النص المفهرس
صفحات 21-34
المعية
وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾ أي: يشركون به وشيوعها، ومنه قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ
أَنْ تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِّكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ
ويجعلون له عديلا.(١)
مِن قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَآءُ وَالشَّرّاءُ وَزُلْزِلُواْ حَتَّى
ثانيًا: معية الناس للرسل:
يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ, مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلَا
إِنَّ نَصْرَ اَللَّهِ قَرِيبٌ
﴾ [البقرة: ٢١٤].
٢١٤
والمتأمل للآيات التي تناولت معية
الناس للرسل يمكن أن يقسمها إلى قسمين:
معية في غير أمور الدين، مثل معية
صاحبي يوسف ليوسف في السجن،
ومعية إسماعيل لإبراهيم عليه السلام
عندما بلغ معه السعي.
ومعية في أمور الدين وهي التي تعني
الاتباع ويعبر عنها القرآن الكريم
بالاستجابة والإسلام، والطاعة،
والنصرة، والجهاد، والعبادة، والتوبة،
ونحوها.
وقد سلك القرآن الكريم في بيان معية
الناس للرسل مسلكين عامًا وخاصًا، فالعام
هو ما ذكرت فيه المعية بصفة عامة دون
تحديد صاحب المعية، وتأتي هذه الآيات
في صورة سننية قاعدية مطردة، كقوله
تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبٍِ قَتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ
كَثِيْرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ
[آل
وَمَا أَسْتَكَانُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّبِرِينَ
عمران: ١٤٦].
وكما نلاحظ في الآية الكريمة أن لفظة:
﴿نَّبِّ﴾ وردت نكرة بما يفيد عمومها
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٢٢/٣.
وفي هاتين الآيتين تبدو صورة المعية في
أقوى مراحلها وفي أدق خصائصها إذ هي
في مرحلة الابتلاء والاختبار والجهاد ومس
البأساء والضراء والزلزلة.
والمعنى وكأين من نبي قاتل معه
جماعات كثيرة ربانيون علماء أتقياء، أو
عابدون لربهم. فما وهنوا لما أصابهم في
سبيل الله، وما فتروا ولم ينكسر جدهم لما
أصابهم من قتل النبي أو بعضهم. وما ضعفوا
عن العدو أو في الدين. وما استكانوا وما
خضعوا للعدو بل صبروا وثبتوا، وشجعوا
أنفسهم، هذا تسلية للمؤمنين، وحث على
الاقتداء بهم، والفعل كفعلهم، وأن هذا
أمر قد كان متقدما، لم تزل سنة الله جارية
بذلك(٢).
ثالثًا: معية الرسل الخاصة:
وأما المسلك الخاص فقد بدا في حديث
القرآن الكريم عن الرسل عليهم السلام
بذكرهم صراحة، قد حفلت آيات القرآن
ببيان هذه المعية، ويمكن أن نتتبعها على
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٦/ ١١١، معالم
التنزيل، البغوي ٢/ ١١٦.
www. modoee.com
١٠٩
حرف الميم
النحو الآتي:
١. معية نوح عليه السلام.
وأول ما نلمح في الآيات التي وردت
عن المعية في حق نوح والذين آمنوا معه،
يبدو لنا أنها من أكثر المواطن التي تكرر
فيها لفظ المعية، مع نبي من الأنبياء، فقد
وردت ثماني مرات وكأن في ذلك تأسيسا
لأن معية الصالحين أصل في قيام الحضارة
وبقاء الإنسانية أصلا، کما أن في ذلك بيانا
وإشارة إلى أن قيام الجماعة المؤمنة أصل
قديم في دعوة الأنبياء عليهم السلام، كما
نلاحظ أن معية نوح والإيمان بالله سبب في
النجاة والفوز، فقد فصلت الآيات الكريمة
بين معسكرين معسكر الخير والحق وهم
من ركبوا مع نوح في الفلك، ومعسكر
الشر والباطل وهم المغرقون، ولذلك دعا
نوح عليه السلام ابنه ليركب معهم وقال:
﴿َبَبُنَّ أَرْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَفِرِينَ﴾
[هود: ٤٢].
والعجيب أن نوحا علیه السلام عبر عن
غير الراكبين معه بالكافرين إشارة إلى أن
سبب عدم رکوبھم هو عدم إیمانھم بنوح،
وعدم ثقتهم في أوامر الله تعالى، فكأنه
کما انقسم الناس في أمره إلى أهل حق
وأهل باطل انقسموا في النهاية إلى ناجين
ومغرقین بل مؤمنين وكافرين وكأن النجاة
الأولى مقدمة للنجاة في الآخرة، والهلاك
في الأولى مقدمة للهلاك في الآخرة، ولعل
هذا من أسرار تعبريه عليه السلام عنهم
بـ(الكافرين).
كما تلمح من الآيات الكريمة أن من
تمام نعمة الله تعالى على المؤمنين معه أن
أهلك عدوهم، وتكرر هذا في آیات متعددة،
فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَهُ وَاَلَّذِينَ مَعَهُ فِ اَلْفُلْكِ
وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِثَايَئِنَّأْ إِنَّهُمْ كَانُواْ
• [الأعراف: ٦٤].
قَوْمًا عَمِينَ (٦٤)الـ
﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَيْنَهُ وَمَنْ مَعَدُ فِىِ اَلْفُلْكِ
وَجَعَلْنَهُمْ خَلَتِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ
بِشَايَئِنَا فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْنُذَرِينَ
٧٣
[يونس: ٧٣].
٢. معية هود عليه السلام.
ومعية هود عليه السلام واضح منها أنها
معیة له بعد الإيمان به؛ لأنه في هذه المراحل
الصعبة من عمر الدعوات لا يتبع الأنبياء إلا
أولو العزائم، فهي فترات ابتلاء واختبار،
ويبدو في الآيات الكريمة التي تحدثت عن
معية هود عليه السلام أمور منها: التأكيد
أن الإيمان والمعية هما سبب النجاة، ولذا
ورد في الآيتين اللتين تحدثتا عن معية هود
الربط بين المعية والإيمان، كما ورد أيضا
النص على هلاك عدوهم، بل قطع دابرهم،
وفي ذلك شفاء لصدور المؤمنين، وإراحة
لنفوسهم.
١١٠
جوبيع
لِلْقُرآن الكَرِيمِ
المعية
٣. معية صالح عليه السلام.
من الو الجواب على تراخي الزمن وتباعد
وفي حق صالح عليه السلام ما زال المكان: ﴿أَوَلَوْكُنَّا كَرِهِينَ سَ قَدِ أَقْتَرَيِّنَا عَلَ
التأكيد أن المعية والإيمان سبب النجاة
والعصمة، فقد ورد التلازم بين الإيمان
والمعية كذلك، فقال تعالى: ﴿ فَلَمَّا جَآءَ
أَقْرُنَا نَّيْنَا صَالِحًا وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ
مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِذُّ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ اَلْقَوِىُّ
اٌلْعَزِيزُ ﴾ [هود: ٦٦].
فما زالت البشرية في عهد بناء الجماعة
المؤمنة، وفي الآية بيان أنَّ سبب النجاة
الإيمان والمعية.
٤. معية شعيب عليه السلام.
وفي حق شعيب عليه السلام يستمر
الأمر على تباعد الزمان والمكان، بل
معرفة الكافرين بهذا، فلم يقتصر التهديد
هنا لشعيب فقط بل هو والذين معه، وهنا
قَالَ أَلْمَلَأُ الَّذِينَ أَسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِ
لَتُخْرِجَّكَ يَشُعَيْبُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَّاً
أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مَِتِنَاً قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَثِمِينَ {
٨٨
[الأعراف: ٨٨].
بل تبدو سنة من سنن الله تعالى في
الدعوات وأصحابها إلى الإخراج والإبعاد،
وهي سنة تتكرر شأن السنن الماضية؛
فقد هددوا شعیبًا والذين آمنوا معه بالطرد
والإبعاد حتى يعودوا في ملتهم مرة أخرى،
والزمن يعيد نفسه وسننة الماضية، والجواب
اَللَّهِ كَذِّبًا إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّيِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّنَاَ اَللّهُ
مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَّعُودَ فِيَهَا إِلَّ أَن يَشَآءَ اللهُ
رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَىْءٍ عِلْمَاً عَلَى اللَّهِ تَوَكَّنَاْ رَبَّنَا
أَفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَئِينَ
﴾ [الأعراف: ٨٨- ٨٩].
(٨٩
ويستمر الجواب على نفس السؤال حتى
يقضي الله بالحق وينتصر الصدق ورسالة
الإسلام.
إن الناقمين اليوم في أعصارنا التي
نشهدها على المسلمين ليسوا ناقمين إلا
لأنهم أصحاب دين وأرباب رسالة، تتغلل
إلى نفوس الناس وتتلطف إلى قلوبهم،
تتضح تلازمية النصر بالمؤمنين من خلال والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا
يعلمون.
٥. معية إبراهيم عليه السلام.
وتستمر النماذج الرائدة في المعية مع
الأنبياء والمرسلين على تباعد المكان
وتطاول الزمان، فنصل إلى إبراهيم عليه
السلام، وتستمر آيات المعية في التأكيد
على أهمية الأمة الجديدة وضرورة صلابتها
في مقارعة الباطل ومنازلة الشرك إلى آخر
مدى، ويبدو من الآية الكريمة مصارعة
الذين آمنوا للكافرين مصارعة فكرية واضحة
بان فيها إعلان البراءة منهم، و کفرهم بهم،
وبدو العداوة والبغضاء أبدًا حتى يؤمنوا
www. modoee.com
١١١
حرف الميم
١٠٥
بالله وحده، وهذه نقلة في الخطاب لم مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِىَ بَنِّ إِسْرَائِيلَ
[الأعراف: ١٠٥].
تكن من قبل، تبدو فيها المفاصلة والمباينة
حتى يظهر معنى الولاء والبراء، ثم الالتجاء
إلى الله تعالى والتوكل عليه والإنابة إليه،
والوعي العملي بأن الكل صائر إليه.
فيقولون في وضوح وشموخ: ﴿إنّا بُرَبُوًا
مِنْكُمْ وَمِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُرْ وَبَدَا بَيْنَنَا
وَبَيْنَكُمُ الْعَدَّوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًّا حَتَّى تُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ
وَحْدَهُ: إِلَّا قَوْلَ إِبَهِيَ لِأَبِدِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَّاً
أَمْلِكُ لَكَ مِنَ الَّهِ مِن شَىْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَّلْنَا وَإِلَيْكَ
أَنَبْنَا وَ إِلَيْكَ الْمَصِيرُ ﴾ [الممتحنة: ٤].
ولأمر حكيم صُدِّرَت الآية بندب
المؤمنين إلى التأسي بهذه الصفات التي لا
بد منها في مقارع، ثم كرر القرآن الكريم
لفت أنظار المؤمنين إلى هذه الأسوة الحسنة
بعد آية واحدة فقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُوْ فِهِمْ أُسْوَةُ
حَسَنَّةُ لِّمَنْ كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَلَوْمَ الْأَخِرَّ وَمَن يَنَوْلَّ فَإِنَّ
اَللَّهَ هُوَ الْغَنِىُّ الْحِيدُ (١)﴾ [الممتحنة: ٦].
٦. معية موسى وهارون عليهما السلام.
ومن جمع الآيات التي تتحدث عن معية
موسی علیه السلام يمكننا أن نستبین بعض
المفاهيم منها:
المعية أمر من الله من بداية الدعوة.
إن المعية كانت من بداية الدعوة، وهي
معیة هارون أخیه له.
قال تعالى: ﴿حَقِيقُّ عَلَى أَنْ لَّ أَقُلَ
عَلَى اَللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْنُكُمْ بِبَيِّنَةٍ
وهذا مبني على أن الأمر بالمعية كان
﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولًا إِنَّا
من بداية الدعوة:
رَسُولُ رَبِّ الْعَلَمِينَ آ أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِىّ إِسْرَيلَ
(١٧)﴾ [الشعراء: ١٦ -١٧].
فالإرسال (مقيد بالمعية في الآيات
جميعا، وليس مجرد إرسال مطلق يتحرر به
بنو إسرائيل من بطش فرعون فقط، وإنما هو
دخول في معية الجماعة المسلمة الجديدة،
التي تتميز بها عن معية فرعون وقومه)(١).
# معية موسى وموقف أتباع فرعون منها.
وهذه المعية كما كانت أمرًا من بداية
الدعوة، وطلبا من موسى وهارون لفرعون
حين طلبًا أن يرسل معهم بني إسرائيل،
أدركها أتباع فرعون حين أرادوا وأد الدعوة
من البداية، فاطيروا بها وبه وبهم فكانوا
كما وصف القرآن الكريم: ﴿فَإِذَا جَآءَ تَهُمُ
اَلْحَسَنَّةُ قَالُواْ لَنَا هَذِهِ، وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ
يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَن مَّعَةُ: أَلَّ إِنَّمَا طَبِرُهُمْ
عِندَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١)
[الأعراف: ١٣١].
وكذلك كانت نظرة أتباع فرعون إلى
موسى وهارون وقومهما حين ظهرت
(١) المدخل إلى التفسير الموضوعي، عبد الستار
سعيد ص ١٤٩.
مَوَسُولَة الَّطبية
القرآن الكريمِ
١١٢
ـمعية
دعوتهم، وبدأ الناس يقتنعون بها، كما
وصف القرآن الكريم: ﴿فَلَمَّا جَآءَ هُم بِالْحَقِّ
مِنْ عِندِنَا قَالُواْ أَقْتُلُواْ أَبْنَآءَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ.
وَأَسْتَحْيُواْ نِسَآءَهُمَّ وَمَا كَيْدُ الْكَفِرِينَ
إِلَّا فِ ضَلَالٍ (٥)﴾ [غافر: ٢٥].
لقد طلبوا قتل أبناء المؤمنين، ووصفوهم
بالمعية والإيمان.
· استنقاذ بني اسرائيل من فرعون.
كما كانت المعية واضحة في نجاة هؤلاء
المؤمنين، ﴿وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ: أَجْمَعِينَ
﴾ [الشعراء: ٦٥].
٦٥
والمعنى: (وأنجينا موسى مما أتبعنا به
فرعون وقومه من الغرق في البحر ومن مع
موسى من بني إسرائيل أجمعين)(١).
٧. معية داود وسليمان عليهما السلام.
وإذا انتقلنا إلى الحديث عن معية داود
وسليمان عليهما السلام بان لنا عدد من
الملامح - من خلال رصد الآيات الكريمة
الخاصة بمعیتهم منها:
المعية هنا ليست معية البشر فقط.
أن الآيات الكريمة التي تحدثت عنهم
لم تتحدث عن معيتهم للبشر، فقد
کانا ملکین، ومعیة الناس لهم لیست
مستغربة ولا منكرة وهم لم يكونا
بحاجة إلى دعوة الناس إلى معيتهم،
بل ظهرت معية أشياء أخرى مثل معية
(١) جامع البيان، الطبري ١٩/ ٣٦٠.
الجبال والطير، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا
سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَدُ, يُسَبِّحْنَ بِلْعَشِّ وَالْإِشْرَاقِ
وَاَلَيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ
١٩
١٨
[ص: ١٨ - ١٩]. وكما قال سبحانه:
وَلَقَدْ ءَانَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَجِبَالُ
أَوْ بِى مَعَدُ, وَالطَّيْرٌ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ
[سبأ: ١٠].
كما نصت الآيات على معية بلقيس ملكة
سبأ وقومها، وهم من كانوا (مظنة امتناع عن
معية سليمان؛ لما كان لهم من دولة وقوة
وجيش وحضارة وغنى وسلطان، فأثبت
القرآن هذه المعية على لسان الملكة نفسها
حين قالت: ﴿رَبِّ إِّ ظَلَمْتُ نَفْسِى وَأَسْلَمْتُ
مَعَ سُلَيْمَنَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴾ [النمل: ٤٤].
٨. معية عيسى عليه السلام.
وأما نبي الله عيسى عليه السلام فلأنه لم
یکن مؤسسا لأمة جدیدة، بل متمما ما بدأه
أخوه موسى عليه السلام - فإن الحديث
عن معیته قد ورد على لسان الحواربين كما
قال تعالى: ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ غَمْنُ أَنْصَارُ
اللَّهِ ءَامَثَا بِاللَّهِ وَأَشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ
رَبَّنَآ ءَامَنَا بِمَا أَنزَلْتَ وَأَتَّبَعْنَا الرَّسُولَ
فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّهِدِينَ ﴾﴾
[آل
عمران: ٥٢ - ٥٣].
أي: (نحن أنصار الله ومن ينصر الرسول
فقد نصر الله ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ
اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠].
www. modoee.com
١١٣
حرف الميم
نحن أنصار الله آمنا به إيمانًا صادقًا وَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَثِّ وَأُوْلَئِكَ هُمُ
الْمُفْلِحُونَ ﴾ [التوبة: ٨٨].
واتبعنا رسله واشهد بأنا مسلمون؛ إذ
الإسلام في جوهره لا يختلف فيه دین عن
دین.
ربنا آمنا وصدقنا بما أنزلت في كتابك
واتبعنا الرسول عيسى ابن مريم، فاكتبنا
مع الشاهدين الذين يشهدون لأنبيائك
بالصدق)(١).
٩. معیة محمد صلی الله عليه وسلم.
وإذا انتقلنا إلى النبي صلى الله عليه
وسلم وبيان المعية في حقه فاجأنا أن آيات
المعية في حقه هي أكثر المواطن ورودًا في
القرآن الكريم، وأكثرها تفصيلًا بين خاص
وعام، والخاص فيه تفصيلات دقيقة يأتي
بيانها، لكن الإشارة الواضحة هنا في الآيات
أنه کما أن الأمة الخاتمة تحتاج إلى جهد في
تأسيسها وبنائها فهي كذلك، وبهذا القدر
تحتاج إلى طول معية وصحبة للرسول صلى
الله عليه وسلم، في حیاته لشخص، وبعد
وفاته لسنته ومنهاجه، وكلما اقتربت الأمة
من سنته ودخلت في معيته كلما اقتربت
من النجاة والفلاح، والعز والنجاح، وكلما
ابتعدت عن منهاجه كلما ضلت سبيلها
وتنکبت طريقها.
﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ
قال تعالى:
ءَامَنُواْ مَعَدُ جَهَدُواْ بِأَمْوَلِمْ وَأَنْفُسِهِمَّ
(١) التفسير الواضح، محمد حجازي ١/ ٢٣٦.
فربط الله تعالى حصولهم على الخيرات
والفلاح بالإيمان والمعية والجهاد بالأموال
والأنفس.
وإذا حصرنا الآيات التي تناولت تلك
المعية المباركة وجدنا أنها سارت في
محورین رئیسین، محور عام وآخر خاص.
فالمعية العامة هي التي تناولت أمور
الدين والرسالة جملة، وفيها حديث إلى
المدعوين عامة من مثل: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنّ
أَهْلَكِىَ اللَّهُ وَمَن ◌َّعِىَ أَوْرَحِمَنَا فَمَن يُحِيُ اَلْكَفِرِينَ
مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [الملك: ٢٨].
وقوله: ﴿أَمِ أَخَذُواْ مِنْ دُونِ* مَاِهَةٌ قُلّ
هَاتُواْ بُهَنَكٌُ هَذَا ذِكْرُ مَن ◌َّعِىَ وَذِكْرٌ مَن قَبْلِ بَلّ
أَكْثَرُوْ لَا يَعْلَمُونَ اٌلْحَّ فَهُم مُّعْرِضُونَ ).
[الأنبياء: ٢٤].
وقد كانت هذه المعية واضحة وظاهرة
حتى في أذهان المشركين إذ قالوا: ﴿إِن
تََِّّعِ الْمُدَى مَعَكَ نُنَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَآَ﴾
[القصص: ٥٧].
والمعية الخاصة وهي التي بدا فيها
معیته صلى الله عليه وسلم للمؤمنين،
وتنوعت هذه المعية وكثرت صورها فمرة
تكون في الجهاد، كقوله تعالى: ﴿لَكِنِ
الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ جَهَدُواْ بِأَقْوَهِمْ
وَأَنْفُسِهِمَّ وَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَتِّ وَأُوْلَئِكَ
مَشَوالَرُ النَّفْسَيَدْ
القرآن الكريم
١١٤
لمحية
﴾ [التوبة: ٨٨].
هُمُ الْمُفْلِحُونَ
ومرة في عتاب المنافقين المخلفين عن
الجهاد كقوله: ﴿ وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةً أَنْ ءَامِنُواْ
بِاللَّهِ وَجَِهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ أُسْتَشْذَنَكَ أُوْلُواْ الَّوْلِ
مِنْهُمْ وَقَالُواْ ذَرْنَا نَكُنْ مَّعَ الْقَعِدِينَ
[التوبة: ٨٦].
ولذا أرشده الله تعالى إلى حرمانهم
فَإِن رَّجَعَكَ اللَّهُ
من هذه المعية، فقال:
إِلَى طَيِفَةٍ مِنْهُمْ فَأَسْتَقْذَنُوَكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّنْ
تَّخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًا وَلَنْ نُقَئِلُواْ مَعِىَ عَدُوًّاً إِنَّكُنْ
رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَنَّةٍ فَاقْعُدُواْ مَعَ الْخَلِفِينَ
[التوبة: ٨٣].
٨٣
ومرة في صلاة الخوف كقوله تعالى:
﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيِهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَوَةَ فَلْنَهُمْ
◌َآِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوَاْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا
سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآبِكُمْ وَلْتَأْتِ
طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُواْ مَعَكَ
وَلْيَأْخُذُ واْحِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢].
ومرة تكون في الهجرة، كقوله تعالى:
يَتَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَجَكَ أَلَِّىّ
ءَاتَيْتَ أُجُورَهُنَ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَآءَ
اُللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتٍ عَّكَ وَبَنَاتٍ عَمَّتِكَ وَبِنَاتِ
خَالِكَ وَبَنَاتٍ خَلَئِكَ الَّتِى هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾
[الأحزاب: ٥٠].
ومرة في تعليم المؤمنين منهجية التعامل
مع النبي صلى الله عليه وسلم وعدم تركه
إلا بإذن، تربية لهم على أخلاق المدنية،
وأخذًا بأيديهم إلى طرق الدولة، وسلوك
الأمم والحضارات، فيقول سبحانه: ﴿إِنَّمَا
الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِذَا كَانُواْ
مَعَدُ عَلَّ أَمْيٍ جَامِعِ لَّْ يَذْهَبُواْ حَتَّى يَسْتَعْذِئُوهُ إِنَّ
الَّذِينَ يَسْتَعْدِنُونَكَ أُلَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
وَرَسُولِهِ، فَإِذَا أَسْتَخْذَنُكَ لِبَعْضِ شَأَنِهِمْ فَأْذَنْ
لِّمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَأَسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ
غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ [النور: ٦٢].
www. modoee.com
١١٥
حرف الميم
آثار المعية الإلهية
للمعية أثر لا ينكر، وفضل لا يخفى،
فمعية الله سر النجاح ولب الفلاح، ومدار
الهداية والتوفيق، والنصر والتأييد، والحفظ
والرعاية والحياطة والعناية، فمن كان الله
معه فمن یکون علیه، ومن كان الله علیه فمن
یکون معه.
وقد قال قتادة: «من يتق الله یکن معه،
ومن يكن الله معه فمعه الفئة التي لا تغلب
،والحارس الذي لا ينام، والهادي الذي لا
يضل))(١).
ومن آثار المعية ما يأتي:
أولًا: المراقبة:
المراقبة من أهم آثار المعية، سواء كانت
المراقبة من قبل العبد لربه أم من الله تعالى
لعبده، وإن كان الأغلب فيها مراقبة العبد لربه
ونظره له ومشاهدته إياه في أعماله وسلوكه،
والمقصود من المراقبة: (استدامة علم العبد
باطلاع الرب علیه في جمیع أحواله)(٢).
وهو حين يتحقق بهذه الصفة ويتحلى
بهذا الخلق، يصل إلى معاني تملأ عليه
نفسه بالخير والرضا والیقین والثبات، فهو
في معية الله تعالى يشعر بمراقبة الله له
فيجله عن أن يراه على غير ما يرضيه، أو
(١) انظر: حلية الأولياء، أبو نعيم ٣٤٠/٢.
(٢) التعريفات، الجرجاني ص ٢١٠.
يتفقده فيما يرضيه، وهذا المعنى هو الوارد
في حديث الإيمان، إذ يقول الرسول صلى
الله عليه وسلم لجبريل حينما سأله عن
الإحسان: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم
تكن تراه فإنه يراك)(٣).
وقد غرست آيات المعية الواردة في
القرآن الكريم هذا المعنى في نفوس
المؤمنین بصور شتى، وألوان متعددة، ومن
هذه الآيات الكريمة قوله تعالى لموسى
وهارون: ﴿أَذْهَبَآ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ، فَقُولًا
لَهُقَوْلاً لَيْنَا لَعَلَّهُ يَتَذَّكَّرُ أَوْ يَخْشَى ◌ْ قَالَا رَبَّنَا إِنَّا
نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْأَنْ يَطْغَى ﴾ قَالَ لَا تَخَافَاً
[طه: ٤٣-
إِنَِّى مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَى ﴾﴾
٤٦].
أي: إنني معكما بحفظي وكلاءتي
ونصري وتأييدي فلا تخافا منه، فإنني
معكما أسمع كلامكما وكلامه، وأرى
مكانكما ومكانه، لا يخفى علي من أمركم
شيء، واعلما أن ناصيته بيدي، فلا يتكلم
ولا يتنفس ولا يبطش إلا بإذني وبعد أمري،
وأنا معکما بحفظي ونصري وتأييدي (٤).
وفي هذا طمأنة لهما بأن فرعون ليس
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب سؤال جبريل، ١ / ١٩، رقم ٥٠، ومسلم
في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان
والإسلام والإحسان، ١/ ٣٩، رقم ٩.
(٤) انظر: تفسير القرآن العظيم ٦/ ١٢٤،
٢٦١/٥.
١١٦
بَرُ النَّفِيَة
جوبيع
القرآن الكريمِ
المعية
بالذي يصل إلى قتلهما حتى يبلغا الرسالة.
وأراد بذلك سبحانه تقوية قلوبهما وأنه متولّ
لحفظهما وكلاءتهما(١).
وقال ابن عباس في معنى الآية الكريمة:
أسمع دعاءكما فأجیبه، وأری ما یراد بكما
فأمنعه(٢).
ولذا قال موسى عليه السلام: الآن لا
أبالى بعدما أنت معي(٣).
قال: ﴿لَا تَخَافَآَ﴾ أي: من فرطه وطغيانه
﴿إِنَّنِى مَعَكُمَا﴾ أي: بالحفظ والنصرة
﴿أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ أي: ما يجري بينكما وبينه.
فأرعاكما بالحفظ (٤)
وقد دل الله تعالى عباده على تصور هذه
المعية من خلال تعريفهم أن عليهم حافظين،
كراما كاتبين، فليكرموهم وليراقبوا أنفسهم
في ضوء معرفة هؤلاء الكرام بهم.
ولذا قال صاحب لطائف الإشارات:
(حشمتهم من اطلاع الحق، ولو علموا
ذلك حق العلم لكان توقيهم عن المخالفات
لرؤيته- سبحانه، واستحياؤهم من اطلاعه-
أتم من رؤية الملائكة)(٥).
(١) انظر: تفسير يحيى بن سلام ١/ ٢٦١، فتح
القدير، الشوكاني ٤ / ١١١
(٢) انظر: التفسير الوسيط، الواحدي، معالم
التنزيل، البغوي ٥/ ٢٧٦.
(٣) لطائف الإشارات، القشيري ٢/ ٤٥٨.
(٤) محاسن التأويل، القاسمي ٧/ ١٢٧.
(٥) لطائف الإشارات ٣/ ٦٩٨.
ثانيًا: النصر والتأييد:
ومن آثار المعية نصر الله تعالى لعبده
الذي یکون في معيته، وتأییده له، وقد نصت
آيات القرآن الكريم على هذا الأثر من آثار
المعية النصر والتأييد، فالله تعالى يمد عبيده
بنصره ويؤيدهم به، ومن هنا دعاهم إلى
عدم الهوان أو التفريط والتسليم والتنازل
والتخاذل، فهم أولو المعية وأصحاب نصر
الله وتأییده.
قال تعالى آمرًا عباده بمراعاة أثر هذه
المعية من النصر والتأييد: ﴿فَلَا تَهِنُواْ وَنَّدْعُوا
إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوَّنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ
أَعْتَلَكُمْ
﴾ [محمد: ٣٥].
٣٥
والمعنى: (أنتم الأعلون بالنصرة. وهو
تعالى معكم بالحفظ، والمعونة)(٦).
والتأييد والتسديد، ومن كان الله معه
بنصره فمن یغلبه، ومن كان معه بتأییده فمن
یعلوه، ومن كان معه بتسديده فمن يصرفه
عن طريق الهدى، أو يشغب على منهاجه
المستقيم؟
إن في ذلك لكل من غلب على حقه،
وأوذي في الله أن يستصحب معية الله
ويتحقق بها، ففيها بشارة عظيمة بالنصر
والظفر على الأعداء، وقد قال تعالى في
الآية نفسها: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَلَكُمْ﴾، أي:
(٦) انظر: تفسير السمعاني ٥/ ١٨٥، زاد المسير
٤/ ١٢٣.
www. modoee.com
١١٧
حرف الميم
ولن يحبطها ويبطلها ويسلبكم إياها بل
يوفيكم ثوابها ولا ينقصكم منها شيئا (١).
وشعورهم بأن الله معهم، بالعون،
والنصر، والتأييد، موجب لقوة قلوبهم،
وإقدامهم على عدوهم(٢).
ولذلك رأينا رؤوس المصلحين والدعاة
الصادقین علی تباعد المكان وتطاول الزمان
في أتون المحنة يهشون للعطاء ويستروحون
نسائم المنح، فنسمع شيخ الإسلام ابن تيمية
رحمه الله في محنته يقول: ما يصنع أعدائي
بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، إن رحت
فهي معي لا تفارقني، إن حبسي خلوة،
وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة.
وكان يقول في محبسه في القلعة: لو
بذلت لهم ملء هذه القلعة ذهبا ما عدل
عندي شكر هذه النعمة، أو قال: ما جزيتهم
على ما تسببوالي فيه من الخير ونحو هذا(٣).
ونسمع تلميذه ابن القيم ينقل عنه قوله:
المحبوس من حبس قلبه عن ربه تعالى،
والمأسور من أسره هواه (٤).
وفي اشتداد الصراع بين الحق والباطل،
وهو سنة من سنن الله الجارية، والتى لا تتبدل
ولا تتحول ينبههم سبحانه على معيته لهم
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧/ ٢٩٩.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٧٩٠.
(٣) المستدرك على مجموع فتاوى ابن تيمية ١/
١٥٣.
(٤) المصدر السابق ١ / ١٥٤.
المقتضية للنصر والعون والتأييد والتسديد،
فيقول: ﴿وَقَئِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَفَّةً
كَمَا يُقَدِّلُونَكُمْ كَافَّةٌ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ
مَعَ الْمُنَّقِينَ ﴾ [التوبة: ٣٦].
وفي حلقة من حلقات الصراع بين الحق
والباطل وسنة من سنن الله تعالى فيها
یبین عز وجل أن معیته ونصره وتأییده مع
عباده الصابرين فيقول: ﴿قَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ
بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَن
شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّ وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّيّ
إِلَّا مَنِ أَغْتَرَفَ عُرْفَةٌ بِيَدِهِ، فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا
قَلِيلًا مِنْهُمَّ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ
مَعَهُ، قَالُواْ لَا طَاقَةً لَنَا أَلْيَوْمَ بِجَالُوتَ
وَجُنُودِهِّ قَالَ الَّذِينَ يَظْنُونَ أَنَّهُم
مُلَقُواْ اللَّهِ كَم مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً
كَثِيرَةٌ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّبِينَ ﴾
[البقرة: ٢٤٩].
وهذا إعلام منه تعالى ذكره عباده
المؤمنين به أن بيده النصر والظفر والخير
والشر(٥).
وأن هذا النصر ليس بهم بل بإذن الله،
بمشيئته وعونه ونصرته، والله مع الصابرين
بالنصرة والتأييد والقوة والمعونة (٦).
وأعظم جالب لمعونة الله صبر العبد لله،
فوقعت موعظته في قلوبهم وأثرت معهم(٧).
(٥) جامع البيان، الطبري ٥/ ٣١٦.
(٦) انظر: لطائف الإشارات، القشيري ١/ ١٩٤.
(٧) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ١٠٨.
١١٨
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
ـمعية
مَاذْ
وقد تكرر هذا المعنى في القرآن الكريم، بتثبيت المؤمنين ونصرهم إذ يقول:
ومنه في مقام دفع الكفار والحملة عليهم
يرد قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَئِلُواْ
الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلَيَجِدُوا فِيكُمْ
غِلْفَةٌ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُنَّقِينَ
[التوبة: ١٢٣].
وقد قال بعض الصحابة: إنما تقاتلون
الناس بأعمالكم وأهلها هم المجدون في
طرق الحق، فوعد تعالى أنه مع أهل التقوى
ومن كان الله معه فلن یغلب(١).
ومن روائع صاحب المنار وبدائعه أن
يربط معنى التقوى لله تعالى بالسنن فيرى
أن تقواه تعني أيضا مراعاته في أحكامه
وسننه، حتى يستجلب نصره وتستدعى
معونته، فیری أن المتقين هنا هم المتقون له
في مراعاة أحکامه وسننه بالمعونة والنصر،
وأهمها ما يجب اتقاؤه في الحرب، من
التقصير في أسباب النصر والغلب التي بينها
في كتابه، والتي تعرف بالعلم والتجارب،
كإعداد ما يستطاع من قوة، والصبر والثبات،
والطاعة والنظام، وترك التنازع والاختلاف،
وكثرة ذكر الله، والتوكل عليه فيما وراء
الأسباب (٢).
وفي معيته تعالى للملائكة يؤيدهم
وينصرهم، ويعينهم ويثبتهم، ويأمرهم
(١) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٣/ ٩٨، فتح
القدير، الشوكاني ٢/ ٤٧٤.
(٢) تفسير المنار، محمد رشيد رضا ١١ / ٦٦.
يُوحِى رَبُّكَ إِلَى الْمَلَتِكَةِ أَنِّ مَعَكُمْ فَتَبِتُواْ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ سَأُلِّقِى فِ قُلُوبٍ اُلَّذِينَ كَفَرُواْ
الرُّعْبَ فَأَضْرِبُواْ فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَأَضْرِبُواْ مِنْهُمْ
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّواْ اللَّهُ
كُلَّ بَنَانٍ
وَرَسُولَهُ، وَمَن يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللّهَ
شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [الأنفال: ١٢ - ١٣].
وفي هذا تعهد من الله تعالى بإعانة أهل
الإيمان الحق، وبنصرتهم على غيرهم ولو
كانوا ثلة قليلة، ما تمسكوا بإيمانهم وثبتوا
على دينهم، وكانت صلتهم بالله موصولة
غير مقطوعة (٣).
والمعنى: إني أعينكم على تنفيذ ما آمركم
به من تثبیتھم علی قلوبهم، حتی لا یفروا من
أعدائهم على كونهم يفوقونهم عَدَدًا وعُدَدًا
ومَدَدًا - إعانة حاضر معكم لا يخفى عليه
ولا يعجزه شيء من إعانتكم، والوعد
بالإعانة وحده لا يفيد هذا المعنى كله، ففي
المعية معنى زائد على أصل الإعانة نعقل منه
ما ذکر، ولا نعقل کنهه وصفته(٤).
ومعنى ﴿أَنِّ مَعَكُمْ﴾ أي: بالعون والنصر
والتأييد، ﴿فَشَبِتُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ أي: ألقوا في
قلوبهم، وألهموهم الجراءة على عدوهم،
ورغبوهم في الجهاد وفضله(٥).
(٣) التيسير في أحاديث التفسير ٢/ ٣١٤.
(٤) تفسير المنار ١٠/ ١٠٧.
(٥) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٣١٦.
www. modoee.com
١١٩
حرف الميم
ثالثًا: التوفيق والمحبة:
ومن ثمرات المعية: التوفيق والمحبة،
والدلالة على سبيل الرشاد، وطرق الهداية،
وتلك لها مقدماتها التي تفضي إلى نتائجها،
وأسبابها التي تعين على الوصول إليها.
وقد قال تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ جَهَدُواْ فِينَا
لَنَهْدِيَّهُمْ سُبُّلْنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾
[العنكبوت: ٦٩].
إن هذه المعية التي أدت إلى الهداية
والتوفيق والمحبة ليست من فراغ، بل بنيت
على جهاد ومجاهدة، وصبر ومصابرة،
ودلالة ﴿فِينَا﴾ على جهة الجهاد وصدق
النية فیه و تمحض المقصود به ما فيه، ومعنی
المعية هنا: بالعون والنصر والهداية(١).
وإذا تتبعنا أقوال المفسرين في دلالة
المعية هنا وجدنا أكثرهم يركز على أن
المقصود بها هو النصر، والمقام هنا ليس
مقام صراع بین فٹتین، بل صراع بين النفس
البشرية ومتطلباتها، أو صراع بين المحبوب
والمكروه، والنصر هنا هو نصر الهداية
والتوفيق والدلالة على سلامة المنحى
وصحة الطريق.
رابعًا: الحفظ والرعاية:
ومن ثمرات المعية كذلك حفظ الله
ورعايته لمن كان في معيته.
وتبدو هذه المعية وتظهر آثارها في
الحفظ والرعاية في مقام الدعوة فيبين لهم
تعالی أنه حافظهم وراعیهم؛ حتى يطمئن
أصحاب الدعوات والذين يكونون في
معيته تعالى أنهم محفوظون ومراعون من
قبل ربهم، فهو ناصرهم ومعینهم ومؤيدهم
ومثبتهم، كما قال تعالى: ﴿ وَأَصِْرْ وَمَا
صَبُكَ إِلَّا بِاللَّهِّ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ
إِنَّ اللَّهَ مَعَ
فِي ضَيْقِ مِّمَّا يَنْكُرُونَ )
الَّذِينَ أَتَّقَواْ وَالَّذِينَ هُم تُحْسِنُونَ
[النحل: ١٢٧-١٢٨].
والمقصود من معيته تعالى هنا أنه
سبحانه يعينهم ويحفظهم من مكر الأعداء
بهم، وينصرهم عليهم، فهي معية رعاية
وحفظ (٣).
ودلت آیات کثیرة علی ھذا المعنی منها
قوله تعالى في حق النبي صلى الله عليه
وسلم وصاحبه إذ هما في الغار: ﴿إِلَّا
نَصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ
الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِى أَثْنَيْنِ إِذْ هُمَا
ولذا قال الإمام الشوكاني رحمه الله:
المعية هنا بالنصر والعون، ومن كان معه لم فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَحِهِ، لَا تَحْزَنْ
يخذل (٢).
(١) المصدر السابق ص ٦٣٦.
(٢) انظر: اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل
جوديير
القرآن الكريم
١٥/ ٣٨٠.
(٣) انظر: معاني القرآن، الزجاج ٣/ ٢٢٤،
التفسير الوسيط، الواحدي ٥/ ٧٠٨.
١٢٠
لمحية
إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ الله تعالى بالذهاب إلى فرعون لبلاغ
الرسالة، واستخلاص بني إسرائيل من قهره
وسخرته، قالا: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا غَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَآ أَوْ
أَنْ يَطْغَى ٥ قَالَ لَا تَّخَافً إِنَِّى مَعَكُمَآ أَسْمَعُ
وَأَرَى ﴾ [طه: ٤٥- ٤٦].
عَلَيْهِ وَأَيَدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ
كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّقْلَى
وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِى الْقُلْيَأُ وَاللهُ عَزِيزٌ
حَكِيمٌ ٥﴾ [التوبة: ٤٠].
وأي: فضل أعظم من هذه المعية التي
ينال بها صاحبها السكينة والتأييد وعلو
الكلمة وأصبح في جوار العزيز الحكيم،
ومعنى ﴿إِنَ اللَّهَ مَعَنَا﴾: أي: بالنصر
والرعاية والحفظ والكلاءة (١).
والمعنى: ﴿إِلَّا نَصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ
اللّهُ ﴾ أي: إن لم تنصره فسينصره الله كما
نصره. ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِى
آڤنینِ ﴾ ولم یکن معه إلا رجل واحد، أو
إن لم تنصروه فقد أوجب الله له النصر
حتى نصره في مثل ذلك الوقت فلن يخذله
في غيره، ﴿إِذیقُولُ لِصچِهِ ﴾ وهو أبو
بكر رضي الله عنه ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ
مَعَنَا﴾ بالعصمة والمعونة(٢).
وتلك سنة الله تعالى في رسله وأنبيائه،
وهي ماضية مع عباده المؤمنين الذين نالوا
شرف معيته عز وجل، فكما كان للمعية
أثر الحفظ والرعاية مع رسولنا صلى الله
علیه وسلم وصاحبه، کان لها نفس الأثر
مع موسى وهارون من قبل، حینما أمرهما
(١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٨/ ١٤٦.
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٣٦/٤،
محاسن التأويل، القاسمي ٥/ ٤١٩.
والمراد ﴿لَا تَّخَافَآ﴾ مما عرض في قلبكما
من الإفراط والطغيان؛ لأن ذلك هو المفهوم
من الكلام، یبین ذلك أنه تعالی لم يؤمنهما
من الرد ولا من التكذيب بالآيات ومعارضة
السحرة. وقوله: ﴿إِنَّنِى مَعَكُمَا﴾ عبارة
عن الحراسة والحفظ، وأكد ذلك بقوله:
﴿أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ فإن من يكون مع الغير
وناصرًا له وحافظًا يجوز أن لا يعلم كل ما
يناله، وإنما يحرسه فيما يعلم، فبين سبحانه
وتعالى أنه معهما بالحفظ والعلم في جميع
ما ينالهما، وذلك هو النهاية في إزالة
الخوف.
ـعَ وارى
قال القفال: قوله:
يحتمل أن يكون مقابلا لقوله: ﴿أَن يَفْرُطَ
عَلَيْنَا أَوْأَن يَطْغَى﴾ والمعنى: يفرط علينا بأن
لا يسمع منا: أو أن يطغى بأن يقتلنا، فقال
الله تعالى: إنني معكما أسمع كلامه معكما
فأسخره للاستماع منكما، وأرى أفعاله فلا
أتركه حتی یفعل بکما ما تكرهانه، واعلما
أن ناصيته بيدي، فلا يتكلم ولا يتنفس ولا
يبطش إلا بإذني وبعد أمري، وأنا معكما
www. modoee.com
١٢١
حرف الميمر
بحفظي ونصري وتأييدي(١).
وهذا ما كان، فقد تحقق وعده عز وجل
سواء في بلاغ الرسالة أو في حفظ موسى
وهارون من فرعون وجنده، وتیقن موسی
من هذا حتى مع ما كان في قلبه في بداية
الدعوة من خوف بشري فطري جعله يقول
ما يقول.
كلا لن نكون ضائعين ﴿كَلَّ إِنَّ مَعِیَ رَبِّی
سَيَهْدِينِ ﴾ بهذا الجزم والتأکید والیقین.
وفي اللحظة الأخيرة ينبثق الشعاع المنير
في ليل اليأس والكرب، وينفتح طريق النجاة
من حيث لا يحتسبون (٣).
إلا أننا نراه في موقف أشد وأحد في
موقف عبور النهر يقول لقومه رادعًا لهم
وزاجرًا عن أوهامهم عندما قالوا: إنا
لمدركون: ﴿قَالَكَلَّ إِنَّ مَعِىَ رَبِ سَيَهْدِينِ
٦٢
[الشعراء: ٦٢].
موضوعات ذات صلة:
التقوى، الحفظ، الصحبة، القدر
فنبھھم موسی ان لیس الأمر کما ذکرتم،
کلا لن تدرکوا إن معي ربي سیھدیني، يقول:
سيهديني لطريق أنجو فيه من فرعون وقومه
وسیکفيني، أي: للنجاة، وقد وعدني ذلك،
ولا خلف لموعوده(٢).
وفي بيان موسى عليه السلام هذا البيان
كلا ما فيه
ورده على قومه بهذه الشدة
من توكيد ويقين وثقة واطمئنان إلى قدرة
الله الحافظ ونصرته وهو المعين «گڵآ﴾ في
شدة وتوکید. کلا لن نكون مدرکین.
کلا لن نکون ھالکین.
كلا لن نكون مفتونین.
(١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢٢/ ٥٤، اللباب
في علوم الكتاب، ابن عادل ٢٥٨/١٣.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١٩ / ٣٥٦، فتح
القدير، الشوكاني ٤ / ١١٨.
(٣) في ظلال القرآن، سيد قطب ٥/ ٢٥٩٩.
١٢٢
جَوَسُو
القرآن الكريمِ