النص المفهرس

صفحات 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
الْمُؤْبُ
عناصر الموضوع
مفهوم الموت في القرآن
٢٩٢
الموت في الاستعمال القرآني
٢٩٣
الألفاظ ذات الصلة
٢٩٤
الأسلوب القرآني في عرض الموت
٢٩٦
٣٠١
الناس والموت
٣١٠
الموت والآخرة
المُجَلَّدَ الخَاذِنى وَالثَّلاثُونْ

حرف الميمر
مفهوم الموت في القرآن
أولًا: المعنى اللغوي:
«الميم والواو والتاء أصل صحيح، يدل على ذهاب القوة من الشيء، منه الموت: خلاف
الحياة))(١).
والموت: ضد الحياة، مات يموت ويمات أيضًا فهو ميتٌ، وميتٌ مشددًا ومخففًا، وقومٌ
موتى، وأمواتٌ، ومیتون، مشددًا ومخففًا، ويستوي فيه المذكر والمؤنث(٢).
والميت الذي مات، والميت والمائت: الذي لم يمت بعد، يقال: لمن لم يمت إنه مائتٌ
عن قليلٍ، وميتٌ، ولا يقولون لمن مات: هذا مائتٌ، قيل: وهذا خطأً، وإنما ميتٌ يصلح لما
قد مات، ولما سيموت (٣).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
تعددت التعريفات للفظة الموت، وسنوردها إن شاء الله على النحو الآتي:
الموت: صفة وجودية خلقت ضدًا للحياة (٤).
وقيل الموت: ((انقطاع تعلق الروح بالبدن ومفارقته وحيلولة بينهما، وتبدل حال، وانتقال
من دار إلى دار))(٥).
وقيل الموت: مفارقة الروح للجسد (٦).
وقيل الموت: ((حال خفاء وغيب، يضاف إلى ظاهر عالم يتأخر عنه، أو يتقدمه، تفقد فيه
خواص ذلك الظهور))(٧).
لا يخرج معنى الموت اصطلاحًا عن المعنى اللغوي، كلاهما يدلان على خلاف الحياة.
(١) مقاييس اللغة، ابن فارس ٢٨٣/٥.
(٢) انظر: مختار الصحاح، الرازي ٣٠١/١.
(٣) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٢/ ٩١، تاج العروس، الزبيدي ١٠٠/٥.
(٤) انظر: التعريفات، الجرجاني ص ٢٣٥.
(٥) التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة، القرطبي ص ١١٢.
(٦) انظر: المجموع، النووي ١٠٥/٥.
(٧) التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص ٣١٨.
٢٩٢
جوب
القرآن الكريمِ

الموت
الموت في الاستعمال القرآني
وردت مادة (موت) في القرآن الكريم (١٦٥) مرة (١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
٢٤
﴿وَلَيْن مُتُمْ أَوْ قُتِلْتُمْ ﴾ [آل عمران: ١٥٨]
فعل المضارع
٣٤
﴿وَمَا تَدْرِى نَفْسُ بِأَقِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ﴾ [لقمان: ٣٤]
فعل الأمر
٢
﴿فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣]
المصدر
٥٠
حَقََّ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ﴾ [المؤمنون: ٩٩]
المصدر الميمي
٣
﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِ وَنُسُكِى وَيَحْيَاىَ وَمَمَاتٍِ﴾ [الأنعام: ١٦٢]
اسم المره
٣
﴿إِنَّ هِىَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى﴾ [الدخان: ٣٥]
الصفة المشبه
٤٩
﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم ◌َّيِّتُونَ وَ
﴾ [الزمر: ٣٠]
وجاء الموت في القرآن على أربعة وجوه (٢):
الأول: الموت نفسه: ومنه قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسِ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥].
الثاني: النطفة: ومنه قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُّرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَكُمْ﴾
[البقرة: ٢٨]. يعني: كنتم نطفًا في أصلاب الآباء فأحياكم بالخلق والإيجاد، أو كنتم نطفًا في
الأرحام فأحیاکم فيها.
الثالث: الضلال: ومنه قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا﴾ [الأنعام: ١٢٢] يعني: ضالًا فهديناه.
الرابع: الجدب وقلة النبات: ومنه قوله تعالى: ﴿وَءَايَةٌ لَُّ اَلْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْبَيْنَهَا﴾ [يس:
٣٣]. يعني: الأرض الجدباء التي ليس عليها نبات أحييناها بالماء والنبات.
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٦٧٨ - ٦٨٠، المعجم
المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، ص ١٢٩٢ - ١٢٩٦.
(٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص ٤٢٠-٤٢١، نزهة الأعين النظائر، ابن الجوزي، ص٥٦٩-
٥٧١، عمدة الحفاظ، السمين الحلبي، ١٢٢/٤-١٢٥.
www. modoee.com
٢٩٣

حرف الميم
الألفاظ ذات الصلة
١
الفناء:
الفناء لغةً:
الفاء والنون والحرف المعتل. هذا باب لا تنقاس كلمه، ولم يبن على قياس معلوم، قالوا:
فني يفنى فناء، والله تعالى أفناه، والفنا مقصور، والجمع أفنية (١).
فنى الشئ فناء، وأفناه غيره. وتفانوا، أي: أفنى بعضهم بعضًا في الحرب(٢).
الفناء اصطلاحًا:
سقوط الأوصاف المذمومة، كما أن البقاء وجود الأوصاف المحمودة(٣).
الصلة بين الموت والفناء:
الموت: فيه رجعة مرة أخرى في الصغرى، ولا رجعة في الكبرى، الفناء: هو الانتهاء ولا
رجعة فيها.
القتل :
٢
القتل لغةً:
((القاف والتاء واللام أصل صحيح يدل على إذلال وإماتة، مصدر قتله قتلًاً)) (٤).
القتل معروف. وقتله قتلًا وتقتالًا. وقتله قتلة سوء، بالكسر (٥).
القتل اصطلاحًا:
إزالة الروح بفعل المتولي له (٦).
الصلة بين الموت والقتل:
الموت: ينفي الحياة مع سلامة البنية، القتل: ينفي الحياة مع انتقاض البنية(٧).
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٤/ ٤٥٣.
(٢) الصحاح، الجوهري ٦/ ٢٤٥٧.
(٣) التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص ٢٦٤.
(٤) مقاييس اللغة، ابن فارس ٥٦/٥.
(٥) الصحاح، الجوهري ٥/ ١٧٩٧.
(٦) انظر: التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص٢٦٨.
(٧) انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص ١٠٤.
٢٩٤
مَنْشَةُ التَّقِين
جوبيه
القرآن الكريم

الموت
الإعدام:
٣
الإعدام لغةً:
العين والدال والميم أصل واحد يدل على فقدان الشيء وذهابه، من ذلك العدم، وعدم
فلان الشيء إذا فقده، وأعدمه الله سبحانه وتعالى أي: أماته، جمعه على العدماء (١)، عدمت
الشيء بالكسر، أعدمه عدمًا، بالتحريك على غير قياس، أي: فقدته(٢).
الإعدام اصطلاحًا:
هي شنق الإنسان، وقتله على فعل شنيع قام بارتكابه.
الصلة بين الموت والإعدام:
الموت وقوعه على العباد من رب العباد، الإعدام: حصوله بيد الإنسان على المذنب
بمشيئة الله.
(١) انظر: مقاييس اللغة، بن فارس ٢٤٨/٤.
(٢) انظر: الصحاح، الجوهري ١٩٨٢/٥.
www. modoee.com
٢٩٥

حرف الميم
الأسلوب القرآني في عرض الموت
تنوعت أساليب القرآن في عرض حقائق
الموت، وسوف نتناولها بالبيان فيما يأتي:
أولًا: حقيقة الموت والحكمة منه:
إن کنه الموت وحقيقته متعذرة معر فتها،
قال الغزالي رحمه الله: ((لا يمكن كشف
الغطاء عن كنه حقيقة الموت؛ إذ لا يعرف
الموت من لا يعرف الحياة، ومعرفة الحياة
متوقفة بمعرفة حقيقة الروح في نفسها،
وإدراك ماهية ذاتها))(١).
وقال سيد قطب رحمه الله: ((إننا لا نعرف
شيئًا عن حقيقة الحياة وحقيقة الموت حتى
اللحظة الحاضرة، ولكننا ندرك مظاهرهما
في الأحياء والأموات، ونحن ملزمون أن
نكل مصدر الحياة والموت إلى قوة ليست
من جنس القوى التي نعرفها على الإطلاق،
قوة الله))(٢).
إن كل أمر قدره الباري -جل وعلا - لابد
فيه من حكمة، ظهرت أم خفيت، والموت
من أعظم ما قدره الله تعالى على خلقه، فقد
جعله الله تعالى فتنة للانتقال من الدنيا إلى
الآخرة.
قال تعالى: ﴿الَّذِى خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَوَةَ لِيَبْلُوَكُمْ
أَبُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك: ٢].
(١) إحياء علوم الدين، الغزالي ٤٩٥/٤.
(٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ١/ ٢٩٨.
وإنما قدم الموت هنا لأنه المخلوق
أولًا، أو لأن أقوى الناس داعيًا إلى العمل
من نصب موته بین عینیه(٣).
قال ابن كثير رحمه الله: ومعنى الآية:
أنه أوجد الخلائق من العدم؛ ليبلوهم
ويختبرهم أيهم أحسن عملًا؟ كما قال:
﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾
[ البقرة: ٢٨ ].
فسمى الحال الأول -وهو العدم- موتًا،
وسمی هذه النشأة حیاة. ولهذا قال:
ثُمَّ
يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨].
وعند ابن أبي حاتم عن قتادة، قال في
قوله تعالى: ﴿اَلَّذِى خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْخَيَةَ﴾: إن
رسول الله صلی الله علیه وسلم کان یقول:
(إن الله أذل بني آدم بالموت، وجعل الدنيا
دار حياة ثم دار موت، وجعل الآخرة دار
جزاء ثم دار بقاء) (٤).
ونظرًا لتعذر معرفة كنه الموت، فقد
رتب أهل العلم الأحكام الشرعية المتعلقة
به بظهور أماراته، قال ابن قدامة رحمه الله:
((إذا اشتبه أمر الميت اعتبر بظهور أمارات
الموت: من استرخاء رجلیه وانفصال کفیه،
وميل أنفه، وامتداد جلدة وجهه، وانخساف
صدغیه» (٥).
(٣) الكشاف، الزمخشري ٤/ ٥٧٥.
(٤) تفسير ابن أبي حاتم ١٠/ ٣٣٦٣.
(٥) المغني، ابن قدامة ٢/ ٣٠٧.
٢٩٦
جوية
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

الموت
ثانيًا: الموت مصير كل حي:
إن الموت هو مصير محتوم لكل مخلوق
حي، أوجده الله سبحانه؛ لقوله تعالى:
﴿كُلُّ نَفْسِ ذَايِقَةُ الْمَوْنِّ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْحَعُونَ
[العنكبوت: ٥٧].
وقوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانِ﴾ [الرحمن:
٢٦].
فهنا يخبر تعالى أن جميع أهل الأرض
سيذهبون ويموتون، وكذلك أهل السموات،
إلا من شاء الله، ولا يبقى أحد سوى وجهه
الكريم، بل هو الحي الذي لا يموت أبدًا (١).
ولو نجا من الموت أحد لنجا منه أكرم
البرية عند ربها محمد صلی الله عليه وسلم،
ولو خلد أحد لخلد سيد الخلق صلى الله
عليه وسلم، لكن الله كتبه عليه فقال: ﴿ إِنَّكَ
مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠].
ثم واسی الله تعالی رسوله، فأخبره بأن
هذه سنته في خلقه، فقال: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرِ
مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَّ أَفَإِيْن مِّتَّ فَهُمُ الْخَلِدُونَ
[الأنبياء: ٣٤](٢).
وبعدها حذر المسلمين من النكوص
على الأعقاب: ﴿وَمَا مُحَمَّدُّ إِلَّا رَسُولٌ قَدْخَلَتْ
مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْنِ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ أَنْقَبْتُمْ
عَلَى أَعْقَبِّكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ
اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِى اَللَّهُ الشَّكِرِينَ﴾ [آل
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧/ ٤٩٤.
(٢) القيامة الصغرى، عمر الأشقر ص١٨.
عمران: ١٤٤].
وكان من دعاء النبي عليه السلام: (أعوذ
بعزتك الذي لا إله إلا أنت، الذي لا يموت،
والجن والإنس يموتون)(٣). فسبحان من
تفرد بالبقاء، وكتب على عباده الفناء.
إن تمني عدم ملاقاة الموت لن يجعل
الإنسان في حلٍ منه بل هو ملاقيه لا
محالة (٤).
قال الله: ﴿قُلْ بَأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُواْ إِن
زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءٌ لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوْاْ
الْمَوْتَ إِن كُمْ صَدِقِينَ (١) وَلَا يَمَنَوْنَهُ أَبَدًا بِمَا
قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمَّ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ { قُلْ إِنَّ
الْمَوْتَ الَّذِى تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَقِيكُمٌ
ثُمَّ تُذُّونَ إِلَى عَلِيمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا
﴾ [الجمعة: ٦-٨].
كتيٌ تَعْمَلُونَ
ولا ينفع الهرب من الموت.
ال الله: ﴿قُل لَّنْ يَنَفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَّتُم
مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذَا لَّا تُمَنَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾
[الأحزاب: ١٦].
ولن ينفع كذلك الالتجاء منه إلى بروج
مشيدة: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِكِكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْكُمْ
فِي بُرُوجِ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨].
والجمع هنا في كلمة (بروج) مقصود
أي: لو كنتم جميعًا معتصمين ببرج، وهذا
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد،
باب قول الله تعالى: (وهو العزيز الحكيم)،
٦/ ٢٦٨٨، رقم ٦٩٤٨.
(٤) أضواء البيان، الشنقيطي ٨/ ١٢٠.
www. modoee.com
٢٩٧

حرف الميم
البرج محاط بآخر وثالث ورابع، فلن الإيمان والطاعة (٤).
يحميكم من الموت، وهذا يبين بجلاء قدرة
الحق سبحانه في إنفاذ أمره بالموت(١).
ثالثًا: ندم الناس عند الموت:
كل الناس -مؤمنهم وكافرهم - سيندمون
عند الموت، أما المؤمن فندمه على تفريطه
في ساعة لم يذكر الله فيها، ويندم كذلك
لعدم إكثاره من العمل الصالح، وعدم
الحصول على الدرجات العليا من الجنة؛
ولذا أقسم الله بالنفس اللوامة فقال: ﴿وَلَّ
أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة: ٢].
قال مجاهد رحمه الله: ((هي التي تلوم
على ما فات، وتندم فتلوم نفسها على الشر
لم عمله، وعلى الخير لم لم يستكثر منه))(٢).
وأقسم الحسن رحمه الله على أنها نفس
المؤمن(٣).
أما الكافر فندمه بسبب تفريطه في جنب
الله.
قال الله: ﴿حَقٌَّ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ
رَبِّ أَرْ جِعُونِ (٢) لَعَلِّ أَعْمَلُ صَلِحًا فِيمَا تَرَكْتُ
كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَآبِهِم بَّزَعُ إِلَى ◌ُؤْمِ
يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٩-١٠٠].
ولذا فإن الإنسان یتمنی الرجوع إلى دنياه
ليتوب ويرجع عما اقترفه من قبل، لكن الله
تعالى بين أن التوبة والإنابة لا تنفع فقط بعد
الموت، بل حتى قبل خروج الروح، ومالم
يغرغر الإنسان.
قال الله: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ
يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ
اَلْمَوْثُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْثَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ
وَهُمْ كُفَّارٍ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَمْ عَذَابًا
أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٨](٥). قال ابن كثير رحمه
الله ((فأما متى وقع الإياس من الحياة،
وعاين الملك، وحشرجت الروح في
الحلق، وضاق بها الصدر، وبلغت الحلقوم،
وغرغرت النفس صاعدة في الغلاصم، فلا
توبة متقبلة حينئذ، ولات حين مناص))(٦).
رابعًا: الموت كتاب مؤقت:
إن الله تعالى كتب الموت، وجعل له
وقتًا لا يتقدم ولا يتأخر.
قال الله: ﴿وَلَنْ يُؤَخِرَ اللّهُ نَفْسًا إِذَا جَآءَ أَجَلُهَاً
وَاَللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون: ١١].
وقال: ﴿فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخُرُونَ سَاعَةٌ
والمعنى: لعلي أستدرك ما ضيعت من وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤].
والمعنى: سيأتي وقت محدود ينزل فيه
(١) تفسير الشعراوي ٢٤٣٦/٤.
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٩/ ٩٣.
(٣) فتح القدير، الشوكاني ٣٣٥/٥.
جوب
القرآن الكريمِ
(٤) التفسير الميسر، مجمع الملك فهد ص ٣٤٨.
(٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم ٣/ ٩٠٠.
(٦) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٣٨/٢.
٢٩٨

الموت
عذابهم من الله أو يميتهم فيه (١).
وذكر سبحانه أنه عجل الموت على
ومع أن الله تعالى أقت للموت، إلا
خلق وأخره على آخرين، فمنهم المستأخر إنه جعل هذا الأجل مجهولًا عن صاحبه؛
والمستعجل (٢).
قال الله: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ والانتباه والحذر من ساعة الأجل، فقال:
بِمَسْبُوقِينَ﴾ [الواقعة: ٦٠].
وعند مسلم من حديث ابن مسعود: أن
النبي صلى الله عليه وسلم أوصى أمنا أم
حبيبة رضي الله عنها بعد أن دعت الله بأن
يمتعها بزوجها وأبيها وأخيها، فقال: (قد
سألت الله لآجال مضروبة، وأيام معدودة،
وأرزاق مقسومة، لن یعجل شيئًا قبل حله،
أو يؤخر شيئًا عن حله)(٣).
وقد أخبر تعالى أن النفوس جميعها
متعلقة بآجالها بإذن الله وقدره وقضائه،
فمن حتم عليه بالقدر أن يموت مات ولو
بغير سبب، ومن أراد بقاءه، فلو أتى من
الأسباب بكل سبب، لم يضره ذلك قبل
بلوغ أجله.
قال الله: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسِ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا
بِإِذْنِ اَللَّهِ كِنَبًا مُّؤَجَّلًا ﴾ [آل عمران: ١٤٥].
وقال الله: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ ﴾ [الرعد:
(١) فتح القدير، الشوكاني ٢/ ٢٠٢.
(٢) جامع البيان، الطبري ١٣٧/٢٣.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب القدر، باب
بيان أن الآجال والأرزاق وغيرها لا تزيد ولا
تنقص عما سبق به القدر، ٤ / ٢٠٥٠، رقم
٢٦٦٣.
٣٨].
ليدفعه للعمل، والاستمرار على الطاعة،
﴿وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدّاً وَمَاتَدْرِى
نَفْسٌ بِأَمِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٤].
قال قتادة رحمه الله: ((أشياء استأثر الله
بهن، فلم يطلع علیھن ملكًا مقربًا، ولا نبيًا
مرسلًا ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ فلا
يدري أحد من الناس متى تقوم الساعة، في
أي سنة أو في أي شهر، ﴿وَيُنَزِّفُ الْغَيْثَ﴾
فلا يعلم أحد متی ينزل الغيث، ليلًا أو نهارًا،
﴿وَيَعْلَمُ مَا فِ آلْأَرْحَاِ﴾ فلا يعلم أحد ما في
الأرحام، أذكر أم أنثى، أحمر أو أسود، ﴿وَمَا
تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ أخير أم شر،
ولا تدري يا ابن آدم متى تموت؟ ﴿وَمَاتَدْرِی
نَفْسٌبِأَِ أَرْضٍ تَمُوتُ ﴾، لیس أحد من الناس
يدري أين مضجعه من الأرض، أفي بحر أم
بر؟ (٤).
خامسًا: الموت بيد من بيده الحياة:
الله تعالى هو خالق الحياة والموت،
وجعلهما بيده سبحانه ومن أسمائه: الحي.
قال الله: ﴿اَللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ
الْقَيُّومُ ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ٣٥٥.
www. modoee.com
٢٩٩

حرف الميم
والحي هو ((الذي لم يزل موجودًا نفسه؛ لأن ملك الموت لا يقدر أن يقبض
روح أحد إلا بإذنه ومشيئته تعالى: ﴿وَمَا
كَانَ لِنَفْسِ أَنْ تَمُوتَ إلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِنَبًا
مُؤَجَّلَا ﴾ [آل عمران: ١٤٥].
وبالحياة موصوفًا، لم تحدث له الحياة
بعد موت، ولا يعترضه الموت بعد الحياة،
وسائر الأحياء يعتورهم الموت والعدم)) (١)،
وإذا قيل في حق الله: هو حي، فالمعنى ((لا
يصح عليه الموت، وليس ذلك إلا لله عز
وجل)) (٢).
والناظر في الآيات يجد أن الله أسند
الموت وأخذ الروح إلى نفسه تارة فقال:
اللَّهُ يَتَوَنَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَأَتِى لَمْـ
تَمُتْ فِ مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢].
وأسنده مرة إلى الملائكة، فقال: ﴿إِنَّ
الَّذِينَ تَوَقَّهُمُ الْمَلَتِكَةُ﴾ [النساء: ٩٧].
وقال: ﴿حَّى إِذَا جَآءَ تْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ ﴾
[الأعراف: ٣٧].
وقال: ﴿وَلَوْ تَرَىَ إِذْ يَتَوَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ
الْمَلِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَرَهُمْ وَذُوقُوا
عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الأنفال: ٥٠].
وأسنده إلى ملك الموت، فقال: ﴿قُلْ
يَوَقَّكُمْ مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِى ◌ُّكِلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَيْكُمْ
٠٠ر ◌ُ
تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة: ١١].
فمن الذي يتوفى الأنفس حقيقة؟ وهل
بین هذه الآيات تعارض؟.
قال الشنقيطي رحمه الله: ((والجواب
عن هذا ظاهر: وهو أن إسناده التوفي إلى
(١) الأسماء والصفات، البيهقي ١/ ٦٣.
(٢) المفردات، الراغب الأصفهاني ص٢٧٩.
جوبيـ
القرآن الكريمِ
وأسنده لملك الموت؛ لأنه هو المأمور
بقبض الأرواح، وأسنده للملائكة؛ لأن ملك
الموت له أعوان من الملائكة تحت رئاسته،
يفعلون بأمره وينزعون الروح إلى الحلقوم،
فيأخذها ملك الموت)» (٣).
وقيل جوابًا عليه أيضًا: إن الله تعالى
هو المتوفي بخلق الموت، وأمر الوسائط
بنزع الروح، والملائكة المتوفون أعوان
ملك الموت وهم يجذبون من الأظفار إلى
الحلقوم، وملك الموت يتناول الروح من
الحلقوم، فصحت بذلك الإضافات كلها (٤).
(٣) دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب،
الشنقيطي ص ١٨٤.
(٤) أنموذج جليل في أسئلة وأجوبة عن غرائب
آي التنزيل، الرازي ص ٤٠٩.
٣٠٠

الموت
الناس والموت
من عجائب القرآن أنه رکز على قضايا
خاصة في حياة الناس، وحتى في أشد
الظروف مرارة وقساوة، سواء في صحة أو
سقم، في مرض أو موت، أو حرب أو سلم،
فردًا أو جماعة، غنيًا أو فقيرًا، فسبحان من
أودع العلوم في كتابه: ﴿مَّافَرَّطْنَا فِي الْكِتَبِ
مِن شَىْءٌ﴾ [الأنعام: ٣٨].
يتحدث القرآن عما يعتقده ذلك الكافر
عند حضور الموت، واعتقاد المؤمن
كذلك، ويتحدث عن توبة الإنسان عند
موته، وعن وصية الإنسان وهو على عتبة
الموت، ويعطي مثالًا رائقًا رائعًا عن وصية
يعقوب لأبنائه عند موته. وسيكون بحثنا
-بإذن الله -عن هذه المسائل:
روی ابن أبي حاتم بسنده عن ابن عباس
أولًا: اعتقاد الكافر أن الموت نهاية رضي الله عنهما، قال: (جاء العاص بن
المطاف:
يعتقد المكذبون بالبعث أن الموت هو
النهاية العظمى وهو آخر المطاف، ولا بعث
بعدئذ، حيث قالوا: ﴿أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا
تُرَابًا وَعِظَمَا أَوِنَا لَمَبْعُوتُونَ (١) لَقَدْ وُعِدْنَا
فَحْنُ وَءَابَاؤُنَا هَذَا مِن قَبْلُ إِنْ هَذَّآْ إِلَّ أَسَطِيرُ
الْأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٨٢-٨٣].
ثم اعتقدوا أن لا حياة بعد ذلك ولا
نشورًا.
قال الله: ﴿بَلْ كَانُواْ لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾
[الفرقان: ٤٠].
فزاد تكذيبهم وعنادهم وقالوا: ﴿وَقَالُوا
إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَانُنَا الدُّنْيَا وَمَا غَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾[الأنعام:
٢٩].
وقد سطرت الآيات الكريمة مشهدًا
يصور منطق تلك العقلية التي نشأت على
التکذیب بالبعث وظلم النفس والابتعاد عن
الحق.
قال الله: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَةٌ.
قَالَ مَن يُحْيِ الْعِظَمَ وَهِىَ رَمِيمٌ ﴿ قُلْ يُحْبِيهَا
الَّذِىّ أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٌ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمُ
الَّذِى جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا
٧٩
فَإِذَا أَنْتُم مِنْهُ تُوفِّدُونَ ﴿ أَوَلَيْسَ الَّذِى خَلَقَ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِقَدِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمَّ
بَ وَهُوَ الْخَلَّقُ اَلْعَلِيمُ﴾ [يس: ٧٨-٨١].
وائل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
بعظم حائل، ففته بيده فقال: يا محمد أيحبي
الله هذا بعدما أرم؟، قال: (نعم يبعث الله
هذا، ثم یمیتك، ثم یحییك، ثم يدخلك نار
جهنم)(١).
وقال الله: ﴿وَيَقُولُ آلْإِنسَنُ أَوِذَا مَا مِتُّ
◌َسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ [مريم: ٦٦].
واختلف هنا في من المقصود بالإنسان؟
(١) تفسير ابن أبي حاتم ١٠/ ٣٢٠٢.
وصححه الوادعي، في الصحيح المسند من
أسباب النزول ص١٧٤.
www. modoee.com
٣٠١

حرف الميم
هل هو عام، أم أنه قصد أحدًا بعينه؟. فقيل:
العاص، وقيل: أبي بن خلف أو الوليد بن
المغيرة(١).
وأيًا كان، فكل من كان على هذه الشاكلة
فهو مقصود، والمعنى: یقول المنکر للبعث،
المستبعد لوقوعه: کیف یعیدني الله حیًا بعد
الموت، وبعد ما كنت رميمًا؟(٢).
قال الله: ﴿حَقَّى إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ
رَبِّ أَرْجِعُونِ ﴿ لَعَلِّ أَعْمَلُ صَلِحًا فِيمَا تَرَكْتُ
كَلََّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَآيِهِمْ بََّخُ إِلَى يَوْمِ
يَعْثُونَ
[المؤمنون: ٩٩-١٠٠].
وهو من كان يقول قبل: ﴿أَيَعِدُّكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا
مِتُمْ وَكُنْتُمْ تُرَبًا وَعِظَمًا أَنَّكُمْ تُخْرَجُونَ (٥ هَيْهَاتَ
هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (٦) إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَانُنَا الذُّنْيَا
نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [المؤمنون:
٣٥-٣٧].
ثانيًا: اعتقاد المؤمن أن الموت مرحلة:
وأما المؤمن، فإنه يعتقد بأن الموت لیس
إلا طريقًا للدار الآخرة، وهو أول مراحلها؛
ولذا فقد أخبر الله تعالى أن مجيء الموت
هو طريق لما بعده من نفخ الصور، ومجيء
(١) فتح البيان، صديق خان ١٨٣/٨.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٤٩٨.
الشهود، ورؤية ما لم تره من قبل، فقال:
﴿وَجَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَيِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ
تَجِدُ ﴿ وَتُفِخَ فِ الصُّورِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ
وَحَمَتْ كُلّ نَفْسِ مَعَهَا سَآِقٌّ وَشَهِيدٌ الَّقَدْ كُنْتَ
فِ غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَصَرُكَ أَلْيَوْمَ
حَدِيدٌ﴾ [ق: ١٩- ٢٢].
إن المخاطب بهذه الآيات هو
ولذا فإن الكافر بعد أن يعاين ما بعد الإنسان(٣)، سواء كان مؤمنًا أم كافرًا،
والمؤمن یقبله کعین یقین، فلا يشك بما جاء
من عند الله.
الموت، يأخذ بالدعاء والتضرع بالرجوع
إلی الدنیا مرة أخرى؛ ليستأنف عمله ویشرع
بالحسنى، ولکن هیهات ساعتئذ.
ولما كانت نفرته منه وهربه من وقوعه
بحفظ الصحة ودواء الأداء في الغاية، كان
كأنه لا ينفر إلا منه، فأشار إلى ذلك بتقديم
الجار فقال: ﴿مِنْهُ قِدُ﴾ (٤).
قال أبو السعود رحمه الله: ((بعدما ذکر
استبعادهم للبعث والجزاء وأزيح ذلك
بتحقیق قدرته تعالی وعلمه، وبین أن جميع
أعمالهم محفوظة مكتوبة عليهم، أتبع ذلك
بییان ما یلاقونه لا محالة من الموت والبعث،
وما يتفرع عليه من الأحوال والأهوال، وقد
عبر عن وقوع كل منها بصيغة الماضي إيذانًا
بتحقيقها وغاية اقترابها)» (٥).
وذکر سبحانه أن خروج الروح ما هي إلا
مساق إليه، فليس خروجها نهاية الأمر، قال
سبحانه: ﴿كَلَّ إِذَا بَلَغَتِ التََّافِيَ ) وَقِيلَ مَنَّ رَآقِ()
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٩٩/٧.
(٤) نظم الدرر، البقاعي ١٨/ ٤٢٣.
(٥) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ١٢٩/٨.
٣٠٢
مُوسُو ◌َ النَّقِين
القرآن الكريمِ

الموت
وَظَنّ ◌َنَّهُ الْفِرَاقُ ﴿ وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ ) إِلَى رَبِكَ
يَوْمَيدٍ الْمَسَاقُ﴾ [القيامة: ٢٦ -٣٠].
قال السعدي رحمه الله: ((يعظ تعالى
عباده بذكر حال المحتضر عند السياق،
وأنه إذا بلغت روحه التراقي، وهي العظام
المكتنفة لثغرة النحر، فحينئذ يشتد الكرب،
ويطلب كل وسيلة وسبب يظن أن يحصل
قِيلَ مَنْ
به الشفاء والراحة، ولهذا قال:
رَقٍ﴾ أي: من يرقيه؛ لأنهم انقطعت آمالهم
من الأسباب العادية، فلم يبق إلا الأسباب
الإلهية. ولكن قضاء الله إذا حتم فلا مرد له.
﴿وَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ﴾ للدنيا. ﴿وَالْنَفَّتِ السَّاقُّ بِلسَّاقِ﴾
أي: اجتمعت الشدائد والتفت، وعظم الأمر
وصعب الكرب، وأريد أن تخرج الروح
التي ألفت البدن ولم تزل معه، فتساق إلى
الله تعالى، حتى يجازيها بأعمالها، ويقررها
بفعالها)»(١).
ثم إن الموت إما جسر يمد للمؤمن إلى
الجنة، أو جسر يمد للكافر إلى جهنم والعياذ
بالله.
٨٣
قال تعالى: ﴿فَلَوَّلَا إِذَا بَلَغَتِ الْمُلْقُومَ (
وَأَنْتُمْ حِينَيِذٍ نَنْظُرُونَ ﴾ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ
وَلَكِن لَّا نُبُّصِرُونَ ﴿ فَلَوْلَا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ
فَأَمَّا إِن كَانَ
(٦ تَرْجِعُونَها إِن كُمُ صَدِقِينَ ()
مِنَ الْمُقَّرَّبِنَ ﴿ فَرَوْعُ وَرَْجَانٌ وَحَنَّتُ نَّعِيمٍ )
وَأَمَّ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَبِ الْيَمِينِ ، فَسَلَهٌ لَّكَ مِنْ
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٩٠٠.
أَصْحَبِ أَلْيَمِينِ ) وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ
الضَّالِّينَ ؟ فَقُلُ مِّنْ حِيمٍ ﴾ وَتَصْلِيَةُ بَحِيمٍ
٤) إِنَّ هَذَا لَمُوَ حَقُّ أَلْيَقِّينِ﴾ [الواقعة: ٨٣-
٩٥].
وبناء على ما تبين، فإن من الألفاظ التي
نهى عنها أهل العلم: قول بعض الناس:
(دفن فلان في مثواه الأخير) !! لأنه من
المعلوم أن الموت والقبر ما هما إلا مرحلة
بين الدنيا والآخرة، فبعدههما يأتي البعث
ثم الحشر، ثم العرض في يوم القيامة ثم إلى
جنة أو نار: ﴿فَرِيقٌ فِ الْجَنَّةِ وَفَرِيِقٌ فِ السَّعِيرِ﴾
[الشورى: ٧].
ولذا فلو أطلقها إنسان معتقدًا ما ترمي
إليه من المعنى الإلحادي الكفري المذكور؛
لكان كافرًا مرتدًا فيجب إنكار إطلاقها،
وعدم استعمالها(٢).
ثالثًا: التوبة عند الموت:
التوبة: مأخوذة من (توب)، والتاء
والواو والباء: أصل يدل على الرجوع (٣).
وتاب إلى الله تعالى من كذا وعن كذا:
أناب ورجع عن المعصية إلى الطاعة (٤).
والتوبة النصوح: هي توثيق العزم على أن لا
يعود (٥).
(٢) المناهي اللفظية، بكر أبو زيد ٤٧٦.
(٣) مقاييس اللغة، ابن فارس ٣٥٧/١.
(٤) لسان العرب، ابن منظور ٢٣٣/١.
(٥) التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي
ص٢١٣.
www. modoee.com
٣٠٣

حرف الميم
والتوبة هي ترك الذنب مخافة الله،
واستشعار قبحه، وندم على المعصية من
حيث هي معصية، والعزيمة على ألا يعود
إليها إذا قدر عليها، وتدارك ما أمكنه أن
يتدارك من الأعمال(١). وحقيقتها ليست
فقط ترك الذنب، بل لابد فيها من التزام بأمر
الله.
وقد أتت التوبة في القرآن على ثلاثة
أوجه(٢):
أولًا: بمعنى الندم: كقوله تعالى:
﴿فَتُوبُواْ إِلَى بَارِيَكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة:
٥٤].
ثانيًا: بمعنى التجاوز: كقوله تعالى:
﴿لَّقَد تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيّ وَالْمُهَجِينَ
وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة: ١١٧].
ثالثًا: بمعنى الرجوع عن الشيء: كقول
موسى عليه السلام: ﴿يُّبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ
الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣].
وقد أمر الله عباده بالتوبة فقال: ﴿وَتُوبُواْ
إِلَى اَللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ اَلْمُؤْمِنُونَ﴾ [النور:
٣١].
وبشرهم بقبولها بقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَقْبَلُ
النَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِهِ﴾ [الشورى: ٢٥].
وفتح لهم باب الرجاء، بعفوه عنهم
ومغفرته لهم، فقال: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ أَلَّذِينَ
(١) التوبة إلى الله، صالح السدلان ص١٠.
(٢) قاموس القرآن، الدامغاني ص ٩٠.
جوسيوة
القرآن الكريم
أَسْرَفُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَعُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ
اَللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ, هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾
[الزمر: ٥٣].
ولذا كان واجبًا على الخلق أن يبادروا
بالتوبة إلى الله، بل واتفقت الأمة على
ذلك (٣)، فإن فعلوا فقد أوجب الله على
نفسه قبولها منهم في وقتها، فقال: ﴿إِنَّمَا
التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءِ بِجَهَلَةٍ ثُمَّ
يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللّهُ عَلَيْهِمْ
﴾ [النساء: ١٧].
وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا
وحتى تكون توبة العبد مقبولة عند الله،
لابد وأن تكون في وقتها، ووقتها الذي قدره
الله موسع، وهو من وقوع الذنب إلى ما قبل
حضور الموت.
قال الله: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ
يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ
اَلْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْقَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ
وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَمْ عَذَابًا
أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٨].
يعني بذلك -جل ثناؤه -: وليست
التوبة للذين يعملون السيئات من أهل
الإصرار على معاصي الله حتى إذا حشرج
أحدهم بنفسه، وعاين ملائكة ربه قد أقبلوا
إليه لقبض روحه، ثم قال: وقد غلب على
نفسه، وحیل بينه وبين فهمه، بشغله بکرب
حشرجته وغرغرته: ﴿إِنِّ تُبْتُ أَلْكَنَ
(٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٩٠/٥.
٣٠٤

الموت
يقول: فليس لهذا عند الله توبة؛ لأنه قال ما مِن قَبْلُ﴾). ثم قرأ الآية (٥).
قال في غیر حال توبة (١).
وذکر هذا النبي صلی الله عليه وسلم
حيث قال: (إن الله عز وجل ليقبل توبة العبد
ما لم يغرغر)(٢)، وقوله: (ما لم يغرغر) أي:
ما لم تبلغ روحه حلقومه (٣).
ووقتها کذلك إلى ما قبل رؤية العذاب أو
بعض علامات الساعة.
قال الله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلََّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ
الْمَلَتِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِىَ بَعْضُ ءَايَتِ رَيِّك
يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ مَايَتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيَتُهَا لَمْ
تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِى إِيَمَنِهَا خَيْراً قُلِ
أَنَظِرُ وَإِنَّا مُنْنَظِرُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٨].
وجمهور المفسرين على أن المقصود
بقوله: ﴿يَأْتِىَ بَعْضُ ءَايَتِ رَيِّكَ﴾ أي: طلوع
الشمس من مغربها (٤).
وقد بین النبي صلى الله عليه وسلم ذلك
بقوله: (لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس
من مغربها، فإذا رآها الناس آمن من عليها،
فذاك حين ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَتُهَالَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ
(١) جامع البيان، الطبري ٨/ ٩٨- ٩٩.
(٢) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الدعوات،
٥٤٧/٥، رقم ٣٥٣٧.
قال الترمذي: حسن غريب.
وحسنه الألباني في صحيح الجامع، ٣٨٦/١،
رقم ١٩٠٣.
(٣) قوت المغتذي على جامع الترمذي، السيوطي
٩٥٥/٢، رقم ٣٥٣٧.
(٤) فتح البیان، صديق خان ٢٨٣/٤.
رابعًا: الوصية عند الموت:
الوصية في اللغة: أخذت هذه اللفظة من
وصيت الشيء إذا أوصلته (٦).
أما شرعًا فتعني: تمليك مضاف إلى ما
بعد الموت بطريقة التبرع(٧).
والوصية مشروعة بالكتاب والسنة
وإجماع الأمة:
أما بالكتاب فلورود الآيات الكثيرة التي
دلت على مشروعيتها.
قال الله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ
أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَّرَكَ خَيْرًا أَلْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ
وَاَلْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِّ حَقًّا عَلَى الْمُنَّقِينَ
[البقرة: ١٨٠].
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما حق
امرئ مسلم له شيء یوصي فیه، یبیت یلتین
إلا ووصيته مكتوبة عنده). قال ابن عمر:
ما مرت علي ليلة منذ سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم يقول ذلك إلا وعندي
وصيتي (٨).
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير،
باب (لا ينفع نفسًا إيمانها)، ٥٨/٦، رقم
٤٦٣٥.
(٦) لسان العرب، ابن منظور ١٥/ ٣٩٤.
(٧) حاشية ابن عابدين ٦/ ٦٤٧.
(٨) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوصايا،
باب الوصايا، ١٠٠٥/٣، رقم ٢٥٨٧.
www. modoee.com
٣٠٥

حرف الميم
مشروعيتها(١).
قال ابن عبد البر - رحمه الله: ((أجمعوا
على أن الوصية غير واجبة، إلا على من
علیه حقوق بغیر بینة، وأمانة بغير إشهاد، إلا
طائفة شذت فأوجبتها)) (٢).
يخبرنا القرآن عن ذلك المشهد المؤثر
بین یعقوب علیه السلام عندما حضرته الوفاة
وأبنائه، ولنا أن نتخيل هذا المشهد بصورته
المعهودة: أب مضطجع ومسجى في غطائه
يكابد الموت، وأبناء حوله جلوس يرقبونه،
ويتألمون لفراقه، عند ذلك يترك يعقوب
الحديث عن الألم والفراق وينظر إلى ما هو
أجل وأكمل.
ويسوق القرآن لنا هذا الحوار بين يعقوب
وینیه داعيا إلى تأمل الحوار.
قال الله: ﴿وَوَضَّى بِهَآ إَِّهِمُ بَنِهِ وَيَعْقُوبُ
يَنِىَّ إِنَّ اللَّهَ أَصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَ تَمُوتُنَّ إِلَّا
وَأَنْتُم ◌ُّسْلِمُونَ { أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ
يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ
مِنْ بَعْدِى قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ ءَابَآيَكَ
إِبْرَهِْمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهَا وَحِدًا وَنَحْنُ لَهُ
مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢ - ١٣٣].
والكلمة التي وصى بها إبراهيم بنيه هي
التي قال الله عنها: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةٌ بَاقِيَةً فِی
(١) المغني، ابن قدامة ١٣٧/٦.
(٢) المجموع، النووي ١٥/ ٤٠١.
ونقل ابن قدامة رحمه الله الإجماع على عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٢٨](٣)،
قال الطبري: ((هي قوله: ﴿قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ
الْعَلَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١](٤). قال ابن كثير:
((وقد قرأ بعض السلف (ويعقوب) بالنصب
عطفًا علی بنیه، کأن إبراهیم وصی بنیه وابن
ابنه يعقوب بن إسحاق و کان حاضرا ذلك»،
ثم قال: ((والظاهر - والله أعلم-، أن إسحاق
ولد له يعقوب في حياة الخليل وسارة))(٥).
و کیف ینهاهم يعقوب عن الموت ولیس
الموت إليهم، فيصح أن ينهوا عنه؟.
والجواب: «أنهم لم ینهوا عن الموت،
وإن كان اللفظ على ذلك، وإنما نهوا في
الحقيقة عن ترك الإسلام؛ لئلا يصادفهم
الموت عليه، فإنه لابد منه. وتقديره: اثبتوا
على الإسلام؛ لئلا يصادفكم الموت وأنتم
على غيره))(٦).
بعدها يبين الله مشهد يعقوب مع أبنائه
الذين حضروا موته؛ ليوصيهم وصية مودع،
لكنها على سبيل الاختبار، فلما سألهم
أجابوه بما أطمأنت إليه نفسه، وقرت به
عينه، بأنهم على دين التوحيد وأنهم لن
عَحْنٌ
يشركوا به، وسيعملون بما اعتقدوه
لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٣].
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٤٦/١.
(٤) جامع البيان، الطبري ٩٣/٣.
(٥) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٤٦/١.
(٦) النكت في القرآن الكريم، المجاشعي
ص ١٥٤.
٣٠٦
القرآن الكريم

الموت
فجمعوا بذلك بين العلم والعمل (١). مثل حظ الأنثيين، وجعل للأبوين لكل
وبالرغم من كل ما قام به إخوة يوسف من واحد منهما السدس، للمرأة الثمن والربع،
وللزوج الشطر والربع»(٥).
جرائم إلا إنهم تمسكوا بدينهم. والحقيقة
أن هذه أعظم الوصايا وأرفعها قدرًا وأعلاها
شأنًا، كيف لا وهي مختصة بأرفع الأمور
وهو توحيد الله، والبعد عن الشرك.
والموضع الآخر الذي ذکر الوصية عند
الموت هو قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْإِذَا
حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَّكَ خَيْرًّا الْوَصِيَّةُ
لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِّ حَقًّا عَلَى الْمُنَّفِينَ
١٨٠
فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ
يُبَدِّلُونَهُ؟ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٨٠ - ١٨١].
ومعنى الآية: فرض عليكم إذا حضرت
لأحدكم مقدمات الموت وأسبابه وعلله،
إن ترك مالًا أن يوصي للوالدين والأقارب،
وهذا واجب على كل من يتقي الله(٢).
قال السعدي رحمه الله: ((واعلم أن
جمهور المفسرين يرون أن هذه الآية
منسوخة بآية المواريث))(٣). ((وليعلم أن الله
لا یتعبد في وقت من الأوقات إلا بما فيه
الحكمة البالغة» (٤).
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال:
((كان المال للولد، وكانت الوصية للوالدین،
فنسخ من ذلك ما أحب، فجعل للذكر
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٦٦.
(٢) معالم التنزيل، البغوي ١/ ١٩٢.
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٨٥.
(٤) معاني القرآن، الزجاج ١/ ٢٥٠.
وأما الموضع الثالث فهو قول الله:
﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِيَّ أَوْلَدِكُمْ﴾ وفي الآية:
﴿مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصِىِهَآ أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:
١١].
والآية التي تليها مباشرة ﴿مِنْ بَعْدٍ
وَصِيَّةِ يُوصِینَ پھآ آَوْدَتْنٍ﴾، ثم: ﴿مِنْ
بَعْدٍ وَصِيَّةٍ تُوُصُونَ بِهَا أَوْدَيْنٍ﴾، ثم:
﴿مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَآ أَوْدَيْنٍ﴾ [النساء:
١٢].
وهذه الآيات تبين أن الوصية أو الدين
مقدمان على قسمة الميراث؛ لأن الدین حق
علی المیت والوصية حق له، وإذا كان الدین
والوصية قد وقعا معا فيقدم الدين على
الوصية (٦)
والموضع الأخير هو قوله تعالى:
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهَدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ
أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ أَثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ
مِنْكُمْ أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِى
اْأَرْضِ فَأَصَبَتَّكُمْ مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا
مِنْ بَعْدِ الصَّلَوَةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ أَرْتَّبْتُمْ لَا
نَشْتَرِى بِهِ ثَّمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبٌ وَلَا تَكْتُمُ شَهَدَةً
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، کتاب الوصايا،
باب لا وصية لوارث، ٣/ ١٠٠٨، رقم
٢٥٩٦.
(٦) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٦٥٩/١.
www. modoee.com
٣٠٧

حرف الميم
اَللَّهِ إِنَّ إِذَا لَّمِنَ الْأَثِمِينَ﴾ [المائدة: ١٠٦].
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:
خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري
وعدي بن بداء، فمات السهمي بأرض لیس
بها مسلم، فلما قدما بتركته فقدوا جاما (١)
من فضة مخوصًا من ذهب، فأحلفهما رسول
الله -صلی الله عليه وعلى آله وسلم- ثم
وجدوا الجام بمكة، فقالوا: ابتعناه من تميم
وعدي، فقام رجلان من أولياء السهمي،
فحلفا لشهادتنا أحق من شهادتهما، وأن
الجام لصاحبھم. قال: وفیھم نزلت هذه
الآية: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهَدَةٌ بَيْنِكُمْ إِذَا
حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ ﴾ [المائدة: ١٠٦](٢).
قال ابن کثیر رحمه الله: «الأکثرون على
أن هذه الآية محکمة، ولیس فیها نسخ، ومن
ادعى النسخ فعليه البيان»(٣).
ومعنى الآیات یا أيها المؤمنون: إذا قرب
الموت من أحدكم، فليشهد على وصيته
اثنين أمينين من المسلمين، أو آخرين من
غير المسلمين عند عدم وجود غيرهما من
المسلمين، تشهدونهما إن أنتم سافرتم
في الأرض فحل بكم الموت، وإن ارتبتم
(١) الجام: الكأس أو الإناء. ومخوصًا أي:
منقوشا.
انظر: فتح الباري، ابن حجر ٥ /٤١٠-٤١١.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوصايا،
١٣/٤، رقم ٢٧٨٠.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢١٥/٣.
في شهادتهما فقفوهما من بعد الصلاة،
فيقسمان بالله قسمًا خالصًا لا يأخذان به
عوضًا من الدنيا، ولا يحابيان به ذا قرابة
منهما، ولا یکتمان به شهادة لله عندهما،
وأنهما إن فعلا ذلك فهما من المذنبين (٤).
ويمكن أن يستدل بهذه الآية الكريمة
على عدة أحكام(٥):
أولًا: أن الوصية مشروعة، وأنه ينبغي
لمن حضره الموت أن يوصي.
ثانيًا: تعظيم أمر الشهادة حيث أضافها
تعالى إلى نفسه، وأنه يجب الاعتناء بها
والقيام بها بالقسط.
ثالثًا: أنها معتبرة، ولو كان الإنسان وصل
إلى مقدمات الموت وعلاماته، ما دام عقله
ثابتًا.
رابعًا: أن شهادة الوصية لابد فيها من
اثنین عدلین.
خامسًا: أن شهادة الكافرين في هذه
الوصية ونحوها مقبولة لوجود الضرورة.
خامسًا: وقوع موت ثم حياة في الدنيا:
لما حصل إنكار من بعض البشر على
قدرة الله في بعث الخلائق يوم القيامة،
أعطى الله بعض الإشارات الواقعة في
الدنيا؛ لتدل على صدق وقوعه في الآخرة،
فأبانه الله حقيقة مشاهدة في أكثر من موطن،
(٤) التفسير الميسر، مجمع الملك فهد ص١٢٥ .
(٥) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٢٤٦.
٣٠٨
ـَ النََّّ
جوية
القرآن الكريمِ

الموت
فأحيا بعض البشر، ومن قدر على هذا في
الدنيا، هان عليه الأمر بعد.
وقد ذكرت سورة البقرة وحدها أمثلة
متعددة على وقوع الموت ثم الحياة في
الدنیا، وبیانه:
١. أول القصص في ذكر الإحياء صراحة
في الدنيا، هي عندما طلب قوم موسى
منه، أن يريهم الله جهرة، فأخذتهم
بعَثْنَكُم مِّنْ
الصاعقة. قال الله:
بَعْدٍ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة:
٥٦].
خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّ يُحْيِ هَذِهِ اللّهُ
بَعْدَ مَوْتِهَاً فَأَمَاتَهُ اللّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعْنَهُ﴾
[البقرة: ٢٥٩].
٥. فطلب إبراهيم من ربه أن يريه كيفية
الإحياء، قال: ﴿رَپّ آرِبِ كَيْفَ تُحْي
الْمَوْقَى﴾ [البقرة: ٢٦٠].
٢. بعدها تأتي القصة الثانية التي صرحت
بالإحياء في الدنيا، وهي قصة بقرة
بني إسرائيل، التي أمرهم الله أن
يذبحوها؛ كي يكشفوا جريمة القتل.
قال الله: ﴿فَقُلْنَا أَضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ
يُحِ اَللَّهُ الْمَوْنَى وَيُرِيِكُمْ ءَايَتِهِ لَعَلَّكُمْ
تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٧٣]. ثم يأتي التصريح
بأن الشهداء أحياء عند الله، وليسوا
بأموات، فقال: ﴿وَلَا نَقُولُواْ لِمَن يُقْتَّلُ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَقْوَتُ بَلْ أَعْيَّةٌ وَلَكِن لَّا
تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١٥٤].
٣. ثم يصرح الله تعالى بالإحياء في
قصة ﴿الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ
أُلُوفُّ حَذَّرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ
﴾ [البقرة: ٢٤٣].
٤. ثم قصة الذي مر على قرية ﴿وَهِىَ
www. modoee.com
٣٠٩

حرف الميم
الموت والآخرة
أخبر القرآن أن لا موت في الآخرة، وإنما
هو خلود في الجنة أو النار، وسنوضح هذا
المعنى فيما يأتي:
أولًا: حال الموت في الآخرة:
بعد كل هذا يبين لنا النبي صلى الله عليه
وسلم نهاية الموت يوم القيامة وانتهاء أمره،
قال رسول الله صلی الله عليه وسلم: (یؤتى
بالموت کھیئة کېش أملح، فينادي مناد: یا
أهل الجنة، فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل
تعرفون هذا؟، فيقولون: نعم، هذا الموت،
وكلهم قد رآه. ثم ينادي: يا أهل النار،
فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون
هذا؟، فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم
قد رآه، فيذبح. ثم يقول: يا أهل الجنة خلود
فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت. ثم
قرأ: ﴿وَأَنْذِرُهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِىَ الْأَمْرُوَهُمْ فِى
غَفْلَةٍ﴾ (وهؤلاء في غفلة أهل الدنيا) ﴿وَهُمْ
لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم: ٣٩])(١).
والمعنى من قوله عليه السلام: أن الموت
سيجسد كهيئة كبش مختلط سواده ببياضه،
وعندما ينادى الفريقان، سيرفعون أعناقهم
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير،
باب تفسير سورة مريم، ٤ / ١٧٦٠، رقم
٤٤٥٣.
ویمدونها للاطلاع على ما سيحدث من ذبح
للموت.
وقول الله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ اَلْحَسْرَةِ إِذْ
قُضِىَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِ غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي:
وأنذرهم يوم القيامة، ﴿إِذْ قُضِىَ الْأَثْرُ﴾
أي: إذا فرغ من الحكم لأهل النار بالخلود
فيها، ولأهل الجنة بمقام الأبد فيها، بذبح
الموت. ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي:
وهؤلاء المشركون في غفلة عما الله فاعل
بهم يوم يأتونه خارجين إليه من قبورهم، من
تخليده إياهم في جهنم، وتوريثه مساكنهم
من الجنة غيرهم. ﴿وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي:
وهم لا يصدقون بالقيامة والبعث، ومجازاة
الله إياهم على سيئ أعمالهم، بما أخبر أنه
مجازیهم به (٢).
والحكمة من الإتيان بالموت هكذا:
إشارة إلى أنهم حصل لهم الفداء له كما
فدي ولد إبراهيم بالكبش. والحكمة في
جعله كبشًا أملح: حتى يجمع بين صفتي
أهل الجنة والنار: وهي السواد والبياض (٣).
قال ابن القيم رحمه الله: ((وهذا الكبش
والإضجاع والذبح ومعاينة الفريقين حقيقة
لا خيال ولا تمثيل، كما أخطأ فيه بعض
الناس، وقال: الموت عرض، والعرض لا
(٢) جامع البيان، الطبري ٢٠١/١٨-٢٠٢.
(٣) فتح الباري، ابن حجر ١١/ ٤٢٠.
٣١٠
صَوْسُو
القرآن الكريم