النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقِْرَآن الْكِرِيْمِ ٧ هـ 6 المعَيَّة عناصر الموضوع مفهوم المعية ٩٠ المعية في الاستعمال القرآني ٩١ الألفاظ ذات الصلة ٩٢ أنواع معية الله تعالى لعباده ٩٤ وجود آلهة أخرى مع الله ٩٩ معية الرسل عليهم السلام ١٠٦ ١١٦ آثار المعية الإلهية المُجَلَّدَ الخَاذِنى وَالثَّلاثُونْ حرف الميمر مفهوم المعية أولًا: المعنى اللغوي: المعية نسبة إلى لفظ: (مع)، وهو لفظ يقتضي الاجتماع في المكان، أو الزمان، أو الشرف أو الرتبة، كما يقتضي النصرة. يقول الراغب الأصفهاني: ((مع)) يقتضي الاجتماع إما في المكان نحو هما معا في الدار، أو في الزمان نحو ولدا معا، أو في المعنى كالمتضايفين نحو الأخ والأب فإن أحدهما صار أخا للآخر في حال صار الآخر أخاه، وإما في الشرف والرتبة نحو: هما معا في العلو (١). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: تستعمل مع للمصاحبة بين أمرين لا يقع بينهما مصاحبةٌ واشتراكٌ إلا في حكم يجمع بينهما ولذلك لا تكون الواو التي بمعنى مع إلا بعد فعلٍ لفظًا أو تقديرًا لتصح المعية. وكمال معنى المعية الاجتماع في الأمر الذي به الاشتراك دون زمانه. فالأول: يكثر في أفعال الجوارح والعلاج نحو دخلت مع زيدٍ وانطلقت مع عمرو وقمنا معًا ومنه قوله تعالى: ﴿ وَدَخَلَ مَعَهُ أَلْسِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ [يوسف: ٣٦]. والثاني: يكثر في الأفعال المعنوية نحو آمنت مع المؤمنين وتبت مع التائبين وفهمت المسألة مع من فهمها ومنه قوله تعالى: ﴿يَمَرْيَمُ أَقْتُتِى لِرَبِّكِ وَأَسْجُدِى وَأَرَّكَعِى مَعَ الَّكِينَ ٣)﴾ [آل عمران: ٤٣](٢) . (١) المفردات ص ٤٧٠. (٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٧٧١، بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي ٣٧٢/٣. ٩٠ جوبيه القرآن الكريمِ المعية المعية في الاستعمال القرآني وردت الأداة (مع) في القرآن الكريم (١٦٤) مرة (١)، والمواضع التي وردت متعلقة بالمعية الإلهية بلغ عدد ورودها (٣٨) مرة. وليس ليها إلا صيغة واحدة (مع). وجاءت معية الله في القرآن على ثلاثة وجوه (٢): الأول: العلم والإحاطة: ومنه قوله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٨]. يعني: عالم بهم ومحيط بفعلهم. الثاني: النصر والرعاية: ومنه قوله تعالى: ﴿إِذْيَقُولُ لِصَحِبِهِ، لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ معنَاهـ [التوبة: ٤٠]. يعني: ينصرنا ويحفظنا ويرعانا. الاقتران: ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَ نَّدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهَاءَاخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَلَّبِينَ () [الشعراء: ٢١٣]. (١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٧٧٢، المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، باب الياء ص١٤٣٨ ١٤٣٩. (٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص ٤٢٨ ٤٢٩، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي، ص ٥٦٢ ٥٦٣. www. modoee.com ٩١ حرف الميمر الألفاظ ذات الصلة الحفظ: ١ الحفظ لغة: دارت كلمة الحفظ على معاني الرعاية، وعدم النسيان، والتعهد، وقلة الغفلة، وعدم الضياع أو التفلت، والضبط، والمواظبة، تقول كتب اللغة: (الحاء والفاء والظاء أصلٌ واحدٌ يدل على مراعاة الشيء. يقال: حفظت الشيء حفظًا، قال الليث: الحفظ: نقيض النسيان، وهو التعاهد وقلة الغفلة (١). الحفظ اصطلاحًا: (يقال: تارة لهيئة النفس التي بها يثبت ما يؤدي إليه الفهم، وتارة لضبط الشيء في النفس، ويضاده النسيان، وتارة لاستعمال تلك القوة، فيقال: حفظت كذا حفظا، ثم يستعمل في كل تفقد وتعهد ورعاية)(٢). أو هو كما عرفه الجرجاني: (ضبط الصور المدركة)(٣). أو هو (رعاية العمل علما وهيئة ووقتا وإقامة بجميع ما يحصل به أصله، ویتم به عمله وينتهي إليه كماله)(٤). الصلة بين الحفظ والمعية: واضح من خلال التتبع للمادة اللغوية ودوارنها في اللسان العربي العلاقة بينها وبين المعية، فالحفظ يشترك مع المعية في الرعاية والتعهد والمصاحبة والضبط، وهي معاني موجودة في المعية في جانبها الاصطلاحي. المصاحبة: ٢ المصاحبة لغة: والمصاحبة والصحبة تدل على معاني الحفظ والملازمة، والموافقة والمشاركة، (فالمصاحبة: الموافقة والمشاركة في الشيء، ويقال: صحبه الله وأصحبه وصاحبه أي: (١) انظر: العين، الفراهيدي ٣/ ١٩٩، تهذيب اللغة، الأزهري ٤/ ٢٦٥، مقاييس اللغة، ابن فارس ٢/ ٨٧. (٢) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٢٤٤. (٣) التعريفات ص ٨٩. (٤) التوقيف على مهمات التعاريف ص ٢٩٨. ٩٢ جوي القرآن الكريمِ المعية حفظه. وقال أبو عبيدة: وقوله جل ثناؤه: ﴿وَلَاهُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٣]. أي: لا يحفظون ومنه قولهم: لا صحبه الله أي: لا حفظه. ويقال: بأهله صحبة الله وصاحبه أي: حفظه. وتقول: أصحبت الرجل إذا اتبعته منقادا فأنا مصحب والرجل مصحب. وصاحبته إذا رافقته فهو مصحوب)(١). كما تدل على المنعة، والحماية(٢). المصاحبة اصطلاحًا: (الموافقة والمشاركة في الشيء، فإن تتابعوا مع ملاقاة واجتماع فأصحاب حقيقة وإن لا فمجاز)(٣). الصلة بين المصاحبة والمعية: المصاحبة واضح فيها معنى المعية، كما أن المشاركة فيها شيء من الدلالة على العون والنصرة، وهي المعاني ذاتها التي دارت عليها مفردة المعية. (١) انظر: جمهرة اللغة، ابن دريد ١/ ٢٨٠، التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص ٣٠٧. (٢) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ٤ / ١٥٤. الصحاح، الجوهري ١/ ١٦٢. (٣) التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص ٣٠٧. www. modoee.com ٩٣ حرف الميم ٧ أنواع معية الله تعالى لعباده الراصد لآيات القرآن الكريم في المعية والمتتبع لها يجد أنها تدور حول قطبين أساسين أو محورين رئيسين: معية عامة لعموم الخلق، ومعية خاصة يتميز بها بعض عباد الله تعالى بشروط محددة، مقرونة بصفات مبينة. والمعية لها دلالتان، معية بالذات ومعية بالصفات، ومعية الله تعالى لعباده المقصودة معية بالصفات لإجماع المسلمين سلفا وخلفا على أن معية الذات غير مرادة، وإنما المراد معيته تعالى بصفاته اللائقة بمعنى المعية، كالعلم والحفظ والنصرة ونحوها(١) ويمكننا أن نتتبع هذين النوعين على النحو الآتي: أولًا: معية عامة: والمعية العامة تكون لعموم الخلق وهي بالرزق والعلم والتدبير مما يليق به تعالى ويصلح للخلق عامة، وقد وردت آيات كريمة تؤكد هذا المعنى، ومنها قوله تعالى: ﴿أَلَمَّ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُّ مَا فِ الشَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِّ مَا يَكُونُ مِن ◌َّجْوَىْ ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَبِعُهُمْ وَلَّا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُواْ ثُمَّ يُكَبِّتُهُمِ (١) انظر: المدخل إلى التفسير الموضوعي، عبدالستار سعید ص ٢٩. بِمَا عَمِلُواْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ [المجادلة: ٧]. والمعنى: (لا يتناجى ثلاثة فيما بينهم، ولا يتكلمون فيما بينهم بكلام الشر إلا هو رابعهم، لأنه يعلم ما يقولون فيما بينهم. ولا خمسة إلا هو سادسهم يعني: كان هو سادسهم، لأنه يعلم ما يقولون فيما بينهم. ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم يعني: عالم بهم وبأحوالهم أين ما كانوا في الأرض. ثم ينبئهم بما عملوا يعني: يخبرهم بما عملوا يوم القيامة من خير أو شر)(٢). (يسمع سرهم ونجواهم، لا يخفى عليه شيء من أسرارهم ﴿وَلَّا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَسَادِسُهُمْ﴾ يقول: ولا يكون من نجوى خمسة إلا هو سادسهم كذلك ﴿وَلَا أَدْنَ مِن ذَلِكَ﴾ يقول: ولا أقل من ثلاثة ﴿وَ أَكْثَرَ﴾ من خمسة ﴿إِلَّهُوَ مَعَهُمْ﴾ إذا تناجوا ﴿أينَ مَا كَانُواْ﴾ يقول: في أي موضع ومكان کانوا. وعنی بقوله: ﴿هُوَرَابِعُهُمْ ﴾ بمعنى أنه مشاهدهم بعلمه، وهو على عرشه)(٣). وقال أهل المعاني: (يريد: قربة بالعلم) (٤). (٢) انظر: تفسير السمر قندي ٣ / ٤١٦، تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين ٤ / ٣٥٩. (٣) جامع البيان، الطبري ٢٢/ ٤٦٨. (٤) انظر: التفسير الوسيط، الواحدي ١/ ٢٨٤، أنوار التنزيل، البيضاوي ٥/ ١٩٤، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٨٤٥. ٩٤ القرآن الكريمِ المعية ومعنى كونه معهم: (أنه يعلم ما يتناجون عليكم) (٤). به ولا یخفی علیه ما هم فيه، فكأنه مشاهدهم ومحاضرهم، وقد تعالى عن المكان والمشاهدة)(١). والسر في تخصيص الثلاثة والخمسة؟ لأنها نزلت في المنافقين وكانوا يتحلقون للتناجي مغايظة للمؤمنين على هذين العددين، وقيل: ما يتناجى منهم ثلاثة ولا خمسة ولا أدنى من عدديهم ولا أكثر إلا والله معهم یسمع)(٢). أو أن السر في تخصيص العدد: (أن أهل التناجي في العادة طائفة من أهل الرأي والتجارب، وأول عددهم الاثنان فصاعدًا، إلى خمسة، إلى ستة، إلى ما اقتضته الحال)(٣). ومن لطائف الشيخ السعدي رحمه الله ربطه البديع بين صدر الآية وعجزها، واستنباطه لهذا المعنى اللطيف في المعية وهي أن هذه المعية، معية العلم والاطلاع؛ ولهذا توعد ووعد على المجازاة بالأعمال بقوله: ﴿وَاَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي: هو تعالى بصير بما يصدر منكم من الأعمال، وما صدرت عنه تلك الأعمال، من بر وفجور، فمجازيكم عليها، وحافظها (١) انظر: الكشاف، الزمخشري ٤ / ٤٩٠، زاد المسیر، ابن الجوزي ٤ / ٢٤٥. (٢) انظر: مدارك التنزيل، النسفي ٣/ ٤٤٧. (٣) البحر المديد، ابن عجيبة ٧/ ٣٣٩ فمعية الله تعالى العامة للناس معية علم واطلاع وانكشاف ومشاهدة. ثانيًا: معية خاصة: وإذا كنا قد عرفنا المعية العامة التي تعني العلم والإحاطة، والرزق والتدبير والرعاية، فإن هناك معية أخرى خاصة يمنحها الله تعالى لعباده المؤمنين الذين استجمعوا صفات يحبها الله ويدعوهم إليها، وهي عندئذ تعني النصر، والمعونة، والتأييد، والرعاية، والرحمة، والعناية، أو رفع الدرجات أو تكفير السيئات، أو الإكرام في الحياة، ونحو ذلك مما يستحقه المؤمنون الصالحون، وتنوع ورود هذا اللون من المعية في القرآن الكريم، كما سيأتي، ويضاف إلى هؤلاء المكرمين المنعم عليهم بهذه المعية الخاصة أصناف أخرى، منها: معیته تعالی للأنبياء عليهم السلام، ومنه قوله تعالى: لموسى وهارون عليهما السلام: ﴿إِنَّنِى مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦]. والآيات في معية الله تعالى للأنبياء كثيرة وسيأتي مزيد بيان لمعية الله تعالی للرسل في مبحث خاص. معيته تعالى للملائكة. معيته تعالى لعباده المؤمنين. (٤) تيسير الكريم الرحمن ص ٨٣٨. www. modoee.com ٩٥ حرف الميم وهنا فلنتتبع معية الله تعالى لملائكته الخوف والرعب في قلوب الكفار (٢). ولعباده المؤمنين على النحو الآتي: ١. معية الله تعالى للملائكة. والمعية هنا معية الإعانة والنصر والتثبيت والتأييد، كما قال تعالى: ﴿إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى الْمَلَتَبِكَةِ أَنَّ مَعَكُمْ فَشَبِتُواْ أَلَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ [الأنفال: ١٢]. يعني: (ألهم ربك الملائكة، ﴿أَنِّ مَعَكُمْ﴾ أي: معينكم وناصركم، ﴿فَشَبِتُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ يعني: بشروا المؤمنين بالنصرة، فكان الملك يمشي أمام الصف فيقول: أبشروا فإنکم کثیر وعدوكم قليل، والله تعالى ناصركم)(١). لكن كيف يكون إيحاء الملائكة إلى المؤمنين، إما أن يكون عن طريق الظهور المباشر في صورة رجال، وإما عن طريق الإلهام، يقول القشيري في لطائفه: (قيل كانوا يظهرون للمسلمين في صور الرجال يخاطبونهم بالإخبار عن قلة عدد المشركين واستيلاء المسلمين عليهم، وهم لا يعرفون أنهم ملائكة. وقيل: تثبيتهم إياهم بأن كانوا يلقون في قلوبهم ذلك من جهة الخواطر، ثم إن الله يخلق لهم فيها ذلك، فكما يوصل الحق سبحانه وساوس الشيطان إلى القلوب يوصل خواطر الملك، وأيدهم بإلقاء (١) تفسير السمر قندي ٢/ ١١. وإلقاء الرعب في نفوس المشركين فيه نصر للمؤمنين وتأييد لهم، فلا معونة أعظم من إلقاء الرعب في قلوب الكفرة ولا تثبيت أبلغ من ضرب أعناقهم. واجتماعهما غاية النصرة. ويجوز أن يكون غير تفسير، وأن يراد بالتثبيت أن يخطروا ببالهم ما تقوى به قلوبهم وتصح عزائمهم ونياتهم في القتال، وأن يظهروا ما يتيقنون به أنهم ممدون بالملائكة (٣). أو يكون التثبيت بحضورهم معهم الحرب وتكثير سوادهم، أو محاربتهم معهم، أو طمأنتهم وقولهم لا بأس عليكم ولا خوف من عدوكم، فكان الملك يسير أمام الصف في صورة الرجل ويقول: سيروا فإن الله ناصركم. ويظن المسلمون أنه منهم (٤). ٠ ٢. معية الله تعالى للمؤمنين. وقد وردت آيات القرآن الكريم تبين معية الله تعالى الخاصة لعباده المؤمنين الذين لهم صفات تؤهلهم لهذه المعية مثل الصبر والإحسان والتقوى ونحو ذلك من صفات (٢) انظر: طائف الإشارات، القشيري ١/ ٦٠٧، زاد المسير، ابن الجوزي ٢/ ١٩٣. (٣) انظر: الكشاف، الزمخشري ٢/ ٢٠٤، معالم التنزيل، البغوي ٣ / ٣٣٣. (٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٧٨/٧. ٩٦ جوية القرآن الكريم لمحية تعينهم على أن يكونوا أهلا لمعية الملك سبحانه، ومن هذه الآيات قوله تعالى: يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أُسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةُ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّبِينَ ﴾ [البقرة: ١٥٣]. ومعنى المعية هنا النصر والمعونة، والمظاهرة، فإن من کان الله معه فهو ناصره وظهيره وراض بفعله، كقول القائل: ((افعل يا فلان كذا وأنا معك»، يعني: إني ناصرك على فعلك ذلك ومعينك عليه(١). وعلى الرغم من أن الله تعالى مع كل أحد معية عامة إلا أنه مع الصابرين معية خاصة، وقد خصهم بالمعیة حتی یعلموا أن الله سبحانه وتعالى بمعيته لهم يفرج عنهم، وينصرهم، لقد استوجبوا نهاية الذخر، وعلو القدر حيث نالوا معية الله(٢). قال الإمام ابن تيمية (في شرح حديث النزول): لفظ المعیة في کتاب الله جاء عاما كما في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعگُتْ أَيْنَ مَاكُنتُمْ﴾ [الحديد: ٤]. وفي قوله: ﴿مَايَكُونُمِن نَجْوَى ثَلَنَةٍ إِلََّّهُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]. إلى قوله: ﴿إِلَّهُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُواْ﴾ وجاء خاصا كما في قوله: ﴿إِنَّاللَّهَ مَعَ الَّذِينَ أَتَّقَواْ وَالَّذِينَ هُم تُحْسِنُونَ ﴾ [النحل: ١٢٨]. (١) جامع البيان ٣/ ٢١٤. (٢) انظر: تفسير السمر قندي ١/ ١٠٥، الكشف والبيان، الثعلبي ٢/ ٢١، لطائف الإشارات، القشيري ١/ ١٣٨. وقوله: ﴿إِنَّنِى مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦]. وقوله: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]. فلو کان المراد بذاته مع كل شيء لكان التعميم يناقض التخصيص. فإنه قد علم أن قوله: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ﴾ أراد به تخصیص نفسه وأبا بكر دون عدوهم من الكفار. وكذلك قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ خصهم بذلك قَالَّذِينَ هُم مُحْسِنُونَ ﴾ دون الظالمين والفجار. وأيضًا فلفظ المعية ليست في لغة العرب ولا في شيء من القرآن أن يراد بها اختلاط إحدى الذاتين بالأخرى. كما في قوله ﴿ُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح: ٢٩]. وقوله: ﴿فَأَوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ) [النساء: ١٤٦]. ﴿أَتَّقُواْ اللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ وقوله: ﴾ [التوبة: ١١٩]. السَّنَدِقِينَ وقوله: ﴿وَجَهَدُواْ مَعَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧٥]. ومثل هذا كثير. فامتنع أن يكون قوله ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ يدل على أن تكون ذاته مختلطة بذوات الخلق. وقد بسط الكلام عليه في موضع آخر وبين أن لفظ المعية في اللغة، وإن اقتضى المجامعة والمصاحبة والمقارنة، فهو إذا كان مع العباد لم يناف www. modoee.com ٩٧ حرف الميم ذلك علوه على عرشه. ويكون حكم معيته من الظلم بالنصرة والظفر بالمعونة والحفظ في كل موطن بحسبه. فمع الخلق كلهم والعلم (٤). بالعلم والقدرة والسلطان. ويخص بعضهم بالإعانة والنصرة والتأييد (١). وهذه المعية المقتضية للنصر والعون والإمداد معية خاصة كما سبق، (فالله ناصرهم ومجيب دعوتهم، ومن كان الله ناصره فلا غالب له، أما الجازع فقلبه لاه عن ذكر الله، والقلب اللاهي ممتلئ بهموم الدنیا وأكدارها، وإن حاز الدنيا بحذافيرها. وقد جرت سنة الله أن الأعمال العظيمة لا تنجح إلا بالثبات والدأب علیھا، ومدار ذلك كله الصبر، فمن صبر فهو على سنة الله والله معه، فيسهل له العسير من أمره، ويجعل له فرجا من ضيقه، ومن لم يصبر فليس الله معه، لأنه تنکب عن سنته، فلن یبلغ قصده و غايته)(٢). وكما أن الله تعالى مع الصابرين والمحسنين فهو كذلك مع المتقين. قال تعالى: ﴿وَأَعْلَمُوْاْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُنَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٩٤]. قال ابن عباس: ((یرید مع أوليائه الذين يخافونه فيما كلفهم من أمره ونهيه)»، قال الزجاج: ((تأويله أنه ضامن لهم النصر)))(٣). وكما تكون المعية بالتأييد تكون كذلك (١) محاسن التأويل ١/ ٤٣٧. (٢) تفسير المراغي ٢/ ٢٣. (٣) انظر: التفسير البسيط ١٠/ ٤١٧. وتبدو السننية في هذه المعية الكريمة في تركيبة الآية إذ عبر فيها بالمشتق، كما هي صور ورود السنن في القرآن الكريم. (٤) انظر: تفسير السمعاني ٢/ ٣٠٨، المحرر الوجيز، ابن عطية ٣/ ٣١، التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي ١/ ٤٣٩. ٩٨ جَنُور القرآن الكريم المعية وجود آلهة أخرى مع الله تعددت أساليب القرآن الكريم في بيان نفي أن يكون مع الله آلهة أخرى، فمرة يأتي البيان في صورة النفي ومرة في صورة النهي، وثالثة في صورة الخبر التهديدي، وأخرى في صورة الشرط، وأخرى في صورة الاستفهام الإنكاري، وفي الصفحات الآتية نحاول أن نتتبع هذه الصور على النحو الآتي: أولًا: النفي الصريح: وقد وردت آيات كثيرة في القرآن الكريم تنهى نهيا صريحا عن اتخاذ آلهة مع الله تعالى، ومن المواطن التي ورد فيها ذلك في مقام بيان وعد الله تعالى بالاستخلاف للمؤمنين قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصََّاِحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِ اُلْأَرْضِ كَمَا أُسْتَخْلَفَ أَلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَمْ دِينَهُمُ الَّذِى أَرْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَهُ مِنْ بَعْدٍ خَوْفِهِمْ أَمْنَّأْ يَعْبُدُونَِ لَا يُشْرِكُونَ بِ شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأَوْلَكَ هُمُ اٌلْفَسِقُونَ ﴾ [النور: ٥٥]. وفيها بيان للعلاقة بين عدم الشرك بالله والاستخلاف في الأرض كما هو واضح في الآية، وورد كذلك في مقام بيان صفات المؤمنين قوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ هُمْ بِرِيِهِمْ لَا يُشْرِكُونَ ﴾ [المؤمنون: ٥٩]. ومنها قوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَّ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًاً ٦٨ ﴾ [الفرقان: ٦٨]. والمعنى: لا يشركون به شيئا، بل يوحدونه ويخلصون له العبادة والدعوة (١). وقد ورد في السنة في هذا المعنى: عن عمرو بن شرحبيل، عن عبد الله، قال: (قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك، قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك، قلت: ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة جارك(فأنزل تصديق قول النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿وَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ الَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨] الآية)(٢). كما ورد النفي في القرآن في موضع آخر في قوله تعالى: ﴿مَا أُتَّخَذَ اَللَّهُ مِنْ وَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ، مِنْ إِلَهٍّ إِذَا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهِ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضَِّ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾ [المؤمنون: ٩١]. ونلمح في سياق الآية الكريمة مع النفي ترتيبا عجيبا يغري العقل بالتفكر، والذهن بالعمل، والمنطق بالتحرر والانطلاق، وهو ترتيب الانفصام والانفصال بين هذه الآلهة (١) فتح القدير، الشوكاني ٤ / ١٠٢. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب قتل الولد خشية أن يأكل معه، ٨/ ٨. www. modoee.com ٩٩ حرف الميم المزعومة إن وجدت وبين وجودها، وهذا منطقية عقلية فيرى أن من أشرك بالله كان ما اعتمده علماء العقيدة في أدلة وبراهين مذموما مخذولا، والذي يدل على أن الأمر کذلك وجوه: نفي الشركاء والآلهة عن الله تعالى. ثانيًا: النهي الصريح: ومن أساليب القرآن في نفي المعية عن الله تعالى: النهي الصريح، وهذا أشد في نفي المعية وأقوى، ومن هذه المواضع التي ورد فيها قوله تعالى: ﴿لَّا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا مَاخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا تَّخْذُولًا ﴾ [الإسراء: ٢٢]. والمعنى لا تتخذ مع الله إلها آخر فتصير إلى الذم لأنك أسندت النعمة إلى غير منعمها وحمدت من لا يستحق الحمد وغمط صاحب الفضل والنعمة وساعتها تصير مذموما لاختلال النظر لديك وفساد الحكم في ناظریك، ومخذولا لأن صاحب النعمة والمنة سيكلك إلى من تألهت له وتعبدت فیه، ولیس هو من ینصر ولا یعین. وقوله: (تقعد) من قولهم شحذ الشفرة حتى قعدت، كأنها حربة بمعنى صارت، يعنى: فتصير جامعا على نفسك الذم وما يتبعه من الهلاك من إلهك، والخذلان والعجز عن النصرة ممن جعلته شريكا له(١). ويبين الإمام الرازي سبب هذه العقوبة الشديدة والجزاء الوفاق الذي يتناسب مع هذه الجريمة النكراء والعمل الكالح بصورة (١) الكشاف، الزمخشري ٢/ ٦٥٧. جَوَسُولَةُ المفتي القرآن الكريمِ الأول: أن المشرك كاذب والكاذب يستوجب الذم والخذلان. الثاني: أنه لما ثبت بالدليل أنه لا إله ولا مدير ولا مقدر إلا الواحد الأحد، فعلى هذا التقدير تكون جميع النعم حاصلة من الله تعالى، فمن أشرك بالله فقد أضاف بعض تلك النعم إلی غیر الله تعالی، مع أن الحق أن کلها من الله، فحينئذ یستحق الذم، لأن الخالق تعالى استحق الشكر بإعطاء تلك النعم فلما جحد كونها من الله، فقد قابل إحسان الله تعالى بالإساءة والجحود والكفران فاستوجب الذم وإنما قلنا إنه يستحق الخذلان، لأنه لما أثبت شريكا لله تعالى استحق أن یفوض أمره إلى ذلك الشريك، فلما كان ذلك الشريك معدوما بقي بلا ناصر ولا حافظ ولا معين. وذلك عين الخذلان. الثالث: أن الكمال في الوحدة والنقصان في الكثرة، فمن أثبت الشريك فقد وقع في جانب النقصان واستوجب الذم والخذلان، واعلم أنه لما دل لفظ الآية على أن المشرك مذموم مخذول وجب بحكم الآية أن يكون الموحد ممدوحًا منصورًا(٢). (٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢٠/ ٣٢٠، ١٠٠ المعية ومن لطائف البيان القرآني هنا أن الأمر المعية بصورة النهي قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِمَّاً أَوْحَ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا ءَ اخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْخُورًا ! [الإسراء: ٣٩]. على الرغم من عمومه وأنه موجه إلی کل الخلائق إلا أن التكليف والتوجيه أتى بصيغة الفردية ووجه إلى المفرد لیحس كل أحد أنه أمر خاص به، صادر إلى شخصه. فالاعتقاد مسألة شخصية مسؤول عنها كل فرد بذاته، والعاقبة التي تنتظر كل فرد يحيد عن التوحيد أن ((يقعد)) ((مذموما)) بالفعلة الذمیمة التي أقدم عليها، «مخذولا» لا ناصر له، ومن لا ينصره الله فهو مخذول وإن ﴿فتقعد يصور هيئة كثر ناصروه. ولفظ: المذموم المخذول وقد حط به الخذلان فقعد، ويلقي ظل الضعف فالقعود هو أضعف هيئات الإنسان وأكثرها استكانة وعجزا، وهو يلقى كذلك ظل الاستمرار في حالة النبذ والخذلان، لأن القعود لا يوحي بالحركة ولا تغير الوضع، فهو لفظ مقصود في هذا المكان(١). والمعنى: واحذر أيها المكلف أن تتخذ مع الله إلها غيره ﴿إِنَّمَا هُوَ إِلَهُ وَحِدٌ﴾ [النحل: ٥١]. إن فعلت ذلك فقد حق عليك أن ترمى وتطرح في نار جهنم في مهانة وذلة، وأنت معلوم من نفسك على ما اقترفت وملوم من الملائكة خزنة جهنم حين تعنفك (٣). ولا يحتاج إلى بيان هنا أن الخطاب وإن كان واردا للنبي صلى الله عليه وسلم إلا أن المراد به أمته لاستحالة صدور ذلك منه فهو (٤) المعصوم ٠ ويلاحظ أن الآيات الكريمة السابقة صدرت بالنهي عن الشرك وبيان أن الله تعالى قضى بأن لا يعبد إلا إياه، وكرر النهي هنا للتنبيه على أن التوحيد مبدأ الأمر وهذا التذييل هو فذلكة لاختلاف أحوال المسلمين والمشركين، فإن خلاصة أسباب الفوز ترك الشرك لأن ذلك هو مبدأ الإقبال على العمل الصالح فهو أول خطوات اختلال التفكير وتضليل العقول(٢). ومنتهاه، فإن من لا قصد له بطل عمله ومن قصد بفعله أو تركه غيره ضاع سعيه، وأنه رأس الحكمة وملاكها، ورتب عليه أولًا السعي لمريد الآخرة، لأن الشرك قاعدة ما هو عائده الشرك في الدنيا وثانيًا ما هو نتيجته في العقبی فقال تعالى: ﴿فَنُلْقی فی ومن هذه المواضع التي نفى فيها سبحانه تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥/ ٦٤. (١) في ظلال القرآن ٤/ ٢٢٢٠. (٢) التحرير والتنوير ٦٤/١٥. (٣) انظر: جامع البيان، الطبري ١٧/ ٤٥٢، التفسير الوسيط، الواحدي ٥/ ٧٥٨. (٤) تفسير السمعاني ٣/ ٢٤٣، معالم التنزيل، البغوي ٣ / ١٣٥. www. modoee.com ١٠١ حرف الميم جَهَّمَ مَلُومًا﴾ تلوم نفسك(١). ومن لطائف النص القرآني البديع ما ذكره الإمام الشوكاني بأن القرآن راعى في هذا التأكيد دقيقة فرتب على الأول كونه مذمومًا مخذولًا، وذلك إشارة إلى حال الشرك في الدنيا، ورتب على الثاني أنه يلقى في جهنم ملوما مدحورا وذلك إشارة إلى حاله في الآخرة، وفي القعود هناك، والإلقاء هنا، إشارة إلى أن للإنسان في الدنيا صورة اختيار بخلاف الآخرة (٢). ومنها قوله تعالى: مَ اللَّهِ فَلَا نَدْعُ إِلَهًا ءَاخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (١) [الشعراء: ٢١٣]. ونلاحظ هنا شدة النهي وترتب العذاب على الاتخاذ إن وجد، مع ذكرنا منهجية القرآن في خطاباته للنبي صلى الله عليه وسلم والتي غالبا ما تصدر بما يشعر بأنها ليست عتابا مثل ﴿عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣]. ومثل ﴿عَبَسَ وَتَوَلٌَّ ﴾ [عبس: ١]. بصيغة الغائب، والخطاب هنا وارد على تحذير غيره مبالغة بذكره هو صلى الله عليه وسلم، كأن القرآن يقول: إذا كان هذا تهدیدنا ووعيدنا لك فكيف يكون لغيرك. كما قال الإمام القرطبي: المعنى قل (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥/ ٧٧. (٢) فتح القدير، الشوكاني ٣/ ٢٧٢. لمن كفر هذا القول تهديدا له بالتعذيب. وقيل: هو مخاطبة له عليه السلام وإن كان لا يفعل هذا، لأنه معصوم مختار ولكنه خوطب بهذا والمقصود غيره. ودل على هذا قوله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَنَ (® ٢١٤ [الشعراء: ٢١٤]. أي: لا يتكلون على نسبهم وقرابتهم فيدعون ما يجب عليهم. (٣) قال ابن عباس رضي الله عنهما يحذر به غيره، يقول: أنت أكرم الخلق علي، ولو اتخذت إلها غيري لعذبتك (٤). وورد التركيب بهذه الصورة فخوطب به النبي صلى الله عليه وسلم مع ظهور استحالة صدور المنهي عنه منه صلی الله عليه وسلم تهييجا وحثا على ازدياد الإخلاص ولطفا لسائر المكلفين ببيان أن الإشراك من القبح والسوء بحیث ینھی عنه من لا یمکن صدوره عنه فکیف بمن عداه(٥). كما حفل القرآن الكريم بآيات أخرى تنص على النهي عن المعية كقوله تعالى: ﴿ وَأَنَّ الْمَسَجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُواْ مَعَ اللَّهِ أَحَدًا فَ ١٨ [الجن: ١٨]. (٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٣/ ١٤٢، مدارك التنزيل، النسفي ٢ / ٥٨٦. (٤) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٣/ ٤٨٠، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٥٩٨. (٥) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٢٦٧/٦، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٠٠/١٩. ١٠٢ جَوَسُولَة النفسية القرآن الكريم المعية ثانيًا: الاستفهام الإنكاري: ومن أساليب القرآن في إنكار آلهة مع الله: استعمال الاستفهام الإنكاري. وقد ورد هذا في مواطن متعددة من القرآن الكريم، كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَنُّ شَىْءٍ أَكْبُرُ شَهِدَةٌ قُلِ اللّه شَهِيٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوْحِىَ إِلَ هَذَا الْقُرْءَانُ لِأُنْذِرَّكُمْ بِهِ، وَمَنْ بَغَّ أَيْنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ الَّهِ ءَالِهَةَّ أُخْرَىَ قُل لَّا أَشْهَدُّ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَعِدٌ وَإِنَِّى بَرِىٌّ مِمَ تُشْرِكُونَ ﴾ [الأنعام: ١٩]. والمعنى: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء المشركين، الجاحدين نبوتك، العادلين بالله، ربا غيره: ﴿أَيْنَكُمْ﴾ أيها المشركون ﴿لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اَللَّهِءَالِهَةَ أُخْرَى﴾ يقول: تشهدون أن معه معبودات غيره من الأوثان والأصنام. ثم قال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿قُل﴾ يا محمد ﴿لََّ أَشْهَدُ﴾ بما تشهدون: أن مع الله آلهة أخرى، بل أجحد ذلك وأنكره فإنما هو معبود واحد، لا شريك له فيما يستوجب على خلقه من العبادة وقل: ﴿وَإِنَّنِ برئٌ ﴾ من کل شريك تدعونه لله، وتضیفونه إلی شرکته، وتعبدونه معه، لا أعبد سوى الله شيئا، ولا أدعو غيره إلها (١). إنه لما بين تعالى شهادته التي هي أكبر الشهادات على توحيده قال: قل لهؤلاء المعارضين لخبر الله والمكذبين لرسله: (١) جامع البيان، الطبري ١١/ ٢٩٢. ﴿أَيْنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ الِّءَ الِهَةً أُخْرَىَّ قُل لَا أَشْهَدُ﴾ أي: إن شهدوا فلا تشهد معهم. فوازن بین شهادة أصدق القائلین ورب العالمين وشهادة أزكى الخلق المؤيدة بالبراهين القاطعة والحجج الساطعة على توحيد الله وحده لا شريك له وشهادة أهل الشرك الذين مرجت عقولهم وأديانهم وفسدت آراؤهم وأخلاقهم وأضحكوا على أنفسهم العقلاء. بل خالفوا بشهادة فطرهم وتناقضت أقوالهم على إثبات أن مع الله آلهة أخرى مع أنه لا يقوم على ما قالوه أدنی شبهة فضلا عن الحجج واختر لنفسك أي الشهادتين إن كنت تعقل ونحن نختار لأنفسنا ما اختاره الله لنبيه الذي أمرنا الله بالاقتداء به فقال: ﴿قُلّ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَجِدٌ﴾ أي: منفرد لا يستحق العبودية والإلهية سواه كما أنه المنفرد (٢) بالخلق والتدبير (١). وهذا تقریر لهم مع إنکار واستبعاد قل لا أشهد شهادتکم(٣). ففيه إنكار عليهم توبيخ و تقريع (٤). ثالثًا: الخبر التهديدي: ولقد تنوعت أساليب القرآن في نفي (٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٢٥٣. (٣) انظر: الكشاف، الزمخشري ٢/ ١١، زاد المسير، ابن الجوزي ٢ / ١٥. (٤) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٦/ ٣٩٩. www. modoee.com ١٠٣ حرف الميم وجود آلهة مع الله تعالى، ومن هذه آخر. وقد أشار كثير من المفسرين إلى أن قوله تعالى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَكَ الْمُسْتَهْزِينَ﴾ (٢) الأساليب: الخبر التهديدي، وتكرر هذا في القرآن الکریم مرات عديدة، ومن هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا ءَاخَرٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ [الحجر: ٩٥ - ٩٦]. وواضح في الآية الكريمة بلاغة التهدید، وشدة الوعيد خاصة في قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ خاصة إذا قر في ذهن السامع والمخاطب من الذي يهدد ويتوعد، فهو رب الكون وصاحب الأمر والنهي سبحانه، فقد وعده الله تعالى كفاية هؤلاء المستهزئين. والمعنى أن الله تعالى يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: إنا كفيناك المستهزئين یا محمد، الذين يستهزئون بك ويسخرون منك، فاصدع بأمر الله، ولا تخف شيئا سوى الله، فإن الله کافیك من ناصبك وآذاك كما كفاك المستهزئين. وكان رؤساء المستهزئين قوما من قريش معروفين(١). وفي الآية تسلية له عليه الصلاة والسلام. وتهوينا للخطب عليه، بأنهم أصحاب تلك الجريمة العظمى، التي هي أكبر الكبائر، التي سيخذلون بسببها. كما قال: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ أي: عاقبة أمرهم. وفي الآية وعيد شديد لمن جعل معه تعالى معبودًا (١) جامع البيان، الطبري ١٧ / ١٥٣. جوبيبو القرآن الكريمِ عنی به ما عجله من إهلاكهم . ٠ ومن الآيات التي حملت الخبر التهديدي لمن يجعل مع الله آلهة أخرى، قوله تعالى: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَ هَاءَآخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِه فَإِنَّمَا ◌ِحِسَابُّهُ عِنْدَ رَيِّدٍ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَفِرُونَ (١٧) ﴾ [المؤمنون: ١١٧]. والمعنى: ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به، أي: لا حجة ولا بينة له، به لأنه لا حجة في دعوى الشرك ﴿فَإِنَّمَا حَابُهُ﴾، جزاؤه عند ربه يجازيه بعمله (٣). والمعنى الذي له عند ربه أنه لا يفلح ﴿فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ»﴾ فيجازيه عليه كما قال: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم ﴿ [الغاشية: ٢٦](٤). وفي الآية إنذار لکل من یدعو مع الله إلها آخر ويشركه معه في الاتجاه والعبادة بدون برهان. فحسابه عند ربه ولن یلقی فلاحًا(٥). ومن أشد الآيات التي تهدد من يتخذ مع الله إلها آخر قوله تعالى: ﴿أَلْقِيَافِ جَهَتِّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ ن ◌َنَّاعِ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ تُرِيبٍ ) الَّذِى جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهَاءَا خَرَ فَأَلَقِيَاءُ فِ الْعَذَابِ الشَّدِيدِ [ق: ٢٤ - ٢٦]. ٢٦ (٢) محاسن التأويل، القاسمي ٦/ ٣٤٦. (٣) معالم التنزيل، البغوي ٣/ ٣٧٨. (٤) انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٤ / ٢٥. (٥) التفسير الحديث، محمد عزت ٥/ ٣٣٨. ١٠٤ المعية وهذا تصوير لمآله يوم القيامة وموقف هذا التوفيق الرباني. الملائكة منه، والتعبير بالإلقاء هنا مشعر بهول الموقف، والإلقاء في العذاب الموصوف بالشدة، وترتيب الجزاء على الاسم الموصول وکون صلته أنه جعل مع الله إلها آخر مشعر بضخامة العذاب وهول العقوبة لهول الذنب. رابعًا: أسلوب الشرط: ومن أساليب القرآن الكريم في النهي عن اتخاذ آلهة مع الله، وبيان أنها شرك: أسلوب الشرط، فقال تعالى في موضع: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا ءَاخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُبِهِ، فَإِنَّمَا حِسَابُهُ. عِنْدَ رَبِِّةٌ إِنَّهُ، لَا يُفْلِحُ الْكَفِرُونَ ١١٧) [المؤمنون: ١١٧]. وفي الآية الكريمة من التهديد والوعيد ما فيه، والتعبير القرآني البديع: ﴿فَإِنَّمَا ◌ِسَابُّهُ عِندَرَيِّهِ﴾﴾ غاية في التهديد والوعيد، واختيار لفظ الربوبية التي تشعر باللوم والعتاب على عدم رعاية العبد لهذه الربوبية، وخلطها بغيرها، وعدم عرفان العبد بها مبين أي بيان عن عدم توفيق هذا الذي يستجلب على نفسه غضب ربه والرب بصفاته يعم بفضله مخلوقاته، ويشمل بفيضه جميع الكائنات، فالمحروم من حرم هذه الرحمة علی سعتها، والمغبون من جانبه هذا الفضل علی اتساعه وعمومه، والمخذول من خلاه وقوله: ﴿لَا بُرْهَنَ لَهُ﴾ مع أنه معلوم أنه لا یمکن أن یکون له برهان مشعر بأنه لیس لدیه أي دليل ولو كان الدليل وهميا على اتخاذ هذا مع الله تعالی، فهو لا حجة له بالکفر ولا عذر يوم القيامة. كما أن تركيب الجملة بهذه الصورة، وورود الخاتمة: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَفِرُونَ﴾ هذا الورود مشعر بأنه جواب لسؤال سابق أو مستتر كأنه قيل: لم کل هذا فقيل: لأنه لا يفلح الكافرون. يقول الإمام البيضاوي رحمه الله: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهَاءَاخَرَ﴾ يعبده إفرادًا أو إشراكًا. ﴿لَ بُرْهَانَ لَهُبِهِ﴾ صفة أخرى لـ ﴿إِلَهًا﴾ لازمة له فإن الباطل لا برهان به، جيء بها للتأکید وبناء الحکم علیه تنبيها علی أن التدين بما لا دليل عليه ممنوع فضلاً عما دل الدليل على خلافه، أو اعتراض بین الشرط والجزاء لذلك: ﴿فَإِنَّمَا حِسَابُّهُ عِنْدَ رَيِّد» ﴾فهو مجاز له مقدار ما يستحقه (١). ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿قُل لَّوْ كَانَ مَعَدُرْ ءَاِمَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذَا لَّأَ بَنَغَوْ إِلَى ذِى الْعِرِْ سَبِيلًا ٤٢﴾ [الإسراء: ٤٢]. قال ابن عباس: ((قل لأهل مكة لو كان معه آلهة كما يقولون من الأوثان، إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا، أي: طريقًا وكانوا (١) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ٤ / ٩٧، محاسن التأويل، القاسمي ٧ / ٣٠٦. www. modoee.com ١٠٥ حرف الميم کھیئته)). وقال قتادة: أي يعرفوا فضل ذي العرش ومرتبته عليهم. ويقال: ابتغوا طريقا للوصول إليه. وقال مقاتل: لطلبوا سبيلا ليقهروه كفعل الملوك بعضهم بعضاً. ثم نزه نفسه عن الشريك، فقال تعالى: سبحانه، أي : تنزيها له وتعالى عما يقولون أي: عما يقول الظالمون إن معه شريكًا. علوًا كبيرًا، أي: بعيدًا عما يقول الكفار (١). وهذا تنزیه من الله تعالی ذکره نفسه عما وصفه به المشركون، الجاعلون معه آلهة غيره، المضيفون إليه البنات، فقال: تنزيها لله وعلوا له عما تقولون أيها القوم، من الفرية والكذب، فإن ما تضيفون إليه من هذه الأمور ليس من صفته، ولا ينبغي أن يكون له صفة(٢). وهكذا تتنوع أساليب القرآن الكريم في نفي وجود آلهة مع الله تعالی وسبحان من عز عن النظير والشبيه وتعالى عن الند والمثيل. (١) انظر: تفسير السمر قندي ٢/ ٣١٢. (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١٧/ ٤٥٣، التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي ١ / ٤٤٧. معية الرسل عليهم السلام ومن صور المعية الواردة في القرآن الكريم معية المرسلين عليهم السلام، ويقصد بها جانبان: معية الرسل للناس، ومعیة الناس لهم. أولًا: معية الرسل للناس: وقد أجمل أستاذنا العلامة الدكتور عبد الستار سعيد في جمع تصور تلك المعية بصورة بديعة إذ يرى أن معية الرسل للناس جماعها في أمور منها: ١. معية التربص والانتظار. وهي في جانب المدعوين بعد إقامة الحجة عليهم وتنكرهم للبرهان واعتسافهم للدليل. ومنه ما حدث مع نبي الله هود مع قومه، إذ قال الله تعالى فيهم: ﴿قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسُ وَغَضَبُّ أَتُجَدِلُونَنِ فِى أَسْمَاءِ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَءَابَآؤُكُم مَّا نَزَّلَ اَللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ فَأَنَظِرُواْ إِنِّ مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَظِرِينَ [الأعراف: ٧١]. والمعنى كما قال ابن عباس: وجب ونزل عليكم عذاب وسخط (٣). (وهذا تهديد ووعيد من الرسول لقومه ولهذا عقبه بقوله: ﴿فَأَنْجَيَّنَهُ وَاَلَّذِينَ مَعَهُ (٣) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٢/ ٢٣٤، زاد المسير، ابن الجوزي ٢/ ١٣٤. ١٠٦ القرآن الكريمِ المعية بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِعَايَلِنَاٌ فذلك قوله: ﴿مَن يَأْتِيِهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ يذله وَمَا كَانُواْ مُؤْمِنِينَ﴾. وقد ذكر الله سبحانه صفة إهلاكهم في أماكن أخر من القرآن بأنه أرسل عليهم الريح العقيم ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم كما قال في الآية الأخرى)(١). ومنه ما ورد على لسان شعيب عليه السلام: ﴿وَيَقَوْمِ أَعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَئِكُمْ إِ عَمِلُ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَذِبٌ وَأَرْتَقِبُواْ إِِّ مَعَكُمْ رَقِيبٌ ﴾ [هود: ٩٣]. يعني: (اعملوا في هلاکي وفي أمري، إني عامل في أمرکم ومکانتکم،ثم قال: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ وهذا وعيد لهم، ستعلمون من هو كاذب، ويقال: ﴿مَن يَأْتِيدِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ يعني: يهلكه ويهينه ﴿وَمَنْ هُوَ كَذِبٌ﴾ يعني: ستعلمون من هو كاذب. ويقال معناه: من يأتيه عذاب يخزيه، ويخزي أمره، من هو كاذب على الله بأن معه شريكا، ﴿وَآَرْتَقِبُواْ ﴾ يعني: انتظروا بي العذاب ﴿إِنِّ مَعَكُمْ رَقِيبٌ ﴾ يعني: منتظر بكم العذاب في الدنيا)(٢). والمعنى: اعملوا (على تؤدتكم وتمکنکم فإني على تمكني، فسوف تعلمون أينا الجاني على نفسه، والمخطئ في فعله، (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٩٠/٣. (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١٥/ ٤٦٣، تفسیر السمر قندي ٢/ ١٦٨. ﴿وَمَنْ هُوَ كَذِبٌ﴾ وانتظروا العذاب إني معكم منتظر)(٣). ٢. معية الصبر والالتزام، مع ضعفاء المؤمنين الضعاف. ومنه ما ورد في أمر الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِّ يُرِيدُونَ وَجْهَةٌ، وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَوَةِ الدُّنيَا وَلَا نُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبُهُ: عَن ذِكْرِنَا وَأَتَّبَعَ هَوَنُهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرْطًا ( ٥)﴾ [الكهف: ٢٨]. وفي الآية يأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالصبر مع هذه الفئة المؤمنة والصبر معها حتى يبلغهم رسالته، وألا يرفع بصره عنهم، وعدم الانشغال بمن غفل عن ذکر الله تعالى، واتبع هوی نفسه. يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿وَاصْبِرْ﴾ يا محمد ﴿نَفْسَكَ مَعَ﴾ أصحابك ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَالْعَشِىِ﴾ بذكرهم إياه بالتسبيح والتحميد والتهليل والدعاء والأعمال الصالحة من الصلوات المفروضة وغيرها ﴿يُرِيدُونَ﴾ بفعلهم ذلك ﴿وَجْهَهُ﴾ لا يريدون عرضا من عرض الدنيا. وقوله: ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ يقول (٣) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٤ / ١٩٧، تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين ٢/ ٣٠٧. www. modoee.com ١٠٧ حرف الميم تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: فيها)»، كان استهزاءهم بها، وسبهم من أنزلها لا تعد عيناك عن هؤلاء المؤمنين الذين يدعون ربهم إلى أشراف المشركين، تبغي بمجالستهم الشرف والفخر)(١). وتكلم بها، وتكذيبهم بها ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ يقول: فصد عنهم بوجهك، وقم عنهم، ولا تجلس معهم ﴿حَّ يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غيره﴾ یقول: حتی یأخذوا في حدیث غیر ومن روائع الآية الكريمة ولطائفها أنه تعالى قال: ﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ ولم يقل: ((قلبك)) لأن قلبه كان مع الحق، فأمره بصحته جهرا بجهر، واستخلص قلبه لنفسه سرًا بسر. الاستهزاء بآيات الله من حديثهم بينهم وإن أنساك الشيطان نهينا إياك عن الجلوس معهم والإعراض عنهم في حال خوضهم في آیاتنا، ثم ذكرت ذلك، فقم عنهم، ولا ويقال: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَدُ﴾: معناها تقعد بعد ذكرك ذلك مع القوم الظالمين مريدين وجهه أي في معنى الحال، وذلك الذين خاضوا في غير الذي لهم الخوض فيه بما خاضوا به فيه (٣) يشير إلى دوام دعائهم ربهم بالغداة والعشي وكون الإرادة على الدوام (٢). ٣. المعية الممنوعة المحرمة. وتكون في حق الظالمین والمعاندین، وتقع دائما بعد نهي عنها وأمر بمفارقة أصحابها وعدم شهود مجالسهم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي ءَايَئِنَا فَأَعْرِضِ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْهِ، وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطِنُ فَلَا نَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىْ مَعَ اَلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٣)﴾ [الأنعام: ٦٨]. يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وإذا رأيت يا محمد المشركين الذين يخوضون في آياتنا التي أنزلناها إليك، ووحينا الذي أوحيناه إليك، و((خوضهم (١) جامع البيان، الطبري ١٨ / ٦. (٢) لطائف الإشارات، القشيري ٢/ ٣٩١. وهؤلاء المراد بهم المشركون أو اليهود أو أصحاب الأهواء كما منعه الله تعالى من شهودهم ومخالطتهم عقوبة لهم بالحرمان، وإبعادا لهم عن أسباب التوفيق جزاء فعلهم، فقال تعالى: ﴿قُلّ هَلُمَ شُهَدَآءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِن شَهِدُواْ فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمَّ وَلَا تَنَّبِعْ أَهْوَآءَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِشَايَتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (٣)﴾ [الأنعام: ١٥٠]. ﴿فَإِن شَهِدُواْ فَلَا تَشْهَدْ والمعنى: مَعَهُمْ﴾ أي: لأنهم إنما يشهدون والحالة هذه كذبا وزورا ﴿وَلَا تَنَّبِعَ أَهْوَآءَ الَّذِينَ كُذَّبُواْ بِشَايَتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ (٣) انظر: جامع البيان، الطبري ١١/ ٤٣٦، معالم التنزيل، البغوي ٢/ ٣٠١، زاد المسير، ابن الجوزي ٤١/٢. ١٠٨ جَوَسُ بَرُ النفسية لِلْقُرآن الكَرِيمِ