النص المفهرس
صفحات 21-35
المسارعة باستحقاقنا، وقوله: ﴿لَا يَمَسُّنَا فِهَا نَصَبٌ﴾ في هذه الآية بصفات ثمان وصفهم بها ما کانت في اليهود ولا في غیرهم وهی: تعب ومشقة، وقوله: ﴿وَلَا يَمَشُّنَا فِيهَا ثُغُوبٌ ﴾ إعياء من التعب (١). الصفة الأولى: أنها قائمة، قيل: أي في الصلاة، وقيل: ثابتة على التمسك بدين العالية، في جنات غير فانية، برحمتك يا الحق ملازمة له غير مضطربة. اللهم اجعلنا من أهل هذه المقامات أرحم الراحمين. ثانيًا: صفات المسارعين في الخيرات: ذكر الله سبحانه وتعالى صفات المسارعين في الخيرات في كتابه العزيز في صورةٍ واضحةٍ وبارزةٍ، لكل قارئ وسامع ومعتبر، لأخذ العبرة والعظة، والاتصاف بهذه الصفات، لنيل رضى الله سبحانه وتعالى ورحمته، ويكون من الصالحين المتقين، وبيان ذلك على النحو التالي: من الصفات التي اتصف بها المسارعون في الخيرات هي: ١. اتصفوا بالصلاح والتقوى وفعل الخيرات. لَيْسُواْ سَوَءٌ مِّنْ أَهْلِ لقوله تعالى: اُلْكِتَبِ أُمَّةٌ قَآَيْمَةٌ يَتْلُونَ مَايَتِ اَللَّهِ ءَانَّةُ الَّلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ( يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاَلْيَّوْمِ اُلْآَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ اٌلْمُنكَرِّ وَيُسَرِعُونَ فِي الْخَيْرَتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّلِحِينَ ﴾ [آل عمران: ١١٣ - ١١٤]. ١١٤) الله سبحانه وتعالى مدح الأمة المذكورة (١) انظر: مدارك التنزيل، النسفي ٣/ ٩٠. وقيل: أي مستقيمة عادلة، والآية دلت على أن المسلم قائم بحق العبودية، وقوله تعالى: ﴿قَيِّمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨]. دل على أن المولى قام بحق الربوبية، وهذه حقيقة قوله: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِىّ أُوْفٍ ـَّدِكُمْ ﴾ [البقرة: ٤٠]. الصفة الثانية: ﴿يَتْلُونَ﴾ أي: أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل، فالتلاوة القراءة، وأصل الكلمة الاتباع، فكأن التلاوة هي اتباع اللفظ، وآيات الله القرآن. الصفة الثالثة: ﴿وَهُمْ يَسْجُدُونَ ﴾ يحتمل أن يكون حالا من يتلون، كأنهم يقرأون في القرآن السجدة تخشعًا، أو أن يكون كلامًا مستقلا أي: يقومون تارة ويسجدون أخرى، ويبتغون الفضل والرحمة بكل ما يمكن، وَالَّذِينَ يَبِتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا كقوله: وَقِيَمَا (٦٤) [الفرقان: ٦٤]. وعلى هذين الاحتمالين لا منع من كونه حالا. الصفة الرابعة: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَأَلْيَّوْمِ الْآَخِرِ﴾ فالصفات المتقدمة إشارة إلى كمال حالهم في القوة العملية، وهذه www. modoee.com ٢٧ حرف الميم إشارة إلى كمالهم بحسب القوة النظرية، فإن حاصل المعارف معرفة المبدأ والمعاد. الصفة الخامسة والسادسة: ﴿وَيَأْ مُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ وهاتان الصفتان إشارة إلى أنهم فوق التمام؛ وذلك لسعيهم في تكميل الناقصين بإرشادهم إلى ما ينبغي ومنعهم عما لا ينبغي. ﴿وَيُسِعُونَ فِی الصفة السابعة: اُلْخَيْرَتِ﴾ أي: المذكورات كلها وهي من صفات المدح؛ لأن المسارعة في الخير دليل فرط الرغبة فيه حتى لا يفوت ففي التأخير آفات. ﴿وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصفة الثامنة: الصَّلِحِينَ﴾ هذه إشارةٌ إلى من جمع هذه الصفات كلها، أي: وأولئك الموصوفون بتلك الأوصاف من الذين صلحت أحوالهم عند الله، ويجوز أن يريد بالصالحين المسلمين، والأمور بخواتيمها والعاقبة غير معلومة إلا في علم الله تعالی فإذا أخبر عنهم بانخراطهم في سلك الصالحين فذلك المقصود وقصارى المجهود (١). ٢. قلوبهم مليئة بالخشية والخوف من الله. قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَرِعُونَ فِي الْخَيْرَتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبَعُ وَكَانُواْ لَا خَشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠]. ومعنى قوله: ﴿وَيَدْعُونَنَارَغَبًاوَرَهَبًا﴾، يعني: رغبة فيما عند الله من الثواب وهو الجنة، ورهبا أي فزعًا من عذاب الله تعالى، وكانوا لنا خاشعين، يعني: مطيعين، ويقال: متواضعين)) (٢) وقوله تعالى أيضًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنّ خَشْيَةٍ رَبِهِم ◌ُشْفِقُونَ ﴾ وَالَّذِينَ هُم ◌ِثَايَتِ رَّمْ يُؤْمِنُونَ ) وَالَّذِينَ هُرْ بِرَبِهِمْ لَا يُشْرِكُونَ ﴾ [المؤمنون : ٥٧ - ٥٩]. والمعنى: لما ذم الله سبحانه وتعالى المشركين وتوعدهم عقب ذلك بمدح المؤمنين وذكرهم بأبلغ صفاتهم، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْبَةِ رَبِهِم ◌ُشْفِقُونَ﴾ أي: هم من جلال الله وعظمته خائفون، ومن خوف عذابه حذرون، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُم ◌ِّايَتِ رَمِهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: يصدقون بآيات الله القرآنية، وآياته الكونية وهي البراهين الدالة على وجوده سبحانه. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُرْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾ أي: لا يعبدون معه غيره، بل يوحدونه ويخلصون العمل لوجهه، وقيل: ليس المراد منه الإيمان بالتوحيد ونفي الشريك لله فإن ذلك داخل في الآية السابقة، بل المراد منه نفي الشرك الخفي وذلك بأن يخلص في العبادة لوجه الله عز وجل وطلبًا (١) انظر: غرائب القرآن ورغائب الفرقان، النيسابوري ١ / ٢٤١. (٢) تفسير السمر قندي ٢/ ٤٤٠. مَوَسُولُ النَّقِين القرآن الكريم ٢٨ المسارعة لرضوانه (١). ٣. عدم الثقة في قبول العمل والخوف من أن یرد. قال تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ أُوْلَكَكَ وَجِلَّةُ أَنَهُمْ إِلَى رَبِهِمْ رَجِعُونَ يُسَرِعُونَ فِي الْخََّتِ وَهُمْ لَمَا سَبِقُونَ ٦١ [المؤمنون: ٦٠-٦١]. والمعنى: من الآيات الكريمة في سورة من حوله .. ومن ثم يشعر بالهيبة، ويشعر المؤمنون والتي أشرنا إليها سابقًا، يبدو فيها أثر الإيمان في القلب، من الحساسية والإرهاف والتحرج، والتطلع إلى الكمال، وحساب العواقب، مهما ينهض بالواجبات والتكاليف. فهؤلاء المؤمنون یشفقون من ربهم خشية و تقوی وهم يؤمنون بآياته، ولا يشركون به، وهم ينهضون بتکالیفهم وواجباتهم، وهم يأتون من الطاعات ما استطاعوا، ومع ذلك كله، ﴿يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَّةُ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَچِعُونَ﴾ لإحساسهم بالتقصير في جانب الله، بعد أن بذلوا ما في طوقهم، وهو في نظرهم قليل. عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: يا رسول الله: ﴿وَلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ هو الذي يسرق ويزني ويشرب الخمر، وهو يخاف الله عز وجل ؟ قال: (لا يا بنت الصديق ! ولكنه الذي يصلي ويصوم (١) انظر: صفوة التفاسير، الصابوني ٢٨٦/٢. ويتصدق، وهو يخاف الله عز وجل) (٢). إن قلب المؤمن يستشعر يد الله عليه، ويحس آلاءه في كل نفس وكل نبضة .. ومن ثم يستصغر كل عباداته، ويستقل كل طاعاته، إلى جانب آلاء الله ونعمائه، كذلك هو يستشعر بكل ذرة فيه جلال الله وعظمته ويرقب بكل مشاعره يد الله في كل شيء بالوجل، ويشفق أن يلقى الله وهو مقصر في حقه، لم يوفه حقه عبادة وطاعة ولم يقارب أیادیه علیه معرفة وشكرا، وهؤلاء هم الذين يسارعون في الخيرات، وهم الذين يسبقون لها فينالونها في الطليعة، بهذه اليقظة، وبهذا التطلع، وبهذا العمل، وبهذه الطاعة (٣). ويقول ابن عباس: هذه الآيات بما ذكرته من الصفات التي يتصفون بها من فعل الخيرات، بأن يعطوا ما أعطوا من الصدقة، وينفقوا ما أنفقوا من المال في سبيل الله، ويقال: يعملون ما عملوا من الخيرات، ومع ذلك قلوبهم خائفة أنهم إلى ربهم راجعون في الآخرة فلا يقبل منهم (٤). (٢) أخرجه أحمد في مسنده، ١٥٦/٤٢، رقم ٢٥٢٦٣، والترمذي في سننه، أبواب التفسير، باب ومن سورة المؤمنون، ٣٢٧/٥، رقم ٣١٧٥. وصححه الألباني في صحيح الجامع، ١/ ٣٠٤، رقم ١٦٢. (٣) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٤/ ٢٤٧٣. (٤) تنوير المقباس من تفسير ابن عباس ص٢٨٨. www. modoee.com ٢٩ حرف الميم ٤. الإنفاق في سبيل الله والعفو عن الناس. وهذه صفتان اتصف به هؤلاء، لقوله تعالى: ﴿أَلَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِ السَّرَّآءِ وَالضَّرَآءِ وَاَلْكَظِمِينَ الْفَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِّ وَاَللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (@)﴾ [آل عمران: ١٣٤]. والمعنى: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِ السََّّآءِ ﴾ أي: في حال الرخاء واليسر، ﴿وَالضَّرَّاءِ﴾ أي: في حال الضيقة والعسر، وإنما افتتح بذكر الإنفاق لأنه أشق شيء على النفس، فمخالفتها فيه منقبة شامخة، وقوله: ﴿وَالْكَظِمِينَ اَلْفَيْظَ﴾ أي: الممسكين عليه في نفوسهم، الكافين عن إمضائه مع القدرة عليه، اتقاء التعدي فيه إلى ما وراء حقه، وقوله: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ أي: ظلمهم لهم، ولو كانوا قد قتلوا منهم، فلا يؤاخذون أحدا بما يجني عليهم، ولا يبقى في أنفسهم موجدة، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٧]. وقوله: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ عبر عنهم بالمحسنين إيذانًا بأن النعوت المعدودة من باب الإحسان الذي هو الإتيان بالأعمال على الوجه اللائق الذي هو حسنها الوصفي المستلزم لحسنها الذاتي، والجملة تذييل مقرر لمضمون ما قبلها (١). (١) انظر: محاسن التأويل، القاسمي ٢/ ٤١٣. ٥. إذا عصوا سرعان ما يتوبون. كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون، ولا معصوم بعد النبي صلى الله عليه وسلم ولكن المسارع إلى الخيرات إذا عصی الله سبحانه وتعالى تذكر فخاف، وأقلع وأناب إلى رب الأرباب. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَأُسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُ واْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ١٣٥﴾ [آل عمران: ١٣٥]. ٦. اغتنام الكنوز الربانية. يغتنم المسارعون في الخيرات كل ما يجلب لهم الأجر والثواب، وكثرة الحسنات، كالتكبير والحمد والتسبيح والتهليل وكثير من أوجه الخير، فمثلاً الاسراع إلى حمد الله سبحانه وتعالى وشكره على نعمه ورحمته بهم. قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَّنِّ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورُ [فاطر: ٣٤]. والمعنى: «أنهم لما أعطوا ما أعطوه زال عنهم ما کانوا فيه قبل من هول الموقف ومن خشية العقاب بالنسبة للسابقين والمقتصدين ومما كانوا فيه من عقاب بالنسبة لظالمي أنفسهم، وجملة ﴿إِن رَبَنَا لَغَفُورٌ شَكُورُ استئناف ثناءٍ على الله شكروا به نعمة ٣٠ جَوَسُولَةُ النَّقِين القرآن الكريمِ المسارعة السلامة، أثنوا عليه بالمغفرة لما تجاوز عما لما بين يديه من الكتب، والذين اصطفيناهم اقترفوه من اللمم وحديث الأنفس ونحو من عبادنا، وهم هذه الأمة، مقسمين إلى ذلك مما تجاوز الله عنه بالنسبة للمقتصدین والسابقين، ولما تجاوز عنه من تطويل العذاب وقبول الشفاعة بالنسبة لمختلف أحوال الظالمين أنفسهم، وأثنوا على الله بأنه شكورٌ لما رأوا من إفاضته الخيرات علیھم ومضاعفة الحسنات مما هو أکثر من صالحات أعمالهم)» (١). وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (من قال سبحان الله وبحمده غرست له نخلة في الجنة)(٢). ٧. فعل الواجبات والمستحبات وبعض المباحات وترك المحرمات والمكروهات. قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَقْنَا الْكِنَبَ الَّذِينَ أَصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ. وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَتِ بِإِذْنِ اللَّهِّ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ اَلْكَبِيرُ ٣٢ [فاطر: ٣٢]. قال ابن كثير في الآية: الله سبحانه وتعالى جعل القائمين بالكتاب العظيم، المصدق (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣١٦/٢٢. (٢) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الدعوات، ٣٨٨/٥، رقم ٣٤٦٥. قال الترمذي حسن غريب. وصححه الألباني في صحيح الجامع، ١٠٩٧/٢، رقم ٦٤٢٩. ثلاثة أنواع، فقال: ﴿فَمِنْهُمْ ظَاٌِّ لِنَفْسِهِ﴾ وهو: المفرط في فعل بعض الواجبات، المرتكب لبعض المحرمات، ﴿وَمِنْهُم مُقْتَصِدٌ﴾ وهو: المؤدي للواجبات، التارك للمحرمات، وقد يترك بعض المستحبات، ﴿وَمِنْهُمْ ويفعل بعض المكروهات، سَابِقٌ بِالْخَيْرَتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ وهو: الفاعل للواجبات والمستحبات، التارك للمحرمات والمكروهات وبعض المباحات، فالسابق بالخيرات: يدخل الجنة بغير حساب، والمقتصد: يدخل الجنة برحمة الله، والظالم لنفسه: يدخل الجنة بشفاعة محمد صلى الله عليه والسلام(٣). وذكر سيد قطب في كتابه: (( إن الله سبحانه وتعالى في هذه الآية قد أكرم هذه الأمة بالاصطفاء للوراثة، ثم أكرمها بفضله في الجزاء حتى لمن أساء: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالٌِّ لِنَفْسِهِ، وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَتِ بِإِذْنِ اَللَّهِ﴾. فالفريق الأول: ولعله ذكر أولًا لأنه الأكثر عددا ﴿ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ تربى سيئاته في العمل على حسناته. والفريق الثاني: وسط ﴿مُقْتَصِدٌ﴾ تتعادل سيئاته و حسناته. (٣) انظر: تفسير القرآن العظيم ٦/ ٥٤٦. www. modoee.com ٣١ حرف الميم والفريق الثالث: (سَابِقٌ بِالْخَيْرَتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ تربى حسناته على سيئاته، ولكن فضل الله سبحانه وتعالى شمل الثلاثة جميعًا فكلهم انتهى إلى الجنة وإلى النعيم الموصوف في الآيات التالية على تفاوت في الدرجات)) (١). ٨. علو الهمة. همة هؤلاء عالية، يفعلون الخيرات دون كلل ولا ملل، لقوله تعالى: ﴿رِجَالٌ لَّا نُلْهِمْ تِجَارَةُ وَلَا بَيْعُ عَن ذِكْرِ الَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَوَةِ وَإِنَِّالزَّكَوَةُ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَدِرُ ة [النور: ٣٧]. (٣٧) وقوله تعالى: ﴿وَفِ ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُنَتَفِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦]. صلی الله عليه وسلم: (المؤمن القوي، خيرٌ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍ خيرٌ احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيءٌ، فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان) (٢). ٩. الاهتمام بالقلب. المسارع إلى الخيرات يحرص علي تنقية (١) في ظلال القرآن ٥/ ٢٩٤٤. (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب القدر، باب في الأمر بالقوة وترك العجز، ٢٠٥٢/٤، رقم ٢٦٦٤. القلب من الشوائب ويجعلها عامرة بذكر الله عز وجل وطالما الخوف موجود في قلوبهم، يدفعهم إلى عمل الاكثار من الصالحات، وأداء العبادات، لقوله تعالى: ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَحِلَّةٌ ◌َّهُمْ إِلَى رَبِهِمْ رَجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠]. ١٠. المراقبة. المسارع إلى الخيرات يراقب الله في کل حركات هو سكناته، في السر والعلانية، لا يرضى أن يكون الله سبحانه وتعالى أهون الناظرین إلیه، وقد وعد الله هؤلاء بجنات النعيم، لقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَيِِّ جَّثَانِ ﴿ فَأَتِ ءَالَِّ رَبَّكُمَا تَكَذِّبَانِ ٤٧ [الرحمن: ٤٦ -٤٧]. والمعنى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ أي: وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ((مقامه بين يدي ربه للحساب، فترك المعصية والشهوة، قال مجاهد: هو الذي یهم بالمعصیة فیذکر الله، فيدعها، ـانِ قال مقاتل يعني: جنة عدن وجنة النعيم. وقال الضحاك: هذا لمن راقب الله في السر والعلانية بعمله، فما عرض له من محرم تر که من خشية الله، وما عمل من خير أفضى به إلى الله، لا يحب أن يطلع عليه أحد فله جنتان» (٣). ويستفاد من ذلك: حرص المؤمنين على التحلي بهذه الصفات، وعليهم أن يربوا أنفسهم ليكونوا من المسارعين في (٣) انظر: الوسيط، الواحدي ٤/ ٢٢٥. جَوَبُو ◌َرَ النَّفِيمـ لِلْقُرآن الكَرِيمِ ٣٢ المسارعة الخيرات، فعليهم الإكثار من ذكر الله، ومصاحبة المسارعين في الطاعات، واغتنام الوقت، ومعرفة قدر الدنيا بالنسبة للآخرة، والمجاهدة، وغيرها. ثواب المسارعين في الخيرات المؤمن الفطن يعلم أن أنفاسه معدودةٌ، وساعات إقامته في الدنيا محدودةٌ، ويدرك أن الحياة فرصٌ، من اغتنم هذه الفرص وعمل الصالحات، فاز وسعد في الدنيا والآخرة، ومن ضیعها خاب وخسر، وقد حدث ابن عباسٍ رضي الله عنهما قائلًا: قال رسول الله صلی الله علیه وسلم لرجلٍ وهو يعظه: (اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك)(١). والله سبحانه وتعالى يعطي كل واحد على قدر أعماله، ويكافئه ويجازيه الجزاء الحسن، كيف وإن كانوا من الحرصين كل الحرص على فعل الخيرات، بل والمسارعين إليها؟ فالأجر والثواب عظيم لهم في الدنيا والآخرة، لقوله تعالى: ﴿أُوْلََّكَ هُمُ الْوَرِثُونَ [المؤمنون: ١٠]. وهذا وعد الله سبحانه وتعالى الصادق، بل القرار الأكيد بفلاح المؤمنين، وعد الله (١) أخرجه النسائي في الكبرى، ٤٠٠/١٠، رقم ١١٨٣٢، والحاكم في المستدرك، ٣٤١/٤، رقم ٧٨٤٦. وصححه الألباني في صحيح الجامع، ٢٤٤/١، رقم ١٠٧٧. www. modoee.com ٣٣ حرف الميم يعني: ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ ثواب لا يخلف الله وعده وقرار الله لا يملك أحد رده، الفلاح في الدنيا والفلاح في الآخرة، فلاح الفرد المؤمن وفلاح الجماعة المؤمنة، الفلاح الذي يحسه المؤمن بقلبه ويجد مصداقه في واقع حياته والذي يشمل أعمالهم، ﴿عِندَ رَبِّهِمْ﴾ يؤتونه مرتين، ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ يحاسب الخلق في قدر نصف نهار من أيام الدنيا (٣). وقوله تعالى أيضًا: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ ما يعرفه الناس من معاني الفلاح، وما لا نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١) ﴾ [إبراهيم: ٥١]. يعرفونه مما يذخره الله لعباده المؤمنين والله مطلع على كل شيء، فلن يضيع أجر العاملين، لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَفْعَلُواْمِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاَللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ١١٥) ران: ١١٥] والمعنى: لن يحرموا ثوابه ولن يمنعوه، وسمى إيصال الثواب شكرا في قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرُءَ [البقرة: ١٥٨]. ثم ختم الكلام بقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ مع أنه عالم بكل الأشياء بشارة لهم بجزيل الثواب، ودلالة على أنه لا يفوز عنده بالكرامة إلا أهل التقوى، وتنبيهًا على أن الملتزم لوعدهم هو معبودهم الحق القادر الغني الحميد الخبير الذي لا غاية لکرمه ولا نهاية لعلمه، فما ظنك بمثيب هذا شأنه؟ (٢). وقوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٩]. (١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٤/ ٢٤٥٤. (٢) انظر: غرائب القرآن ورغائب الفرقان، النيسابوري ١ / ٢٤١. وسنتناول بيان ثواب المسارعين في الخيرات في كلٍ من الدنيا والآخرة. أولًا: ثواب المسارعين في الخيرات في الدنيا: لهم ثوابٌ جزيلٌ ينالونه من الخير والنصر والسعادة والهناء وراحة البال والتوفيق والمتاع الطيب في الأرض، والرحمة، والمغفرة، وهذا أقل ما يستحقونه من الله عز وجل جزاء أعمالهم. فالمسارعة في الخير تتطلب أن يتدرج الإنسان في ازدياد المعرفة بفضله، واختياره والسرور بتعاطيه، وتقدمه على الأمور الدنیویة، وأن لا یتأخر عن أول وقت إمکان فعله للخيرات، وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿سَاِقُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَبِّكُمْ﴾ [الحديد: ٢١]. وقوله تعالى: ﴿﴿ وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِن رَّبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣]. فالله سبحانه وتعالى في هذه الآية (٣) انظر: تفسير الجلالين، المحلي والسيوطي ص ٩٦. ٣٤ القرآن الكريم المسارعة ندبهم إلى المبادرة للخيرات والمسارعة عطاء من ربهم وامتنانًا منه عليهم لإخلاصهم في الانابة والرجوع. إلى فعلها؛ لنيل القربات، والفوز بمغفرته ورضوانه، ويحققون ما وعدهم الله عز وجل به من السعادة والهناء. وقوله تعالى أيضًا: ﴿أُوْلَكَ يُسَمِعُونَ فِي اْخَيَّتِّ وَهُمْ لَهَا سَبِقُونَ ﴾ [المؤمنون: ٦١]. والمعنى: السابق إلى رضوان الله تعالى، وقيل: سبقت لهم السعادة في الأزل، وقيل: سبقوا الأمم إلى الخيرات (١). ومدح تعالى قومًا فقال عنهم في كتابه العزيز: ﴿وَالسَّبِقُونَ السَّبِقُونَ ١٠ [الواقعة: ١٠]. أي: يسابقون بهممهم وأبدانهم، فلذلك كرره، ولمراعاة المسارعة وكون بعض المسارعين أعلى منزلة من بعض (٢). وهذا المدح لكونهم استجابوا لأمر الله سبحانه وتعالى بفعل الخيرات والمسارعة والمسابقة في أدائها، فيستحقون من الله عز وجل الثواب العظیم والجزیل علی ما قاموا به مغفرة لذنوبهم، وتطهيرًا لقلوبهم، لقوله تعالى: ﴿أُوْلَِّكَ جَزَاؤُهُمْ مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣٦]. والمعنى: أولئك السعداء المستغفرون المتذكرون التائبون الآيبون الخائفون الراجون جزاؤهم مغفرةٌ ستر ومحو لآثامهم (١) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٤ / ١٤٨، معالم التنزيل، البغوي ٥/ ٤٢٢. (٢) تفسير الراغب الأصفهاني ٨٠٩/٢. وقوله تعالى أيضًا: ﴿* قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَُّواْ مِن رَّحْمَةِ اَللَّهِّ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَميعًاْ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ٣)﴾ [الزمر: ٥٣]. ونصرًا وغلبةً على أعداء الدين، وفتحًا قريبًا من الله عز وجل لقوله تعالى: ﴿وَأُغْرى مُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَنْحُ فَرِيبٌ وَكَثِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (® [الصف: ١٣]. ولهم الخيرات بكل ما تشمله كلمة خير، لقوله تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ جَهَدُواْ بِأَمْوَهِمْ وَأَنْفُسِهِمَّ وَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَثُّ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ()﴾ [التوبة: ٨٨]. والمعنى: ﴿وَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ﴾ يعني: ((الإشارات إلى الموصوفين بالأوصاف السابقة، أي أولئك الذين كانوا مع الرسول، ولزموه في جهاده، ولم يتخلفوا عنه، وأحبوا الله تعالى وبذلوا أموالهم وأنفسهم، ولم يريدوا شيئا إلا إرضاء الله، لهم الخيرات، والخيرات جمع خير، وعبر بالجمع للدلالة علی کثرة ما یمنحهم الله من خیر وتنوعه، فخیر في الرزق، وخير في نیل المطالب، وخير في النصرة، وخير في العزة، وخير في منع تحکم الأعداء، وخير في رضا الله تعالى، وخير في صلاح الولد، وخير في www. modoee.com ٣٥ حرف الميم الهداية ... إلى آخره من الخيرات في الدنيا، وفلاح في الدنيا والآخرة، لقوله تعالى: والخير الأكبر في الآخرة)) (١). وفي تكرار الإشارة إلى الرسول والمؤمنين المجاهدين في قوله تعالى: ﴿وَأَوْلَئِكَ لَمُ الْخَيْرَتُّ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ تأكيد للتنويه بهم، وتقرير لدرجتهم العالية، ومنزلتهم الكريمة التي أنزلهم الله إياها .. كما أن في ذلك إشارة إلى أن مقامهم هذا الرفيع الذي هم فيه، لا تبلغه الإشارة التي يقصر عنها النظر، وأنه لكي يمكن أن يرتفع النظر إلى هذا المستوى، ينبغي أن يكون ذلك على مراحل يقطعها صعودًا في الوصول إليهم (٢). وإذا ما توجهوا إلى الله عز وجل بالدعاء، أجابهم الله عز وجل وأعطاهم ما یتمنون ويستحقونہ ثوابًا من عنده، وعطاءً لا ينتهي، لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَلَا تُخْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن ◌َّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَقَّابُ • [آل عمران: ٨]. فهم في رحمة الله عز وجل خالدون، لقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ أَبْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِى رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِهَا خَلِدُونَ (W)﴾ [آل عمران: ١٠٧]. ومهتدون إلى الطريق المستقيم، ألا وهو طريق الاسلام الذي هو بمنزلة نجاةٍ وفوزٍ (١) زهرة التفاسير، أبو زهرة ٧/ ٣٤٠٥. (٢) انظر: التفسير القرآني للقرآن، الخطيب ٨٦٣/٥. ﴿فَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَأَعْتَصَمُواْ بِهِ، فَسَيُدْيِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضَّلٍ وَيَهْدِ يِهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا [النساء: ١٧٥]. ١٧٥ وقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ﴾ أي: وحدوه في ربوبيته، ﴿وَأَعْتَصَمُواْ﴾ أي: تمسكوا بدينه أو بكتابه، وقوله: ﴿فَسَيُّدْسِلُهُمْ فِ رَحْمَةٍ مِنْهُ﴾ وهي الجنة، وفضلٍ: النظر لوجهه الكريم، وقيل: ﴿فيرحمٍ﴾ أي: ثواب قدره بإزاء إيمانه وعمله، رحمة منه، لا قضاء لحق واجب، وفضل إحسان زائد عليهما، وقيل: سيحفظ عليهم إيمانهم في المآل عند التوفي، كما أكرمهم به وبالعرفان في الحال، وقوله: ﴿وَيَّهْدِهِمْ إِلَيْهِ﴾ أي: إلى الوصول إليه، ﴿صِرَطَّا مُسْتَقِيمًا﴾ وهو طريق السير الذي لا اعوجاج فيه، العلم والعمل، وقيل: هو الإسلام والطاعة في الدنيا، وطريق الجنة في الآخرة (٣). ثانيًا: ثواب المسارعين في الخيرات في الآخرة: يجد هؤلاء في الآخرة من النعيم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب أحد منهم، جزاءً لهم من الله سبحانه وتعالى علی أعمالهم، والله لا يضيع أجر من أحسن (٣) انظر: البحر المديد، ابن عجيبة ٥٩٩/١، روح البيان، إسماعيل حقي ٢/ ٣٣٣. ٣٦ جُومُونَةُ النَّ الْقُرْآن الكَرِيمِ المسارعة عملًا، وقد وعدهم الله عز وجل بذلك والله لا يخلف وعده، لقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا اٌلْأَنْهَرُ خَالِينَ فِيهَا وَمَسَكِنَ طَيِّبَةً فِى جَنَّتِ عَلْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ اَلْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [التوبة: ٧٢]. بشرهم الله سبحانه وتعالى بالجنات رزقًا لهم، ومكافئةً على أعمالهم، وترغيبًا للآخرين، ليفوزوا بما فاز به هؤلاء، لقوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الضَلِحَتِ أَنَّ لَمْ جَنَّتٍ تَّجْرِى مِن تَحْتِهَا اْلْأَنْهَرْ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةِ رِزْقًاْ قَالُواْ هَذَا الَّذِى رُزِقْنَا مِن قَبْلٌ وَأَنُواْ بِهِه مُتَشَبِهَا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيْهَا خَلِدُونَ ﴾ [البقرة: ٢٥]. والمعنى: لما ذكر تعالى جزاء الكافرين عقب بجزاء المؤمنین، لیجمع بین الترغيب والترهيب والوعد والوعيد، كما هي عادته سبحانه في كتابه العزيز، لما في ذلك من تنشيط عباده المؤمنين لطاعاته، وتثبيط عباده الكافرين عن معاصيه، والتبشير: الإخبار بما يظهر أثره على البشرة، وهي الجلدة الظاهرة، من البشر والسرور، فبشرهم بالجنة، والجنة تنال بالإيمان والعمل الصالح، والجنات: البساتين، وهو اسمٌ لدار الثواب كلها وهي مشتملةٌ على جناتٍ كثيرةٍ، وقوله: ﴿كُلَّمَا رُزِقُواْ﴾ وصفٌ آخر للجنات، وقوله: ﴿هَذَا الَّذِى رُزِقْنَا مِن قَبْلُ﴾ أنه شبيهه ونظيره، لا أنه هو، والمراد أنهم أتوا بما يرزقونه في الجنة متشابهًا فما يأتيهم في أول النهار يشابه الذي يأتيهم في آخره، فيقولون: هذا الذي رزقنا من قبل، فإذا أكلوا وجدوا له طعمًا غير طعم الأول، والمراد بتطهير الأزواج أنه لا يصيبهن ما يصيب النساء من قذر الحيض والنفاس وسائر الأدناس التي لا يمتنع تعلقها بنساء الدنيا، والخلود: البقاء الدائم الذي لا ينقطع (١). ﴿﴿ وَهُوَ الَّذِى أَنشَأَ وقوله تعالى: جَنَّتٍ مَّعْرُوشَتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّعَ مُخْتَلِمَا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَبِهَا وَغَيْرَ مُتَشَيِةٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِةِ إِذَا أَثْمَرَ وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُشْرِفُواْ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾ [الأنعام: ١٤١]. وقوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّيِّهِمْ وَجَنَّتُ تَّجْرِى مِن تَّحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِدِينَ فِيهَا وَيَعْمَ أَجْرُ الْعَمِلِينَ ﴾ [آل عمران: ١٣٦]. والمعنى: (( لما أتم الله سبحانه وتعالى وصف السابقين وهم المتقون، واللاحقين وهم التائبون في الآيات السابقة، قال معلمًا بجزائهم الذي سارعوا إليه من المغفرة، والجنة مشيرًا إليهم بأداة البعد (١) انظر: فتح القدير، الشوكاني ١ / ٦٥. www. modoee.com ٣٧ حرف الميم تعظيمًا لشأنهم على وجه معلم بأن أحدًا هذه الجنة التي تقدمت صفتها فضل من الله تفضل به على المؤمنين، والله يؤتي فضله وَهُ لا يقدر الله حق قدره، وقوله: من يشاء من خلقه، وهو ذو الفضل العظيم عليهم بما وفقهم له من الإيمان به والعمل الصالح وبسط لهم من الرزق، وعرفهم موضع الشكر (٢). مَّغْفِرَةٌ﴾ أي: لتقصيرهم أو لهفواتهم أو لذنوبهم، وعظمها بقوله: ﴿مِّن رَّيِّهِمْ﴾ أي: المحسن إليهم بكل إحسان، وأتبع ذلك للإكرام فقال: ﴿وَجَنَّتٌ﴾ أي جنات، وقال تعالى أيضًا: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّتٍ تَجْرِ مِن ◌َّحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِدِينَ فِيهَاً ذَلِكَ الْغَوّزُ اَلْعَظِيمُ ﴾ [التوبة: ٨٩]. ثم بين عظمها بقوله: ﴿َجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهرُ﴾ حال كونكم (خَلِینَ فِيهَا﴾ وهي أجرهم على عملهم، لقوله: ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَمِلِينَ﴾ وذلك على تقدير أن الإشارة لجميع الموصوفين، وإن كانت للمستغفرين خاصة فالأمر واضح في نزول رتبتهم عمن قبلهم)) (١). وقوله تعالى أيضًا: ﴿سَابِقُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّيَّكُمْ وَجَنٍَّ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَدِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهٍ، ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ اَلْعَظِيمِ • [الحديد: ٢١]. ٢١ أي: سابقوا أيها الناس وسارعوا إلى الأعمال الصالحة التي توجب لكم دخول جنة سعتها كسعة السماوات والأرض خالدين فيها أعدت للذين آمنوا بالله ورسله، وقيل: عرضها الذي هو خلاف الطول مثل عرض السماوات والأرضين إذا وصل كل سماء بسماء وكل أرض بأرض، ثم قال: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ﴾ أي: (١) نظم الدرر، البقاعي ٥/ ٧٥. مَشَبُوالَهُ الْتَفْسَيد القرآن الكريم والمعنى: هذا بعض الفلاح الذي ذكره الله سبحانه وتعالى وهو أنه أعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار، أي أن الله تعالى أعطاهم نعيمًا فيه ثلاث خواص كلها يزكي بعضها بعضا: أولها: أنها جنات، وهي جمع جنة فيها الأشجار التي تظل من الحرور، وتتمتع النفس برؤيتها، وبهجتها، وفيها الثمار اليانعة، وفيها من كل فاكهة ما يشتهون، وفيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ففيها متعة النفس والجسم والروح. الثاني: أن الأنهار تجري من تحتها تدفع الحرور، وتسقى النفوس والأجسام، ويكون التمتع بهجتها ومنظرها. الثالث: أنها خالدة، ففي كل نعيم غير (٢) انظر: الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب ١١/ ٧٣٢٨. ٣٨ المسارعة باق يكون الألم بفنائه وانتهائه، أما نعيم في الآخرة، يصفهم أنهم أبدًا في نعيم، الجنة، فهو للبقاء. وجائز أن يكونوا في نعيم في الدنيا والآخرة معًا؛ فيكونون في الدنيا في نعيم العقول دون نعيم الأبدان، ونعيم الآخرة نعيم البدن والعقل جميعًا، فتتنعم أنفسهم وعقولهم، ختم الله تعالى الآية بقوله: ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ﴾ الإشارة إلى هذا النعيم المقيم، وقصر الفوز علیه، أي فلا فوز غيره، فما باطل لا يجوز، والله تعالى أعلم بما يجزي به عباده المتقين (١). يحسبه في الدنيا من أسباب الفوز إنما هو ولا يحملون ما تأبى أنفسهم احتماله. وقد وصف الله سبحانه وتعالى ما يجده هؤلاء في الجنة من النعيم الدائم في كثير من آياته وصفًا دقيقًا واضحًا مفصلًا، منها قوله تعالى: ﴿جَنَّتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا مُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤَّا وَلِبَاسُهُمْ فِهَا حَرِيرٌ. (٣)﴾ [فاطر: ٣٣]. وقوله تعالى: ﴿أُوْلَكَ لَمْ جَنَّتُ عَدْنٍ تَّجْرِى مِن تَحْنِهِمُ الْأَنْهَرُ مُحُلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِّنِ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِّ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا ﴾ [الكهف: ٣١]. وقوله تعالى أيضًا: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِى نَغِيٍ عَلَى الْأَرَآيِكِ يَنْظُرُونَ ) تَعْرِفُ فِ رُجُوهِهِمْ ٢٢ نَضْرَةَ التَّعِيمِ ) يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَخْتُوٍ (٥) خِتَمُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُنَّنَفِسُونَ (١) وَمِنَ اجُهُ مِن تَسْنِيٍ ٧ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ ٢٨ [المطففين: ٢٢ - ٢٨]. (١) انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ٣٤٠٦/٧. وقوله: ﴿عَلَى الْأَرْآَيِكِ ينَظُرُونَ﴾ فأرائك الجنة ليست شبيهة بالأرائك التي تتخذ في الدنيا؛ لأن أرائك الجنة مطهرة من الآفات التي هي آثار الفناء، والأريكة: هي السرير في الحجال. وقوله: ﴿تَعْرِفُ فِ وُجُوهِهِمْ نَصْرَةَ النَّعِيمِ﴾ أي: تعرف لو نظرت في وجوههم نضرة النعيم، فجائز أن تكون النضرة منصرفة إلى نفس الخلقة، وهو أنهم أنشئوا على خلقة لا تتغير، ولا تفنى، بل بهجة نضرة، أو تكون نضارتهم بما أنعموا من النعيم. وقوله: ﴿يُسْقَوْنَ مِن زَّحِيقٍ ﴾ قال بعضهم: الرحيق: هو الخمر الذي لا غش فیه، وهو أن يكون مطهرًا من الآفات، وقيل: هو شيء أعده الله سبحانه وتعالى لأوليائه، لم یطلعهم على ما يتهيأ في الدنيا، فهو شراب تقر به أعينهم مما أخفي لهم إلى الوقت الذي يشربونه. وقوله: ﴿خِتَمُهُ مِسْكٌّ وَفِ ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ وقوله: ﴿لَفِى نَعِيرٍ﴾: جائز أن يكون هذا الْمُنَنَفِسُونَ﴾ جائز أن يكون أراد به الشراب الذي وصفه في قوله: ﴿رَّحِيقٍ مَخْتُورٍ﴾، www. modoee.com ٣٩ حرف الميم كأنه يقول: فليرغبوا في الشراب الذي هذا وصفه، الذي لا غول فیه ولا هم ینزفون، لا في الشراب الذي يذهب بالعقول، ويضعف الأبدان، ويتلف الأموال، أو فليتنافسوا في النعيم الذي وصف هاهنا، لا في النعيم الذي ينقطع ولا يدوم. وقيل: ﴿چِتَمُهُمِسٌ﴾ ما بقي في الكأس من البقية یکون ذلك مسکا، والتنافس إنما يكون في المسارعة في الخيرات، وترك الاتباع الشهوات، والانتهاء عن المعاصي، وهو كقوله: ﴿لِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ اَلْعَمِلُونَ [الصافات: ٦١]. F أي: فلیکن عملهم بما يثمر لهم ما ذکر من النعيم، لا في الذي ينقطع، وتكون عقباه النار، وقوله: ﴿وَمِنَاهُمِن تَسْنِيمٍ﴾ قیل: التسنيم: شيء أعده الله سبحانه وتعالى لأوليائه، لم يطلعهم عليه في الدنيا، وهو من قرة الأعين التي لا تعلمها الأنفس. وقوله: ﴿عَيّنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ أي: المقربون هم الذين يسارعون في الخيرات في الدنيا، فتركوا منى الأنفس، واتقوا المهالك والزلات، فهم المقربون، فنالوا فضل التقريب بما أجهدوا أنفسهم في الدنيا، للأمور التي فعلوها (١). وقوله تعالى أيضًا: ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَجَا ثَلَثَةً فَأَصْحَبُ الْمَيْمَنَّةِ مَآ أَصْحَبُ الْمَيْمَنَةِ ٧ وَأَصْحَبُ اَلْشَئِمَةِ مَّا أَصْحَبُ المَشْتَمَةِ ٨ وَالسَِّقُونَ السَّبِقُونَ ﴿ أُوْلَيْكَ الْمُقَرَّبُونَ [الواقعة: ٧-١١]. والمعنى: أصنافًا ثلاثةً کل صنفٍ یشاكل ما هو منه، كما يشاكل الزوج الزوجة، ثم بين من هم فقال: ﴿فَأَصْحَبُ الْمَيْمَنَةِ﴾ ﴿وَالسَِّقُونَ﴾، ﴿وَأَصْحَبُ اَلْمَشْمَةِ﴾ فأصحاب الميمنة هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة، وأصحاب المشأمة هم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار، والتكرير في ﴿مَآ أَصْحَبُ الْمَيْمَنَّةِ﴾. و التفخيم والتعجيب، مَآ أَصْحَبُ اَلَْشْشَمَةِ ﴾ والمقصود تكثير ما لأصحاب الميمنة من الثواب ولأصحاب المشأمة من العقاب. و﴿فَأَصْحَبُ الْمَيْمَنَةِ﴾ ما هم، المعنى: أي شيء هم، هم الذين يعطون كتابهم بأيمانهم هم أصحاب التقدم وعلو المنزلة. وقوله: ﴿وَالسَّمِقُونَ السَّبِقُونَ﴾ قد سبق الاشارة إلى معناها بالتفصيل، ونكتفي هنا بذكر أنهم السابقون إلى طاعة الله هم السابقون إلى رحمة الله، ﴿أُوْلَكَ الْمُقَرَُّنَ من صفتهم، وقيل: إذا خرج رجلٌ من السابقين المقربين من منزله في الجنة كان له ضوءً یعرفه به من دونه (٢). (١) انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي ١٠ / ٤٦٣. (٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٠٠/١٧. ٤٠ لِلْقُرْآنِ الْكَرِيْمِ المسارعة إذًا المؤمنون حقًّا هم الذين يرثون الجنة بكل ما فيها من نعيم، كما ذكر آنفًا، لقوله تعالى: ﴿أُوْلَكَ هُمُ الْوَرِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيَهَا خَلِدُونَ (١)﴾ [المؤمنون: ١٠- ١١]. موضوعات ذات صلة: الجنة، الخير، العبادة، المسابقة www. modoee.com ٤١