النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوعِى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ ٧ المِسْحِك عناصر الموضوع مفهوم المسجد ٤٤ المسجد في الاستعمال القرآني ٤٥ الألفاظ ذات الصلة ٤٦ حكمة إقامة المساجد ٤٨ ء ٥٠ مساجد ذكرت في القرآن ٦٠ أحكام المساجد ٦٥ عمارة المساجد وهدمها المُجَلَّدَ الخَاذِنى وَالثَّلاثُونْ حرف الميمر مفهوم المسجد أولًا: المعنى اللغوي: المسجد في اللغة: مأخوذ من الفعل (سجد) على وزن (فعل)، قال سيبويه: ((وأما المسجد فإنه اسم للبيت، ولست تريد به موضع السجود وموضع جبهتك، لو أردت ذلك لقلت مسجدٌ ))(١)، وقال ابن الأعرابي:((مسجد))، بفتح الجيم، محراب البيوت، ومصلى الجماعات: مسجد بكسر الجيم، والمساجد: جمعها. والمساجد أيضًا،: الآراب التي يسجد عليها. والآراب السبعة: مساجد»(٢). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: المسجد جمعه مساجد، وقد عرفت المساجد في الاصطلاح بتعريفات عدة هي: أن المساجد اسم للأبنية المتخذة في الإسلام للصلاة(٣). أنها «البيوت المبنية للصلاة فيها لله فهي خالصةٌ له سبحانه ولعبادته (٤). أنها «كل موضع يمكن أن يعبد الله فيه ويسجد له)) (٥). قال القرطبي: «أجمعت الأمة على أن البقعة إذا عينت للصلاة بالقول خرجت عن جملة الأملاك المختصة بربها وصارت عامة لجميع المسلمين، فلو بنى رجل في داره مسجدًا وحجزه على الناس، واختص به لنفسه لبقي على ملكه ولم يخرج إلى حد المسجدية، ولو أباحه للناس كلهم كان حكمه حكم سائر المساجد العامة، وخرج عن اختصاص الأملاك)» (٦). ويمكن القول أن المساجد هي: بيوت الله تعالى المتخذة لعبادة المسلمين وبخاصة الصلاة والموقوفة لهذا الغرض. (١) الكتاب، سيبويه ٤ / ٩٠. (٢) تهذيب اللغة، الأزهري ٣٠١/١٠. (٣) نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي ص٥٦٨. (٤) مدارك التنزيل، النسفي ٥٥٢/٣. (٥) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢/ ٧٨. (٦) المصدر السابق ٧٨/٢. ٤٤ مَوَسُولَةُ النَّطية لِلْقُرآن الكَرِيمِ المسجد المسجد في الاستعمال القرآني وردت كلمة (مسجد) في القرآن بصيغتين، بلغت (٢٨) مرة (١). والصيغ التي وردت هي: الصيغة عدد المرات المثال فَلَنُوَلْيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَنَهَاْ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ اسم مفرد ٢٢ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيَهَا أَسْمُهُ﴾ اسم جمع ٦ [البقرة : ١١٤] وجاء المسجد في الاستعمال القرآني على وجهين (٢): أحدهما: اسم لموضع السجود، وهو اسمٍ للأبنية المتخذة في الإسلام للصلاة: ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَِّمَتْ صَوَِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَتٌ وَمَسَجِدُ يُذْكَرُ فَ اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [الحج: ٤٠]. الثاني: أعضاء الإنسان التي يسجد عليها: ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُواْ مَعَ اَللَّهِ أَحَدًا ﴾ [الجن: ١٨]. أي: أعضاء السجود هي لله، فلا تسجدوا بها لغيره. (١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي ص ٣٤٥. (٢) انظر: نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي ص ٥٦٧ - ٥٦٩. www. modoee.com ٤٥ حرف الميمر الألفاظ ذات الصلة الصوامع: ١ الصوامع لغة: «الصوامع جمع صومعة، وزنها فوعلة، وهي بناء مرتفعٌ لأعلى، يقال: صمع الثريدة أي: رفع رأسها وحدده، ورجل أصمع القلب أي: حاد الفطنة. والأصمع من الرجال الحديد القول، أو الصغير الأذن من الناس وغيرهم. وكانت قبل الإسلام مختصة برهبان النصارى وبعباد الصابئين- قاله قتادة- ثم استعمل في مئذنة المسلمين))(١). وذكرت بعض المعاجم المعاصرة أن الصوامع تطلق على معان أشهرها أنها الأديرة أو بيوت العبادة عند النساك والرهبان النصارى الذين يتخذونها في الأماكن النائية (٢). الصوامع اصطلاحًا: الصوامع: قال ابن عباس: هي المعابد الصغار للرهبان، وكذا قاله مجاهد وأبو العالية وعكرمة والضحاك(٣). الصلة بين الصوامع والمساجد: الصوامع والمساجد كلها أماكن التعبد لله عز وجل، لكن الصوامع كما قال ابن عباس: هي المعابد الصغار للرهبان، أما المساجد التي عند المسلمين فهي أماكن التعبد للمسلمين أجمعين. الصلوات : ٢ الصلوات اصطلاحًا: قيل: هذه اللفظة معربة؛ لذا لم نتطرق للمعنى اللغوي لها، واختلف في نسبتها فنسبها بعضهم لليهود، ونسبها بعضهم للنصارى، قال الزجاج والحسن: هي كنائس اليهود، وهي بالعبرانية صلوتا، وقال أبو عبيدة: «الصلوات بيوت تبنى للنصارى في البراري يصلون فيها في أسفارهم، تسمى صلوتا فعربت فقيل صلوات)) (٤). (١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٧١/١٢. (٢) انظر: معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد مختار ١٣٣٨/٢. (٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥/ ٤٣٢. (٤) معاني القرآن، الزجاج ٤٣٠/٣، لسان العرب، ابن منظور ٢٠٨/٨، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٧١/١٢. ٤٦ جوسين القرآن الكريم لسد الصلة بين الصلوات والمساجد: الصلوات والمساجد كلها أماكن التعبد لله عز وجل، إلا أن المساجد أماكن التعبد لهذه الأمة، والصلوات لما قبلها من اليهود أو النصارى على الخلاف في ذلك. البيع: ٣ البيع اصطلاحًا: هي أوسع من الصوامع، وهي للنصارى. قاله أبو العالية وقتادة والضحاك وغيرهم، وقيل: إنها كنائس اليهود (١). الصلة بين البيع والمساجد: البيع والمساجد كلها أماكن التعبد لله عز وجل، إلا أن المساجد أماكن التعبد لهذه الأمة، والبيع لما قبلها من اليهود أو النصارى على الخلاف في ذلك. (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٣٢/٥. www. modoee.com ٤٧ حرف الميم حكمة إقامة المساجد شرع الله سبحانه وتعالى إقامة المساجد لحكم سامية ومعان جليلة عالية، ولهذا كان بناؤها من فروض الكفايات أحيانا ومن فروض الأعيان أحيانًا أخرى بحسب الأحوال، كما ذكره بعض العلماء المعاصرين (يجب بناء المساجد في الأمصار والقرى والمحال ونحوها بحسب الحاجة فهو فرض كفاية))(١). ولهذا نجد حث القرآن الكريم على بناء المساجد ورفعها ليقصدها المسلمون بالعبادة والعمارة، فتكون سببا في نيلهم الثواب العظيم. قال الله تعالى: ﴿فِ بُيُوتٍ أَذِنَ اَللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِهَا أَسْمُهُ يُسَيِّحُ لَهُ فِهَا بِالْقُدُوِّ وَاْأَصَالِ ٦ رِجَالٌ لَّا نُلْهِمْ تِجَةٌ وَلَا بَيْعُ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَوَةِ وَإِنَِّ الزَّكَوَةٌ يَخَافُونَ يَوْمًّا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَرُ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُمْ مِّن فَضْلِهِهُ وَاللّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [النور: ٣٦ - ٣٨]. وذكر غير واحد من المفسرين أن المراد برفع المساجد في الآية هو بناؤها، فروي هذا عن مجاهد ومقاتل (٢). (١) إصلاح المساجد من البدع والعوائد، القاسمي ص٢٦٣. (٢) تفسير مجاهد ١/ ٤٩٣، تفسير مقاتل ٢٠١/٣، جامع البيان، الطبري ١٩/ ١٩٠. وجاء في آيات القرآن الكريم ما يبين طرفا من حكم بناء المساجد وإقامتها، وأبرز هذه الحکم ما يلي: ١. إقامة المساجد لعبادة الله تعالى وحده وطاعته والتقرب إليه. لما كانت المساجد هي بيوت الله تعالى المتخذة للعبادة بمختلف أنواعها من صلاة وذکر وتسبيح وقراءة قرآن وغيرها، فقد بین القرآن الكريم ضرورة مراعاة ذلك، وهي أن یفرد الله تعالی بالعبادة فلا يشرك به أحدٌ. قال تعالى: ﴿وَأَنَّالْمَسَجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُواْ مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨]. والمراد بها إفراد الله تعالى بالعبادة، فلا ينبغي أن يدعى غيره جل وعلا، ولیس المقصود عدم الإشراك في المسجد فقط، بل هذا خرج مخرج الغالب، وإلا فإشراك أحد في العبادة لا يجوز في المسجد ولا خارج المسجد. وهذه الآية فيها دليل على وجوب مخالفة اليهود والنصارى فيما كانوا يفعلونه في معابدهم من دعوة غير الله تعالى، فقد روي عن قتادة في معنى الآية قوله: ((كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم أشركوا بالله، فأمر الله نبيه أن يخلص له الدعوة إذا دخل المسجد))(٣). غیر قوم وقال الحسن: ((ليس من (٣) جامع البيان، الطبري ٦٦٥/٢٣. ٤٨ جوسين القرآن الكريم المسجد المسلمين يقومون في مساجدهم إلا وهم وتقديمه على المنزل تذكيرا بنعمة الله سبحانه وتوثيقا للرابطة القوية للمسجد)) (٤). يشركون بالله فيها، فأخلصوا لله))(١). ومن معالم الطاعة والعبادة إفراد الله ومن معالم الطاعة والعبادة: تسبيح وتلاوة القرآن. تعالى وحده بالعبادة و حسن القصد إليه جل وعلا، إذ هو وحده المتفرد بذلك والمستحق لذلك. قال الله تعالى: ﴿فِي ◌ُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا أُسْمُهُ يُسَبْعُ لَهُفِهَا ◌ِلْغُدُوِّ وَالْأَصَالِ ٣٦﴾ [النور: ٣٦]. فقد روي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ قال: ((يتلى فيها کتابه))(٢). وروي عنه أيضا أن المراد بها توحيد الله في المساجد(٣). وقال جل شأنه: ﴿وَمَسَجِدُ يُذْكَرُ فِيَا أُسْمُ اللَّهِ كَثِيرً﴾ [الحج: ٤٠]. قال بعض المعاصرين( فالمساجد أحب البقاع إلى الله، وهي قلعة الإيمان ومنطلق إعلان التوحيد لله سبحانه وتعالى، فهي المدرسة التي خرجت الجيل الأول، ولا زالت بحمد الله تخرج الأجيال، وهي میدان العلم والشورى والتعارف والتآلف، إليها يرجع المسافر أول ما يصل إلى بلده شاكرا الله سلامة العودة مستفتحًا أعماله بعد العودة بالصلاة في المسجد إشعارا بأهميته (١) تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين ٤٦/٥. (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١٩١/١٩، تفسير ابن أبي حاتم، ٢٦٠٦/٨. (٣) انظر: النكت والعيون، للماوردي ٤/ ١٠٧، زاد المسير، ابن الجوزي ٢٩٨/٣. قال تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّ بِالْقِسْطٌ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَّ كُمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ٢٩ [الأعراف: ٢٩]. وفي تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ قولان وُجُومَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ مشهوران للعلماء: أولهما: ما قاله الربيع: أنها في الإخلاص، بمعنى: أن لا تدعوا غير الله تعالى، وأن تخلصوا له الدين (٥). والثاني: ما قاله مجاهد والسدي وعبد الرحمن بن زيد: أن المراد بها التوجه للكعبة(٦). ومن معالم الطاعة أن المسجد الحرام خاصة يرتبط بعبادة الحج، فقد وضعه الله عز وجل لهذه العبادة التي تجمع بين البدن والمال، فالمسجد الحرام يقصده الناس من (٤) المشروع والممنوع في المسجد، فالح الصغير ص٨. (٥) جامع البيان، الطبري ١٢ / ٣٨١. (٦) انظر: تفسير مجاهد ٣٣٥/١، جامع البيان، الطبري ٣٨٠/١٢-٣٨١. www. modoee.com ٤٩ حرف الميم كل حدب وصوب. قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ [آل لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدِّى لِلْعَلَمِينَ ﴾﴾ عمران: ٩٦]. ٢. إقامة المساجد لنشر الترابط الاجتماعي بین المسلمین. ولتكون مشعل هداية ومحل اجتماع المسلمين على هدف واحد، وكلمة واحدة، وشعيرة واحدة، فيتعلمون ويتدارسون، وتتربي في المسجد أجيال من المؤمنين أحسن تربية، وتنشأ أفضل نشأة، ولهذا حرص النبي عليه السلام على أن يكون المسجد أول بناء في الدولة الإسلامية. مساجد ذكرت في القرآن ورد في القرآن الكريم ذكر عدة مساجد على رأسها المسجدين المسجد الحرام والمسجد الأقصى تصريحًا، ثم مساجد المدينة المنورة (مسجد قباء، والمسجد النبوي، ومسجد الضرار) ولكن ليس على سبيل التصريح، وتعلقت بهذه المساجد أحكام شرعية وردت في القرآن الكريم، وبيان ذلك على النحو الآتي: أولًا: المسجد الحرام: ورد ذكر المسجد الحرام منصوصًا على اسمه في خمسة عشر موضعًا في القرآن الکریم، وورد باسم البيت مفردًا ومضافا في مواضع أخرى، ولكل موضع من هذه المواضع أحكامه على هذا النحو: ١. أول بيت وضع للناس. البيت العتيق هو أول بيت وضع للناس في الأرض كما نصت عليه الآية الكريمة ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِىِ بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدِّى لِلْعَلَمِينَ ﴾ [آل عمران: ٩٦]. وللمفسرين أقوال في معنى الأولية الواردة في الآية على هذا النحو: القول الأول: أنه أول بيت وضع للناس، یعبد الله تعالی فیه، وليس هو أول بيت وضع في الأرض، لأنه قد كانت قبله بيوت كثيرة. وهذا ما روي عن علي والحسن وسعيد بن ٥ قَضوري جوبيع القرآن الكريم السيد المسيب وغيرهم(١). فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ، وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ القول الثاني: أنه أول بيت وضع مطلقًا لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللّهُ بِفَفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٤٤]. بمعنی أول بناء، وهذا قول ابن عمرو ومجاهد وقتادة والسدي(٢). القول الثالث: أن موضع الكعبة هو موضع أول بيت وضعه الله تعالى في مِن رَّبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٤٩]. الأرض. وهو قول آخر لقتادة (٣). وفي الصحيحين عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه، قال: (قلت: يا رسول الله، أي مسجد وضع في الأرض أول؟ قال: (المسجد الحرام) قال: قلت: ثم أيّ؟ قال (المسجد الأقصى) قلت: كم كان بينهما؟ قال: (أربعون سنةً، ثم أينما أدركتك الصلاة بعد فصله، فإن الفضل فيه)(٤). ٢. قبلة المسلمين. وذلك في ثلاثة مواضع في سورة البقرة في قصة تغيير القبلة. قال الله تعالى: ﴿قَدْ نَرَىْ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَّنَّكَ قِبْلَةُ تَرْضَنَهَاً فَوَلِ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِّ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ (١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٩/٦-٢٠، النكت والعيون، الماوردي ٤١٠/١، زاد المسير، ابن الجوزي ٣٠٦/١. (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٠/٦-٢١، تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٠٣، زاد المسير، ابن الجوزي ١ / ٣٠٦. (٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٦/ ٢١. (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة، رقم ٣٣٦٦، ومسلم في صحيحه، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، رقم ٥٢٠. وقال جل شأنه: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوْلٍ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَاءِ وَإِنَّهُ، لَلْحَقُّ وقال تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ حَجْتَ فَوَلٍ وَجْهَكَ شَطَرَ الْمَسْجِدِ اَلْحَرَاءِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُبَّةُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَأَخْشَوْنِ وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٠]. والآيات الكريمة واردة في قصة تحویل القبلة من بيت المقدس إلى المسجد الحرام في العام الثاني من الهجرة على نحو ما هو مشهور في السنة النبوية والسيرة. وفي الصحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: (بينما الناس في صلاة الصبح بقباءٍ، إذ جاءهم آتٍ فقال: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة، وقد أمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها، و کانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى القبلة)(٥). ولا خلاف بين فقهاء الأمة سلفًا وخلفًا (٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب (ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام)، رقم ٤٤٩٤. www. modoee.com حرف الميم على أن هذه الآيات دليل على فرضية [البقرة: ١٥٠]. استقبال القبلة في الصلاة على تفصيل معروف مبسوط في كتب الفروع حول كيفية الاستقبال لمن كان داخل المسجد الحرام أو خارجه، أو کان داخل مکة أو خارجها(١). قال ابن رشد: ((اتفق المسلمون على أن التوجه نحو البيت شرط من شروط صحة الصلاة لقوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَاءِ﴾ [البقرة: ١٥٠]))(٢). المسجد الحرام على قولين: القول الأول: أن شطر المسجد الحرام أي تلقاءه. قاله مجاهد وقتادة والربيع بن أنس وسعيد بن جبير وعكرمة. القول الثاني: أن المراد بالشطر هنا وسط المسجد الحرام. وهو قول البراء (٣). ٣. تحريم القتال عنده. نظرًا لمكانة البيت الحرام ومنزلته، فقد نهى القرآن الكريم عن القتال عنده نهيًا صريحًا في قول الله تعالى: ﴿وَأَقْتُلُوهُمْ حَيْثُ تَفِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْعِنْنَةُ أَشَدُّمِنَ اٌلْقَتْلِّ وَلَا نُقَدِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَدِلُوكُمْ فِيَةٍ فَإِن قَتَلُكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَآءُ الْكَفِرِينَ﴾ (١) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٢٢٥/١، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢/ ١٥٩. (٢) بداية المجتهد، ابن رشد ١ / ١١٨. (٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم ٢٥٤/١. وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن هذه الآية منسوخة بقول الله تعالى ﴿وَقَئِلُوهُمْ حَقَّ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ أَننَهَوْ فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّلِينَ ﴾ [البقرة: ١٩٣]. حيث روي هذا عن قتادة والربيع (٤). وروي عن مجاهد وأكثر المفسرين أن الآية محكمة غير منسوخة، وأنه لا يجوز الابتداء بالقتال في الحرم(٥). وللقراء وجهان في الآية حيث قرأ حمزة ((واختلف المفسرون في المقصود بشطر والكسائي: (ولا تقتلوهم)،: (حتى يقتلوكم) بغير الألف واللام من القتل، وقرأ الباقون بالألف من القتال، والمشهور الثاني(٦). قال الطبري: ((وأولى هاتين القراءتين بالصواب، قراءة من قرأ: ((ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتی یقاتلو کم فیه فإن قاتلو کم فاقتلوهم، لأن الله تعالی ذکره لم يأمر نبيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه في حالٍ إذا قاتلهم المشركون بالاستسلام لهم حتى يقتلوا منهم قتيلا بعد ما أذن له ولهم بقتالهم، فتكون القراءة بالإذن بقتلهم بعد أن يقتلوا منهم، أولى من القراءة بما اخترنا، (٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٥٦٧/٣، الكشف والبيان، الثعلبي ٨٨/٢. (٥) انظر: جامع البيان، الطبري ٥٦٧/٣، الكشف والبيان، الثعلبي ٨٨/٢. (٦) انظر: التيسير في القراءات السبع، الداني ص ٨٠، مفاتيح الغيب، الرازي ٢٩٠/٥. مَوْسُو ◌َرَ النَّفْسِير القرآن الكريمِ ٥٢ المسجد وإذا كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أنه قد كان كَانُواْ أَوْلِيَاءٌَ إِنْ أَوْ لِيَاؤُهُ: إِلَّ الْمُنَّقُونَ (@)﴾ [الأنفال: وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ٣٤]. تعالی ذکرہ أذن لهم بقتالهم إذا کان ابتداء القتال من المشركين قبل أن يقتلوا منهم قتيلا وبعد أن يقتلوا منهم قتيلا، وقد نسخ الله تعالى ذكره هذه الآية بقوله: ﴿وَقَئِلُوهُمْ حَّ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ [البقرة: ١٥٠](١). ٤. تحريم الصد عنه. ذم الله تعالى مشركي قريش بصدهم المسلمين عن المسجد الحرام، في مواضع من كتاب الله عز وجل، ((والصد عن المسجد الحرام جريمة عظيمة يستحق فاعلها عذاب الدنيا قبيل عذاب الآخرة، لأنه يؤول إلى الصد عن التوحيد لأن ذلك المسجد بناه مؤسسه لیکون علما على توحيد الله وماوی للموحدین، فصدهم المسلمین عنه، لأنهم آمنوا بإله واحد، صرف له عن کونه علما على التوحيد، إذ صار الموحدون معدودين غیر أهل لزیادته، فقد جعلوا مضادین له، فلزم أن يكون ذلك المسجد مضادًا للتوحيد وأهله)» (٢). وقد ذكرت قضية صد المشركين المسلمين عن المسجد الحرام في مواضع عدة من كتاب الله تعالى. قال تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا (١) جامع البيان، الطبري ٥٦٨/٣. (٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٣٦/٩. وقال تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْىَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَجِلَّهُ، وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَآٌ مُؤْمِنَتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُم مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِى رَحْمَتِهِ، مَن يَشَاءُ لَوْ تَزَّيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [الفتح: ٢٥]. ٢٥ والمعروف أن صد المشركين المسلمين عن المسجد الحرام كان في عام صلح الحديبية، وقد استوجبوا بذلك عذاب الله تعالى كما في آية الأنفال ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الأنفال: ٣٤]. قال النسفي في معناها:((﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ اُلْحَرَامِ﴾ وكيف لا يعذبون وحالهم أنهم يصدون عن المسجد الحرام كما صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبة وإخراجهم رسول الله والمؤمنين من الصد وكانوا يقولون نحن ولاة البيت والحرم فنصد من نشاء وندخل من نشاء فقيل: ﴿وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءٌُ﴾ وما استحقوا مع إشراكهم وعداوتهم للدين أن يكونوا www. modoee.com ٥٣ حرف الميم ولاة أمر الحرم)) (١). على خلاف بين العلماء في المقصود وفي سورة الحج يقول المولى عز وجل بالنجاسة هنا هل هي النجاسة الحسية ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ أو المعنوية، وهي نجاسة الشرك والعياذ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِى جَعَلْتَهُ لِلنَّاسِ سَوَآءَ بالله(٣). اَلْعَكِّفُ فِيهِ وَالْبَادِّ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادِ يُظُلْمِ تُّدِّقَّهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [الحج: ٢٥]. وفسر الصد عن المسجد الحرام هنا بإخافة السبل، وبغصب المال الذي لو بقي فى يد صاحبه لوصل به إلى المسجد الحرام (٢). وعلى الرغم من كون الصد عن المسجد الحرام جريمة كبيرة إلا أن الله تعالى نهى المسلمين عن الاعتداء أو البدء بالاعتداء، فقال جل شأنه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ سَنَفَانُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِّ وَالنَّقْوَىّ وَلَا نَعَاوَنُواْ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ ﴾ [المائدة: ٢]. ٥. حرمة دخول المشر کین فیه. حرم الله تعالى على المشركين دخول المسجد الحرام بمقتضى الآية الكريمة يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ تَجَسَُّ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةٌ فَسَوْفَ يُغْنِيَكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ* إِن شَآءُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيهُ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة: ٢٨]. (١) مدارك التنزيل، النسفي ١/ ٦٤٣. (٢) لطائف الإشارات، القشيري ٢/ ٥٣٧. قال القرطبي في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ ((فسماه الله تعالى نجسًا، فلا يخلو أن يكون نجس العين أو مبعدًا من طريق الحكم، وأي ذلك كان فمنعه من المسجد واجب لأن العلة وهي النجاسة موجودة فيهم، والحرمة موجودة في المسجد)) (٤). . وفي الصحيحين عن حميد بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة، أخبره: (أن أبا بكرٍ الصديق رضي الله عنه بعثه في الحجة التي أمره عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل حجة الوداع يوم النحر في رهطٍ يؤذن في الناس (ألا لا يحج بعد العام مشركٌ، ولا يطوف بالبيت عريانٌ) (٥). وفي الآية احتمالان ذكرهما بعض العلماء أولهما: أن يكون النهي خاصًا (٣) انظر: حاشية ابن عابدين ١/ ٢٢٢، الذخيرة، القرافي ١٦٣/١، نهاية المحتاج، الرملي ٢٨٩/١، حاشية الروض المربع، ابن قاسم النجدي ٩٦/٢. (٤) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٠٥/٨. (٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحج، باب لا يطوف بالبيت عريان ولا يحج مشرك، رقم ١٦٢٢، ومسلم في صحيحه، كتاب الحج باب لا يحج بالبيت مشرك ولا يطوف بالبيت عريان، رقم ١٣٤٧. ٥٤ مَوَسُو ◌َرَ النفسية الوضو القرآن الكريم السيد بالمشرکین الذین کانوا ممنوعین عن دخول مکة وسائر المساجد، لأنه لم یکن لهم ذمة وكان لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، وهم مشركو العرب، والثاني: أن يكون المراد منعهم من دخول مكة للحج (١). ٦. الحج إليه. البيت الحرام هو مقصد المسلمين في فريضة الحج، الركن الخامس من أركان الإسلام، وهو المنصوص عليه في قول الله تعالى: ﴿فِيهِ مَايَتُ بَيْنَتُ مَّقَامُ إِزَهِيمٌ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ ءَامِنَاً وَلِلَّهِ عَلى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ أَسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ ﴾ [آل عمران: ٩٧]. والحج عبادة زمانية ومكانية، وأن مكانها البيت الحرام بمكة المكرمة وما حوله من البقاع المقدسة مثل الصفا والمروة وعرفات ومنى ومزدلفة. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَبِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ أَعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَاً وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهُ شَاكِرُ عَلِيمُ ()﴾ [البقرة: ١٥٨]. أي: من معالم الله التي جعلها تعالى ذكره لعباده معلمًا ومشعرًا يعبدونه عندها، إما بالدعاء، وإما بالذكر، وإما بأداء ما فرض عليهم من العمل عندها (٢). وقال جل شأنه في شأن المشعر الحرام وعرفات كبقعتين مقدستين من بقاع الحج يتعلق بهما بعض المناسك: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحُ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن زَّبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَأَذْكُرُواْ اللّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَاءِ وَأَذْكُرُوهُ كَمَا هَدَنَكُمْ وَإِن كُنتُممِّن • [البقرة: ١٩٨]. ١٩٨ قَبْلِهِ ع ◌َلَمِنَ الضَّالِّينَ ٧. بداية الإسراء برسول الله صلى الله علیه وسلم. وذلك في قوله تعالى: ﴿سُبْحَنَ اَلَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى اَلْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِى بَرَكْنَا حَوْلَهُ، لِتُرِيَّهُ مِنْ مَيَِّنَاْ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ [الإسراء: ١]. وقد اختلف المفسرون في مبتدأ الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم بناء على هذه الآية على قولين: القول الأول: أن المقصود الإسراء من الحرم بناء على أن الحرم كله مسجد، وكان صلى الله عليه وسلم حين أسري به نائمًا في بیت أم هانیء بنت أبي طالب، روی ذلك أبو صالح عن أم هانیء. القول الثاني: أنه صلی الله عليه وسلم أسري به من المسجد، وفيه كان حين أسري (١) اللباب في الجمع بين السنة والكتاب، به، روى ذلك أنس بن مالك وقاله الحسن، المنبجي ٥٧٠/٢. (٢) جامع البيان، الطبري ٢٢٦/٣. www. modoee.com حرف الميم وقتادة(١). ثانيًا: المسجد الأقصى: المسجد الأقصى هو ثان مسجد بني على ظهر الأرض كما هو منصوص عليه في الصحيحين من حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه، قال: (قلت يا رسول الله، أي مسجدٍ وضع في الأرض أول؟ قال: (المسجد الحرام) قال: قلت: ثم أيّ؟ قال (المسجد الأقصى) قلت: كم كان بينهما؟ قال: (أربعون سنةً، ثم أينما أدركتك الصلاة بعد فصله، فإن الفضل فيه)(٢). وهو بيت المقدس، وسمي الأقصى، لبعد المسافة بين المسجدين، والمقصود بالبركة حوله أن الله أجرى حوله الأنهار، وأنبت الثمار، أو لأنه مقر الأنبياء، ومهبط الملائكة(٣). وقصة نشأة بيت المقدس وعمارته وفضائله كثيرة تواترت ببعضها نصوص السنة النبوية، وأفردها علماء كثيرون بالتأليف والتصنيف. وقدورد التصريح باسم المسجد الأقصى في آية واحدة من كتاب الله تعالى في مطلع (١) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٣٠/١٧، النكت والعيون، الماوردي ٢٢٥/٣، زاد المسير، ابن الجوزي ٨/٣. (٢) سبق تخريجه. (٣) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٢٢٦/٣، زاد المسير، ابن الجوزي ٨/٣. سورة الإسراء وهي قوله جل شأنه ﴿سُبْحَنَ الَّذِىَّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِى بَرَكْنَا حَوْلَهُ لِتُرِيَهُ مِنْ ءَايَئِنَّأْ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ اَلْبَصِيرُ ﴾ [الإسراء: ١]. وجمهور المفسرين على أن الآية دليل صريح على أنه منتهى الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه عليه السلام دخله بجسده الشريف وصلى فيه بالأنبياء إماما، ومنه كانت رحلة المعراج (٤). وروي عن حذيفة بن اليمان أن النبي صلی الله عليه وسلم لم ينزل عن البراق ولم يدخل المسجد الأقصى ولم يصل فيه، وما ذهب إليه الجمهور هو الأقوى والأثبت(٥). أما عن وروده بغير التصريح ففي مواضع عدة استنبطها المفسرون من قصة السيدة مريم عليها السلام حيث ذكر غير واحد من المفسرين أن نذر امرأة عمران الوارد في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ آَمْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبٍ إِّ نَذَرْتُ لَكَ مَا ◌ِ بْنِى مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّيَّ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ [آل عمران: ٣٥]. كان خدمة مريم عليها السلام لبيت (٤) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٣/ ٤٣٤، زاد المسير، ابن الجوزي ٨/٣، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٠٨/١٠. (٥) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٤٩/١٧، المحرر الوجيز، ابن عطية ٤٣٤/٣، زاد المسير، ابن الجوزي ٨/٣. جَوَسُو ◌َرَ النَّفِيَّة القرآن الكريم ٥٦ مسجد قباء من أشهر مساجد المدينة المنورة بعد المسجد النبوي، وقد ذهب كثير من المفسرين وعلماء السيرة إلى أن مسجد قباء هو المقصود في قول الله تعالى: ﴿لَمَسْجِدُّ أُسِسَ عَلَى التَّقْوَىُ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيَةٍ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَنَطَهَّرُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِرِينَ ﴿ أَفَمَنْ أَسَّسَ ◌ُلْيَكِنَهُ, عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُلْيَكِنَّهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَأَهَارَ ◌ِهِ، فِي نَارٍ جَهَنَّمَ وَاَللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [التوبة: ١٠٩]. (١٠١) حيث ذهب إلى ذلك مقاتل، والسدي، وزيد بن أسلم، وغيرهم من مفسري السلف (٢). ولكن روي عن ابن عمر وأبي سعيد الخدري أن المقصود به مسجد رسول الله (١) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٣٢/٦، تفسير السمرقندي ٥٤/٣، النكت والعيون، الماوردي ٣٨٧/١، الهداية لبلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب ٩٩٤/٢، المحرر الوجيز، ابن عطية ١ / ٤٢٤. (٢) انظر: تفسير مقاتل ١٩٧/٢، معاني القرآن، الزجاج ٤٦٩/٢، تفسير ابن أبي حاتم ١٨/٦/ ٨٣، تفسير السمر قندي ٨٩/٢. المقدس، حيث روي هذا عن عكرمة (١)، صلى الله عليه وسلم، وليس مسجد قباء(٣). فقد أخرج مسلم في صحيحه عن و کذا من قصة نبي الله داود وسليمان عليهما السلام، مما لا مجال لذكره هنا. حميد الخراط، قال: (سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن، قال: مر بي عبد الرحمن بن ثالثًا: مسجد قباء: أبي سعيد الخدري، قال: قلت له: كيف سمعت أباك يذكر في المسجد الذي أسس على التقوى؟ قال: قال أبي: دخلت على رسول الله صلی الله عليه وسلم في بيت بعض نسائه، فقلت: يا رسول الله، أي المسجدين الذي أسس على التقوى؟ قال: فأخذ کفّا من حصباء، فضرب به الأرض، ثم قال: (هو مسجدكم هذا) لمسجد المدينة، قال: فقلت: أشهد أني سمعت أباك هكذا یذکره)(٤). وأخرج ابن أبي شيبة بسنده عن ابن عمر، قال: ((المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد النبي صلی الله عليه وسلم)) (٥). ويمكن القول بأن ما تؤيده رواية مسلم هو الأولى بالقبول، وهو أن المسجد الذي أسس على التقوى هو المسجد النبوي على ساكنه أفضل الصلاة وأتم التسليم. وأيا كان القول فإن مسجد قباء قد أسسه (٣) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٨٤/٣، تفسير السمر قندي ٨٩/٢. (٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب بيان أن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، رقم ٥١٤. (٥) مصنف ابن أبي شيبة، رقم ٧٥٢٣، ٢/ ٨٤. www. modoee.com ٥٧ حرف الميم رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول قدومه المدینة، حیث کانت و فادته صلى الله علیه وسلم على بني عمرو بن عوف بقباء، وأقام فيهم عدة ليال بنی خلالها مسجد قباء، ثم ارتحل عنهم إلى الموضع الذي بنى فيه مسجده الشريف وبيوت أزواجه الطاهرات، وقد أسس كلا المسجدين على التقوى أي: على توحيد الله تعالى، ورضوانٍ من الله(١). رابعًا: مسجد الضرار: مسجد اتخذه بعض المغرضين في المدينة للتفريق بين المسلمين فجاء القرآن الكريم مبينًا زيف صنيعهم وخبث نيتهم وسوء طويتهم، ناهيًا النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين عن الصلاة فيه. قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ أَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرَاً وَتَغْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَّ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ ﴿ لَا نَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْجِدُ أُسِسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيَةٍ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَنَطَهَّرُواْ وَاَللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِرِينَ ﴿ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُّنْيَكِنَهُ. عَلَى تَقْوَى مِنَ اَللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ ◌ُلْيَكِنَّهُ, عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَأَتَهَارَ بِهِ، فِ نَارٍ جَهَنَّمْ وَاَللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ آ (١) انظر: الكشاف، الزمخشري ٣١١/٢، المحرر الوجيز، ابن عطية ٣/ ٨٤. [التوبة: ١٠٧ - ١٠٩]. وسبب نزولها أن اثنا عشر رجلا من المنافقين وكلهم من الأنصار، قالوا: نبني مسجدًا نتحدث فيه ونخلو فيه، فإذا رجع ابو عامر الراهب من الشام قلنا: بنيناه لتكون إمامنا فيه؛ فلما فرغوا من بنائه، أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنا قد بنینا مسجدًا وما أردنا إلا الحسنى، ونحب أن تصلي فيه، وكان بناؤهم للمسجد قبل سفر النبي صلى الله عليه وسلم إلى تبوك، فلم يسعفهم بالذهاب إليه، فأنزل الله هذه الآيات، فدعا النبي عليه الصلاة والسلام أناسًا وأمرهم بالتوجه إلى المسجد لتحريقه وهدمه(٢). وقد نهى القرآن الكريم النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في مسجد الضرار وحثه على الصلاة في مسجد قباء مبيناً المقارنة بين المسجدين التي تتمثل في أمرین: الأول: أن مسجد قباء بني على التقوى وهي طاعة الله ورسوله، وقصد به إرضاء الله تعالى، وإخلاص العبادة فيه، وجمع المؤمنين، والعمل على وحدة الإسلام، وظلت هذه المزية له، وأصبح من السنة صلاة ركعتين فيه على الدوام، ثم وضع (٢) انظر: تفسير مقاتل ١٣٧/٥، جامع البيان، الطبري ٢٦٨/١٤، أسباب النزول، الواحدي ص٢٦٤. ٥٨ فَضْو جوسين الْقُرآن الكَرِيْمِ القرآن قاعدة عامة للمقارنة بين المسجدين وأي بناءين، وتلك القاعدة: الثاني: أنه لا يستوي من أسس بنیانه على تقوی من الله ورضوان، ومن بنى مسجدا ضرارًا وكفرًا وتفريقًا بين المؤمنين، وهذا مصيره الانهيار والسقوط في قعر جهنم، والله لا يوفق الظالمين، ولا يهديهم للحق والصواب والصلاح، ما داموا قد قصدوا المعصية والكفر، وقد صار هذا مثلا للأجيال (١). مسجد الضرار واقعة سوء تركت آثارًا سيئة استوجبت إزالته: ((أبان القرآن أربعة أسباب لهدم مسجد المنافقين: مسجد الضرار، وهي: إنهم اتخذوا بقصد مضارة المؤمنين الذين بنوا مسجد قباء. أقاموه ليكون معقلا الكفر والنفاق، والتآمر على المسلمين، فصار مركز الفتنة وبيت النفاق ومأوى المنافقين. قصدوا ببنائه أيضا تفريق كلمة المؤمنين، وتوهين المودة والألفة بینهم. جعلوه مرصدا ومقرا لمحاربة الله ورسوله، بقيادة أبي عامر الراهب من الخزرج الذي ذهب إلى هرقل ليأتي بجنود یحارب بهم النبي وصحبه. (١) التفسير الوسيط، الزحيلي ١/ ٩٢٠. وصار المنافقون يحلفون: ما أردنا ببناء هذا المسجد إلا الفعلة الحسنى والتوسعة علينا وعلى من عجز أو ضعف عن المسير إلى مسجد المدينة، والله يعلم خبث ضمائرهم ویشهد على أنهم كاذبون فيما حلفوا عليه. لكل هذه الأسباب القائمة على الضرر والإساءة، نهى الله تعالى نبيه عن الصلاة في هذا المسجد: مسجد الضرار: لا تقم فيه أبدًا. ولهذا كان لمسجد الضرار آثار ومعان سيئة على مر التاريخ، فهو لا يزال سبب حزازة وأثر سوء، وشك من المنافقين في الدين، وزيادة نفاقهم إلى أن يفارقوا حياتهم بالموت والله عليم بأعمال خلقه، حكيم في إيقاع الجزاء العادل بهم من خير أو شر، ومن حكمته تعالى إظهار حال المنافقين لمعرفة الحقائق وإنصاف التاريخ»(٢). (٢) المصدر السابق. www. modoee.com ٥٩ حرف الميم أحكام المساجد تتعلق بالمساجد طائفة من الأحكام، وقد بسط فيها العلماء الكلام في مصنفات خاصة بذلك، ولكن الذي يعنينا هو ما ورد في القرآن الكريم من هذه الأحكام على هذا النحو: ١. النهي عن اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد. نهى الإسلام عن اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد، نظرًا لما يجلبه ذلك من مفاسد شرعية، ولم يرد النهي عن ذلك صريحًا في القرآن وإنما ورد النهي والتحذير في السنة النبوية. كما في الصحيحين عن عائشة، وعبد الله بن عباسٍ، قالا: (لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصةً له على وجهه، فإذا اغتم بها کشفها عن وجهه، فقال وهو كذلك: (لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) يحذر ما صنعوا) (١). وجاء في قصة أهل الكهف في القرآن الكريم ذكر النزاع بين القوم الذين كشف (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة، باب الصلاة في البيعة، رقم ٤٣٥، ومسلم في صحيحه، كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب النهي عن بناء المساجد على القبور، رقم ٥٣١. في عصرهم قصة الكهف حول ماذا يفعلون بهم، حيث خلص الرأي في النهاية للأغلبية بیناء مسجد عليهم. قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُواْ أَنَّ وَعْدَ الَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَزَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمَّ فَقَالُواْ أَبْنُواْ عَلَيْهِم بُنْيَا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُواْ عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَ عَلَيْهِم مَسْجِدًا [الكهف: ٢١ ]. حيث ذكر بعض المفسرين أن النزاع جرى بين المشركين والمسلمين، فرأى المشركون أنهم أبناء آبائهم وأنهم سيبنون عليهم بنيانًا يتعبدون فيه، ورأى المسلمون أنهم أحق بهم فیبنوا علیهم مسجدًا يتعبدون فيه، روي هذا عن عبد الله بن عبيد بن عمير (٢). وفسرت الغلبة هنا بأنها غلبة الأمراء، وقيل: غلبة الأعداء(٣). ٢. الاعتكاف وآدابه. الاعتكاف عبادة مشروعة، وهي الإقامة في المسجد بنية العبادة والتقرب إلى الله تعالى زمنًا معينًا وفق شروط معينة، وقد ورد ذكر الاعتكاف في القرآن مرتين، (٢) انظر: تفسير مقاتل ٢/ ٥٨٠، جامع البيان، الطبري ١٧ / ٦٤٠، الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب ٦/ ٤٣٥٣. (٣) انظر: تفسير ابن أبي حاتم ٢٣٥٤/٧، الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب ٦/ ٤٣٥٣، مفاتيح الغيب، الرازي ١/ ٤٤٧ .. ٦٠ جوير القرآن الكريمِ السيد إحداهما هي المرتبطة بالمسجد، وهي قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَشِرُوهُنَ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِى الْمَسَجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. ويرى المفسرون وغيرهم من أهل اللغة أن معنى: (عاكفون): أي مقيمون في المساجد لا يخرجون منها إلا لحاجة الإنسان يصلي فيه ويقرأ القرآن، ويقال لمن لازم المسجد وأقام على العبادة فيه: عاكف ومعتكفٌ والاعتكاف والعكوف الإقامة على الشيء وبالمكان ولزومهما (١). وقد ذهب جمهور فقهاء المذاهب في تعريفهم للاعتكاف إلى أن الاعتكاف المساجد(٢). ولهذا فإن المسجد شرط للاعتكاف عند جمهور الفقهاء، بل حكاه بعضهم إجماعاً(٣). الاعتكاف لا يكون إلا في مسجد (٤). (١) لسان العرب، ابن منظور ٢٥٥/٩. (٢) انظر: تبيين الحقائق، الزيلعي ٣٤٧/١، مواهب الجليل، الحطاب ٢٤٥٤، المجموع، النووي ٦/ ٥٠٠، كشاف القناع، البهوتي ٣٤٧/٢، المحلى، ابن حزم ٣ /٤١١. (٣) العناية شرح الهداية، للبأربرتي ٣٩٣/٢، المدونة الكبرى، للإمام مالك ٢٩٨/١، حاشية العدوي على كفاية الطالب، للعدوي ١/ ٤٦٥، المجموع، للنووي ٥٠٥/٦، کشاف القناع، للبھوتي ٢/ ٣٥٠. (٤) الجامع لأحكام القرآن ٣٢٤/٢. وقال ابن قدامة: (( لا نعلم في هذا بين أهل العلم خلافا)) (٥). وقال ابن رشد: ((وقد اتفق العلماء على مشروطية المسجد للاعتكاف، إلا محمد بن عمر بن لبابة فأجازه في كل مكان))(٦). وقد دل على ذلك الكتاب والسنة، فمن الكتاب قول الله تعالى﴿﴿وَلَا تُبَشِرُوهُنَ وَأَنْتُمْ عَكِفُونَ فِ الْمَسَجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. فإضافة الاعتكاف إلى المساجد دليل على اشتراطها أي المساجد له. قال ابن قدامة: ((والأصل في ذلك قول الله تعالى: ﴿وَلَا تُبَشِرُوهُنَ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ المشروع هو المكوث في مسجد من فى الْمَسَجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]؛ فخصها بذلك، ولو صح الاعتكاف في غيرها، لم يختص تحريم المباشرة فيها؛ فإن المباشرة محرمة في الاعتكاف مطلقًا» (٧). ومن السنة ما روته السيدة عائشة رضي قال القرطبي: ((أجمع العلماء على أن الله عنها، قالت: (إن كنت لأدخل البيت للحاجة والمريض فيه فما أسأل عنه إلا وأنا مارة وإن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدخل رأسه وهو في المسجد فأرجله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفًا) (٨). (٥) المغني، ابن قدامة ٦٥/٣. (٦) بداية المجتهد، ابن رشد ١/ ٣١٣. (٧) المغني، ابن قدامة ٣/ ٦٥. (٨) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاعتكاف، باب لا يدخل البيت إلا لحاجة، www. modoee.com ٦١ حرف الميم هذا وقد ذكر ابن رشد سبب الخلاف في اشتراط المسجد فقال: ((وسبب اختلافهم في اشتراط المسجد أو ترك اشتراطه هو الاحتمال الذي في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَشِرُوهُنَ وَأَنْتُمْ عَكِفُونَ فِ اَلْمَسَجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. بین أن یکون له دلیل خطاب أو لا یکون له؟ فمن قال له دليل خطاب قال: لا اعتكاف إلا في مسجد وإن من شرط الاعتكاف ترك المباشرة، ومن قال ليس له دليل خطاب قال: المفهوم منه أن الاعتكاف جائز في غير المسجد وأنه لا يمنع المباشرة لأن قائلا لو قال: لا تعط فلانا شيئا إذا كان داخلا في الدار لكان مفهوم دليل الخطاب يوجب أن تعطيه إذا كان خارج الدار ولكن هو قول شاذ، والجمهور على أن العکوف إنما أضيف إلى المساجد لأنها من شرطه))(١). والناظر إلى لفظة: (المسجد) الواردة في آية الاعتكاف يرى أن الفقهاء قد استنبطوا منها بيان المواضع التي تلحق بالمسجد، ويجوز فيها الاعتكاف مثل سطح المسجد، ورحبته، ومنارته، والمواضع التي لا يجوز فيها الاعتكاف، وللفقهاء تفصيل في ذلك مبسوط في مواضعه من باب الاعتكاف. رقم ٢٠٢٩، ومسلم في صحيحه، كتاب الحيض، باب جواز غسل الحائض رأس زوجها، رقم ٢٩٧. (١) بداية المجتهد، ابن رشد ١/ ٣١٣ بتصرف. وللاعتكاف في المسجد آدابه وأحكامه التي ينبغي على المعتكف أن يتحلى بها أذكرها بإيجاز على سبيل السرد من المذاهب المختلفة بغض النظر عن تفاصيل الخلاف في بعضها: # استتار المعتكف بخباء أو حجرة. # أن لا ينقص اعتكافه عن عشرة أيام. أن يستصحب ثوبًا غير الذي عليه، لأنه ربما احتاج. أن یمکث بمؤخر المسجد لیبعد عمن یشغله بالكلام معه. أن یمکث في مسجد اعتكافه ليلة العيد إذا اتصل انتهاء اعتكافه بها ليخرج من المسجد إلى مصلى العيد، فتتصل عبادة بعبادة. أن يكون اعتكافه في المسجد الجامع. أن يشتغل بطاعة الله تعالى كتلاوة القرآن والحديث والذكر والعلم، لأن ذلك طاعة. أن يوقع الاعتكاف في شهر رمضان. أن یکون في العشر الأواخر من رمضان لالتماس ليلة القدر؛ فإنها تغلب فيها. ترك المعتكف فضول الكلام وما لا يعنيه. * التزين والتطيب ولبس الثياب الحسنة. قيام المعتكف بأداء العبادات (المحضة ٦٢ جَوَبُور الْقُرآن الكَرِيْمِ