النص المفهرس
صفحات 21-25
الموت
يتجسم فضلًا عن أن يذبح !. وهذا لا يصح؛ ينقطعان، قال النبي صلى الله عليه وسلم:
فإن الله سبحانه ينشئ من الموت صورة (ينادي مناد: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا
أبدًا، وإن لكم أن تحیوا فلا تموتوا أبدًا، وإن
لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدًا، وإن لكم أن
تنعموا فلا تباسوا أبدًا. فذلك قوله عز وجل:
﴿وَنُودُواْ أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُوْرِئْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ
تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣])(٥).
کبش یذبح، کما ینشئ من الأعمال صورًا
معاينة يثاب بها ويعاقب ... ، ولا حاجة إلى
تكلف من قال: إن الذبح لملك الموت !.
فهذا كله من الاستدراك الفاسد على الله
ورسوله، والتأويل الباطل الذي لا يوجبه
عقل ولا نقل))(١).
والحقيقة أن الله تعالى لا يعجزه شيء،
وليس هذا بعزيز عليه، فهو قادر سبحانه أن
ينشئ جسمًا من عرض، وأمثلته كثيرة في
القرآن والسنة، ومنها:
جعل البقرة وآل عمران كالغمامتين (٢)،
والتسبيح والتحميد الذي يتعاطف حول
العرش (٣)، وتصوير العمل الصالح والسيئ
في القبر (٤).
وبعد ذبح الموت بهذه الصورة، لك أن
تتصور ذلك المشهد المهيب، وحالة كل من
الفريقين: فريق في شقاء وتعاسة دائمين لا
ينقطعان، وفريق في سعادة وحبور أبدي لا
(١) حادي الأرواح، ابن القيم ص٤٠٢.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صلاة
المسافرين وقصرها، باب فضل قراءة القرآن،
١ / ٥٥٣، رقم ٨٠٤.
(٣) أخرجه أحمد في مسنده، ٣٠/ ٣١٢، رقم
١٨٣٦٢.
(٤) أخرجه أحمد في مسنده، ٢٨٧/٤، رقم
١٨٥٥٧.
ثانيًا: لا موت في الآخرة:
إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار
النار، وذبح الموت بينهما، فإنه لا موت
بعدئذ، فأهل الجنة خلود فلا موت، وأهل
النار خلود فلا موت.
وقد ساقت الآيات الكريمة والأحاديث
الشريفة الصورة العامة حيال هذا الخلود،
ومعظم الآيات ساقت الكلام عن أصحاب
النار.
قال الله في شأنهم: ﴿وَأَلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ
نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلَا يُخَفَّفُ
عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ غْزِى كُلَّ كَفُورٍ﴾
[فاطر: ٣٦].
لذا فعذاب الدنيا إما أن تموت عنه،
أو يموت عنك، أو يألفه البدن المعذب.
أما عذاب الآخرة فلن تموت عنه، ولن
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة
وصفة نعيمها وأهلها، باب في دوام نعيم أهل
الجنة، ١٤٨/٨، رقم ٧٢٥٩.
www. modoee.com
٣١١
حرف الميم
یفنی عنك، ولن يألفه البدن؛ لأنه یلون ولا
يخفف. ﴿كَلَّا نَضِبَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَهُمْ جُلُودًا
غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابُ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَزِزًا
حَكِيمًا﴾ [النساء: ٥٦].
ويصور لنا القرآن ذلك المشهد النفسي
الذي يعيشه الکافر في النار، حتى أنه یری
الموت يحيط به ویأتیه من کل مکان فيها،
لكنه لن یذوقه.
﴿وَأَسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ
قال الله:
جَبَّارٍ عَنِيدٍ ٥ مِن وَرَآءِهِ، جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِن
مَّآءِ صَدِيدٍ ﴿ يَتَجَرَّهُهُ وَلَا يَكَادُ
يُسِيقُهُ، وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا
هُوَ بِمَيْتٍ وَمِن وَرَآَبِهِ عَذَابٌ غَلِظٌ ﴾
[إبراهيم: ١٥ - ١٧].
والحقيقة أن المشهد هنا عجيب، ((إنه
مشهد الخيبة لكل جبار عنيد، مشهد الخيبة
في هذه الأرض. ولکنه یقف هذا الموقف،
ومن ورائه تخايل جهنم وصورته فيها، وهو
يسقى من الصديد السائل من الجسوم،
يسقاه بعنف فيتجرعه غصبًا وكرهًا، ولا يكاد
يسيغه؛ لقذارته ومرارته. والتقزز والتكره
باديان، نكاد نلمحهما من خلال الكلمات !.
ويأتيه الموت بأسبابه المحيطة به من كل
مکان، ولكنه لا يموت؛ ليستكمل عذابه.
ومن ورائه عذاب غليظ» (١).
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٤/ ٢٠٩٣.
ولننظر هنا إلى كلمة (غليظ)، كم تعطي
من دلالات مروعة لهذا المشهد المهيب،
وأغلب ورود هذه الكلمة في القرآن في شأن
العذاب أو الميثاق؛ لشدة وغلظ الأمرين،
وأتت الكلمة كذلك مع قتال الكفار؛ ليجد
هؤلاء الغلظة والعذاب الأليم من الثلة
المؤمنة المجاهدة التي عقدت المواثيق
بقتالهم: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَئِلُواْ الَّذِينَ
يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلَيَجِدُواْ فِيَكُمْ غِلَّةٌ
وَأَعْلَمُوْ أَنَّاللَّهَ مَعَ الْمُنَّقِينَ﴾ [التوبة: ١٢٣].
ولذلك لو أن الموت يقدم إلى هذا
المعذب في هذه اللحظات العصيبة، لكان
أخف وطأة، ولکنه يراه يحوم حوله بأسبابه
ودوافعه ودواعيه، دون أن يصيبه.
وبعد كل هذه الآلام والعذابات التي
پتعرض لها هذا العنيد، يجد لنفسه مخرجًا
من هذا البلاء، وهو أن يطلب من مالك
-خازن النار- أن يشفع لهم عند الله، بأن
يقضي علیھم.
قال الله: ﴿وَنَادَوْ يَمَلِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبٌُّ قَالَ
إِنَّكُ مََّكِتُونَ﴾ [الزخرف
وإن قيل: كيف وصف أهل النار فيها
بأنهم مبلسون؟، والبلس: هو الآيس من
الرحمة والفرج (٢)، ثم قال بعدها: ﴿وَنَادَوْا
يَمَلِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ الدال على طلبهم
(٢) لسان العرب، ابن منظور ٦/ ٣٠.
٣١٢
لِلْقُرآن الكَرِيمِ
الموت
وروى الطبري كذلك بسنده قال:
الفرج بالموت؟ فيجاب عنه: بأن كل
منهما وقع في زمن؛ لأن أزمنة يوم القيامة ((﴿وَنَادَوْيَمَلِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَارَبُّكٌ﴾ قال: فخلى
متعددة(١).
وهنا أتى بالفعل الماضي ﴿وَنَادَوْاْ﴾
لتحقق وقوعه، وقولهم: ﴿يَلِكُ﴾ هو
خازن النار، وقد وردت أحاديث صحيحة
في ذلك، منها: قول النبي صلى الله عليه
وسلم: (رأيت الليلة رجلين أتياني قالا:
الذي يوقد النار مالك خازن النار، وأنا
جبريل وهذا میکائیل)(٢).
قال صديق خان: ((قرأ الجمهور:
﴿يَمَلُ﴾ بغير الترخیم، وقرىء: (يا مال)
بالترخیم، قيل لابن عباس: إن ابن مسعود
قرأ: (يا مال)، فقال: ما أشغل أهل النار عن
الترخیم»(٣).
قال الطبري رحمه الله: ((ونادى هؤلاء
المجرمون بعد ما أدخلهم الله جهنم، فنالهم
فيها من البلاء ما نالهم، مالگًا خازن جهنم،
﴿يَمَلِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكٌ﴾ قال: ليمتنا ربك،
فيفرغ من إماتتنا، فذكر أن مالكًا لا يجيبهم
في وقت قیلهم له ذلك»(٤).
(١) فتح الرحمن، ابن جماعة ص٥١٥.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء
الخلق، باب إذا قال أحدكم: آمين، والملائكة
في السماء فوافقت إحداهما الأخرى غفر له
ما تقدم من ذنبه، ٣ / ١١٨٢، رقم ٣٠٦٤.
(٣) فتح البیان، صدیق خان ١٢/ ٣٧٥.
(٤) جامع البيان، الطبري ٢١ / ٦٤٠.
عنهم أربعين عامًا لا يجيبهم، ثم أجابهم:
﴿إِنَّكُ مَّكِنُونَ﴾ قالوا: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا
فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَلِمُونَ﴾ فخلى عنهم مثلي
الدنيا، ثم أجابهم: ﴿قَالَ أَخْسَنُواْ فِيهَا وَلَا
تُكَلِّمُونِ﴾ قال: فوالله ما نبس القوم بعد
الكلمة، إن كان إلا الزفير والشهيق)»(٥).
ويكفي الإشارة إلى باقي الآيات التي نفت
موت الكفار في النار، وهي قوله تعالى على
لسان السحرة: ﴿إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُحْرِمًا فَإِنَّ لَهُ
جَهَنَّمَ لَ يَمُوتُ فِيَهَا وَلَا يَحْيَى﴾ [طه: ٧٤].
وقوله تعالى: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى ))
وَيَنَجَنَُّهَا الْأَشْقَىِ الَّذِى يَصْلَى النَّارَ الْكُترَى)
ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْتَ﴾ [الأعلى: ١٠ - ١٣].
أما في شأن المؤمنين يوم القيامة ونفي
الموت عنهم، فقد قال الله: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا
بِكُلِ فَكِهَةٍ ءَامِنِينَ { لَا يَذُوقُونَ
فِيهَا الْمَوْنَّ إِلَّ الْمَوْتَةَ الْأُولَىٌّ وَوَقَنَّهُمْ
عَذَابَ الْجَحِيمِ ) فَضْلاً مِّن رَبِّكَّ ذَلِكَ هُوَ
اَلْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الدخان: ٥٥-٥٧].
والمعنى: أنهم لا يذوقون فيها الموت
ألبتة، سوى الموتة الأولى التي ذاقوها في
الدنيا (٦).
(٥) المصدر السابق ٢١ / ٦٤٥.
(٦) معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٤٢٩/٤.
www. modoee.com
٣١٣
حرف الميم
ثم کیف یوجه قول الله تعالى عن أهل
وعلى هذا كيف يستثني الموتة الأولى
التي ذاقوها في الدنيا من الموت الذي لن النار وأهل الجنة أنهم خالدون فيها إلا ما
يحدث لهم في الجنة؟. والجواب على هذا شاء الله.
من وجوه:
الأول: هو من باب التعليق بالمحال،
كأنه قيل: إن كانت الموتة الأولى يستقيم
ذوقها في المستقبل، فإنهم يذوقونها(١).
الثاني: أن (إلا) هنا: بمعنى (لكن)،
والتقدير: لا يذوقون فيها الموت، لكن
الموتة الأولى قد ذاقوها.
الثالث: أن الجنة حقيقتها ابتهاج النفس
وفرحها بمعرفة الله تعالى وبطاعته ومحبته،
أجاب ابن قتيبة رحمه الله عن هذا
الإشکال على ثلاثة أوجه:
وإذا كان الأمر كذلك فإن الإنسان الذي فاز
بهذه السعادة فهو في الدنيا في الجنة وفي
الوجه الأول: أراد أنهم خالدون فيها
مدة العالم، سوى ما شاء الله أن يزيدهم من
الآخرة أيضًا في الجنة، وإذا كان الأمر كذلك
فقد وقعت الموتة الأولى، حین کان الإنسان
في الجنة الحقيقية التي هي جنة المعرفة الخلود على مدة العالم. ثم قال: ﴿عَطَآءُ غَيْرَ
بالله والمحبة.
تَجْذُونٍ﴾ [هود: ١٠٨]. أي: غير مقطوع.
الرابع: أن من جرب شيئًا ووقف عليه
صح أن يقال: إنه ذاقه، فیکون المعنی هنا:
إلا الذوق الحاصل بسبب تذكر الموتة
الأولى(٢).
(١) الكشاف، الزمخشري ٢٨٣/٤.
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢٧/ ٦٦٦.
جوبيبو
القرآن الكريم
قال الله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِىِ النَّارِ لَهُمْ
فِهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ٦ خَلِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ
السَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ إِلَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَقَالٌ
لِمَا يُرِيدُ﴾ وقال في شأن أهل الجنة: ﴿وَأَمَّا
أَلَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِى الْجَنَّةِ خَلِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ
السَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ إِلَّ مَا شَآءَ رَبُّكٌ عَطَاءُ غَيْرَ
مَجْذُوفِ﴾ [هود: ١٠٨].
فهل إيراد المشيئة هنا يدل على أنهم غير
مخلدين فيها؟.
الوجه الثاني: أن یکون المعنی: خالدین
في الجنة وخالدين في النار دوام السماء
والأرض، إلا ما شاء ربك من تعميرهم في
الدنیا قبل ذلك.
الوجه الثالث: أن یکون المعنی: خالدین
في النار ما دامت السموات والأرض إلا ما
شاء ربك من إخراج المذنبين من المسلمين
إلى الجنة، وخالدين في الجنة ما دامت
٣١٤
الموت
السموات والأرض، إلا ما شاء ربك من
إدخال المذنبين النار مدة من المدد، ثم
يصيرون إلى الجنة (١).
موضوعات ذات صلة:
الإهلاك، البعث، الحذر، الحياة، الخلق،
الخوف، القبر، القتل، الملائكة، اليوم
الآخر
(١) تأويل مشكل القرآن، ابن قتيبة ص٥٣.
www. modoee.com
٣١٥