النص المفهرس

صفحات 21-40

ملين
قال سيد قطب: (( ولقد كانت وهو النبوة والحكمة، ولا أنهاكم عن الشيء
واقع في المنهي عنه، ولا أريد إلا إصلاحکم
بمقدار استطاعتي، وليس توفيقي في إصابة
الحق فيما أريده إلا بالله وهدايته وعونه،
وعليه توكلت في جميع أموري، ومنها تبليغ
رسالتي، وإليه أنيب وأرجع. وهذا دليل على
ثبات شعيب على المبدأ وإخلاص الدعوة،
دون أن يخشى من قومه سوءًا.
الجاهليات- كما هي اليوم- تفصل
بين العقيدة والعبادات، وبين الشرائع
والمعاملات من ذلك ما حكاه القرآن
الكريم عن قوم شعيب: ﴿قَالُواْ يَشُعَيْبُ
أَصَلَوْتُكَ تَأْمُرُكَ أَن تَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءَابَاؤُنَّا
أَوْ أَن نَفْعَلَ فِىَّ أَمْوَلِنَا مَا نَشَكَؤُاْ﴾ ومن ثم
يربط السياق القرآني بين قواعد التعامل
في المال والتجارة والبيع والشراء، وبين
هذا المعرض الخاص بالعقيدة، للدلالة
على طبيعة هذا الدين، وتسويته بين العقيدة
والشريعة، وبين العبادة والمعاملة، في أنها
كُلَّها من مقومات هذا الدين، المرتبطة كلها
في کیانه الأصیل»(١).
أجابهم شعيب بما يحسم أطماعهم
بقوله: ﴿قَالَ يَقَوْمِ أَرَهَ يْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى
بَيْنَةٍ مِّن رَّبِى وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنَاً وَمَا أُرِيدُ
أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَآ أَنْهَئِكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ
إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَّوْفِيقِيِّ إِلّ ◌ِاللهِ عَلَيْهِ
تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيْبُ ٥﴾ وَيَقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ
شِقَافِى أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَآ أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ
قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَلِحَّ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُمْ
بِبَعِيدٍ ﴿ وَأَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ
إِنَّ رَبِّ رَحِيمٌ وَدُودٌ ﴾ [هود:٨٨-٩٠].
أخبروني يا قوم إن كنت على بصيرة من
ربي فيما أدعو إليه، ورزقني منه رزقا حسنا،
(١) انظر: في ظلال القرآن ١٨٤٢/٤.
٢. الرد بالاستهزاء والتكذيب.
قال تعالى: ﴿قَالُواْ يَشُعَيْبُ
أَصَلَوْتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ تَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَآ
أَوْ أَن تَفَّعَلَ فِي أَمْوَلِنَا مَا نَشَتؤٌّأُ إِنَّكَ لَأَنْتَ
الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ ﴾ [هود:٨٧].
﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ ﴾، فيه ثلاثة
أوجه:
أحدها: أنهم قالوا ذلك استهزاء به، قاله
قتادة.
الثاني: معناه أنك لست بحلیم ولا رشيد
على وجه النفي، قاله ابن عباس.
الثالث: أنهم اعترفوا له بالحلم والرشد
على وجه الحقيقة وقالوا أنت حليم رشيد
فلم تنهانا أن نفعل في أموالنا ما نشاء؟
والحلم والرشد لا يقتضي منع المالك من
فعل ما يشاء في ماله(٢).
(٢) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٢/ ٤٩٦،
الكشاف، الزمخشري ٤١٩/٢، المحرر
الوجيز، ابن عطية ٣/ ٢٠٠، تفسير السمعاني
٢/ ٤٥٣ معالم التنزيل، البغوي ٤ / ١٩٧،
www. modoee.com
٢٨٩

حرف الميم
﴿قَالُواْ يَشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ﴾
[هود: ٩١]، أي: ما نفهم ما تقول، ومنه سمي
علم الدين فقها؛ لأنه مفهوم، وفيه وجهان:
أحدهما: ما نفقه صحة ما تقول من البعث
والجزاء، الثاني: أنهم قالوا ذلك إعراضًا عن
سماعه واحتقارًا لكلامه (١).
ويلاحظ من خلال تعبيرهم بالضعف أنه
ولم ينفعهم هذا الأسلوب أيضا، فلجئوا يحتمل هذه المعاني كلها في نظرهم.
إلى الإهانة والتهديد، قائلين: يا شعيب،
ما نفهم کثیرًا من قولك، مع أنه خطيب
الأنبياء، وأنت واحد ضعيف، ولولا رهطك
أو عشيرتك وقرابتك لرجمناك بالحجارة،
وليس لك معزة ولا تکریم.
ويشبه هذا الذي ردوا به على نبيهم ما
قال كفار قريش لرسول الله صلى الله عليه
وسلم: ﴿وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِىَ أَكِنَّةٍ مِمَا تَدْعُونَا
إِلَيْهِ وَفِيّ ءَاذَاتِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ
فَأَعْمَلٌ إِنَّنَا عَمِلُونَ ﴾ [فصلت: ٥].
﴿وَإِنَّا لَتَرَئِكَ فِينَا ضَعِيفَاً وَلَوْلَا رَهْظُكَ
لَرَجَمْنَكٌ وَمَآ أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزِ﴾ [هود: ٩١].
﴿وَإِنَّا لَتَرَبِكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾ فيه سبعة
تأويلات:
أحدها: ضعيف البصر، قاله سفيان.
الثاني: ضعيف البدن، حكاه ابن عيسى.
الثالث: أعمى، قاله سعيد بن جبير
وقتادة.
فتح القدير، الشوكاني ٥٨٨/٢، تیسیر الکریم
الرحمن، السعدي ص ٣٨٧.
(١) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٤٩٩/٢.
الرابع: قليل المعرفة وحيدًا، قاله السدي.
الخامس: ذليلًا مهينًا، قاله الحسن.
السادس: قليل العقل.
السابع: قليل المعرفة بمصالح الدنيا
وسياسة أهلها.
﴿ولولا رهطُكَ ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: عشيرتك، وهو قول الجمهور.
الثاني: لولا شيعتك، حكاه النقاش.
﴿لَرَجَمنَكَ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: لقتلناك بالرجم.
الثانى: لشتمناك بالكلام.
﴿وَمَآ أَنْتَعَلَيْنَاپِعزیزٍ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: بکریم.
الثاني: بممتنع لولا رهطك (٢).
وتلك سنة متبعة درجت عليها الأمم مع
أنبيائها عليهم السلام، فقد استهزأ قوم نوح
به علیه السلام.
قال تعالى: ﴿وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأَ مِّنْ
قَوْمِهِ، سَخِرُ واْ مِنْهُ﴾ [هود: ٣٨].
واستهزأت عاد بهود: عليه السلام
﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفَا مِنَ السَّمَآءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ
١٨٧ ﴾ [الشعراء: ١٨٧].
الصَّدِقِينَ
واستهزأت ثمود بصالح، عليه السلام.
(٢) انظر: النكت والعيون الماوردي ٤٩٩/٢،
تفسير السمعاني ٤٥٣/٢، معالم التنزيل،
البغوي ٤ / ١٩٧.
٢٩٠
القرآن الكريمِ

ملين
﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ
قال تعالى:
كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِهِ إِنَّا لَغَرَنِكَ فِى سَفَاهَةٍ﴾
[الأعراف: ٦٦].
واستهزؤوا بشعيب: ﴿قَالُواْ يَشُعَيْبُ
أَصَلَوْتُكَ تَأْمُكَ أَن تَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَّا
أَوْ أَنْ تَّفْعَلَ فِى أَمْوَلِنَا مَا نَشَتُؤَّأْ إِنَّكَ لَأَنْتَ
﴾ [هود: ٨٧].
٨٧
الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (
واستهزأ فرعون بموسى عليه السلام.
﴿ أَمْ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِىهُوَ
قال سبحانه:
مَهِينٌوَلَا يَكَادُ يُبِينٌ ﴾ [الزخرف: ٥٢](١).
أما التكذيب فهو ما جاءت به الآيات
الآتية:
قال تعالى: ﴿قَالُواْ إِنَّمَآ أَنْتَ مِنَ الْمُسَخَّرِينَ
وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِن تَّظُنُّكَ لَمِنَ
﴾ [الشعراء: ١٨٥- ١٨٦].
١٨٦)
اٌلْكَذِبِينَ ﴿
وقال تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْیَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا
فَقَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْاللَّهَ وَأَرْجُواْ أَلْيَوْمَ الْآَخِرَ
وَلَا تَعْثَوْاْ فِ الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴿ فَكَذَّبُوهُ
فَأَخَذَتْهُمُ الرَّحْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ
جَئِينَ ﴾ [العنكبوت: ٣٦ -٣٧](٢).
(١) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٤٩٦/٢،
الكشاف، الزمخشري ٤١٩/٢ المحرر
الوجيز، ابن عطية ٣/ ٢٠٠، تفسير السمعاني
٢/ ٤٥٣ معالم التنزيل، البغوي ٤ / ١٩٧،
فتح القدير، الشوكاني ٥٨٨/٢، تيسير الكريم
الرحمن، السعدي ص ٣٨٧.
(٢) انظر: الكشاف، الزمخشري ٤١٩/٢، المحرر
الوجيز، ابن عطية ٢٠٠/٣، تفسير السمعاني
٢/ ٤٥٣، فتح القدير، الشوكاني ٥٨٨/٢.
٣. الرد بالتهديد بالطرد والتهجير.
فقد هدد الملأ وهم كبار القوم من قومه
شعيبًا عليه السلام بالطرد والتهجير من
* قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ أُسْتَكْبَرُواْ مِنْ قَوْمِ
بلده:
لَنُخْرِجَّكَ يَشُعَيْبُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَّا أَوْ
لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَاً قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَثِهِينَ
قَدِ
أَفْتَرَيْنَا عَلَى اللّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِىِ مِلَّيِكُمْ بَعْدَ إِذْ
◌ََّ اللّهُ مِنْهاً وَمَا يَكُونُ لَّنَا أَنْ تَّعُودَ فِيَهَا إِلَّ أَنْ
يَشَاءُ اللّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَىْءٍ عِلْمَاً عَلَى اللَّهِ
تَوَكَلْنَاْ رَبَّنَا أَفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِأَلْحَقِّ وَأَنْتَ
خَيْرُ الْفَضْحِينَ ﴾ [الأعراف: ٨٨-٨٩].
وهذا النوع من التهديد يفعل مع جميع
الأنبياء، ومن بعدهم الدعاة المخلصون،
كما قال تعالى عن نبي الله لوط عليه
السلام: ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّ أَنْ
قَالُواْ أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمَّ إِنَّهُمْ أُنَاسَُّ
﴾ [الأعراف: ٨٢].
يَنْطَهَّرُونَ (٨٢).
وقال تعالى عن محمد صلى الله عليه
وسلم: ﴿إِلَّا نَصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ
أَخْرَجَةُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِى أَثْنَيْنِ إِذْ هُمَا
فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ، لَا تَحْزَنْ
إِنَّ اللَّهَ مَعَنَاً فَأَنزَّلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ.
عَلَيْهِ وَأَيَدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ
كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَ
وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِى الْعُلْيَأْ وَاَللَّهُ عَزِيزٌ
[التوبة: ٤٠](٣).
حَكِيرُ﴾﴾
(٣) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٢/ ٤٩٦،
www. modoee.com
٢٩١

حرف الميم
٤. الرد بالتهديد بالقتل.
هدد قوم شعيب النبي شعيبًا بالقتل
بالرجم، والرجم من شر القتلات، قال
الله تبارك وتعالى إخبارًا عن قوم شعيب:
﴿قَالُواْ يَشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَا تَقُولُ وَإِنَّا
لَتَرَكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْتَكٌ وَمَا
أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزِ ﴾ [هود: ٩١].
فلم يكتفوا باستكبارهم عن اتباع الحق
الذي جاء به نبيهم، بل واجهوه بأنهم لولا
عشيرته وقبيلته لرجموه بالحجارة حتى
القتل وتخلصوا منه.
﴿قَالَ بَقَوْمِ أَرَهْطِىّ
فقال لقومه:
أَعَُّ عَلَيَكُم مِّنَ اللَّهِ وَأَّخَذْ تُمُوهُ وَرَآءَ كُمْ
ظِهْرِيًّا إِنَّ رَقٍِ بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيِّدٌ )
[هود: ٩٢].
أي: أتخافون من قبيلتي وعشيرتي
وتراعونني بسببهم وخوفًا منهم ولا تخافون
عذاب الله، وجعلتم أمر الله وراء ظهوركم
لجهلكم وتكبركم، والله سبحانه عليم بما
تعملونه لا يخفى عليه شيء، محيط بذلك
كله وسيجزيكم عليه يوم القيامة (١) ..
الكشاف، الزمخشري ٤١٩/٢ المحرر
الوجيز، ابن عطية ٣/ ٢٠٠، تفسير السمعاني
٤٥٣/٢، معالم التنزيل، البغوي ٤ /١٩٧،
فتح القدير، الشوكاني ٥٨٨/٢، تيسير الكريم
الرحمن، السعدي ص ٣٨٧.
(١) انظر: التفسير الوسيط، الواحدي ٥٨٧/٢،
النكت والعيون، الماوردي ٤٩٦/٢، المحرر
الوجيز، ابن عطية ٢٠٠/٣، تفسير السمعاني
والرهط: الجماعة من الثلاثة إلى العشرة،
وقيل: يقال إلى الأربعين، قال:
رَهْطٍ يُفْسِدُونَ﴾ [النمل: ٤٨] والمراد لولا
عشيرتك وقالوا لولا رهطك على سبيل
التقليل والاحتقار (٢).
ثانيًا: إنذار شعيب قومه بالعذاب
ووقوعه بالفعل:
لم تجد وسائل الإصلاح اللينة والكلمة
الطيبة بقوم شعيب، فتحول أسلوبه من
لين القول إلى الإنذار بالعذاب، وطلب
المغفرة من الله والتوبة إليه، فازداد تعنتهم
وإعراضهم، وأمهلهم ليصلحوا شأنهم
أو يترقبوا إنزال العقاب بهم، فلم يبدلوا
حالهم، فكانت النتيجة عقابهم بالصيحة
التي دمرتهم، وإنجاء المؤمنين، وهذا ما
سجله القرآن الكريم في الآيات الآتية:
﴿ وَيَقَوْمِ أَعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَئِكُمْ إِّ
عَمِلُ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِهِ عَذَابٌ مُخْزِيهِ
وَمَنْ هُوَ كَذِبٌ وَأَرْتَقِبُواْ إِنِى مَعَكُمْ
رَقِيبٌ ﴿ وَلَمَّا جَآَّةَ أَمْرُنَا ◌َتْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ
ءَامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ
الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَرِهِمْ جَثِمِينَ كَن
٢/ ٤٥٣، معالم التنزيل، البغوي ٤ / ١٩٧.
(٢) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٤٩٦/٢،
الكشاف، الزمخشري ٤١٩/٢ المفردات،
الراغب الأصفهاني ص ٣٦٧، المحرر
الوجيز، ابن عطية ٣/ ٢٠٠، تفسير السمعاني
٢/ ٤٥٣.
جَوَسُو ◌َرَ النَّقسية
القرآن الكريم
٢٩٢

ملين
٩٥
لَمْيَغْنُواْ فِيَا أَلاَ بُعْدًا لَِّدْيَ كُمَا بَعِدَتْ تَمُودُ(
[هود: ٩٣-٩٥] (١).
ولما يئس شعيب عليه السلام من
إجابتهم دعوته، حسم الموقف قائلا: يا
قوم، اعملوا على طريقتكم، واعملوا كل
ما في وسعكم وطاقتكم من إلحاق الشر
بي، فإني عامل أيضا على طريقتي بما آتاني
الله من القدرة، أي: فأنتم ثابتون على الكفر
والضلال، وأنا ثابت على الدعوة إلى عبادة
الله والثقة بقدرته، ولسوف تعلمون من ينزل
به عذاب يخزيه ويذله في الدنيا والآخرة،
ومن هو كاذب في قوله مني ومنكم،
وانتظروا ما أقول لكم من إيقاع العذاب، إني
معکم رقیب منتظر، وهذا وعید وتهدید لمن
يفهم ويدرك المقال (٢).
٠
(١) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٤٩٦/٢،
الكشاف، الزمخشري ٤١٩/٢ المحرر
الوجيز، ابن عطية ٣/ ٢٠٠، تفسير السمعاني
٢/ ٤٥٣، معالم التنزيل، البغوي ٤ / ١٩٧.
(٢) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٤٩٦/٢،
الكشاف، الزمخشري ٤١٩/٢ المحرر
الوجيز، ابن عطية ٢٠٠/٣، تفسير السمعاني
٢/ ٤٥٣ معالم التنزيل، البغوي ٤/ ١٩٧،
فتح القدير، الشوكاني ٥٨٨/٢، تيسير الكريم
الرحمن، السعدي ص ٣٨٧.
نعم الله على مدين وموقفهم منها
أنعم الله تعالى على قوم شعيب عليه
السلام بمختلف النعم بصفة عامة، شأنهم
في ذلك شأن سائر الأمم السابقة واللاحقة
بهم، لقوله تعالى: ﴿وَمَابِكُمْ مِنْ نِعْمَدْ فَمِنَ
اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣].
وقوله تعالى: ﴿وَءَاتَنْكُمْ مِّن كُلِّ مَا
سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُخْضُوهَاً
إِنَ الْإِنسَنَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ
٣٤
[إبراهيم: ٣٤].
وقوله سبحانه: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ
لَا تُخْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ )﴾
[النحل: ١٨](٣).
وذلك لأن نعم الله تعالى على عبيده لا
يمكن عدها وحصرها؛ لأن كل ما أودع الله
في السماء والأرض والأجسام من المنافع
واللذات التي ننتفع بها، وكذلك الجوارح
والأعضاء التي نستعملها، وما خلق الله
تعالى في العالم هو من نعم الله تعالى (٤).
أما نعم الله الخاصة على قوم
شعيب عليه السلام فهي ما ورد في قوله
تعالى: ﴿وَأَذْكُرُوَاْ إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ١٢ / ٥٦٠،
معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٣٥٥/٢،
تفسير السمعاني ١٩٨/٢، مفاتيح الغيب،
الرازي ٣١٥/١٤، البحر المحيط، أبو حيان
١٠٨/٥.
(٤) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٣/ ٤٧٥.
www. modoee.com
٢٩٣

حرف الميم
فَكَثََّكُمْ وَأَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ
اٌلْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ٨٦] وهذه الآية كقوله
تعالى: ﴿وَأَذْكُرُوْاْ إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ
فِي الْأَرْضِ تَّخَافُونَ أَنْ يَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ
فَشَاوَنَكُمْ وَأَتَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ، وَرَزَّقَكُمْ مِّنَ الطَّيْبَتِ
لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [الأنفال: ٢٦](١).
فقد ذكرهم نبيهم شعيب عليه السلام
بنعم الله عليهم الخاصة بهم حين كانوا قلة
فكثروا، وفقراء فاغتنوا، وضعفاء فتقووا،
ولفت نظرهم إلى ضرورة الاتعاظ بأحوال
من سبقهم أو جاورهم من الأمم والشعوب
الخالية، فإنهم حين كذبوا الرسل وكفروا
بالله، دمرهم الله واستأصلهم وأبادهم
وجعلهم عبرة لمن جاء بعدهم(٢).
وقد حكى الإمام الزجاج في قوله
تعالى: ﴿وَأَذْكُرُواْ إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا
نَكَتَُّمْ ﴾ ثلاثة أوجه:
((أحدها: كثر عددكم بعد القلة، قال ابن
عباس رضي الله عنه: وذلك أن مدين بن
إبراهيم تزوج زينا بنت لوط وولد آل مدين
منها.
والثاني: كثركم بالغنى بعد الفقر.
(١) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٢٣٩/٢،
البحر المحيط، أبو حيان ١٠٨/٥، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ٤٠٢/٣، لباب
التأويل، الخازن ٢٢٧/٢، محاسن التأويل،
القاسمي ١٤٨/٥، التفسير الوسيط، طنطاوي
٣٢٢/٥، التفسير المنير، الزحيلي ٢٩٦/٨.
(٢) انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٣٥٥/٢.
والثالث: كثركم بالقوة بعد الضعف.
وذكر بعض المفسرين وجهًا رابعًا:
أنه كثرهم بطول الأعمار بعد قصرها من
قبل»(٣).
قال أبو حيان أثير الدين الأندلسي:
(«المراد مجموع الأقوال الأربعة، فإنه تعالى
كثر عددهم وأرزاقهم، وطول أعمارهم،
وأعزهم بعد أن كانوا على مقابلاتها)» (٤).
وصيغة الأمر في قوله: ﴿وَأَذْكُرُوّا
إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَتََّكُمْ﴾ في الآية
المذكورة تدل على وجوب ذكر النعمة على
سبيل الشكر والاعتراف بنعم الله تعالى بأن
كثر جماعتهم بعد أن كانوا قليلا عددهم،
وأن رفعهم من الذلة والخساسة، وأغناهم
بعد أن كانوا فقراء، وقواهم بعد أن كانوا
ضعفاء، وما يستوجب ذلك من الإيمان بالله
تعالی وطاعته، وكأنه يقول لهم: فاشكروا
الله الذي أنعم عليكم بذلك، وأخلصوا له
العبادة، واتقوا عقوبته بالطاعة، واحذروا
نقمته بترك المعصية (٥).
(٣) انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٣٥٥/٢،
النكت والعيون، الماوردي ٢٣٩/٢، البحر
المحيط، أبو حيان ١٠٨/٥، تفسير القرآن
العظیم، ابن كثير ٣/ ٤٠٢.
(٤) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ١٠٨/٥.
(٥) انظر: جامع البيان، الطبري ١٢ / ٥٦٠، النكت
والعيون، الماوردي ٢٣٩/٢، تفسير القرآن
العظيم، ابن كثير ٣/ ٤٠٢، البحر المحيط،
أبو حيان ١٠٨/٥، أضواء البيان، الشنقيطي
٤/ ٣٩٢.
جَوَسُولَةُ النَّضية
لِلْقُرآن الكَرِيمِ
٢٩٤

ملين
والتذكير بنعمة الله تعالى طريق من طرق ٤. أن التذكير بالنعم الكثيرة يفيد أن
مواعظ الرسل.
قال تعالى حكاية عن هود عليه السلام:
﴿وَأَذْكُرُوْاْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءُ مِنْ بَعْدٍ قَوْمٍ
﴾ [الأعراف:٦٩].
وقال عن شعيب عليه السلام:
﴿وَأَذْكُرُوَاْ إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا
فَكَتَّرَكُمْ﴾ [الأعراف: ٨٦].
وقال الله لموسى عليه السلام:
﴿وَذَكِّرْهُم بِأَتَّيِمِ اَللَّهِ﴾ [إبراهيم: ٥].
وقال عن محمد صلى الله عليه وسلم:
﴿وَأَذْكُرُواْ إِذْ أَنْتُمْ قَلِلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِىِ
اُلْأَرْضِ تَّخَافُونَ أَن يَتَخَطّفَكُمُ النَّاسُ فَشَاوَنَكُمْ
وَأَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ، وَرَزَّقَّكُمْ مِنَ الَّطَِّبَتِ لَعَلَّكُمْ
تَشْكُرُونَ ﴾ [الأنفال: ٢٦](١).
ويكون المراد من التذكير بالنعم ما يأتي:
١. أن في جملة النعم ما يشهد بصدق النبي
شعيب وبرسالته التي جاء بها.
٢. أن كثرة النعم توجب عظم المعصية،
فذكرهم تلك النعم لكي يحذروا
مخالفة ما دعوا إليه من الإيمان بالله
ورسوله.
٣. أن التذكير بالنعم الكثيرة يوجب
الحياء من الله تعالى عن إظهار
المخالفة.
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤/ ٣٢،
أيسر التفاسير، الجزائري ٢/ ٢٠٢.
المنعم خصھم من بین سائر الناس بها،
ومن خصَّ أحدًا بنعم كثيرة فالظاهر
أنه لا يزيلها عنهم لما قيل: إتمام
المعروف خیر من ابتدائه، فكأن تذکیر
النعم السالفة يطمع في النعم الآتية،
وذلك الطمع مانع من إظهار المخالفة
والمخاصمة (٢).
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١٢/ ٥٦٠،
معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٣٥٥/٢،
تفسير السمعاني ١٩٨/٢، مفاتيح الغيب،
الرازي ٣١٥/١٤، البحر المحيط، أبو حيان
١٠٨/٥.
www. modoee.com
٢٩٥

حرف الميم
عاقبة قوم مدين
لما وصل النبي شعيب عليه السلام مع
قومه إلى طريق مسدود، ويئس من إجابتهم،
فوض أمره إلى الله تعالى، الذي يعتمد
عليه الإنسان في أموره كلها؛ لأنه الكافي
لمن توكل عليه قائلًا: ﴿عَلَى اَللَّهِ تَوَّكَلْنَا﴾
[الأعراف: ٨٩].
ثم فزع علیه السلام إلى ربه بالدعاء على
قومه بالهلكة وتعجيل النقمة، إذ أيس من
فلاحهم، وانقطع رجاؤه من إذعانهم لله
بالطاعة والإقرار له بالرسالة، وخاف على
نفسه وعلى من اتبعه من مؤمني قومه من
فسقهم، فقال: ﴿رَبَّنَا أَفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا
بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَئِينَ﴾ [الأعراف: ٨٩].
أي: احكم بيننا وبين قومنا وانصرنا
عليهم، وأنت خير الفاتحين، أي: خير
الحاکمین، فإنك العدل الذي لا یجور أبدًا،
فاستجاب الله دعاءه، فأهلكهم بالرجفة،
ومنه قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ
[البقرة: ٨٩].
كَفَرُوا﴾
وقوله: ﴿إِن تَسْتَفْئِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ
اُلْفَتْحُ﴾ [الأنفال: ١٩].
والاستفتاح هو: الإنصاف في الدعاء،
والاستنصار، وطلب الحكم بالحق(١).
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٣١٩/١٠، معاني
القرآن وإعرابه، الزجاج ٣٥٧/٢، النكت
والعيون، الماوردي ٢/ ٢٤٠، الكشف
ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿قَالَ رَتِّ آَخْكُم
١١٢
بِالْمَيِّ وَرَبَّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ
[الأنبياء: ١١٢].
وهذا الدعاء كانت تقوله الأنبياء لما
أخرجه ابن جرير وابن كثير عن قتادة أنه
قال: كانت الأنبياء عليهم السلام يقولون:
﴿رَبَّنَا أَفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ
الْفَِّحِينَ﴾ [الأعراف: ٨٩].
وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن
يقول ذلك، وأخرجوا كذلك عن مالك عن
زيد بن أسلم: كان رسول الله عليه السلام
إذا شهد قتالا قال رب احکم بالحق(٢).
فأجابهم شعيب عليه السلام على سبيل
التهديد والوعيد لهم بعذاب الله: ﴿ وَيَقَوْمِ
أَعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَئِكُمْ إِنِّ عَمِلُ سَوْفَ
تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ
هُوَكَذِبٌ وَأَرْتَقِبُواْ إِنِِّ مَعَكُمْ رَقِيبٌ
٩٣
وَلَمَّا جَآَّةَ أَمْرُنَا نَتْنَا شُعَيْبًا وَاُلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ:
بِرَحْمَةٍمِنَّا﴾ [هود:٩٣ -٩٤].
وفي الشعراء قال لهم: ﴿قَالَ رَبِّ أَعْلَمُ بِمَا
تَعْمَلُونَ (٣)﴾ [الشعراء: ١٨٨].
يعني: هو عالم بأعمالكم، فإن أراد أن
یبقیکم، وإن أراد أن یهلککم أهلککم، وإن
شاء عجل لكم العذاب، وإن شاء أخره إلى
والبيان، الثعلبي ٢٦٢/٤، تفسير القرآن
العظيم، ابن كثير ٣/ ٤٠٢.
(٢) انظر: جامع البيان ٥٥٤/١٨، تفسير القرآن
العظيم ٣٤٠/٥.
٢٩٦
جَوَسُور
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ

ملين
أجل معلوم، وما علي إلا البلاغ، وأنا مأمور فَأَخَذَتْهُمُ الرَّحْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ
به، فلم أنذركم من تلقاء نفسى، ولا أدعي جَئِينَ ﴾ [العنكبوت: ٣٦-٣٧].
القدرة على عذابكم(١).
وقد ذكر تعالى صفة عاقبة أهل مدين، -بمشيئة الله وقدرته- زلزالًا شديدًا،
و کیف کان هلاکھم في ثلاثة مواطن من
کتاب الله تعالی، وذکر تعالى أنهم عذبوا
بأنواع مختلفة من العذاب في كل موطن من
المواطن الثلاثة بصفة تناسب ذلك السياق
الذي وردت فيه، كما تناسب الموقف
الصادر من قوم شعيب تجاه نبيهم عليه
السلام، ويمكن تفصيل هذه الأنواع من
العذاب فيما يأتي:
أولًا: العذاب بالرجفة:
قال تعالى: ﴿وَقَالَ لَلْلَأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن
قَوْمِهِ، لَيْنِ أَتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذَا لَّخَسِرُونَ
فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِىِ دَارِهِمْ جَئِمِينَ
الَّذِينَ كَذَّبُواْ سُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَأَ
الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَانُواْ هُمُ الْخَسِرِينَ
فَتَوَلَى عَنْهُمْ وَقَالَ يَقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغَنُكُمْ
رِسَلَتِ رَّ وَنَصَحْتُ لَكُمَّ فَكَيْفَ مَاسَى عَلَى
قَوْمٍ كَفِرِينَ ﴾ [الأعراف: ٩٠- ٩٣].
وقال تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا
فَقَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْاللَّهَ وَأَرْجُواْ الْيَوْمَ الْآَخِرَ
وَلَا تَعْثَوْ فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ) فَكَذَّبُوهُ
(١) انظر: تفسير السمعاني ٤ /٦٥، الوجيز
الواحدي ص ٧٨٦، تفسير المراغي
٠١٠١/١٩
أي: رجفت بهم أرضهم وزلزلت
أزهقت أرواحهم فأصبحت جثثهم جائیةً،
لا أرواح فیھا، ولا حركات ولا حواس،
فأصبحوا في دارهم جائمين، أي: ساقطين
على ركبهم ووجوههم، وذلك لأنهم قالوا
لنبيهم: ﴿لَنُخْرِجَتَّكَ يَشُعَيْبُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَكَ
مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ [الأعراف: ٨٨].
فأرجفوا نبي الله عليه السلام ومن
اتبعه، فأخذتهم الرجفة، فكانت جزاء على
إرجافهم (٢).
والرجفة في اللغة: الزلزلة الشديدة،
قال الطبري: والرجفة مَيْدُ الأرض بهم
وزلزلتها علیهم وتداعیها بهم، وذلك نحوٌ
من الخسف، ومنه الإرجاف بالأخبار، و
(«الجثوم)» في هذا الموضع تشبيه، أي: كان
همودهم على الأرض كالجثوم الذي هو
للطائر والحيوان(٣).
وقد وصف الله تعالى عذاب قوم شعيب
بما وصف به يوم القيامة.
قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّحِفَةُ
تتبعها
٨
قُلُوبٌ يَوْمَيِذٍ وَاحِفَةٌ
الرَّادِفَةُ
[النازعات: ٦-٨].
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١٢ / ٥٦٦.
(٣) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٤ /٣١٦.
www. modoee.com
٢٩٧

حرف الميم
وكذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ
اُلْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ اَلْبَالُّ كَتِبًا مَّهِيلًا ﴾
[المزمل: ١٤](١).
ثانيًا: العذاب بالصيحة:
قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَّتْنَا شُعَيْبًا
وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ
ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَِهِمْ جَثِينَ
كَأَن لَّمْ يَغْنَواْ فِيَا أَلَا بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كُمَا بَعِدَتْ
ثَمُودُ (٥)﴾ [هود: ٩٤-٩٥].
والصيحة: هي الصوت المدوي العالي،
الذي يصم الآذان من شدته وعلوه، وهذه
الصيحة ناتجة عن الرجفة والزلزلة، فلما
انشقت الأرض، حدث انفجار بركاني
كبير مدوٍّ، وسمعوا صوت ذلك الانفجار،
فأصيبوا بالفزع والهلع(٢).
وذلك لأنهم استهزؤوا بنبي الله شعيب
عليه السلام في قولهم: ﴿أَصَلَوْتُكَ
تَأْمُكَ أَنْ تَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَّا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ
فِيَّ أَمْوَلِنَا مَا نَشَوَإِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ
[هود: ٨٧].
(٨٧)
قالوا ذلك على سبيل التهكم والازدراء،
فناسب أن تأتيهم صيحة تسكتهم عن
(١) انظر: معاني القرآن، النحاس ٤٩/٣،
المفردات، الراغب ص ٣٤٤.
(٢) القرآن ونقض مطاعن الرهبان، صلاح
الخالدي ١ / ٤٩١.
انظر: معاني القرآن، النحاس ٣٧٧/٣،
المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٤٩٦.
آخرهم (٣).
ثالثًا: عذاب يوم الظلة:
قال تعالى: ﴿قَالُواْ إِنَّمَآ أَنْتَ مِنَ الْمُسَخَّرِينَ
وَمَآ أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَإِن نَظُنُّكَ لَمِنَ
١٨٥
فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفَا مِنَ السَّمَآءِ
١٨٦
الْكَذبينَ
إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ (
١٨٧
قَالَ رَبِ أَعْلَمُ بِمَا
فَكَذَّبُهُ فَخَذَهُمْ عَذَابٌ يَوْمِ الظُّلَّةِ
١٨٨
تَعْمَلُونَ
إِنَُّ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَّةٌ
وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَّوَ
الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
﴾ [الشعراء: ١٨٥- ١٩١].
﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِّنَ
وهاهنا قالوا:
السَّمَآءِ﴾ الآية، على وجه التعنت والعناد،
فناسب أن يحقق عليهم ما استبعدوا وقوعه
فأخذهم عذاب يوم الظلة (٤).
قوله تعالى: ﴿كِسَفَا مِنَ السَّمَآءِ ﴾ فيه ثلاثة
تأويلات: أحدها: جانبًا من السماء، قاله
الضحاك، الثاني: قطعا، قاله قتادة، الثالث:
عذابا، قاله السدي(٥).
والظلة: سحابة أظلتهم، فاجتمعوا تحتها
مستجیرین بها مما نالهم من حر ذلك اليوم،
ثم أطبقت عليهم، فكان أعظم يوم في الدنيا
عذابا، وذلك معنى قوله: ﴿إِنَّهُ، كَانَ عَذَابَ
يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣٧) إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَّةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ١٢ / ٥٥٩.
(٤) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٤٤/٦،
أضواء البيان، الشنقيطي ٣٦/٢.
(٥) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٤ /١٨٦.
٢٩٨
جوبيو
القرآن الكريم

ملين
مُؤْمِنِينَ !
﴾ [الشعراء: ١٨٩ - ١٩٠](١).
١٩٠)
قال ابن عطية: ((ويوم الظلة هو يوم
عذابهم وصورته فیما روي أن الله امتحنهم
بِحَرِّ شديد، فلما كان في ذلك اليوم غشي
بعض قُطْرِهِمْ سحابٌ فجاء بعضهم إلى ظله
فأحس فیه بردًا وروحًا فتداعوا إليه، حتى
تكاملوا فيه فاضْطَرَمَتْ عليهم تلك السحابة
نارًا فأحرقتهم من عند آخرهم، وللناس في
حدیث یوم الظلة تطويلات لا تثبت، والحق
أنه عذاب جعله الله ظلة عليهم، وذكر
الطبري عن ابن عباس أنه قال: من حدثك ما
عذاب يوم الظلة فقد كذب، وباقي الآية بین.
ويحتمل أن فرقة من قوم شعيب أهلكت
بالرجفة وفرقة بالظلة ويحتمل أن الظلة
والرجفة كانتا في حين واحد، وروي أن
الله تعالى بعث شعيبا إلى أهل مدين وإلى
أصحاب الأيكة، وقيل هما طائفتان وقيل
واحدة وكانوا مع كفرهم يبخسون الكيل
والوزن فدعاهم فكذبوه فجرت بينهم هذه
المقاولة المتقدمة، فلما عتوا وطالت بهم
المدة فتح الله عليهم بابا من أبواب جهنم
فأهلكهم الحر منه فلم ينفعهم ظل ولا ماء،
ثم إنه بعث سحابة فيها ربح طيبة فوجدوا
برد الريح وطيبها فتنادوا، عليكم الظلة، فلما
اجتمعوا تحت الظلة، وهي تلك السحابة
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٩٣/١٩، معاني
القرآن وإعرابه، الزجاج ٤ /٩٨.
انطبقت عليهم فأهلكتهم»(٢).
وهذا من جنس ما سألوه من إسقاط
الکسف علیهم، فإن الله سبحانه وتعالى
جعل عقوبتهم أن أصابهم حر عظيم مدة
سبعة أيام، لا يكنهم منه شيء، ثم أقبلت
إليهم سحابة أظلتهم، فجعلوا ينطلقون إليها
يستظلون بظلها من الحر، فلما اجتمعوا
کلهم تحتها، أرسل الله تعالى عليهم منها
شررا من نار ولهبا ووهجا عظيما، ورجفت
بهم الأرض، وجاءتهم صيحة عظيمة
أزهقت أرواحهم، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّهُ.
كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾(٣).
قال الحافظ ابن كثير: (( ذكر تعالى صفة
إهلاكهم في ثلاثة مواطن، كل موطن بصفة
تناسب ذلك السياق، ففي (الأعراف) ذكر
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِىِ دَارِهِمْ
أنهم
[الأعراف: ٩١].
جَثِمِينَ )
وذلك لأنهم قالوا: ﴿لَتُخْرِجَّكَ يَشُعَيْبُ
وَالَّذِينَ ءَامَنُوْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي
مِلَّتِّنَا﴾ [الأعراف: ٨٨].
فأرجفوا نبي الله ومن اتبعه فأخذتهم
الرجفة وفي سورة هود قال: ﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ
ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ﴾ [هود: ٩٤].
ذلك لأنهم استهزءوا بنبي الله في قولهم:
﴿أَصَلَوْتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ تَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ مَابَآ ؤُنَا
(٢) انظر: المحرر الوجيز ٢٤٢/٤.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٢٢/١٠، مفاتيح
الغيب، الرازي ٣١٩/١٤.
www. modoee.com
٢٩٩

حرف الميم
أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِيَّ أَمْوَلِنَا مَا نَشَؤُّأَإِنَّكَ لَأَنْتَ أحدثت الزلزلة في الأرض، فأصبحوا
جائمین میتین في دیارهم.
اُلْحَلِيمُ الرَّشِيدُ ﴾ [هود:٨٧].
قالوا ذلك على سبيل التهكم والازدراء،
فناسب أن تأتيهم صيحة تسكتهم فقال:
﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ﴾ وههنا قالوا:
فأسقط علينا كسفا من السماء الآية، على
وجه التعنت والعناد، فناسب أن يحقق
عليهم ما استبعدوا وقوعه فأخذهم عذاب
يوم الظلة (١).
ومن هنا يعلم أن هناك سببا مشتركا في
عقاب الأمم المتقدمة وإهلاكهم، وهو
الكفر بالله کفر تحد وعناد، مع الإفساد، في
الأرض بالمعاصي الكبائر.
فقوم مدین: « رفضوا دعوة نبيهم شعیب
عليه السلام الذي قال لهم: إن الله تعالى
واحد فاعبدوه، والحشر كائن، فارجوه،
والفساد بالكفر والظلم والمعصية محرم فلا
تقربوه، فكذبوه فيما دعاهم إليه وأخبرهم
به)»(٢). فعاقبهم الله كما ذكر هنا، وفي
الأعراف بالرجفة، وفي هود بالصيحة،
والأمر واحد، فإن الصيحة كانت سببا
للرجفة، أي زلزلة الأرض، إما بسبب صيحة
جبريل، وإما بسبب رجفة الأفئدة التي
ارتجفت منها، ولما كانت الصيحة عظيمة
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم ٣/ ٤٠٢، التحرير
والتنوير، ابن عاشور ٢٤٧/٢٠، التفسير
القرآني للقرآن ٤٣٣/٥.
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٣١٩/١٤.
وأما ثمود قوم صالح عليه السلام فكذبوا
رسولهم، وأعلنوا كفرهم، وهددوا نبيهم
بالطرد والإخراج من بلدهم، وعقروا الناقة
التي أرسلها الله إليهم معجزة لنبيهم صالح،
و کان عقابهم کعقاب أهل مدین بالصيحة أو
الزلزلة أو الطاغية، وبقيت آثار ثمود وعاد
بالحجر والأحقاف شاهدة على ظلمهم،
وآية بينة مؤثرة للمعتبرين المتعظين (٣).
أما عاد قوم هود عليه السلام فقد أهلكهم
الله تعالى بظلمهم حين فقالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّمِنَّا
قُوَّةٌ ﴾
[فصلت: ١٥]؟ فأنكروا وجود الإله
الخالق القادر، وعتوا وبغوا وتعالوا على
الناس، قدمر الله ديارهم بمن فيها: ﴿بريج
صَرْصَرٍ عَاِيَةٍ ١ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ
وَثَمَنِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة: ٦ -٧].
وفي إسناد الأخذ إلى الرجفة والصيحة
وعذاب يوم الظلة تهويل لما أنزله الله
بالكافرين المكذبين رسلهم وكيف كان
عقابهم، ومبالغة في تصوير المعنى الذي لا
يخفى أثره في النفوس (٤).
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٢٢/١٠، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ٣/ ٤٠٢، التحرير
والتنوير، ابن عاشور ٢٤٧/٢٠، التفسير
القرآني للقرآن ٤٣٣/٥، التفسير المنير،
الزحيلي ٢٤١/٢٠.
(٤) انظر: خصائص التعبير القرآني وسماته
البلاغية، عبد العظيم المطعني ٣٥٦/٢.
٣٠٠
جوببيو
لِلْعُرآن الكَرِيْمِ

ملين
اقتران مدين وثمود في القرآن
إن من حكم اقتران مدين وثمود في
السياق القرآني هو: في التشابه في الجنس
حيث إنهم من العرب وفي أنهم متجاورون
في البلدان وفي التشابه في الهلاك، واللعنة
والمصير الواحد.
قال تعالى في قصة قوم شعيب عليه
السلام: ﴿وَيَقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَافِى أَنْ
يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَّا أَصَابَ قَوْمَ نُوُجِ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ
قَوْمَ صَلِحْ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُمْبِبَعِيدٍ
٨٩
وَأَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهْ إِنَّ رَبِِّ
رَحِيمٌ وَدُودٌ ﴾ قَالُواْ يَشُعَيْتُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا
مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَغَرَبِكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ
قَالَ يَقَوْمِ
◌َرَجَمْنَكٌ وَمَّا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيرٍ )
أَرَهْطِىّ أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَأَّخَذْتُمُوهُ
وَرَآءَ كُمْ ظِهْرًِّا إِنَ رَبِى بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ
وَيَقَوْمِ أَعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَبِّكُمْ إِّ عَمِلٌ
٩٢
سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ
وَمَنْ هُوَ كَذِبٌ وَارْتَقِبُواْ إِى مَعَكُمْ
رَقِيبٌ ﴿ وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا ◌َتْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ
ءَامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ
الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَرِهِمْ جَثِمِينَ ﴿ كَأَن
لَمْ يَغْنَوْاْ فِيَا أَلَا بُعْدًا لِّمَدْيَ كُمَا بَعِدَتْ نَمُودُ
[هود: ٨٩-٩٥].
وقال تعالى في قصة قوم صالح عليه
السلام: ﴿فَلَمَا جَاءَ أَقْرُنَا نَتْنَا صَلِحًا
وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَدُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِزْيٍ
يَوْمِذُّ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ اَلْقَوِىُّ اَلْعَزِيزُ ﴿ وَأَخَذَ
الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَرِهِمْ
كَأَنْ لَّمْ يَغْنَوْ فِهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَا
جَثِمِينَ )
كَفَرُواْ رَّهُمْ أَلَا بُعْدً الِّشَمُودَ (﴾ [هود:٦٦ -
٦٨].(١).
وأوجه التشابه بينھم فیما يأتي:
١. التشابه في الجنس والكفر،
وقطع الطريق.
إن الله تعالى قرن بين ثمود قوم صالح،
ومدین قوم شعیب لأنهم كانوا من جنس
واحد وهو أنهم من العرب، وكانوا جيرانهم
في البلدان، ويشبهونهم في الكفر وقطع
الطريق.
قال الإمام ابن كثير عند تفسير قوله
تعالى: ﴿كَأَن ◌َّْ يَغْنَوْاْ فِيهَا أَلاَ بُعْدًا لِّمَدِينَ كَمَابَعِدَتْ
ثَمُودُ (٥)﴾ [هود: ٩٥].
أي: كأن لم یعیشوا في دارهم قبل ذلك،
ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود، وكانوا
جیرانهم قریبا منهم في الدار، وشبيها بهم في
الكفر، وقطع الطريق وكانوا عرباً مثلهم»(٢).
٢. التشابه في الهلاك والسحق
والبعد.
(١) انظر: التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم
الخطيب ٦/ ١١٩٤.
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٩٨/٤.
وانظر: جامع البيان، الطبري ٤٦٥/١٥،
معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٧٦/٣.
www. modoee.com
٣٠١

حرف الميم
قال تعالى في قصة قوم شعيب عليه
السلام: ﴿وَلَمَّا جَّةَ أَمْرُنَا ◌َتْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ
ءَامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ
الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَرِهِمْ جَثِمِينَ كَأَن
لَمْ يَغْنَوْ فِيَا أَلَا بُعْدًا لِّمَدَّنَّ كُمَا بَعِدَتْ تَمُودُ ﴾
[هود: ٩٤ - ٩٥].
وقال تعالى في قصة قوم صالح عليه
﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَتْنَا صَلِحًا
السلام:
وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِزْي
وَأَخَذَ
يَوْمِيِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِىُّ الْعَزِيزُ))
الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَرِهِمْ
كَأَنْ لَّمَّ يَغْنَواْ فِهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَا
٦٧
جَثِمِينَ
كَفَرُواْ رَّهُمُّ أَلَ بُعْدُ الْشَعُودَ ﴾ [هود:٦٦ -
٦٨].
وأما قوله: ﴿كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ فهو
تشبيه: البعد الذي هو انقراض مدين
بانقراض ثمود، ووجه الشبه: التماثل في
سبب عقابهم بالاستئصال، وهو عذاب
الصيحة، ويجوز أن يكون المقصود من
التشبيه: الاستطراد بذم ثمود لأنهم كانوا
أشد جرأة في مناوأة رسل الله، فلما تهيأ
المقام لاختتام الكلام في قصص الأمم
البائدة ناسب أن يعاد ذکر أشدها کفرا وعنادا
فشبه هلاك مدين بهلاكهم لأن هذه تربية
لقوم نبي في حضرته، وتلك صاعقة كانت
عذاب خزى لمشركين ظالمين معاندين
أنجى الله نبي كل منهما ومؤمنيهما قبلها (١).
روي عن ابن عباس رضي الله عنهما
قال: لم يعذب الله تعالی أمتین بعذاب واحد
إلا قوم شعيب و قوم صالح، فأما قوم صالح
فأخذتهم الصيحة من تحتهم، وقوم شعيب
(٢)
أخذتهم من فوقهم
٠
والبعد أكثر ما يقال في الهلاك، نحو:
﴿بَعِدَتْ نَمُودُ﴾ [هود:٩٥].
وكذلك يكون البعد بمعنى اللعنة، فيكون
أبعده الله في معنى لعنه الله، ومنه قوله
تعالى: ﴿أَ بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾،
وقوله تعالى: ﴿فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾
[المؤمنون: ٤١].
﴿فَبَعْدًا لِقَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ﴾
وقوله تعالى
[المؤمنون: ٤٤].
وقوله سبحانه: ﴿بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ
فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَلِ الْبَعِيدِ﴾ [سبأ: ٨].
أي: الضلال الذي يصعب الرجوع منه
إلى الهدى تشبيها بمن ضل عن محجة
الطريق بعدا متناهيا، فلا يكاد يرجى له
لُوطٍ
وَمَا قَوْمُ
العود إليها، وقوله عز وجل:
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٥/ ٤٦٥، معاني
القرآن وإعرابه، الزجاج ٧٦/٣، مفاتيح
الغيب، الرازي ٣٩٢/١٨، أنوار التنزيل،
البيضاوي ٣/ ١٤٧، تفسير القرآن العظيم،
ابن كثير ٢٩٨/٤، مفاتيح الغيب، الرازي
١٨/ ٣٩٢، تفسير المراغي ٧٨/١٢.
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٣٩٢/١٨،
تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٩٨/٤.
٣٠٢
جوبي
القرآن الكريم

ملين
مِنكُمْ بَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٩].
يأتيكم ما أتاهم من العذاب (١)، والظاهر
من السياق الكريم أن المراد الزمن وبعد
المسافة، وهكذا قال قتادة: (إنما كانوا
حديثي عهد قریب بعد نوح وثمود).
وقال الطبري: (( ويحتمل وما دار قوم
لوط منكم ببعيد، ولا مانع من إرادة ذلك
کلە»(٢).
٣. التشابه في المصير.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُواْ سُعَيْبًا كَأَن
لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَانُواْ هُمُ
(٩٢﴾ [الأعراف: ٩٢].
الْخَسِرِينَ
أي: أهلك الذين كذبوا شعيبا فلم يؤمنوا
به، فأبادهم، فصارت قريتهم منهم خاوية
خلاء كأن لم يغنوا فيها، أي: الذين كذبوا
شعيبا كأن لم يغنوا فيها، أي: لم يعيشوا ولم
پنزلوا ولم یقیموا ولم ينعموا، وأصله من
قولهم: غنية بالمكان إذا أقمت به والمغاني:
المنازل (٣).
قال الماوردي عند تفسير قوله عز وجل:
(١) انظر: غريب القرآن، ابن قتيبة ص ٢٠٩،
غريب القرآن، السجستاني ص ١٢٣،
المفردات، الراغب الأصفهاني ص ١٣٣.
(٢) جامع البيان، الطبري ١٢/ ٥٦٩.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ١٢/ ٥٦٩، معاني
القرآن وإعرابه، الزجاج ٣ / ٦٠، الكشف
والبيان، الثعلبي ٤ / ٢٦٣.
﴿الَّذِينَ كَذَّبُواْ سُّعَيْبًا كَأَنْ لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا﴾ ((فيه
أي: تقاربونهم في الضلال، فلا يبعد أن أربعة تأويلات:
أحدها: كأنهم لم يقيموا فيها، قاله ابن
قتيبة.
والثاني: كأن لم يعيشوا فيها، قاله
الأخفش.
والثالث: كأن لم ينعموا فيها، قاله قتادة.
والرابع: كأن لم يعمروا فيها، قاله ابن
عباس))(٤).
(٤) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٢٤١/٢.
www. modoee.com
٣٠٣

حرف الميم
موسى عليه السلام في مدين
تناول القرآن الكريم قصة موسى في
مدين من خلال المحاور الآتية:
أولًا: خروج موسى عليه السلام إلى
مدین وأسبابه:
ذكر القرآن الكريم قصة خروج موسى
عليه السلام من مصر إلى مدين هاربا من
فرعون وملائه بسبب قتل القبطي، وذلك في
قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَ حِينٍ غَفْلَةٍ
مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَئِلَانِ هَذَا مِن
شِيعَتِهِ، وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَتَهُ الَّذِى مِنْ شِيَمَئِهِ.
عَلَى الَّذِى مِنْ عَدُوِّهِ، فَوَكَزَهُ، مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهٌ قَالَ
هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ )
قَالَ رَبِّ إِنِى ظَلَمْتُ نَفْسِى فَأَغْفِرْ لِ فَغَفَرَ لَهُمْ إِنَهُ.
قَالَ رَبِّ بِمَآ أَنْعَمْتَ
هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾)
عَلَىَّ فَلَنْ أَكُنَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِنَ ﴿ فَأَصْبَحَ فِى
الْمَدِينَةِ خَاِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِى أَسْتَنصَرَهُ بِالْأَمْسِ
يَسْتَصْرِخُدُ، قَالَ لَهُمُوسَىَ إِنَّكَ لَغَوِىّ ◌ُِّينٌ ﴾ فَلَمَّآ
أَنْ أَرَادَ أَن يَبطِشَ ◌ِالَّذِى هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ يَمُوسَ
أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَفِى كَمَا قَدَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِّ إِن تُرِيدُ
إِلَّ أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ
الْمُصْلِينَ ﴿ وَجَآءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ يَسْعَى
قَالَ يَمُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوَكَ
فَرَجَ مِنْهَا
ـوم
٢٠
فَأَخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّصِحِينَ
خَيِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَِّ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ
[القصص: ١٥- ٢١].
يقول تعالى مخبرًا عن موسى عليه
السلام لما قتل ذلك القبطي، إنه أصبح في
المدينة خائفا من معرة ما فعل يترقب، أي:
ينتظر ويتوقع ما يكون من ذلك الأمر، ثم
إنهم طلبوه وبعثوا وراءه ليحضروه لذلك،
فخرج موسى من مدينة فرعون خائفا من
قتله النفس أن يقتل به بعد ما أخبره ذلك
الرجل بما تمالئ عليه فرعون ودولته في
أمره، وخرج من مصر وحده، ولم يألف
ذلك قبله بل كان في رفاهية ونعمة ورئاسة،
فخرج منها خائفا يترقب أي: يتلفت، ﴿قَالَ
رَبِّ تَجْنِ مِنَ الْقَوْمِ اَلَّالِمِينَ﴾ أي: من فرعون
وملئه (١).
واتجه موسى عليه السلام جهة مدين
تاركا مدينة فرعون؛ لأنه كما وقع في نفسه
أن بينهم وبينه قرابة؛ لأنهم من ولد مدين
بن إبراهيم عليه السلام، وهو كان من بني
إسرائيل من ولد يعقوب بن إبراهيم (٢).
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٥٤٨/١٩،
معالم التنزيل، البغوي ١٩٩/٦، الكشاف،
الزمخشري ٣٩٩/٣، المحرر الوجيز، ابن
عطية ٢٨١/٤، الجامع لأحكام القرآن،
القرطبي ٢٦٦/١٣، تفسير القرآن العظيم،
ابن کثیر ٦/ ٢٠٣.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١٩ /٥٤٨، تفسير
السمعاني ٤ /١٣٠، معالم التنزيل، البغوي
٥٢٨/٣، أنوار التنزيل، البيضاوي ٤ / ١٧٤،
المحرر الوجيز، ابن عطية ٢٨٣/٤، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ٢٠٣/٦، لباب
التأويل، الخازن ٣٦١/٣، محاسن التأويل،
القاسمي ٧ / ٥١٧.
٣٠٤
صَوْسُورُ
القرآن الكريمِ

ملين
خرج موسى عليه السلام فارا بنفسه إلى ربه، مستسلمة له، متطلعة إلى هداه:
((عسى ربي أن يهديني سواء السبيل))(٢).
منفردا حافیا لا شيء معه، ولم یکن له طعام
إلا ورق الشجر، ولما رأى حاله وعدم معرفته
بالطريق وخلوه من الزاد وغيره، فأسند أمره
إلى الله تعالى وقال: ﴿عَسَىرَّ أَنْ يَهْدِينِ
سَوَآءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص: ٢٢].
فقد كان عارفا بالله تعالى عالما بالحكمة
والعلم الذي آتاه الله تعالى، وتوجه ناحية
مدین، ولم تکن في سلطان فرعون، وبينها
وبین مصر مسیرة ثمان أيام و کان موسی لا
يعرف إليها الطريق (١).
قال سيد قطب - واصفا حال موسى - في
ظلال قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ
قَالَ عَسَى رَبِّى أَنْ يَهْدِيَنِ سَوَآءَ اَلسَبِيلِ﴾
«ونلمح شخصية موسى عليه السلام فريدا
وحيدا مطاردا في الطرق الصحراوية في
اتجاه مدين في جنوبي الشام وشمالي
الحجاز. مسافات شاسعة، وأبعاد مترامية،
لا زاد ولا استعداد، فقد خرج من المدينة
خائفا يترقب، وخرج منزعجا بنذارة الرجل
الناصح، لم یتلبث، ولم يتزود ولم يتخذ
دليلا. ونلمح إلى جانب هذا نفسه متوجهة
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٩ / ٥٤٨، تفسير
السمعاني ١٣٠/٤، معالم التنزيل، البغوي
٥٢٨/٣، أنوار التنزيل، البيضاوي ١٧٤/٤،
المحرر الوجيز، ابن عطية ٤ /٢٨٣، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ٢٠٣، لباب
التأويل، الخازن ٣٦١/٣.
وكانت هذه هجرة نبوية تشبه هجرة
إبراهيم الخليل عليه السلام إذا قال: ﴿إنّ
مُهَاجِرٌ إِلَى رَبٍِّ﴾ [العنكبوت: ٢٦].
وقد ألهم الله موسى عليه السلام أن
يقصد بلاد مدين إذ يجد فيها نبيئا يبصره
بآداب النبوءة، ولم يكن موسى يعلم إلى
أين يتوجه ولا من سيجد في وجهته كما
دل عليه قوله ﴿عَسَى وَهَِّ أَنْ يَهْدِيَفِى سَوَآءَ
السَّبِيلِ﴾(٣).
ثانيًا: موسى عليه السلام عند ماء مدين
وقصته مع الفتاتين:
بين القرآن الكريم قصة موسى عليه
السلام عند ماء مدين، وقصته مع الفتاتين
في الآيات الآتية:
قال تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ وَجَدَ
عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن
دُونِهِمُ أَمْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِّ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَالَا
نَسْقِى حَقَّى يُصْدِرَ الرِّعَلَّةُ وَأَبُوْنَا شَهْخُ كَبِرُ
٢٣
فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِ
لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيْرٌ ل ◌َءَتَّهُ إِحْدَمُهُمَا
تَمْشِى عَلَى أَسْتِحْيَآءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِىِ يَدْعُوكَ
لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَأَ فَلَمَّا جَاءَهُ، وَقَصَّ
(٢) انظر: في ظلال القرآن ٢٦٨٥/٥.
(٣) انظر: الكشف والبيان، الثعلبي ٢٣٩/٧،
الكشاف، الزمخشري ٤٠٠/٣.
www. modoee.com
٣٠٥

حرف الميم
عَلَيْهِ اَلْقَصَصَ قَالَ لَا تَّخَفٌّْ فَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ
٢٥ ﴾ [القصص: ٢٣ - ٢٥].
الظَّالِمِينَ:
وجد موسى جماعة كثيرة من الناس
على ماء مدين وهم يصفون حال المجتمع
الذي یعیشون فیه، یشرب الأقوياء أولًا من
الماء الصافي ويسقون أنعامهم ومواشيهم،
ثم يشرب الضعيف بقية الماء وهذا شأن
الضعيف مع القوي دائما(١).
ووجد في مكان أسفل من مكانهم
امرأتين تمنعان غنمهما من ورود الماء مع
الرعاة الآخرين، لئلا يؤذيا وتختلط أغنامهما
مع غيرها، فلما رآهما موسى عليه السلام
رق لهما ورحمهما، فسألهما: ما شأنكما وما
خبركما لا تردان الماء مع هؤلاء؟ قالتا: لا
نسقي غنمنا، أي: لا نتمكن من سقي الغنم
إلا بعد فراغ هؤلاء القوم من السقي، وأبونا
شيخ كبير هرم لا يستطيع الرعي والسقي
بنفسه، مما ألجأنا إلى الحال التي ترى، وفي
هذا اعتذار لموسى عن مباشرتهما السقي
بأنفسهما وتنبيه على أن أباهما لا يقدر
على السقي لشيخوخته وكبره، واستعطاف
لموسی في إعانتهما.
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٥٤٨/١٩،
معالم التنزيل، البغوي ١٩٩/٦، الكشاف،
الزمخشري ٣٩٩/٣، المحرر الوجيز، ابن
عطية ٢٨١/٤، الجامع لأحكام القرآن،
القرطبي ٢٦٦/١٣، تفسير القرآن العظيم،
ابن کثیر ٦/ ٢٠٣.
فسقى لهما غنمهما لأجلهما من بئر
مغطى بصخرة، لا يطيق رفعها إلا عشرة
رجال، ثم انزوى إلى ظل شجرة للراحة،
فناجى ربه قائلا: ﴿رَبِّ إِنِ لِمَآ أَنْزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ
خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ أي: إني لمحتاج إلى الخير
القليل أو الكثير وهو الطعام، لدفع غائلة
الجوع، وفي الآية دلالة على أنه: سقى لهما
في حر من الشمس، وعلی کمال قوة موسی
عليه السلام، وعلى أنه رغم نعومة عيشه في
بلاط فرعون کان مخشوشنّا جلدًا صابرًا.
ويؤيد هذا ما رواه أبو بكر بن أبي شيبة
بسنده عن عمر بن الخطاب: رضي الله عنه
(« أن موسى عليه السلام لما ورد ماء مدين،
وجد علیه أمة من الناس يسقون قال: فلما
فرغوا أعادوا الصخرة على البئر، ولا يطيق
رفعها إلا عشرة رجال، فإذا هو بامرأتين
تذودان قال: ما خطبكما؟ فحدثتاه، فأتى
الحجر فرفعه، ثم لم یستق إلا ذنوبا واحدا
حتى رويت الغنم)) (٢).
ثم فرج الله عن موسى عليه السلام
بعد الشدة التي عاناها والرحلة الطويلة
التي قطعها: فجاءته إحداهما تمشي على
استحياء قالت: إن أبي يدعوك ليجزيك
أجر ما سقيت لنا أي: لما رجعت المرأتان
(٢) انظر: صنف ابن أبي شيبة، رقم ٣١٨٤٢،
٣٣٤/٦.
قال ابن كثير في تفسيره ٢٠٤/٦: إسناد
صحیح.
٣٠٦
القرآن الكريمِ

ملين
سريعا بالغنم إلى أبيهما استغرب وسألهما ثالثًا: مكث موسى عليه السلام في
عن خبرهما، فقصتا عليه ما فعل موسى مدين سنين وأسبابه:
علیه السلام، فبعث إحداهما إليه لتدعوه إلى
أبيها، فجاءت إحداهما تمشي مشي الحرائر،
مستحية، متخمرة بخمارها، ساترة وجهها
بثوبها، ليست جريئة على الرجال، فقالت
في أدب وحياء: إن أبي يطلبك ليكافئك على
إحسانك لنا، ويعطيك أجر سقيك لغنمنا(١).
ولما وصل موسى عليه السلام إلى
الشیخ الکبیر، وأخبره عن قصته مع فرعون
وقومه في كفرهم وطغيانهم، وظلمهم بني
إسرائيل، وتآمرهم على قتله وسبب خروجه
من بلده مصر، أمنه ودفع عنه الخوف، وقال
له: ﴿لَا تَّخَفَّ نَجَوَتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾
أي: لا تخف واطمئن وطب نفسا، فإنك
نجوت من سطوة الظالمين، وخرجت
من مملکتھم، ولا سلطان لھم في بلادنا،
فاطمأن موسى وهدأت نفسه من القلق
والخوف، وبدأ موسى عليه السلام حياة
جديدة في مجتمع جديد (٢).
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٥٤٨/١٩،
المحرر الوجيز، ابن عطية ٢٨١/٤، الجامع
لأحكام القرآن، القرطبي ٢٦٦/١٣، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ٢٠٣.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١٩ /٥٤٨، معالم
التنزيل، البغوي ١٩٩/٦، المحرر الوجيز،
ابن عطية ٤ /٢٨١، تفسير القرآن العظيم، ابن
کثیر ٦/ ٢٠٣.
بين القرآن الكريم المدة التي مكث
فيها موسى أنها ثمان أو عشر سنين وسبب
ذلك في قوله تعالى: ﴿قَالَتْ إِحْدَثُهُمَا يَتَأَبَتِ
اسْتَشْجِرَةٌ إِنَ خَيْرَ مَنِ اسْتَنْجَرْتَ الْقَوِىُّ الْأَمِينُ
قَالَ إِنَّ أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى أَبْنَتَىَّ
O
مَتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُّرَبٍ ثَمَنِىَ حِجَجٌ فَإِنْ أَتْمَمْتَ
عَشْرًا فَمِنْ عِندِكٌ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ
سَتَجِدُفِى إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ
٢٧
قَالَ ذَلِكَ بَيْنِىِ وَبَيْنَكٌَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ
فَلَ عُدْوَنَ عَلَىِّ وَاللّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ
[القصص: ٢٦-٢٨].
ولكن بينت السنة المدة التي مكث
فيها موسی في مدین في ما رواه سعيد بن
جبير، قال: سألني يهودي من أهل الحيرة
أي الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا أدري،
حتى أقدم على حبر العرب فأسأله، فقدمت،
فسألت ابن عباس، فقال: (( قضى أكثرهما،
وأطيبهما إن رسول الله صلى الله عليه
وسلم إذا قال فعل))(٣).
وقال وهب بن منبه: لبث موسى عليه
السلام عند شعيب عليه السلام ثمانيا
وعشرين سنة منها عشر سنين مهر امرأته.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
الشهادات، باب من أمر بإنجاز الوعد، رقم
٠١٨١/٣،٢٦٨٤
www. modoee.com
٣٠٧

حرف الميم
والآية تدل على أنه عليه السلام لبث
عنده عشر سنين وليس فيها ما ينفي الزيادة
على العشر، واعلم أن قوله: ﴿فَلِئْتَ سِنِينَ
فِيَّ أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ بعد قوله: ﴿وَفَنَّكَ فُونَا ﴾
کالدلالة على أن لبثه في مدین من الفتون،
و کذلك کان، فإنه عليه السلام تحمل بسبب
الفقر والغربة محنا كثيرة، واحتاج إلى أن
آجر نفسه(١).
أما سبب مکث موسى عليه السلام في
مدین فهناك سبب رئيسي هو: هروبه من
مصر بسبب قتله للقبطي، بالإضافة إلى أنه
عمل أجيرا مع شعيب عليه السلام وارتبط
بعقد عمل مع أبي الفتاتين عندما طلبت
إحدى الفتاتين ذلك: ﴿قَالَتْ إِحْدَمُهُمَا يَأَبَتِ
اسْتَعْجِرَةٌ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَتْجَرْتَ الْقَوِىُّ الْأَمِينُ
:[القصص: ٢٦]؛ لأنه القوي على حفظ
الماشية والقيام بشؤونها، المؤتمن الذي لا
تخاف خيانته، ومصدر هاتين الصفتين ما
شاهدت من حاله، قال لها أبوها: وما علمك
بذلك؟ قالت له: إنه رفع الصخرة التي لا
يطيق حملها إلا عشرة رجال، وإني لما
جئت معه تقدمت أمامه، فقال لي: کوني من
ورائي، فإذا اختلف علي الطريق، فاقذفي لي
بحصاة أعلم بها كيف الطريق لأهتدي إليه.
مصاهرة موسی لشعیب: قال: ﴿إِنّ أُرِيدُ
(١) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٢٦٢/٣، مفاتيح
الغيب، الرازي ٢٢/ ٥٠.
أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى أَبْنَتَىَّ هَنتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَفِي
ثَمَنِىَ حِجَجٌ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكٌ
وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَّ سَتَجِدُفِى إِن شَآءَ
اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ أي: إن شعيب اقتنع
بأن موسی رجل قوي أمین، فقال له: أريد
مصاهرتك وتزويجك إحدى هاتين البنتين،
فاختر ما تشاء، وهما صفوریا وليا، والمهر:
أن ترعى غنمي ثماني سنين، فإن تبرعت
بزيادة سنتين، فهو إليك، وإلا ففي الثماني
کفایة.
وقد اختلف المفسرون في هذا الرجل
من هو؟ على أقوال:
أحدها: أنه شعيب النبي عليه السلام
الذي أرسل إلى أهل مدین.
وقد ذهب إلى ذلك الجمهورمن
المفسرين - وهو المشهور عند كثير من
العلماء- على أن الداعي أباهما هو شعیب
عليه السلام الذي أرسل إلى أهل مدين،
وهما ابنتاه، وليس في ذلك شيء یأباه الدین،
(٢)
كما قال الإمام الرازي
٠
وقال القرطبي: ((وأكثر الناس على
أنهما ابنتا شعيب عليه السلام وهو ظاهر
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٥٦١/١٩،
الكشاف، الزمخشري ٣/ ٤٠٠، مفاتيح
الغيب، الرازي ٥٠/٢٢، تفسير القرآن
العظيم، ابن كثير ٢٠٦/٦، البحر المحيط،
أبو حيان ٢٩٨/٨، روح المعاني، الألوسي
٠٥٠٦/٨
جَوَسُوعَة النفسية
القرآن الكريمِ
٣٠٨