النص المفهرس
صفحات 1-18
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ د المشِى عناصر الموضوع مفهوم المشي ٧٢ المشي في الاستعمال القرآني ٧٣ الألفاظ ذات الصلة ٧٤ ٧٦ أنواع المشي ٨٠ أغراض ذكر المشي في القرآن الكريم ٨٤ الدروس المستفادة من ذكر المشي المُجَلَّدَ الخَاذِنى وَالثَّلاثُونْ حرف الميمر مفهوم المشي أولًا: المعنى اللغوي: تأبى بعض معاجم لغتنا العربية أن تنشئ حدًّا لهذه الكلمة (المشي)؛ متعللة -بلسان الحال- بأن هذه الكلمة تعبر عن نفسها بمجرد النطق بها (١)، فيما نجد البعض الآخر يشير إلى بيان حقيقة هذه الكلمة، وقد اخترنا منها ما يلي: قال الراغب: ((المشي: الانتقال من مكان إلى مكان بإرادة))(٢). وقال ابن فارس: ((المیم والشین والحرف المعتل أصلان صحيحان، أحدهما يدل على حركة الإنسان وغيره، والآخر النماء والزيادة. والأول: مشى يمشي مشيًّا، وشربت مشوًا ومشيًا، وهو الدواء الذي يمشي، أي: يطلق البطن. والآخر: المشاء، وهو النتاج الكثير، وبه سميت الماشية. وامرأةٌ ماشية: كثر ولدها. وأمشى الرجل: كثرت ماشيته))(٣). وفي المصباح المنير: ((مشى: (يمشي) (مشيًا) إذا كان على رجليه -سريعًا كان أو بطيئًا- فهو (ماشٍ)، والجمع (مشاةٌ)، ويتعدى بالهمزة والتضعيف، و(مشى) بالنميمة فهو (مشاء)، و(الماشية): المال من الإبل والغنم، قاله ابن السكيت وجماعة، وبعضهم يجعل البقر من (الماشية)) (٤). فالمشي إذًا: الانتقال من مكان إلى آخر مشيا على الأقدام. ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: لا يخرج المشي في معناه الاصطلاحي عن المعنى اللغوي. (١) انظر: الصحاح، الجوهري ٦/ ٢٤٩٣، لسان العرب، ابن منظور ٦/ ٤٢١٢. (٢) المفردات، الراغب الأصفهانى ٢/ ٣٧٧. (٣) مقاییس اللغة، ابن فارس ٥/ ٣٢٥. (٤) المصباح المنير، الفيومي ١ / ٢٩٦. بَرُ النَِّيَة جوسيس القرآن الكريمِ ٧٢ المشى المشي في الاستعمال القرآني وردت مادة (مشي) في القرآن الكريم (٢٣) مرة (١). والصيغ التي وردت هي: الصيغة عدد المرات المثال الفعل الماضي ١ ﴿كُلَّمَآ أَضَآءَ لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٠] ﴿ إِذْ تَّمْشِىَّ أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ. الفعل المضارع ١٨ [طه: ٤٠] فعل الأمر ٢ ﴿فَمَشُواْ فِى مَنَاكِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ ﴾ [الملك: ١٥] المصدر ١ ﴿ وَأَقْصِدْ فِ مَشِْكَ ﴾ [لقمان: ١٩] صيغة المبالغة ١ ﴿هَنَّازٍ مَشَّكَ بِنَِّيمٍ ﴾ [القلم: ١١] وجاء المشي في القرآن على وجهين(٢): الأول: المشي بعينه: ومنه قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَسْئُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنَا ﴾ [الفرقان: ٦٣]. يعني: المشي بعينه. الثاني: الهدى: ومنه قوله تعالى: ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْئًا فَأَحْبَيْنَهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِى بِهِ﴾ [ الأنعام:١٢٢]. يعني: يهتدي به. (١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٦٦٧-٦٦٨. (٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص ٤١٤-٤١٥. www. modoee.com ٧٣ حرف المير الألفاظ ذات الصلة ١ السير: السير لغة: المضي والجریان، وذلك یکون ليلا ونهارًا.(١) قال تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِ الْأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَلِقِبَةُ الْمُّكَذِّبِينَ (١٣٧ [آل عمران: ١٣٧]. وقال سبحانه لقوم سبأ: ﴿سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِىَ وَأَيَّامًا ءَامِنِينَ﴾ [سبأ:١٨ ] وقد ورد هذا اللفظ في أكثر من آية. السير اصطلاحًا: لا يخرج عن معناه اللغوي. الصلة بين السير والمشي: لفظ (السير) يحمل معنى التؤدة في المشي. السعي: ٢ السعي لغة: يأتي السعي في اللغة على معان، منها: المشي، والإسراع في المشي، والجد. (٢) السعي اصطلاحًا: العمل والفعل الجاد الذي يقوم على النية والقصد سواء أكان ذلك في الخير أو الشر. الصلة بين السعي والمشي: لفظ (السعي): يحمل معنى السرعة في المشي، وهو كناية عن العمل والفعل الجاد. النسلان: ٣ النسلان لغة: هو الإسراع في المشي. (٣) (١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٣/ ١٢٠، تاج العروس، الزبيدي ١٢ / ١١٥. (٢) انظر: تأويل مشكل القرآن، ابن قتيبة ص ٢٧٤، التفسير الوسيط، الواحدي ٣٧٦/١، المفردات، الراغب ص ٤١١ - ٤١٢. (٣) مفاتيح الغيب، الرازي ٥/ ٣٤٧. ٧٤ جوية القرآن الكريم المشى النسلان اصطلاحًا: لا يخرج عن معناه اللغوي، والنسلان بفتحتين الإسراع مع تقارب الخطا وهو دون السعي.(١) قال تعالى: ﴿حَقَّ إِذَا فُنِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ [الأنبياء: ٩٦]. ٩٦ الصلة بين النسلان والمشي: (النسلان) يحمل معنى السرعة في المشي، لكنه دون السعي. (١) انظر: فتح الباري ٥٤٣/٨. www. modoee.com ٧٥ حرف الميم أنواع المشي أولًا: المشي المشروع: ١. مشي القصد والتوسط بين الناس. من ذلك قوله سبحانه وتعالى في حكاية نصيحة لقمان لابنه: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًاً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴿ وَأَقْصِدْ فِ مَشْبِكَ وَأَغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَتِ لَصَوْتُ لْصِيرِ (١)﴾ [لقمان: ١٨-١٩]. أي: امش مشيًا مقتصدًا ليس بالبطيء المتثبط، ولا بالسريع المفرط، بل عدلًا وسطًا بين بين(١). عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (کان رسول الله صلى الله عليه وسلم أزهر اللون، كأن عرقه اللؤلؤ، إذا مشى تكفا)(٢). فقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِ الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ پنھی أيضًا عن ضد ذلك تمامًا؛ وهو مشي المتماوت الذي يرى من نفسه الضعف تزهدًا! فقال هنا: ﴿وَأَقْصِدْ فِ مَشْبِكَ﴾ أي: كن وسطًا بين الطرفين المذمومين(٣). وهل الأمر بالغض من الصوت مناسبة مع الأمر بالقصد في المشي؟ (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ٣٣٩. (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب طيب رائحة النبي صلى الله عليه وسلم، رقم ٢٣٣٠. تكفأ: مشي مشيًا قويًّا. انظر: شرح السنة، البغوي ١٣ / ٢٢٢. (٣) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢٥/ ١٢٢. الجواب: لاشك في ذلك، علمها من علمها وجهلها من جهلها، لكن الإمام الرازي رحمه الله ذکر لذلك ثلاث حكم، نتقل الأوليين منهن لوضوحهما وقوتهما: الأولى: أن الإنسان لما كان شریفًا تكون مطالبه شريفة فيكون فواتها خطرًا؛ فأقدر الله الإنسان على تحصيلها بالمشي، فإن عجز عن إدراك مقصوده ينادي مطلوبه فيقف له أو يأتيه مشيًّا إليه، فإذا كان المشي والصوت مغضيين إلى مقصود واحد لما أرشده إلى أحدهما أرشده إلى الآخر. الثانية: أن الإنسان له ثلاثة أشياء: عمل بالجوارح، وقول باللسان، وعزم بالقلب وهو لا اطلاع عليه إلا الله، وقد أشار إليه بقوله: ﴿يَبُنَّ إِنَّهَ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ [لقمان: ١٦]، أي: أصلح ضميرك فإن الله خبير، بقي الأمران فقال: ﴿ وَاقْصِدْ فِى مَشِْكَ وَأَغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ إشارة إلى التوسط في الأفعال والأقوال (٤). ٢. المشي لطلب الرزق. يقول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ اْأَرْضَ ذَلُوْلًا فَأَمْشُواْ فِى مَنَاكِهَا وَكُواْ مِنْ رِّزْقِّ وَإِلَيْهِ التُّشُورُ ﴾ [الملك: ١٥]. ((إنه من تسخير الله تعالى للأرض أن جعلها كفاتًا للإنسان في حياته؛ بتسهيل معيشته منها وحياته على ظهرها، فإذا مات (٤) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٥/ ١٢٢ باختصار. جَوْسُورَة النَّفَة القرآن الكريم ٧٦ المشى کانت له أيضًا کفاتًا بدفنه فيها. ولو شاء الله لجعلها حديدًا ونحاسًا، فلا يستطيع الإنسان أن يحرث فیھا، ولا يحفر ولا یيني، وإذا مات لا يجد مدفنًا فيها! ومما يشير إلى هذه المعاني كلها قوله تعالى: ﴿فَأَمْشُواْ فِى مَنَّاكِهَا وَكُلُواْمِنْرِزْقِهِ﴾))(١). ((والأمر في قوله تعالى: ﴿فَأَمْشُواْ فِ مَنَاكِهَا وگلُواْ مِن رِّزْقِهِ﴾ للإباحة، ولكن التقدیم لهذا الأمر بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِی جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا ﴾ فیه امتنان من الله تعالى على خلقه، مما يشعر أن في هذا الأمر مع الإباحة توجيهًا وحثًّا للأمة على السعي والعمل والجد، والمشي في مناكب الأرض من كل جانب؛ لتسخيرها وتذليلها؛ مما يجعل الأمة أحق بها من غيرها. كما قال تعالى: ﴿أَرَّ تَرَ أَنَّ اللَّهُ سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِ الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِى فِ الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾ [الحج: ٦٥]))(٢). ثم في ((قوله تعالى: ﴿وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ بعد المشي في مناكب الأرض وتطلب الرزق، وما يتضمن من النظر والتأمل في مسببات الأسباب وتسخير الله لها، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا إِلَى رَيْنَا لَمُنْقَلِبُونَ ﴾[الزخرف: ١٤]، بعد ذكر ﴿خَلَقَ الْأَزْوَجَ كُلَّهَا ﴾ [الزخرف: ١٢]، أي: الأصناف، وتسخير الفلك والأنعام (١) تكملة أضواء البيان، عطية سالم ٨/ ٢٣٨. (٢) المصدر السابق. والبحر والبر؛ فيه ضمنًا إثبات القدرة على البعث، فيكون المشي في مناكب الأرض، واستخدام مناكبها، واستغلال ثرواتها، والانتفاع من خيراتها؛ لا لطلب الرزق وحده - وإلا لكان يمكن سوقه إليهم- ولكن للأخذ بالأسباب أولًا، وللنظر في المسببات، والعبرة بالمخلوقات، والتزود لما بعد الممات، كما في آية ((الجمعة)»: ﴿فَأَنْتَشِرُواْ فِ اْأَرْضِ وَأَبْنَغُواْ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًاً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الجمعة: ١٠]. أي: عند مشاهدة آيات قدرته وعظيم امتنانه. وعليه فقد وضع القرآن الأمة الإسلامية في أعز مواضع الغنى والاستغناء، والاستثمار والإنتاج، فما نقص عليها من أمور دنياها إلا بقدر ما قصرت هي في القيام بهذا العمل وأضاعت من حقها في هذا الوجود)» (٣) (٣) المصدر السابق ٨/ ٢٣٩ - ٢٤٠. www. modoee.com ٧٧ حرف الميم ثانيًا: المشي المنهي عنه: ١. المشي بالنميمة. قال الله تعالى: ﴿هَمٍَّ مَّشَّكْ بِنَّمِيٍ [القلم: ١١]. ((أي: كما أنعمنا عليك يا محمد وأعطيناك الشرع المستقيم والخلق العظيم ﴿فَلَا تُطِع الْمُكَذِّبِينَ﴾ثم قال تعالى: ﴿ وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَافٍ مَّهِينٍ﴾؛ وذلك أن الكاذب لضعفه ومهانته إنما يتقي بأيمانه الكاذبة التي يجترئ بها على أسماء الله تعالى، واستعمالها في كل وقتٍ في غير محلها))(١). وفي قوله تعالى: ﴿ مَنّازِ﴾ ثلاثة أوجه: أحدها: أنه الفتان الطعان. قاله ابن عباس وقتادة. الثاني: أنه الذي يلوي شدقيه من وراء الناس. قاله الحسن. الثالث: أنه الذي يهمزهم بيده دون لسانه ويضربهم. قاله ابن زيد، والأول أشبه لقول الشاعر: تدلي بودٌّ إذا لاقيتني كذبًا وإن أغيب فأنت الهامز اللمزة وفي قوله: ﴿مَشَّكَ بِنَّمِيمٍ﴾ وجهان: أحدهما: الذي ينقل الأحاديث من بعض الناس إلى بعض. قاله قتادة. الثاني: هو الذي يسعى بالكذب، ومنه قول الشاعر: (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٨/ ١٩٠. ومولی کبیت النمل لا خیر عنده لمولاه إلا سعيه بنميم (٢) ((والمشي: استعارة لتشويه حاله بأنه يتجشم المشقة لأجل النميمة! مثل ذكر السعي في قوله تعالى: ﴿وَيَسْمَوْنَ فِى الْآَرْضِ فَسَادًا﴾ [المائدة: ٦٤]. ذلك أن أسماء الأشياء المحسوسة أشد وقعًا في تصور السامع من أسماء المعقولات، فذكر المشي بالنميمة فيه تصوير لحال النمام، ألا ترى أن قولك: (قطع رأسه) أوقع في النفس من قولك: (قتل)؟! ويدل لذلك أنه وقع مثله في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة»(٣)) (٤). وهل في تقدم (هماز) على (مشاء) من حكمة؟ ذكر بعض العلماء حكمة في ذلك، وهي أن تقدم هماز على مشاء بنميم كان بالرتبة؛ لأن المشي مرتب على القعود في المكان، والهماز هو العياب، وذلك لا يفتقر إلى حركة وانتقال من موضعه، بخلاف النميمة، فإنها تفتقر إلى حركة وانتقال للتحريش بين (٢) النكت والعيون، الماوردي ٦/ ٦٣ -٦٤. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الطهارة، باب من الكبائر أن لا يستتر من بوله، رقم ٢١٦، ومسلم في صحيحه، كتاب الطهارة، باب الدليل على نجاسة البول، رقم ٢٩٢. (٤) التحرير والتنوير ٢٩/ ٧٣. ٧٨ جَوَسُو ◌َرَ النَفسِير القرآن الكريمِ المشى فلان وفلان(١). ٢. مشي التكبر والخيلاء، والرقص. من ذلك قوله تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿وَلَا تَّمْشِ فِىِ الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَّخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ اَلْجِبَالَ طُولًا ﴾ [الإسراء: ٣٧]. إن «الإنسان حين يخلو قلبه من الشعور بالخالق القاهر فوق عباده؛ تأخذه الخيلاء بما يبلغه من ثراء أو سلطان، أو قوة أو جمال، ولو تذکر أن ما به من نعمة فمن الله وأنه ضعيف أمام حول الله لطامن من كبريائه، وخفف من خيلائه، ومشى على الأرض هونًا لاتيهًا ولا مرحًا. والقرآن يجبه المتطاول المختال المرح بضعفه وعجزه وضآلته: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَّخْرِقَ اٌلْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ لَلِبَالَ كُولًا﴾ فالإنسان بجسمه ضئيل هزيل، لا يبلغ شيئًا من الأجسام الضخمة التي خلقها الله»(٢). قال سبحانه: ﴿َأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقَا أَمِ السَّمَاءُ بَنَهَا رَفَعَ سَمْكُهَا فَسَوَّنَهَا (٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ﴾ [النازعات: ٢٧-٢٩]. ٢٧ ـهَا قال الشوكاني رحمه الله: ((وذكر الأرض مع أن المشي لا یکون إلا علیها أو على ما هو معتمد علیھا؛ تأكیدًا وتقریرًا))(٣). (وأصل المرح في اللغة: شدة الفرح (١) انظر: بدائع الفوائد، ابن القيم ١/ ٦٦. (٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ٤ / ٢٢٢٨. (٣) فتح القدير، الشوكاني ٣/ ٣٢٦. والنشاط، وإطلاقه على مشي الإنسان متبخترًا مشي المتكبرين؛ لأن ذلك من لوازم شدة الفرح والنشاط عادة)) (٤). ((ويروى أن سبأ دوخ الأرض بأجناده شرقًا وغربًا وسهلًا وجبلًا، وقتل سادةً وسبی-وبه سمي سبا- ودان له الخلق، فلما رأی ذلك انفرد عن أصحابه ثلاثة أيام، ثم خرج إليهم فقال: إني لما نلت ما لم ينل أحدٌ رأيت الابتداء بشكر هذه النعم، فلم أر أوقع في ذلك من السجود للشمس إذا أشرقت! فسجدوا لها، وكان ذلك أول عبادة الشمس، فهذه عاقبة الخيلاء والتكبر والمرح، نعوذ بالله من ذلك»(٥) وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ اْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُّغَ اَلْجِبَالَ طُولًا﴾ فيه وجهان، كما يقول الماوردي: ((أحدهما: إنك لن تخرق الأرض من تحت قدمك، ولن تبلغ الجبال طولًا بتطاولك؛ زجرًا له عن تجاوزه الذي لا يدرك به غرضًا. الثاني: أنه مثلٌ ضربه الله تعالى له، ومعناه: كما أنك لن تخرق الأرض في مشيك ولن تبلغ الجبال طولًا؛ فإنك لا تبلغ ما أردت بکبرك وعجبك، إیاسًا له من بلوغ إرادته))(٦). (٤) أضواء البيان، الشنقيطي ٣/ ١٥٦. (٥) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٠/ ٢٦٢. (٦) النكت والعيون، الماوردي ٣/ ٢٤٤. www. modoee.com ٧٩ حرف الميم ((ذلك التطامن والتواضع الذي يدعو إليه القرآن بترذيل المرح والخيلاء أدبٌّ مع الله، وأدبُّ مع الناس، أدبُ نفسي وأدبُّ اجتماعي. وما يترك هذا الأدب إلى الخيلاء والعجب إلا فارغٌ صغير القلب صغير الاهتمامات، يكرهه الله لبطره ونسيان نعمته، ويكرهه الناس لانتفاشه وتعاليه))(١). أغراض ذكر المشي في القرآن الكريم أولًا: المن، وبيان القدرة الإلهية: قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَقَ كُلَّ مَآبَةٍ مِّن مَّاءٍ فَيِنْهُم مَن يَمْشِى عَلَى بَطْنِهِ، وَمِنْهُمْ مَن يَنْشِى عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِى عَلَى أَرْبَعْ يَخْلُقُ اَللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [النور:٤٥]. قال القرطبي رحمه الله: ((المشي على البطن للحيات والحوت، ونحوه من الدود وغيره، وعلى الرجلين للإنسان والطير إذا مشى، والأربع لسائر الحيوان. قال النقاش: إنما اكتفى في القول بذكر ما یمشی علی أربع عن ذكر ما يمشى على أكثر؛ لأن جميع الحيوان إنما اعتماده على أربع، وهى قوام مشيه، وكثرة الأرجل في بعضه زيادة في خلقته، لا يحتاج ذلك الحیوان في مشیه إلی جمیعھا. قال ابن عطية: والظاهر أن تلك الأرجل الكثيرة ليست باطلًا، بل هي محتاجٌ إليها في تنقل الحيوان، وهي كلها تتحرك فى تصرفه. وقال بعضهم: ليس في الكتاب ما يمنع من المشى على أكثر من أربع، إذ لم يقل ليس منها ما يمشى على أكثر من أربع. وقيل: فيه إضمار (ومنهم من يمشى على أكثر من أربع) كما وقع في مصحف أبي، والله أعلم))(٢). (١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٤/ ٢٢٢٨. (٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٢/ ٢٩٢. ٨٠ القرآن الكريم المشى ثانيًا: حكاية اعتراضٍ لأهل الباطل: كما قال سبحانه في سورة الفرقان: ﴿وَقَالُواْ مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الَّعَامَ وَيَمْشِى فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا ﴾ [الفرقان: ٧]. ((والمعنى: إن صح دعواه فما باله لم يخالف حاله حالنا؟! وذلك لعمههم وقصور نظرهم على المحسوسات؛ فإن تميز الرسل عمن عداهم ليس بأمورٍ جسمانية؛ وإنما هو بأحوال نفسانية، کما أشار إليه تعالی بقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنْ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَىَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَجِدٌّ﴾ [الكهف: ١١٠]))(١). ولقد رد الله سبحانه وتعالى على أصحاب هذه الشبهة شبهتم في عدة مواضع من القرآن، منها: قوله سبحانه في نفس سورة الفرقان: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُونَ الطَّعَامَ وَ يَمْشُونَ فِ الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٢٠]. وهذا في معنى قوله تعالى: ﴿قُلّ مَاكُنْتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩]. إن أنا إلا رسول مثل سائر الرسل، فإذا جاز أن يكون سائر الرسل آدميين؛ فيجوز أن أكون آدميا رسولًا(٢). وقال في سورة أخرى: ﴿ وَمَا جَعَلْنَهُمْ (١) أنوار التنزيل، البيضاوي ٤ / ٢٠٧. (٢) انظر: تفسير السمعاني ٤ / ١٢ - ١٣. جَسَدُّالََّ يَأْكُلُونَ الَّعَامَ﴾ [الأنبياء: ٨]. قال السعدي رحمه الله: ((هذا جواب الشبه المكذبين للرسول القائلين: هلا كان ملكًا، لا يحتاج إلى طعام وشراب وتصرفٍ في الأسواق، وهلا کان خالدًا؟! فإذا لم یکن کذلك دل على أنه ليس برسول! وهذه الشبه ما زالت في قلوب المكذبين للرسل، تشابهوا في الكفر فتشابهت أقوالهم؛ فأجاب تعالى عن هذه الشبه لهؤلاء المکذبي المقرین بإثبات الرسل قبله -ولو لم یکن إلا إبراهيم عليه السلام الذي قد أقر بنبوته جمیع الطوائف، والمشركون يزعمون أنهم على دينه وملته- بأن الرسل قبل محمد صلى الله عليه وسلم كلهم من البشر، الذين يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق، وتطرأ عليهم العوارض البشرية، من الموت وغيره، وأن الله أرسلهم إلى قومهم وأممهم، فصدقهم من صدقهم، وكذبهم من كذبهم، وأن الله صدقهم ما وعدهم به من النجاة والسعادة لهم ولأتباعهم، وأهلك المسرفین المکذبين لهم. فما بال محمد صلى الله عليه وسلم تقام الشبه الباطلة على إنكار رسالته وهي موجودة في إخوانه المرسلين الذين يقر بهم المكذبون لمحمد؟! فهذا إلزام لهم في غاية الوضوح، وأنهم إن أقروا برسولٍ من البشر، ولن يقروا برسول من غير البشر! إن شبههم www. modoee.com ٨١ حرف الميم باطلة، قد أبطلوها هم بإقرارهم بفسادها وتناقضهم بها))(١). وقال سبحانه في رد عقلي منطقي: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَهُ مَلَكًا أَجَعَلْنَهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَايَلْبِسُونَ ﴾ [الأنعام:٩]. والمعنى: أنا لو جعلناه ملكًا لجعلناه ولا بد في خلق رجل؛ لأنهم لا طاقة لهم على ومجاهد وقتادة وابن زيد(٢). ومن لطائف هذه الآية: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِ الْأَسْوَاقِ وَحَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِيَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَُ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا ﴾ [الفرقان: ٢٠]: أن بعض العلماء استنبط من ذلك أن ((من آداب الداخل في السوق: أن يكون ماشيًا على رجلیہ لا راكبًا، کما وصف الله تعالى الرسل عليهم السلام)) في هذه الآية(٣). ثالثًا: ضرب المثل للناس: من ذلك قول الحق سبحانه في سورة الملك: ﴿أَفَنْ يَمْشِى مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِى سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [الملك: ٢٢]. («هذا مثل ضربه الله للكافرين والمؤمنين، أو لرجلین: کافر ومؤمن. (١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٥١٩. (٢) المحرر الوجيز، ابن عطية ٢/ ٢٧٠. (٣) البحر المديد، ابن عجيبة ٥/ ١٨٤. والذي انقدح لي: أن التمثيل جرى على تشبيه حال الكافر والمؤمن بمشيتين مختلفتين، وعلى تشبيه الدين بالطريق المسلوكة كما يقتضيه قوله: ﴿عَلَى صِرَطِ مُسْتَقِيمِ﴾ فالمشرك يتوجه بعبادته إلى آلهة كثيرة لا يدري لعل بعضها أقوى من بعض، رؤية الملك في صورته، وقاله ابن عباس وأعطف على بعض القبائل من بعض، فقد كانت ثقيف يعبدون اللات، وكان الأوس والخزرج يعبدون مناة، ولكل قبيلة إلهٌ أو آلهةٌ، فتقسم الحاجات عندها، ويستنصر كل قوم بآلهتهم، ويطمعون في غنائها عنهم، وهذه حالة يعرفونها فلا يمترون في أنهم مضرب المثل الأول، وكذلك حال أهل الإشراك في کل زمان! ألا تسمع ما حكاه الله عن يوسف عليه السلام من قوله: ﴿مَأَرْبَابٌ مُتَغَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَجِدُ الْقَهَّارُ ﴾ [يوسف: ٣٩]؟ وينور هذا التفسير أنه يفسره قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى مُسْتَقِيمًا فَأَتَّبِعُوَةٌ وَلَا تَنَّبِعُواْ السُّبُلَ فَنَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]. وقوله: ﴿قُلْ هَذِهِ، سَبِيلِيّ أَدْ عُوّا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنْ وَمَنِ اتَّبَعَنِّ وَسُبْحَنَ اَللَّهِ وَمَآ أَنَاْ مِنَ ﴾ [يوسف: ١٠٨]. الْمُشْرِكِينَ ) فقابل في الآية الأولى الصراط المستقيم -المشبه به الإسلام- بالسبل المتفرقة ٨٢ جوبيه القرآن الكريمِ المشى المشبه بها تعداد الأصنام، وجعل في الآية الباطنة ﴿إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾(٣). الثانية الإسلام مشبهًا بالسبيل، وسالكه يدعو ببصيرة، ثم قابل بينه وبين المشركين بقوله: ﴿وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. وفي قوله: ﴿مُكِبًّاعلى وجهه»﴾ تشبيه حال المتحير المتطلب للآثار في الأرض بحال المكب على وجهه، في شدة اقترابه من الأرض. وقوله: ﴿أَمَّنْ يَمْشِى سَوِيًّا﴾ تشبيه لحال الذي آمن برب واحد الواثق بنصر ربه وتأييده، وبأنه مصادف للحق بحال الماشي في طريق جادة واضحة، لا ينظر إلا إلى اتجاه و جهه، فهو مستوٍ في سيره» (١). ومن ذلك قوله تعالى عن المنافقين: ﴿يَكَادُ الَّْقُّ يَخْطَفُ أَبْصَرَهُمْ كُلَّمَا أَضَآءَ لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ﴾ [البقرة: ٢٠]. فهذا مثلٌ ضربه الله للقرآن وصنيع الكافرين والمنافقين معه، فالمطر: القرآن؛ لأنه حياة الجنان كما أن المطر حياة الأبدان، والظلمات: ما في القرآن من ذكر الكفر والشرك، والرعد: ما خوفوا به من الوعيد وذكر النار، والبرق: ما فيه من الهدى والبيان والوعد وذكر الجنة (٢). وقيل: أي: لذهب بأسماعهم وأبصارهم أسماعهم وأبصارهم الظاهرة كما أذهب (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٩/ ٤١ - ٤٣ بتصرف. (٢) معالم التنزيل، البغوي ١/ ٧٠. قال حقي: ((وإيثار المشي على ما فوقه من السعي والعدو للإشعار بعدم استطاعتهم لهما لكمال دهشتهم»(٤). رابعًا: لحكاية حادثة معينة: من ذلك ما ذكره الله تعالى في قصة موسى عليه السلام -في معرض المن عليه- فقال: ﴿إِذْ تَّمْشِىّ أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُكُتْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ﴾ [طه: ٤٠]، وذلك حين قالت لها أمها: ﴿قُضِيهِ﴾ [القصص: ١١]. اتبعي أثره فانظري ماذا يفعلون به. فخرجت تمشي في ذلك ﴿نَبْصُرَتْ پهِ،عَن مُّبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ [القصص: ١١]، وقد احتاج إلى الرضاع والتمس الثدي، وجمعوا له المراضع حين ألقى الله محبتهم عليه، فلا يؤتى بامرأة فيقبل ثديها! فيؤتى بمرضع بعد مرضع، فلا يقبل شيئًا منهم، فقالت لهم أخته حين رأت من وجدهم به وحرصهم عليه: ﴿هَلْ أَدُلْكُعَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَصِحُونَ (٢) فَرَدَدْنَهُ إِلَى أُمِّهِ، كَنْ نَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ [القصص: ١٢ - ١٣] (٥). وحادثة أخرى مع موسى عليه السلام أيضًا لكن هذه المرة في حال كبره ونبوته، (٣) لباب التأويل، الخازن ١/ ٣٠. (٤) روح البيان ١/ ٧٢. (٥) انظر: جامع البيان، الطبري ١٦ / ٦١. www. modoee.com ٨٣ حرف الميم عندما فر من قوم فرعون الذين يريدون قتله، وفي مدين سقى للمرأتين ثم توجه إلى ظل شجرة یشکو إلى ربه فقره، فجاءه الفرج من ربه فقال: ﴿َءَتَّهُ إِحْدَ هُمَا تَمْشِى عَلَى اسْتِحْيَآءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِىِ يَدْعُوَكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ [القصص: ٢٥]. وسيأتي الحديث عن اللفتة التربوية في مشية هذه الفتاة. قال مطرف: ((أما والله لو كان عند نبي الله شيءٌ ما تتبع مذقتها، ولكن إنما حمله على ذلك الجهد)).(١) (١) جامع البيان، الطبري ١٨/ ٢٢١. ضور جَوْسُو ◌َرَ النَّقِينَ القرآن الكريمِ الدروس المستفادة من ذكر المشي أولًا: الدروس الإيمانية لذكر المشي في القرآن الكريم: ١. الرفق واللين في معايشة الناس. تتجلى هذه الدلالة في قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَسْئُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنَا ﴾ [الفرقان: ٦٣]. فقوله عز وجل: ـَادُ الرَّحِمَنِ وَعِ أي: أفاضل العباد، وقيل: هذه الإضافة للتخصيص والتفضيل، وإلا فالخلق كلهم عباد الله(٢). (عن زيد بن أسلم قال: كنت أسأل عن تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَ اَلْأَرْضِ مَوْنًا﴾ فما وجدت في ذلك شفاءً! فرأیت في المنام من جاءني فقال لي: ((هم الذين لا يريدون أن يفسدوا في الأرض)». فهذا رأي لزيد بن أسلم ألهمه يجعل معنى ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ﴾ أنه استعارة للعمل في الأرض، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَى سَعَى فِىِ اَلْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا﴾ [البقرة: ٢٠٥]. وأن الهون مستعار لفعل الخير؛ لأنه هون على الناس، كما يسمى بالمعروف))(٣). (وجوز الزجاج أن يكون قوله: ﴿يَمْشُونَ﴾ عبارة عن تصرفاتهم في معاشرة (٢) معالم التنزيل، البغوي ٦/ ٩٣. (٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٩/ ٨٩. ٨٤ المشى الناس، فعبر عن ذلك بالانتقال في الأرض، متصفين بهاتين الصفتين: ﴿يَمْشُونَ عَلَ اُلْأَرْضِ هَوْنَا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَهِلُونَ قَالُواْسَلَمًا﴾. وتبعه ابن عطية))(١). لكن الأصل إمرار اللفظ على ظاهره، حتی یأتي دليلٌ صحيحٌ صریح یصرفه عن ذلك الظاهر، فظاهر الخطاب هنا أنه مدخٌ لمشية بالأرجل، وهذا الذي عليه جمهور المفسرين(٢). لكن لنا أن نقول: أن هذا الاختلاف في تفسير المشي هنا، إنما هو من اختلاف التنوع لا التضاد، فيجوز أن يكون تفسير المشي هنا، يحتمل كل ما ذكر، فهم في معاملتهم مع إخوانهم ظاهرًا وباطنًا هينون لينون كما وصفهم ربهم: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤]. إن هذا الهون في المشي الذي تتصف به هذه الجماعة المؤمنة ناشئ عن التواضع لله تعالى والتخلق بآداب النفس العالية، وزوال بطر أهل الجاهلية، فكانت هذه المشية من الجاهلية. وعن عمر بن الخطاب أنه رأى مشية تكره إلا في سبيل الله)(٣). فهذه الآية تنبيهٌ من الله وتحريض للمؤمنين، إنهم أرادوا تكريم الله تعالى لهم، وإضافتهم إلى نفسه تعالى؛ أن يكونوا (١) المصدر السابق ١٠/ ١٨٩ - ١٩٠. (٢) المصدر السابق ١٩/ ٨٨. (٣) المصدر السابق ١٩/ ٨٨. ٢. صاحب الحق يملك نورًا من الله وبصيرة. وتتجلى هذه الدلالة في قوله تعالى: يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِ يُؤْتِّكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ، وَبَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ، وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ )﴾ [الحديد: ٢٨]. فـ(( في قوله: ﴿تَمْشُونَ بِهِ﴾ إعلام بأن تصرفهم وتقلبهم الذي ينفعهم إنما هو النور، وأن مشیهم بغير النور غير مجدٍ عليهم ولا نافع لهم، بل ضرره أكثر من نفعه. وفيه: أن أهل النور هم أهل المشي في الناس، ومن سواهم أهل الزمانة والانقطاع، فلا مشي لقلوبهم ولا لأحوالهم ولا لأقوالهم ولا لأقدامهم إلى الطاعات، وكذلك لا تمشي على الصراط إذا مشت خلال الذين آمنوا على الضد من مشي أهل بأهل الأنوار أقدامهم)) (٤). كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿أَوَمَن غلامًا يتبختر في مشيته فقال له: (إن البخترة كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِی پِهِ، فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِ اَلُُّلُمَتِ لَيْسَ بِخَارِچ مِنْهَاْ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَفِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (١٢٣) [الأنعام: ١٢٢]. فهم ينيرون لأنفسهم وللناس، لا کالشمعة تضيء للناس وتحرق نفسها. (٤) اجتماع الجيوش الإسلامية، ابن القيم ص٩. www. modoee.com ٨٥ حرف الميم «وفي قوله: ﴿تَمْشُونَيهِ﴾ نكتة بدیعة، وهي أنهم يمشون على الصراط بأنوارهم كما يمشون بها في الناس في الدنيا، ومن لا نور له فإنه لا يستطيع أن ينقل قدمًا عن قدم على الصراط، فلا يستطيع المشي أحوج ما یکون إليه)»(١). ثانيًا: الدروس التربوية لذكر المشي في القرآن: ١. تنشئة الأسرة على الآداب الحسنة. وتتجلى هذه الدلالة في قوله تعالى حاکیًا نصائح لقمان الحكيم لابنه: ﴿ وَأُقْصِدْ فِي مَشْبِكَ وَأَغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَتِ لَصَوْتُ اَلْخِيرِ )﴾ [لقمان: ١٩]. فيأتي هذا الإرشاد التربوي من لقمان الحکیم لابنه بعد إرشادات سابقة، فابعد أن بين له آداب حسن المعاملة مع الناس قفاها بحسن الآداب في حالته الخاصة، وتلك حالتا المشي والتكلم، وهما أظهر ما يلوح على المرء من آدابه. والقصد: الوسط العدل بين طرفين، فالقصد في المشي: هو أن يكون بين طرف التبختر وطرف الدبيب، ويقال: قصد في مشیه. فمعنی ﴿ وَاقْصِدْ فِ مَشْكَ﴾ ارتكب القصد. والغض: نقص قوة استعمال الشيء. (١) المصدر السابق. ـَ النَِّيَّـ جوبيبو القرآن الكريم يقال: غض بصره، إذا خفض نظره فلم يحدق فغض الصوت: جعله دون الجهر»(٢). وقد يرد على القارئ سؤالٌ هنا، وهو: لم ذكر المانع من رفع الصوت ﴿إِنَّ أَنكَرَ اَلْأَصْوَتِ لَصَوْتُ اْخِيرِ﴾، ولم يذكر المانع من سرعة المشي؟ قيل: هناك ثلاث حکم في ذلك: الأولى: أن رفع الصوت يؤذي السامع ويقرع الصماخ بقوة، وربما يخرق الغشاء الذي داخل الأذن! وأما السرعة في المشي فلا تؤذي، أو إن كانت تؤذي فلا تؤذي غير من في طريقه، والصوت يبلغ من على اليمين واليسار. الثانية: لأن المشي يؤذي آلة المشي، والصوت يؤذي آلة السمع، وآلة السمع على باب القلب؛ فإن الكلام ينتقل من السمع إلى القلب ولا كذلك المشي. الثالثة: لأن القول قبيحه أقبح من قبيح الفعل، وحسنه أحسن؛ لأن اللسان ترجمان القلب(٣). ٢. الإشادة بصفة الحياء عند المرأة. وتتجلى هذه الدلالة في ما حكاه الله تعالى من قصة موسى مع ابنة ذلك الرجل الصالح (٤) فقال: ﴿َتَُّ إِحْدَ نَّهُمَا تَمْشِ عَلى (٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢١/ ١١١. (٣) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢٥/ ١٢٣. (٤) لعل الأقرب للصواب أنه كان رجلاً صالحًا، وليس هو نبي الله شعیب. ٨٦ المشى أُسْتِحْيَآءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِىِ يَدْعُوَكَ لِيَجْزِيَكَ ولاجةٍ))(٢). أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ [القصص: ٢٥]. إن وصف الله تعالى لمشية تلك الفتاة المحتشمة بقوله أنها ﴿عَلَى أَسْتِحْيَآَوِ﴾ لم یات ھکذا دون فائدة أو دلالة، بل له دلالة تربوية حكيمة، تجعل هذه الفتاة مثالًا رائعًا للمرأة الموافقة لفطرتها، التي لم تتعود أصلًا لمثل هذا الخروج من بيتها، ولكن لما أحوجتها الضرورة خرجت بتلك الصفة الطيبة الكريمة، فليكن لك يا فتاة الإسلام في تلك الفتاة المثل الرائع والقدوة الحسنة. ((والمعنى أنها مستحيية في مشيها، أي: تمشي غير متبخترة ولا متثنية ولا مظهرة زينة، وعن عمر بن الخطاب أنها كانت ساترة وجهها بثوبها. والاستحياء مبالغة في الحياء))(١). (عن عمرو بن ميمون قال: قال عمر رضي الله عنه: (جاءت تمشي على استحياء قائلة بثوبها على وجهها، ليست بسلفع -جريئة على الرجال- من النساء، خراجةٍ قال الطبري في تفسيره ٥٦٢/١٩: وهذا مما لا يدرك علمه إلا بخبر، ولا خبر بذلك تجب حجته. وقال الرازي في تفسيره ٥٨٩/٢٤: ليس في القرآن ما يدل على أن أباهما كان شعيبًا. وانظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٢٨/٦. (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٠/ ٤٢. قال ابن الجوزي رحمه الله: ((وفي سبب استحيائها ثلاثة أقوال: أحدها: أنه كان من صفتها الحياء فهي تمشي مشي من لم يعتد الخروج والدخول. والثاني: لأنها دعته لتكافئه وكان الأجمل عندها أن تدعوه من غير مكافأة. والثالث: لأنها رسول أبيها))(٣). زاد الإمام الرازي: ((لأن الكريم إذا دعا غيره إلى الضيافة يستحيي لا سيما المرأة)» (٤). وهكذا يأتي التوجيه الإلهي التربوي للنساء عن كيفية المشي الذي يناسب طبيعة المرأة وفطرتها، فيقول سبحانه في آية النور: ﴿وَلَا يَضْرِيْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]. قال ابن كثير رحمه الله: كانت المرأة في الجاهلية إذا كانت تمشي في الطريق وفي رجلها خلخال صامت - لا يسمع صوته- ضربت برجلها الأرض، فيعلم الرجال طنینه، فنھی الله المؤمنات عن مثل ذلك، وكذلك، إذا كان شيء من زينتها مستورًا فتحركت بحركةٍ لتظهر ما هو خفي دخل في هذا النهي؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِيْنَ (٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٢٨/٦. قال ابن كثير: هذا إسناد صحيح. (٣) زاد المسير، ابن الجوزي ٦/ ٢١٤. (٤) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٤ / ٢٠٦. www. modoee.com ٨٧ حرف الميم بِأَرْجُلِمِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾. ومن ذلك أيضًا أنها تنهى عن التعطر والتطيب عند خروجها من بيتها ليشتم الرجال طيبها. ومن ذلك أيضًا أنهن ينهين عن المشي في وسط الطريق؛ لما فيه من التبرج (١). موضوعات ذات صلة: السعي، السير (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ٤٩. ٨٨ جَوَنُوا حَرَ النَّفْسِير القرآن الكريم