
والمعنى في الاصطلاح لا يختلف عن المعنى اللغوي، حيث إن العطاء يدور معناه حول
المناولة وهي في اللغة والاستعمال عبارة عن كل نفع أو ضر يصل من الغير إلى الغير كما
ذكر ابن العربي عن حقيقة العطاء (٤).
الصلة بين المَنِّ والعطاء:
كلاهما يحقق معنى البذل بلا مقابل وفيهما المحمود الذي يوصف بالنفع، أو المذموم
الذي يوصف بالضر.
الإيتاء:
٢
الإيتاء لغة:
الإيتاء: الإعطاء، آتى يؤاتي إيتاءً، وآتاه إيتاءً، أي: أعطاه، ويقال: آتاه الشيء، أي: أعطاه
إياه(٥) .
(١) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٦٨/١٥، تاج العروس، الزبيدي ١٤٧/١٠.
(٢) البيت لأبي دهبل الجمحي.
انظر: تاج العروس، الزبيدي ١٠/ ١٤٧.
(٣) معجم لغة الفقهاء، قلعجي ص٣٧٨.
(٤) أحكام القرآن، ابن العربي ٧٤/٤.
(٥) مقاييس اللغة، ابن فارس ١/ ٥١، لسان العرب، ابن منظور ١٤/ ١٧.
٢٧٠
جَوَسُولَةُ النَّقتي
القرآن الكريمِ
المنْ
ويرى الزبيدي أن الإيتاء أقوى من الإعطاء في إثبات مفعوله؛ لأن الإعطاء له مطاوع
بخلاف الإيتاء تقول: أعطاني فعطوت ولا يقال: آتاني فآتيت، وإنما يقال: آتاني فأخذت،
والفعل الذي له مطاوع أضعف في إثبات مفعوله مما لا مطاوع له (١).
الإيتاء اصطلاحًا:
إعطاء المال للغير على سبيل التمليك وحرية التصرف.
الصلة بين الإيتاء والمَنِّ:
أما الصلة بين المن والإيتاء فتتضمن معنى العطاء والدفع والأداء من شخص إلى آخر،
وأن من الإيتاء ما هو تفضل مثل المن المحمود وليس واجبًا ملزمًا على المعطى.
٣ الإحسان:
الإحسان لغة:
مصدر حسن، والحسن: ضد القبح ونقيضه، والإحسان: ضد الإساءة(٢)
الإحسان اصطلاحًا:
هو: إتقان الأعمال والتطوع بالزائد عن الفرائض، ومقابلة الخير بأفضل منه، والشر بأقل
منه
وقال الراغب: (الإحسان على وجهين: أحدهما: الإنعام على الغير، والثاني: إحسان في
فعله، وذلك إذا علم علمًا حسنًا أو عمل عملًا حسنًا (٤).
الصلة بين الإحسان والمن:
وتأتي الصلة بين الإحسان والمن في كونهما يتفقان في معنى الإنعام على الغير بما يحققه
المن المحمود.
(١) تاج العروس، الزبيدي ٣٤/٣٧.
(٢) انظر: لسان العرب، ابن منظور ١١٧/١٣.
(٣) التفسير المنير ١٤ / ٢١٢.
(٤) المفردات ص ٢٣٦.
www. modoee.com
٢٧١
حرف الميم
المن الإلهي
أولًا: التعريف باسم الله المنان:
ورد في بعض الأحاديث تسمية الله عز
وجل بالمنان، فقد روي (عن أنسٍ أنه كان
مع رسول الله صلی الله عليه وسلم جالسًا
ورجلٌ يصلى ثم دعا اللهم إنى أسألك
بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع
السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا
حي یا قیوم. فقال النبى صلى الله عليه وسلم
(لقد دعا الله باسمه العظيم الذى إذا دعى به
أجاب وإذا سئل به أعطى) (١).
وقد وردت أقوال العلماء في التعريف
باسم الله المنان منها ما يلي:
قال الزجاج: (((المنان) فعَّال، من قولك:
مننت على فلان،إذا اصطنعت عنده صنيعة
وأحسنت إليه، فالله عز وجل منان على
عباده بإحسانه وإنعامه ورزقه إياهم، وفلان
يمن على فلان: إذا كان يعطيه ويحسن
إليه))(٢).
وقال الحليمي: ((ومنها: (المنان)
وهو عظيم المواهب، فإنه أعطى الحياة
(١) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الصلاة، باب
الدعاء، رقم ١٤٩٧، والنسائي في سننه، كتاب
السهو، باب الدعاء بعد الذكر، رقم ١٣٠٠.
وصححه الألباني في صحيح أبي داود، الأم،
٢٣٣/٥.
(٢) اشتقاق أسماء الله، أبو القاسم الزجاجي ص
٠١٦٤
والعقل والنطق، وصور فأحسن الصور،
وأنعم فأجزل، وأسنى النعم، وأكثر العطايا
والمنح(٣).
قال تعالى: ﴿وَءَاتَنْكُمْ مِّن كُلِّ مَا
سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُخْضُوهَاً
إِنَ الْإِنسَنَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ﴾﴾
[إبراهيم: ٣٤].
وقال أبو بكر الأنباري: ((وفي أسماء
الله تعالى الحَّان المنَّان، أي: الذي ينعم
غير فاخر بالإنعام، وقال في موضع آخر:
((المنان: معناه: المعطي ابتداء ولله المنة
على عباده، ولا منة لأحد منهم عليه، تعالى
الله علوًّا کبیرًا)) (٤).
وقال ابن الأثير: (( من أسماء الله تعالى:
(المنَّان) هو المنعم المعطي، من المن:
العطاء، لا من المنة. وكثيرًا ما يرد المن في
كلامهم بمعنى الإحسان إلى من لا يستثيبه
ولا يطلب الجزاء عليه، فالمنان من أبنية
المبالغة، كالسَّفَّاك والوهَّاب)»(٥).
والمنان تقدست أسماؤه جل وعلا،
يقال: مَنَّ يَمُنُّ مَنَّا فهو المنان، والاسم:
المنة، واشتقاقه في موضوع اللسان من
المن، وهو العطاء دون طلب عوض، ومنه
قوله تعالى﴿ ﴿ هَذَاعَطَآؤُنَا فَأُمنُنْ أَوْ آَسِكَ بِغَيْرِ
(٣) الأسماء والصفات، البيهقي ص ٦٥.
(٤) لسان العرب، ابن منظور ٤١٥/١٣.
(٥) النهاية في غريب الحديث، ابن الأثير
٣٦٥/٤.
٢٧٢
جوبيبو
القرآن الكريم
المنْ
حِسَابٍ ﴾ [ص: ٣٩] في أحد وجوهه.
ويكون أيضًا مشتقًّا من: المنة، التي
هي التفاخر بالعطية على المعطى، وتعديد
ما عليه، والمعنيان في حق الله تعالى
صحيحان، ويتصف أيضًا بهما الإنسان،
لكن يتصف بالمعنى الواحد على طريق
المدح، وبالمعنى الثاني على طريق الذم.
فالأول: الذي هو ممدوح، نحو أن یکون
عطاؤه أو منُهُ لوجه الله تعالى، ولا لنيل
عوض من الدنيا.
رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال:
(خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم
الناس وقال: (إن الله خَیَّرَ عبدًا بین الدنيا
وبين ما عنده فاختار ذلك العبد ما عند
الله). قال: فبکی أبو بكرٍ، فعجبنا لبكائه أن
یخیر رسول الله صلی الله عليه وسلم عن
عبدٍ خيرًا. فكان رسول الله صلى الله عليه
وسلم هو المخير، وكان أبو بكرٍ أعلمنا،
فقال رسول الله صلی الله عليه وسلم: (إن
من آمَنِّ الناس عليٍّ فی صحبته وماله أبا بكرٍ،
ولو کنت متخذًا خلیلا غیر ربی لاتخذت آبا
بکر، ولكن أخوة الإسلام ومودته، لا یبقین
فى المسجد بابٌ إلا سد، إلا باب أبی بکرِ)
(١).
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، في كتاب
مناقب الصحابة، باب قول النبى صلى الله
عليه وسلم: (سدوا الأبواب إلا باب أبي
والثاني: وهو أنْ يَمُنَّ الإنسان بالعطية،
أي: يذكرها ويكررها، فهو المذموم، ومنه
قوله تعالى ﴿﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُبْطِلُواْ
صَدَقَتِكُمْ بِالْمَنِّ وَاَلْأَذَى كَالَّذِى يُنفِقُ مَالَهُرِشَآءَ
النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَأَلْيَّوْمِ الْآَخِرِ﴾ [البقرة:
٢٦٤].
والمنان: الذي لا يعطي شيئًا إلا منة،
کذا جاء مفسرا في حدیث مسلم عن أبى ذرِّ
عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثةٌ
لا يكلمهم الله يوم القيامة: المنان الذى لا
ومن هذا القسم قوله عليه السلام فيما يعطي شيئًا إلا منه، والمنفق سلعته بالحلف
الفاجر، والمسبل إزاره) (٢).
والمنان أيضًا: الذي يمن على الله بعمله،
وهذا كله في حق المخلوق حرام مذموم.
ولما كان البارئ سبحانه يدر العطاء على
عباده منَّا علیهم بذلك وتفضلًا، كانت له
المنة في ذلك، فيرجع المنان إذا كان مأخوذًا
من المن الذي هو العطاء إلى أوصاف فعله.
ويرجع المنان إذا أخذته من المنة التي
هي تعداد النعمة وذكرها، والافتخار بفعلها
في معرض الامتنان، إلى صفة كلامه تعالى.
وبهذا يتبين أن كلمة المنان لها وجهان،
وجه محمود ووجه مذموم، وذلك في حق
البشر، أما في حق الله عز وجل، فلا تقتضي
إلا المدح، وأنها اسم من أسماء الله تعالى،
بکر)، رقم ٣٦٥٤.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب اللباس باب
بيان غلظ تحريم إسبال الإزار، رقم ٣٠٧.
www. modoee.com
٢٧٣
حرف الميم
ولهذا تواترت آيات القرآن الكريم التي ورد لهم السنة التي سنها الله جل ثناؤه للمؤمنين
علی لسان رسول الله صلی الله علیه وسلم،
فيها المن من الله تعالى على الناس على
نحو ما سيأتي.
وإن كانوا من قبل أن يمن الله عليهم بإرساله
رسوله الذي هذه صفته، لفي ضلال مبين،
الثاني: المن على العرب بإرسال
الرسول منهم:
أي: في جهالة جهلاء، وفي حیرة عن الهدى
عمياء، لا يعرفون حقًّا، ولا يبطلون باطلا
»(١).
من حكمة الله تعالى أنه أرسل الرسل
والأنبياء لهداية الناس وإخراجهم من
الظلمات إلى النور، وتلك نعمة كبرى
تستحق الشكر، وقد أتى القرآن الكريم بمعنى
من معاني المن ألا وهو الفضل والإيتاء،
حيث أكرم الله تعالى العرب وأرسل إليهم
رسولا من أنفسهم، وهو محمد صلى الله
عليه وسلم، فقال جل شأنه: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ
عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنْفُسِمْ
يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِهِ، وَيُزَكِّيِهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ
الْكِنَبَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِى
ضَلَلٍ مُّبِيٍ
• [آل عمران: ١٦٤].
قال الإمام الطبري في تفسيره: (( لقد
تطول الله على المؤمنين، إذ بعث فيهم
رسولا، حين أرسل فيهم رسولا من
أنفسهم، نبيا من أهل لسانهم، ولم يجعله من
غير أهل لسانهم، فلا یفقهوا عنه ما يقول،
فيقرأ عليهم آي كتابه وتنزيله، ويطهرهم
من ذنوبهم باتباعهم إياه، وطاعتهم له فيما
أمرهم ونهاهم، ویعلمهم کتاب الله الذي
أنزل علیه، ویبین لهم تأويله ومعانیه، ویبین
وهناك أقوال في معنى المنة في الآية وقد
ذكرها الإمام القرطبي في تفسيره بيانها على
النحو التالي:
حيث قال: ((منها أن يكون معنى (من
أنفسهم) أي: بشر مثلهم، فلما أظهر البراهين
وهو بشر مثلهم علم أن ذلك من عند الله.
وقيل: ﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ منهم. فشرفوا به صلى
الله عليه وسلم، فكانت تلك المنة.
وقيل: ﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ ليعرفوا حاله ولا
تخفى عليهم طريقته. وإذا كان محله فيهم
هذا كانوا أحق بأن يقاتلوا عنه ولا ينهزموا
دونه. وقيل ﴿مِّنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ (بفتح الفاء) يعني:
من أشرفهم؛ لأنه من بني هاشم، وبنو هاشم
أفضل من قريش، وقريش أفضل من العرب،
والعرب أفضل من غيرهم. ثم قيل: لفظ
المؤمنين عام ومعناه خاص)) (٢).
وقد جعل الله سبحانه وتعالى منة إرسال
الرسول للمؤمنين خاصة؛ ليبين لهم عظم
(١) جامع البيان، الطبري ٦/ ٢١٢.
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٤/ ٢٦٣.
٢٧٤
جَوَسُو
القرآن الكريمِ
المنْ
هذه المنة علیهم، حیث أنهم المنتفعون به،
فكان النبي صلى الله عليه وسلم واحد منهم
ومثلهم، وقد ذكر الله تعالى ذلك في مواضع
عدة من كتاب الله تعالى، أكثرها ليس بلفظ
المنة، ولكن بلفظ إرسال الرسول من نفس
المؤمنين، وموضع واحد بلفظ المنة وهو
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
إِذْ بَعَثَ فِيِهِمْ رَسُولَا مِّنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ
ءَايَتِهِ، وَيُزَكِّيِهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِنَبَ
وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَلٍ
شُبِينٍ (١٦)﴾ [آل عمران: ١٤٦].
روي عن عائشة رضي الله عنها:((﴿لَقَدْ
مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولَا مِنْ
قالت: هذه للعرب خاصة. وقال
أنفسِةْ
آخرون: أراد به المؤمنين كلهم (١).
أما المواضع الأخرى التي فيها بيان نعمة
إرسال الرسول من أنفسنا، وليست بلفظ
المنة فهي:
قوله تعالى: ﴿ كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ
رَسُولَا مِنكُمْ يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ ءَايَئِنَا وَيُزَكِيكُمْ
وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا
لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٥١- ١٥٢].
وقوله جل شأنه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ
رَسُوكُ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا
عَنْتُمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ
رَءُوفٌ رَّحِيمٌ (١٧)﴾ [التوبة: ١٢٨].
(١) انظر: شعب الإيمان، البيهقي ١٦٣/٢.
وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِ كُلِّ أُمَِّ
شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنْفُسِهِمٌّ وَجِثْنَا بِكَ شَهِيدًا
عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ تِبْيَنَا لِكُلِّ
شَىْءٍ وَهُدَّى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ
٨٩
[النحل: ٨٩].
وهذه الآية في معرض شهادة النبي عليه
الصلاة والسلام علينا أو لنا يوم القيامة.
وقوله جل شأنه: ﴿هُوَ الَّذِى بَعَثَ فِی
الْأُمَّيِِّنَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِهِ، وَيُزَكِهِمْ
وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِنَّبَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِى
ضَلَالٍ مُّبِينٍ ﴾ [الجمعة: ٢].
وقد حدثنا الله تبارك وتعالى عن نعمته
علینا بإرسال رسول لنا يتلو علینا آيات الله،
ويعلمنا الدين، وأن هذا الرسول منا نعرفه
قبل أن يكلف بالرسالة، فقد آمن بسيدنا
محمد من يعرفونه أكثر من غيرهم، ووضح
هذا الأمر من خلال بيان القرآن الكريم
لذلك.
قال تعالى: ﴿ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا
مِنكُمْ يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ ءَايَئِنَا وَيُزَكِيْكُمْ
وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَبَ وَاَلْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم
مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلُونَ ﴿ فَأَذْكُرُونِيّ أَذْكُرَّكُمْ
وَأَشْكُرُواْ لِى وَلَا تَكْفُرُونِ
[البقرة:
١or
١٥١- ١٥٢].
وقد فسر الشيخ الشعراوي هذه الآية
فقال: (( إن أول من آمن برسول الله صلى
الله عليه وسلم هم أولئك الذين يعرفونه
www. modoee.com
٢٧٥
حرف الميم
أکثر من غيرهم، کأبي بكر الصديق، وزوجته
صلى الله عليه وسلم السيدة خديجة، وابن
عمه علي بن أبي طالب، هؤلاء آمنوا دون
أن يطلبوا دليلا؛ لأنهم أخذوا الإيمان من
معرفتهم برسول الله صلى الله عليه وسلم
قبل أن يكلف بالرسالة، فهم لم يعرفوا عنه
كذبًا قط. فقالوا: إن الذي لا يكذب على
الناس لا یمکن أن یکذب على الله فآمنوا،
فالله سبحانه وتعالى من رحمته أنه أرسل
إليهم رسولا منهم أميًّا ليعلمه ربه))(١).
ولذلك قال الحق تبارك وتعالى:
﴿لَقَدْ جَآءَ كُمْ رَسُوكُ مِنْ أَنفُسِكُمْ
عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ
◌ِلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة:
١٢٨].
ونعمة الله على العرب بإرسال سيدنا
محمد صلى الله عليه وسلم إنما ذكرنا الله
تعالی بھا کثیرًا من أجل أن نذکر نعمه دائما
علینا وقت حياتنا، والله عز وجل يريد من
عباده الصالحين أن یذکروه دائما كما جاء
في الحديث القدسي المشهور عن أبي
هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (يقول الله عز وجل: أنا عند ظن
عبدي، وأنا معه حين يذكرني، فإن ذكرني
في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في
ملإ ذکرته في ملإ خیر منه، وإن اقترب إلي
(١) تفسير الشعراوي ١ / ٦٤٦.
جوبيه
القرآن الكريم
شبرا، تقربت إليه ذراعا، وإن اقترب إلي
ذراعا، اقتربت إليه باعا، وإن أتاني يمشي
أتيته هرولة)(٢).
فالعبد الصالح يدرك نعم الله عليه في
الدنیا والدین، وأنه واجب عليه أن یشکره
على هذه النعم الظاهرة والباطنة، وأن
يحمده على ما علمه عن طريق رسوله صلى
الله عليه وسلم.
ثالثًا: المن بالنبوة والرسالة:
أرسل الله تعالى الرسل والأنبياء لهداية
الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور كما
هو معروف، وأمد الله الرسل بالمعجزات
الباهرة، وأيدهم بالحجج القوية، وآتاهم
القوة المعنوية والروحية التي يحاجون بها
خصومهم، وهذا لدى جميع الأنبياء، وأمدَّ
بعضهم بالقوة الجسدية والثروة، وملهكم
ملكًا عظيمًا كما هو الحال عند نبي الله
سليمان عليه السلام.
وقد ورد في القرآن طرفًا من ذلك،
والذي يعتبر نموذجا لمنة الله تعالى على
أحد أنبيائه، ففي قصة موسى عليه السلام
نجد مِنَّةَ الله تعالی علیه في جوانب متعددة:
أولها: المن عليه بالاصطفاء بالنبوة
وإنجائه من فرعون وهو طفل ولید.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الدعاء،
باب فضل الذكر والدعاء والتقرب إلى الله،
رقم ٢٦٧٥.
٢٧٦
المنْ
والثاني: إرساله إلى فرعون وملائه.
والثالث: إنعامه عليه بالنجاة من فرعون
وهو کبیر، حیث فر إلی مدین وأقام بها ما
أقام ثم عودته إلی دیاره. وغيرها من المنن
المتعلقة بالنبوة والرسالة.
وبداية التذكير بهذه المنة نجده في أوائل
سورة القصص، بلفظ إرادة المنة بتخليص
المستضعفين من بطش فرعون وجنوده،
حيث قال الله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ ثَّمُنَّ عَلَى
الَّذِينَ أُسْتُضْعِفُواْفِي الْأَرْضِ وَغَجْعَلَهُمْ أَبِمَّةً
وَفَتْعَلَهُمُ الْوَرِثِنَ ﴾ وَتُمَكِّنَ لَمْ فِ آلْأَرْضِ
وَثُرِىَ فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ وَحُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا
كَانُواْيَحْذَرُونَ
٢﴾ [القصص: ٥- ٦].
ثم توالى ذكر المنن بعد ذلك في آيات
مختلفة من سورة طه والصافات.
وفي موضع آخر يأتي ذكر منة الله تعالى
على الأخوين موسی هارون في آيات جامعة
لجملة من النعم التي أنعم الله تعالى عليهما
بها، وذلك في قول الله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ مَنَنَّا
وَغَّيِّنَهُمَا وَقَوْمَهُمَا
عَلَى مُوسَى وَمَرُونَ
وَنَصَرْنَهُمْ فَكَانُواْ
مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ )
وَءَائِيْنَهُمَا الْكِتَبَ اَلْمُسْتَّبِينَ
هُمُ الْغَلِينَ لـ
﴿ وَهَدَيْنَهُمَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمَ (١٨) وَتَرَكْنَا
(١١٧
عَلَيْهِمَا فِىِ الْآَخِرِينَ ) سَلَمُ عَلَى مُوسَى
وَهَرُونَ ﴾ [الصافات: ١١٤ - ١٢٠].
قال الطبري في معناها:(( ولقد تفضلنا
على موسى وهارون ابني عمران،
فجعلناهما نَبِيَّيْن، ونجيناهما وقومهما من
الغم والمكروه العظيم الذي كانوا فيه من
عبودة آل فرعون، ومما أهلكنا به فرعون
وقومه من الغرق»(١).
وذكر الماوردي في معنى المنِّ هنا:
أحدهما: بالنبوة، قاله مقاتل.
والثاني: بالنجاة من فرعون، قاله الكلبي.
وأورد في معنى كلمة ﴿وَنَّنَهُمَا﴾:
قولين:
الأول: النجاة من الغرق.
والثاني: النجاة من الرق (٢).
رابعًا: المن بالهداية بعد الإيمان:
الإیمان سلعة غالیة ومطلب کبیر، وسبب
الفلاح الناس ونجاحهم فى الدنيا والآخرة،
ولذلك ورد ذكره والتنويه بشأنه والتصريح
بأهميته في آیات عدة من کتاب الله تعالی.
والله تعالى قد أرسل الرسل لهداية
البشر، وجعل الرشاد في اتباعهم، والغي
والضلال في مخالفتهم، وبين سبحانه
وتعالى حال الأمم السابقة وحال البشر
جميعا قبل هدايتهم للإيمان، ومنته تعالى
علیهم بهذه النعمة، وقد جاء ذكر ذلك في
موضعين:
الموضع الأول: في قول الله تعالى:
﴿يَتَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا ضَرَّبْتُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ
(١) جامع البيان ٢١/ ٩٣.
(٢) النكت والعيون ٥/ ٦٣.
www. modoee.com
٢٧٧
حرف الميم
فَتَبَيِّنُواْ وَلَا نَقُولُواْلِمَنْ أَلْقَىَ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ
لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَوَةِ
الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ مَغَائِمُ كَثِيرَةُ كَذَلِكَ
كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ
فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ
خَبِيرًا ﴾ [النساء: ٩٤].
وفي سبب نزول الآية ما روي عن ابن
عباس قال: (مر رجل من بني سليم على
نفر من أصحاب رسول الله صلی الله علیه
وسلم ومعه غنم، له فسلم علیھم، قالوا: ما
سلم عليكم إلا ليتعوذ منكم، فقاموا فقتلوه
وأخذوا غنمه، فأتوا بها رسول الله صلى
الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: ﴿ یََّأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا ضَرَيْتُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبِيِّنُواْ
وَلَا نَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىَ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ نَسْتَ
مُؤْمِنًا﴾(١).
وفي معنى قوله تعالى: ﴿فَمَنَّ اللّهُ
عَلَيْكُمْ﴾ في الذي مَنَّ به أربعة أقوال:
الأول: أن المراد به الهجرة. قاله ابن
عباس.
والثاني: أن المراد به إعلان الإيمان. قاله
سعيد بن جبير.
والثالث: أن المراد به الإسلام. قاله قتادة
(١) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب التفسير،
باب ومن سورة النساء، رقم ٣٠٣٠.
قال الترمذي: حديث حسن.
وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة،
٠١١٠/٩
ومسروق.
والرابع: أن المراد به التوبة على الذي
قتل ذلك الرجل. قاله السدي (٢).
وأيا كان المعنى فإن الله سبحانه وتعالى
قد نبه المؤمنین وذکرهم بنعمته عليهم، وهي
نعمة الإسلام التي كانوا محرومين منها.
وقال جل وعلا: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنَّ
أَسْلَمُواْ قُل لَّا تَمُنُواْ عَلَى إِسْلَمَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَكُمْ
أَنَّ هَدَنَّكُمْ لِلْإِيمَنِ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ
١٧
[الحجرات: ١٧].
وفي معنى ﴿بَلِ اَللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَنٌ
للإيمنِ﴾ یذکر الماوردي وجهین:
أحدهما: أن الله أحق أَنْ يَمُنَّ عليكم أن
هداكم للإيمان حتى آمنتم. وتكون المنة هي
التحمد بالنعمة.
والوجه الثاني: أن الله تعالی ینعم عليكم
بهدايته لكم، وتكون المنة هي النعمة. وقد
يعبر بالمنة عن النعمة تارة وعن التحمد بها
أخری (٣).
وفي الآية لطائف تفسيرية أبرزها ما يلي:
اللطيفة الأولى: في قوله تعالى: ﴿يَمُنُونَ
عَلَيْكَ﴾ زيادة بيان لقبيح فعلهم، وذلك لأن
الإيمان له شرفان:
أحدهما: بالنسبة إلى الله تعالى وهو
تنزيه الله عن الشرك وتوحيده في العظمة.
(٢) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ١٧٣/٢.
(٣) النكت والعيون ٣٨٨/٥.
٢٧٨
القرآن الكريم
المنْ
وثانيهما: بالنسبة إلى المؤمن فإنه ينزه خلصهم بإيمانهم من طغيان فرعون وتسلطه
واصبحوا قادة للخير.
النفس عن الجهل ويزينها بالحق والصدق،
فهم لا يطلبون بإسلامهم جانب الله ولا
يطلبون شرف أنفسهم، بل منوا ولو علموا
أن فيه شرفهم لما منوا به بل شكروا.
اللطيفة الثانية: في قوله: ﴿قُل لََّ تَمُنُّواْ عَلَى
إِسْلَمَكُمْ﴾ أي: الذي عندكم إسلام، ولهذا
قال تعالى: (﴿وَلَكِنْ قُولُواْ أَسْلَمْنَا﴾ ولم يقل:
لم تؤمنوا ولكن أسلمتم؛ لئلا يكون تصديقًا
لهم في الإسلام أيضًا كما لم يصدقوا في
الإيمان.
اللطيفة الثالثة: في قوله: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ
عَلَيْكُمْ﴾ يعني لا منة لكم، ومع ذلك لا
تسلمون رأسًا برأس بحيث لا یکون لکم
علينا ولا لنا عليكم منة، بل المنة عليكم.
وقوله تعالى: ﴿بَلِاُلَّهُيَمُنُّ عَلَتْكمْ﴾ حسن
أدب حيث لم يقل لا تمنوا علي بل لي المنة
عليكم؛ حيث بينت لكم الطريق المستقيم،
ثم في مقابلة هذا الأدب قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ
[الشورى:
لَتَهْدِىّ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
٥٢].(١).
خامسًا: المن بالقوة بعد الضعف:
ذكر القرآن الكريم لنا نموذجًا رائعًا
فيما مَنَّ الله به على المستضعفين في
أرض مصر من بني إسرائيل، حيث إن الله
(١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١٢٠/٢٨.
قال تعالى: ﴿وَثُرِيدُ أَنْ ثَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ
أُسْتُضْعِفُواْ فِي الْأَرْضِ وَجَجْعَلَهُمْ أَبِمَّةً
وَتَجْعَلَهُمُ الْوَِّنَ ا وَنُمَكِّنَ لَمْ فِ الْأَرْضِ
وَثُرِىَ فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ وَحُنُودَهُمَا مِنْهُم ◌َّا
كَانُواْ يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٥-٦].
قال الجزائري في تفسير الآية: (( أن
الله أراد أن يمن على الذين استضعفوا في
الأرض أرض مصر وهم بنو إسرائيل، فَمَنَّ
عليهم بإيمانهم وتخليصهم من حكم فرعون
وتسلطه، وجعلهم قادة في الخير، وجعلهم
أيضا الوارثين لحكم البلاد وسياستها بعد
إهلاك فرعون وجنوده)) (٢).
جعل الله سبحانه وتعالى القوة سببا
للانتصار، وفلاح الأمم وصلاحها،
وازدهارها وتقدمها، والضعف سببًا للهزيمة
والانكسار، وبَيَّنَ الله سبحانه وتعالى نعمته
ومنته على الأمة بتوحيدهم بعد فرقة،
وتقويتهم بعد ضعف، فقال جل شأنه:
﴿وَأَذْكُرُوْاْ إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي
الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَشَاوَنَكُمْ
وَأَتَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ، وَرَزَقَّكُم مِّنَ الطَّيِّبَتِ لَعَلَّكُمْ
تَشْكُرُونَ ﴾ [الأنفال: ٢٦].
قال الطبري: ((وهذا تذكيرٌ من الله
عز وجل أصحاب رسول الله صلى الله
(٢) أيسر التفاسير، الجزائري ٥٢/٤.
www. modoee.com
٢٧٩
حرف الميم
عليه وسلم، ومناصحة. يقول: أطيعوا الله هذه الخيرات كلها، وأنه سيكون هذا أثره
فيهم كلما احتفظوا عليه كفوه من قبل
سؤالهم، ومن قبل تسدید حالهم، فکیف لا
یکونون بعد ترفه حالهم أشد استجابة وأثبت
قلوبًا))(٢).
ورسوله، أيها المؤمنون، واستجيبوا له إذا
دعاكم لما يحييكم، ولا تخالفوا أمره وإن
أمركم بما فيه عليكم المشقة والشدة، فإن
الله يهونه عليكم بطاعتكم إياه، ويعجل
لكم منه ما تحبون، كما فعل بكم إذ آمنتم
به واتبعتموه وأنتم قليلٌ يستضعفكم الكفار
فیفتنونکم عن دینکم، وینالونكم بالمكروه
في أنفسكم وأعراضكم، تخافون منهم أن
يتخطفوكم فيقتلوكم ويصطلموا)) (١).
وقال ابن عاشور: ((عطف على الأمر
بالاستجابة لله فيما يدعوهم إليه، وعلى
إعلامهم بأن الله لا تخفى عليه نياتهم،
وعلى التحذير من فتنة الخلاف على الرسول
صلى الله عليه وسلم تذكيرهم بنعمة الله
عليهم بالعزة والنصر، بعد الضعف والقلة
والخوف، لیذکروا کیف یسر الله لهم أسباب
النصر من غير مظانها، حتى أوصلهم إلى
مكافحة عدوهم وأن یتقي أعداؤهم بأسهم،
فكيف لا يستجيبون لله فيما بعد ذلك، وهم
قد کثروا وعزُّوا وانتصروا.
فالخطاب للمؤمنين يومئذ، ومجيء
هذه الخطابات بعد وصفهم بالذين آمنوا
إيماء إلى أن الإيمان هو الذي ساق لهم
(١) جامع البيان ٤٧٦/١٣.
والاصطلام: معناه الاستئصال والإبادة من
الجذور، اصطلم القوم أي أبيدوا.
انظر لسان العرب، ابن منظور ١٢/ ٣٤٠.
سادسًا: المن بالاجتماع بعد التفرق:
جعل الله عز وجل القوة والغلبة في
الاجتماع والتآلف، كما أنه جعل الضعف
في الوحدة والتفرق وهذا ما أشارت إليه
الآية في القرآن الكريم: ﴿وَأَعْنَصِمُواْ بَحَبْلٍ
اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ وَأَذْكُرُوا نِعْمَتَ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ
إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءُ فَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِ:
إِخْوَنَا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَّكُمْ
مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ ءَايَتِهِ، لَعَلَّكُمْ نَهْتَدُونَ
[آل عمران: ١٠٣].
فقد حث الله تعالى علي الاجتماع ونھی
عن التفرق، وهذا من باب التذكير بهذه
النعمة؛ حيث كانوا أعداء ثم ألف الله بين
قلوبهم بالإسلام(٣).
والقرآن الكريم فيه كثير من النماذج
التي تدل على فضل الله ونعمته على العبد
بالاجتماع بعد التفرق، ففي قصة سيدنا
يوسف أروع الأمثال في هذا الجانب.
فلقد رأينا ما أصاب سيدنا يوسف من
بعده وتفرقه عن أهله و عن دیاره، والتعرض
(٢) التحرير والتنوير ٣١٨/٩.
(٣) انظر: النكت والعيون، الماوردي ١/ ٤١٤.
٢٨٠
جوبيه
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ
المنّ
للالقاء في البئر وبيعه في السوق، ونحو وتحقيق الرؤيا بسجود إخوته الأحد عشر
له مع أبيه وأمه، واجتماع الشمل بعد الفرقة،
وحلول الأنس بعد الكدر))(٢).
ذلك مما هو معروف لدينا من هذه القصة
مما ابتلي به يوسف عليه السلام، وتأتي
سابعًا: المَنُّ بالطيبات:
إرادة الله أن ينعم على يوسف بالعزة بعد
الذلة وبالغنی بعد الفقر، ومکنه في الأرض
وجعله ذا مكانة عالية في مصر وإليه مقاليد
الأمور، وتمر الأيام ويأتي أخوة يوسف عليه
السلام إليه طالبين حاجة مما أصابهم من
فقر في أرض كنعان، ويدخلوا على يوسف
ويعرفهم، ويجزل لهم العطاء ويكرمهم.
ويعتبر قدوهم عليه نعمة كبيرة أنعم الله
تعالى عليه بها، وهي جمع شمل الإخوة بعد
تفرق دام سنوات، ويتحدث يوسف بذلك
صريحا في القرآن: ﴿قَالُواْ أَوِنَّكَ لَأَنْتَ
يُوسُفُّ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَذَا أَخِىّ قَدْ مَرَ
اَللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ، مَن يَتَّقِ وَيَصِْرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا
﴾ [يوسف: ٩٠].
٩٠
يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ
وفي معنى قوله تعالى: ﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ
عَلَيْنَا﴾ فیه ثلاثة أقوال:
أحدها: المَنُّ بخير الدنيا والآخرة.
والثاني: المَنُّ بالجمع بعد الفرقة.
والثالث: المَنُّ بالسلامة ثم بالكرامة (١).
وقال الشيخ الصابوني في هذه الآية:
((تتحدث الآيات عن مجيء أسرة يعقوب
بأسرهم إلى مصر، ودخولهم على يوسف
وهو في عِزِّ السلطان وعضـ
(١) زاد المسير، ابن الجوزي ٢/ ٢٨١.
خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان،
وأسكنه الأرض، وأنعم علیه بنعم لا تعد ولا
تحصى، وأباح له الأكل من هذه النعم شريطة
أن يأكل الطيب ويجتنب الخبيث، وجاء هذا
الأمر بأكل الطيب للأنبياء والرسل، وكذا
لعامة الناس، وكذا المؤمنين منهم.
بَأيُّها
فقد قال الله تعالى للرسل:
الرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ الَِّبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَلِحًا إِنِ بِمَا
تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ [المؤمنون: ٥١].
وقال للناس جميعًا: ﴿يَتَأَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ
مِقَا فِىِ الْأَرْضِ حَلًا طَيِّبًا وَلَا تَشَِّعُواْ خُطُوَاتِ
الشَّيْطَنَّ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينُ
[البقرة:
١٨
١٦٨].
وقال للمؤمنين: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ وَأَشْكُرُواْ لِلَّهِ إِن
كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٧)﴾ [البقرة: ١٧٢].
وقال لبني إسرائل في مواضع: ﴿ وَظَلَّلْنَا
عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىّ
كُلُواْ مِن طَيِبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن
كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: ٥٧].
وقوله جل ثناؤه: ﴿كُلُواْ مِنْ طَيَِّتِ مَا
(٢) صفوة التفاسير، الصابوني ٢/ ٦١.
www. modoee.com
٢٨١
حرف الميم
رَزَقْنَكُمْ وَلَا تَطْفَوْ فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِىٌّ وَمَن والأدب شكر المنعم)) (٢).
يَعْلِلْ عَلَيْهِ غَضَِ فَقَدْ هَوَى (٥)﴾ [طه: ٨١].
وكل هذه الآيات ونحوها جاءت لتبين
مِنَّةَ الله تعالى على الخلق بإباحة هذه
الطيبات والانتفاع بها، وبالتالي ينبغي على
الخلق أن یشکروا الله تعالى.
وإذا كان الله تعالى قد بيَّنَ لنا هذه النعم،
ونحن على يقين منها، فإنه أوجب علينا
شكر تلك النعم.
فیکون شكر المنعم سبحانه وتعالى
فرض على كل مكلف كما ذهب إليه أکثر
العلماء(١)، وقد ورد الأمر به في القرآن
الكريم مرارًا لا سيما في المواضع التي فيها
ذكر النعم من المأكل والمشرب.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُوا
مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلَّهِ إِن كُنْتُمْ
﴾ [البقرة: ١٧٢].
إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ {١٧٢)
وقال جل شأنه: ﴿فَكُلُواْ مِمَّارَزَقَكُمُ
اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَأَشْكُرُواْ نِعْمَتَ اَللَّهِ إِن
● [النحل: ١١٤].
كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ
جاء في تفسير السلمي عند تفسير قوله
تعالى ﴿يَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ الطَّيِّبَتِ﴾:
وفي الأكل آداب أربع: الحلال، والصافي،
والقوام، والأدب، فالحلال الذي لا يعصى
الله فيه، والصافي الذي لا ينسى الله فيه،
والقوام ما يمسك به النفس ويحفظ العقل،
(١) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ١٢١/١٠.
وإذا كانت الطيبات من نعم الله تعالى
تقتضي منا شكرها، فإنه لا شك أن تناول
الطيبات هذه يحقق للمرء منافع دنيوية
وأخروية.
فالمأكولات الطيبة سبب لاستجابة
الدعاء: كما ورد في حديث أبي هريرة رضي
الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (إن الله طيبٌ لا يقبل إلا طيًا، وإن
الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين،
فقال: ﴿وَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ الطَّيْبَتِ وَأَعْمَلُواْ
صَلِحَاً﴾ وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ﴾ ثم ذكر
الرجل يطيل السفر: أشعث أغبر، يمد
يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه
حرامٌ، ومشربه حرامٌ، وملبسه حرامٌ، وغذي
بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟)(٣).
وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما
قال: (تليت هذه الآية عند رسول الله صلى
الله عليه وسلم ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَا فِى
الْأَرْضِ حَلًا طَيِّبًا ﴾ [البقرة: ١٦٨].
(فقام سعد بن أبي وقاص رضي الله
عنه فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني
مستجاب الدعوة. فقال له النبي صلى الله
(٢) حقائق التفسير ٣٤/٢.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزكاة،
باب قبول الصدقة من الكسب الطيب، رقم
٢٣٩٣.
٢٨٢
ـَ النََّّ
جوبيه
القرآن الكريم
المنْ
عليه وسلم: (يا سعد أطب مطعمك تكن يكون مسبوقًا بأكل الحلال (٣).
مستجاب الدعوة، والذي نفس محمد بيده
إن العبد ليقذف اللقمة الحرام في جوفه ما
يتقبل منه عمل أربعين يوما، وأيما عبد نبت
لحمه من سحت فالنار أولى به)(١).
قال ابن رجب الحنبلي: ((ومن أعظم
ما يحصل به طيبة الأعمال للمؤمن طيب
مطعمه، وأن یکون من حلال، فبذلك یزکو
عمله، وفي هذا الحديث إشارةٌ إلى أنه لا
پقبل العمل ولا یزکو إلا بأكل الحلال، وإن
أكل الحرام یفسد العمل، ویمنع قبوله، وبعد
ذكره لنص الحديث قال: والمراد بهذا أن
الرسل وأممهم مأمورون بالأكل من الطيبات
التي هي الحلال، وبالعمل الصالح، فما دام
الأكل حلالًا، فالعمل صالح مقبولٌ، فإذا
کان الأكل غير حلال، فکیف یکون العمل
مقبولًا؟ وما ذكره بعد ذلك من الدعاء، وأنه
کیف یتقبل مع الحرام، فهو مثالٌ لاستبعاد
قبول الأعمال مع التغذية بالحرام))(٢).
كذلك تجد أن أكل الحلال وطيب
المطعم أعون للمرء على العمل الصالح،
وعلى الطاعة، وأن العمل الصالح لابد أن
(١) أخرجه الطبراني في الأوسط ٦٤٩٥،
٣١٠/٦.
وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة،
٤/ ٢٩٢، رقم ١٨١٢.
(٢) جامع العلوم والحكم ص ١٠٠.
قال ابن كثير: ((يأمر تعالى عباده
المرسلين، عليهم الصلاة والسلام أجمعين،
بالأكل من الحلال، والقيام بالصالح من
الأعمال، فدل هذا على أن الحلال عون
على العمل الصالح، فقام الأنبياء، عليهم
السلام، بهذا أتم القيام. وجمعوا بين كل
خير، قولا وعملا ودلالة ونصحًا، فجزاهم
الله عن العباد خيرًا)) (٤).
وروي عن عبد الله بن عمرو رضي الله
عنهما أن رسول الله صلی الله عليه وسلم
قال: (أربع خلالٍ إذا أعطيتهن فلا يضرك ما
عزل عنك من الدنيا حسن خليقةٍ، وعفاف
طعمةٍ، وصدق حديثٍ، وحفظ أمانةٍ)(٥).
ولا ينبغي أن يغفل المرء عن مدى تأثير
أكل الطيبات على نمو الجسم وسلامته
وصحته.وهذه لا تحتاج لبرهان، فإن الشارع
الحكيم حين أمرنا بتناول الطيبات وتجنب
الخبائث، فنظرًا لما في الطيب من مزايا النفع
للبدن، وسلامته من الأمراض، والمحافظة
على صحة الإنسان.
(٣) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٣/ ٩١.
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٧٧/٥.
(٥) أخرجه البخاري في الأدب المفرد، رقم
٢٨٨، كتاب حسن الخلق، باب حسن الخلق
إذا فقهوا، والبيهقي في شعب الإيمان رقم
٠٢٤٠/٦،٨٠٠٩
وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة رقم
٧٣٣.
www. modoee.com
٢٨٣
حرف الميم
ثامنًا: المن بالنجاة:
النجاة من المهالك مطلب كل عاقل،
بل هي مطلب كل مخلوق من الإنسان
والحيوان وغيرهما، وقد ورد في كتاب
الله تعالى ما يشير إلى مواقف تمنى الناس
فيها أماني؛ اغترارًا منهم بفتنة غنى أو ثراء
وقعت لغیرهم، فلم يقدرها الله تعالی لهم،
فلما هلك المبتلى بتلك الفتنة رجعوا إلى
رشدهم وصوابهم، وأيقنوا أن الخير يكمن
فیما اختاره الله تعالى.
وذلك تجده واضحًا في قصة قارون،
حيث أوتي من الكنوز ما أوتي، وخرج على
قومه في زينته، فقال قوم: ﴿يَلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا
أُوتِيَ قَرُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍ عَظِيمٍ
[القصص: ٧٩].
فلما وقع لقارون ما وقع، ورأوا بأعينهم
ذلك ندموا على تمنيهم، وتذكروا مِنَّةَ الله
تعالی علیھم، فکان قوله جل شأنه ﴿ وَأَصْبَحَ
الَّذِينَ تَمَنَّوْاْ مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ
اللَّهَ يَبْسُطُ الْرِزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَيَقْدِرٌّ
لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَّاً وَيْكَنَّهُ لَا يُفْلِحُ
الْكَفِرُونَ ﴾ [القصص: ٨٢].
والمعنى في قوله ﴿لَوْلًا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا ﴾
أي: بالايمان والرحمة وعصمنا من مثل ما
كان عليه قارون من البغي والبطر ﴿لَخَسَفَ
بِنَا﴾ (١).
وفي معرض آخر للنجاة والمن بها نجد
هذه الآيات في سورة الطور ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ
عَلَى بَعْضٍ يَتَّسَلُونَ (٥ ) قَالُواْ إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِيَّ أَهْلِنَا
مُشْفِقِينَ ﴿ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَنْنَا عَذَابَ
السَّمُومِ ﴾ [الطور: ٢٥-٢٧].
وقد ذكر الإمام الماوردي في قوله تعالى:
﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ وجهين:
أحدهما: بالجنة والنعيم.
الثاني: بالتوفيق والهداية.
وفي قوله: ﴿وَوَقَنَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾
ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه عذاب النار، قاله ابن زيد،
وقال الأصم: السموم اسم من أسماء جهنم.
الثاني: أنه وهج جهنم، وهو معنى قول
ابن جریج.
الثالث: لفح الشمس والحّرِّ، وقد
يستعمل في لفح البرد (٢).
وأيًّا كان المعنى، فإن الله تعالى قد من
عليهم بإنجاءهم من النار ولهيبها، وهذا من
تمام نعم الله تعالى على عباده التي تستحق
الشكر.
تاسعًا: المَنُّ بالأجر غير المقطوع:
أعد الله سبحانه وتعالى للمؤمنين الأجر
العظيم جزاء لهم على إيمانهم وعملهم
الصالح، ویعتبر إيمانهم وهداهم هذا فضل
(١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢١٩/١٣. (٢) النكت والعيون ٣٨٣/٥.
صَوَبُوالَةُ النَّفِيَّة
القُرآن الكَرِيْمِ
٢٨٤
المنْ
ونعمة من الله تعالى عليهم؛ لأنه تبارك لأن الجزاء مقدر، والفضل غير مقدر (١).
وتعالى هو أعلم بالمهتدین، فقال جل شأنه:
﴿يَمُونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لَّا تَمُنُواْ عَلَى إِسْلَمَكْ
بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَنَّكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ
صَدِقِينَ﴾ [الحجرات: ١٧].
وتأتي المنة من الله بالأجر غير المقطوع
علي النبي محمد صلى الله عليه وسلم في
موضع، وعلى المؤمنين الذين يعملون
الصالحات في مواضع ثلاثة، وهذا إنما
يظهر مدى عطاء الله الوفير لهم.
أما المن على النبي محمد صلى الله عليه
وسلم فقد جاء في سورة القلم في قول الله
تعالى: ﴿نَّ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ) مَآ أَنْتَ بِنِعْمَةِ
رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ﴿ وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًّا غَيْرَ مَمْنُونٍ ))﴾
[القلم: ١-٣].
قال الطبري: (( يقول تعالى ذكره لهؤلاء
وفي معنى هذه الآية الأخيرة في حق الذين آمنوا وعملوا الصالحات: ثواب غير
محسوب ولا منقوص.
النبي صلی الله عليه وسلم أربعة أوجه:
الوجه الأول: ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أي: غير
محسوب، قاله مجاهد.
بغير عمل، قاله الضحاك.
الوجه الثالث: ﴿غير ممْنُونٍ﴾ أي: غیر
ممنون عليك من الأذى، قاله الحسن.
الوجه الرابع: ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أي: غير
منقطع.
ويحتمل خامسًا: غير مقدر وهو الفضل؛
وأما المَنُّ على المؤمنين فقد جاء ذلك
في أكثر من آية، منها:
قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ
٨
[فصلت: ٨].
وقوله جل شأنه: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُكَذِّبُونَ
﴿﴿ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ ، فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ
أَلِمٍ إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَهُمْ
أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴾ [الانشقاق: ٢٢ -٢٥].
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَنَ فيِ أَحْسَنِ
تَقْوِيمٍ ، ثُمَّ رَدَدْتَهُ أَسْفَلَ سَفِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ فَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ جَمَنُونٍّ
[التين: ٤- ٦].
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل
التأويل، وأورد الطبري بسنده قول ابن
الوجه الثاني: ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أي: أجرًا عباس ﴿أَجْرُ غَيْرُ مَمُونٍ﴾ يقول: غير منقوص.
وقول مجاهد ﴿أَجْرُ غَيْرُ مَنُونٍ﴾ يعني: غير
محسوب (٢).
وفي موضع آخر يقول المولى جل وعلا
﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَهُمْ أَجْرٌ
غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴾ [فصلت: ٨].
(١) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٦/ ٦١،
تفسير السمعاني ٦/ ١٧.
(٢) جامع البيان ٣٢٧/٢٤.
www. modoee.com
٢٨٥
حرف الميم
والمراد به أجر غير منقوص في الآخرة.
وأورد الماوردي في جملة ﴿أَجْرُ غَيُّ
◌َنُونٍ﴾ أربعة تأويلات:
أحدها: غير محسوب، قاله مجاهد.
والثاني: غير منقوص، قاله ابن عباس
وقطرب.
الثالث: غير مقطوع، قاله ابن عيسى،
مأخوذ من مننت الحبل إذا قطعته.
الرابع: غير ممنون عليهم به، قاله
السدي(١).
أما من حيث ما يمن الله به عليه من
الإيمان والعمل الصالح؛ فإنه يرتقي عن
هذا.
قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا ◌َلْإِنسَنَ فِيَ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ
(٢) ثُّرَدَدْنَهُ أَسْفَلَ سَفِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرٌ مَنُونٍ ﴾ [التين:
٤-٦].
فالإنسان الذي يمن الله عليه بالهدى!
فإن الباطل الذي في قلبه یتناقص وربما
یزول بالکلیة؛ کعمر بن الخطاب، وخالد بن
وقد أشار ابن عاشور في تفسيره إلى أن الوليد، وعكرمة بن أبي جهل، وغيرهم (٣).
معنى الآية: (( أنها تنويه بشأن المؤمنين بأن
لهم جزاء نافعًا عن العمل الصالح، أو هو ما
يعطونه من نعيم الجنة، والممنون: مفعول
من المن، وهو ذکر النعمة للمنعم عليه بها،
والتقدير غیر ممنون به عليهم، وذلك كناية
عن کونهم أعطوه شكرًا لهم على ما أسلفوه
من عمل صالح، فإن الله غفور شكور،
يعني: أن الإنعام عليهم في الجنة ترافقه
الكرامة والثناء فلا يحسون بخجل العطاء،
وهو من قبيل قوله: ﴿لَا نُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُمْ
◌ِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤].
فأجرهم بمنزلة الشيء المملوك لهم
الذي لم يعطه إياهم أحد، وذلك تفضل من
الله)) (٢).
(١) النكت والعيون، الماوردي ١٦٩/٥.
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٤١/٢٤.
جَوَبُور
القرآن الكريم
(٣) القول المفيد على كتاب التوحيد، ابن عثيمين
٣٨٣/١.
٢٨٦